آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 20 ربيع الأول 1443هـ الموافق:26 أكتوبر 2021م 10:10:08 بتوقيت مكة

جديد الموقع

شيعة العراق من المعارضة إلى السلطة ! ..

يمكن اعتبار إياد علاوي من أكثر زملائه إثارة للجدل فهو من النادرين الذين كانوا ضمن النواة الصلبة لحزب البعث العراقي، والتي قادها مباشرة الرئيس المعدوم صدام حسين، ضمن جهاز حزبي مخصص للعمليات السرية كالتصفيات الجسدية والتجسس هو جهاز "حُنين"، ولكنه اختلف مع قيادته وترك العراق إلى الخارج. ومع وصول صدام حسين الى الرئاسة سنة 1979 زاد علاوي من نشاطاته و وّثق تحالفاته وعلاقاته السياسية والمخابراتية بالجهات الغربية فصرح ذات مرة أنه فعل كل شيء من أجل إسقاط الحكم فتعاون مع أكثر من ستة عشر جهاز مخابرات أجنبي لتحقيق هذا الهدف. وسيُشهر لاحقا هذا التصريح بوجهه حتى من قبل حلفائه السياسيين في مناسبات كثيرة.
تذكر مصادر عراقية أن عميد أسرة علاوي، التاجر جعفر علاوي، من مدينة الحلة الجنوبية، تقدم بطلب خاص الى الملك فيصل الأول فى نهاية 1930 لنيل الجنسية العراقية مقابل الولاء الكامل للبلاط وتوجهاته السياسية. وانخرط أغلب أفراد العائلة بعدها فى النشاط السياسى و الاجتماعى ضمن كتلة حزب نوري السعيد "العهد"، المتحالف مع بريطانيا و القائد الفعلى لأصدقائها في العراق.
أما أحمد الجلبي فقد اعتبره بعض المراقبين الأجانب والعراقيين السياسي الأكبر دوراً والأقوى تأثيراً في دفع الولايات المتحدة إلى الغزو مستخدماً علاقاته السرية بالأوساط المخابراتية الأميركية وبعدد من أعضاء الكونغرس من المحافظين الجدد. يشترك الجلبي مع علاوي في كونه ينتمي إلى البيوتات السياسية العراقية الملكية المتحالفة مع بريطانيا. فالمؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي من أصل فلسطيني، حنا بطاطو، يذكر أنّ عائلة الجلبي ( تمثل حالة نموذجية أخرى، إذْ كانت واحدة من العائلات الشيعية القليلة التي حافظت على علاقات ممتازة مع الحكومة العثمانية وكان سلفهم علي الجلبي جابياً للضرائب وغاية في القسوة، وعنده حرس شخصيون من العبيد المسلحين وسجن خاص بتصرفه. أما ابنه عبد الحسين الجلبي فقد كانت له منذ العشرينيات حقيبة في كل وزارة تقريباً لأنه كان "قابلا للاعتماد عليه ولين العريكة" كما جاء على لسان السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني الآنسة جرترود بيل . وأما حفيده عبد الهادي الجلبي فقد حظي في عام 1938 بعطف عبد الإله الذي سيصبح الوصي على العرش لأنه ساعده بالقروض). بالعودة الى أحمد بن عبد الهادي، نعلم أنه لم يكن اسماً معروفاً حتى ما قبل الاحتلال بسنوات قليلة، وكل ما عرف عنه أنه اقتصادي من أصل عراقي أسس بنك البتراء في الأردن وأنّ القضاء الأردني حكم عليه غيابيا بالسجن لاثنين وعشرين عاماً بتهمة اختلاس وفساد مالي أديا إلى انهيار ذلك البنك. وفي منتصف التسعينيات عاد الجلبي إلى شمال العراق"كردستان" وكان الإقليم آنذاك تحت حماية الدول الغربية وإدارة الأحزاب الكردية ليشارك في نشاطات المعارضة ضد نظام الحاكم.
بعد الغزو شارك الجلبي بفاعلية ونشاط في الوضع السياسي الجديد، وكان أول من تجرأ على تأسيس قوة مليشياوية تدربت في هنغاريا تحت إشراف المخابرات المركزية الأميركية و أنزلتها طائرات الاحتلال العسكرية في مدينة الناصرية، وأول من أسس جهة سياسية طائفية، رغم علمانيته المزعومة، هي "البيت السياسي الشيعي"! ومع تراجع نفوذ وتأثير الاحتلال الأميركي على الوضع العراقي، و تصاعد الهيمنة الإيرانية، غيّر الجلبي تحالفاته و تحول إلى حليف لإيران وسرّب لها ما بحوزته من معلومات سياسية وأمنية مهمة مصدرها أجهزة الولايات المتحدة المخابراتية، وهنا حلّت عليه "اللعنة الأميركية" وأصبح من أعدائها الألداء مقابل ذلك حصل على موقع متواضع ضمن القوى العراقية المتحالفة مع إيران.
حين نلقي نظرة على ماضي السياسيين القادمين من الأسر الدينية، ممن صار لهم تأثير كبير بعد احتلال العراق وتشكيل الحكم الجديد سنجد أنّ الأسرتين الأكثر تأثيراً وشهرة هما "آل الحكيم"و "آل الصدر".
قدمت الأولى لعالم السياسة العراقي، بعد الغزو، السيد محمد باقر الذي قتل ومعه أكثر من مائة شخص في تفجير إجرامي دموي في النجف، وشقيقه عبد العزيز الذي توفي سنة 2009 بمرض السرطان، وابن الأخير عمار الذي يقود اليوم حزب "المجلس الأعلى الإسلامي". كانت هذه الأسرة ذات الأصول العربية قد وصلت الى موقع المرجعية الأعلى لشيعة العالم بعد سلسلة طويلة من المراجع الإيرانيين في عهد عميدها السيد محسن الحكيم في الخمسينات. وقد عرف الأخير بعلاقاته الوطيدة بشاه إيران ومعارضته للثورة الجمهورية العراقية في 1958 وإجراءاتها الثورية كالإصلاح زراعي و التأميمات، مثلما عرف بفتواه التكفيرية ضد اليسار العراقي آنذاك. مال أبناؤه، لاحقا، لتأييد النظام الإسلامي الشيعي في إيران بعد أنْ ضيّق عليهم نظام البعث في عهد صدام وأعدم واغتال العشرات من أفراد الأسرة. وخلال وجودهما في إيران شكل الشقيقان محمد وعبد العزيز ميليشيا مسلحة هي "بدر" لتعمل ضد النظام العراقي في المناطق الحدودية الجنوبية بدعم إيراني. بعد الاحتلال تمكنت أسرة الحكيم من حشد جمهور واسع من أبناء الطائفة حول حزبها لكنها لم تتمكن من الانفراد بالزعامة.
الأسرة الثانية، آل الصدر، هي الأكثر شهرة وتأثيراً في تاريخ العراق القديم والحديث من سابقتها، فجدها الأعلى هو مؤسس النقابة الطالبية في العهد العباسي، السيد الشريف الرضي. ومنها جاء أحد رؤساء الوزارة العراقية في العهد الملكي هو السيد محمد حسن الصدر والذي عُيّن في هذا المنصب سنة 1948 لامتصاص الغضب الشعبي بعد إحدى الانتفاضات الدامية ضد الحكم الملكي والهيمنة البريطانية. قبل الغزو، بسنوات عديدة، كان نظام البعث قد أعدم المفكر محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى تحت التعذيب، ثم اغتال عميد الأسرة محمد محمد الصادق الصدر ونجليه مؤمل ومصطفى بالرصاص في شباط 1999 لأنه شكل خطراً جماهيرياً كبيراً ومتصاعداً ضد ذلك النظام. ظل ابنه الثالث، السيد مقتدى، يعيش في العراق حتى هزيمة النظام أمام الغزو، فأطلق حركة شعبية واسعة النطاق في المعاقل التي تمتع فيها والده بشعبية كبيرة، أطلق عليها الإعلام "التيار الصدري". سارت قيادة مقتدى الصدر على خطين: الأول، يؤيد المشاركة في العملية السياسية التي أطلقها الاحتلال فصار له كتلة نيابية وعدد من الوزراء، والخط الثاني هو خط المقاومة السلمية والمسلحة ضد الاحتلال، خاضت انتفاضتين مسلحتين في وسط وجنوب العراق.
يمكن اعتبار إبراهيم الجعفري و نوري المالكي رئيسي الوزراء السابق والحالي، والقائدين في حزب الدعوة الإسلامية امتداداً غير مباشر للعائلة السياسية " آل الصدر"، فهما قادمان من الحزب الذي أسسه الشهيد الصدر الأول، والذي تتبارى جميع الأحزاب الإسلامية الشيعية في الانتساب إليه وتزعم تبني أفكاره. الرجلان كانا ناشطين سريين ضد نظام البعث داخل وخارج العراق، وإذا كان الأول، انشق لاحقاً عن حزب الدعوة، ذا نشاطات متواضعة قبل الغزو وصاحب العلاقة الحميمة مع وزير دفاع دولة الاحتلال رامسفيلد، بعده، فإنّ المالكي عُرف بكونه قائد الجناح العسكري للحزب والمحكوم بالإعدام غيابيا من قبل نظام البعث، و هو أيضا، حفيد أحد زعماء ثورة العشرين ضد البريطانيين "محمد حسن أبو المحاسن"، الشاعر الذي أصبح وزيراً للمعارف في العهد الملكي لفترة قصيرة. يسجل مؤيدو المالكي له أنه أنهى بالقوة التقاتل الطائفي بعد سنة 2006، و أصرّ على تنفيذ انسحاب قوات الاحتلال في الموعد المتفق عليه رغم المعارضة الواسعة التي أبدتها القيادات الكردية وبخاصة رئيس الأركان الاتحادي الكردي بابكر الزيباري الذي طالب علنا ببقاء قوات الاحتلال لعشر سنوات أخرى، ثم زاد عليها علاوي في تصريحه الشهير لديرشبيغل الألمانية عشر سنوات أخرى، ومثلهما فعل طارق الهاشمي وأسامة النجيفي عراب الإقليم السني! أما خصوم المالكي والناقمين عليه فيسجلون ضده خضوعه لمنطق المحاصصة الطائفية عمليا، رغم أنه كثير الهجاء لها لفظيا، وإدارته الحكومة تحت سقفها دون محاولة جادة للخلاص منها، وحمايته المتواصلة للفساد والفاسدين الحكوميين خصوصاً من أعضاء حزبه أو طائفته، ومحاولاته المستمرة الهيمنة على الهيئات المستقلة في الدولة كالقضاء والمصرف المركزي والانتخابات...الخ.
علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 4059 - 2013 / 4 / 11 - 10:54

عدد مرات القراءة:
1529
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :