جديد الموقع

الإمامة والنص ..
الكاتب : فيصل نور ..

فهرس الموضوعات
 
تقريظ بقلم الشيخ/ سعد الحميِّد حفظه الله
تقريظ بقلم الشيخ/ عثمان الخميس حفظه الله
المقدمـة
الباب الأول
متى كان النّص؟
نماذج من روايات الشيعة في النص على أئمتهم الاثني عشر
منزلة الإمامة والأئمة عند الشيعة
الكلام في النص وإمكانية خفائه ومتى كان النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟
روايات من طرق الشيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم تتعارض مع مسألة النص
روايات من طرق الشيعة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه تتعارض مع مسألة النص
روايات من طرق الشيعة عن الحسن رضي الله عنه تنفي وجود النص على افتراضه
مبايعة الحسن لمعاوية وإنكار الكثير من أصحابه عليه ذلك ورجوع جماعة من الشيعة عن القول بالإمامة ودخولهم في مقالة جمهور الناس
روايات من طرق الشيعة تدل على عدم علم الحسين رضي الله عنه بالنص على افتراضه وأخرى على جهله بكون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء
الزهراء رضي الله عنها والنص
الصحابة رضي الله عنهم والنص
الإمام زين العابدين وأصحابه والنص
خلاف أهل البيت مع زين العابدين رحمه الله
ادعاء محمد بن علي بن أبي طالب [ابن الحنفية] رحمه الله للإمامة
أهمية عامل السن في متولي الخلافة
موقف الإمام محمد الباقر رحمه الله وأصحابه من النص
خلاف أهل بيت الباقر معه
افتراق الشيعة بعد وفاة الباقر
موقف الإمام جعفر الصادق رحمه الله وأصحابه من النص
اضطراب الشيعة في علة جعل الإمامة في نسل الحسين دون الحسن رضي الله عنهما
النزاع بين بني الحسن وبني الحسين رضي الله عنهما
خلاف بعض بني هاشم مع الصادق رحمهم الله أجمعين
قصة خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله وذكر منزلته ورواية تفيد معرفة بدء القول بالنص على الأئمة
ذم الباقر والصادق لمدعي الإمامة من أهل البيت
اعتقاد بعض الشيعة بإمامة عبدالله بن جعفر الصادق
الصادق يسأل الله عز وجل أن يجعل الإمامة في ابنه إسماعيل وذكر اختلاف الشيعة فيه
افتراق الشيعة بعد وفاة الصادق
موقف موسى الكاظم رحمه الله وأصحابه وأهل بيته من النص
خلاف أهل البيت مع الكاظم وذكر من ادعى الإمامة من أهل بيته
افتراق الشيعة بعد وفاة الكاظم
وقوف الكثير من الشيعة على الكاظم واعتقادهم بأنه المهدي
أسباب وقوف هؤلاء على الكاظم رحمه الله
رسالة تعزية من الكاظم إلى الخيزران يسمي فيها هارون الرشيد بأمير المؤمنين
روايات شيعية في النهي عن التسمية بأمير المؤمنين لغير علي رضي الله عنه واختلافهم في هذا وفيه الكاظم يبشر المأمون بالخلافة
موقف علي الرضا رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص
ذكر من نازعه من إخوته وأهل بيته
افتراق الشيعة بعد وفاة الرضا
موقف محمد الجواد رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص
افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد
موقف علي الهادي رحمه الله وأصحابه من النص
روايات شيعية تدل على خفاء النص المزعوم على بني العباس وبني هاشم والهادي نفسه
افتراق الشيعة بعد الهادي رحمه الله
موقف الحسن العسكري رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص
افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري
المهدي المنتظر واختلاف الشيعة في: مولده، تاريخ ميلاده، اسم أمه، جواز تسميته
اضطراب الشيعة في تأويل حديث: (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)
النهي عن كتابة اسمه
طريقة نشأته، مدة غيبته الصغرى، علة غيبته، تاريخ خروجه، مكان خروجه، عمره عند خروجه، مدة ملكه بعد خروجه
تكذيبه لمن سيدعي مشاهدته في غيبته الكبرى
الكلام في اللطف
سيرته عند خروجه
يكون بعد المهدي اثنا عشر مهدياً
خلاصة الباب

الباب الثاني
الإمامة والقرآن
بيان عقيدة الشيعة في تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام
بيان أنه لم يرد في القرآن الكريم ذكر للإمامة وموقف الشيعة من هذه الحقيقة
أصحاب الاتجاه الأول وتأويل مُعظَم آيات القرآن الكريم لإثبات نزولها في الأئمة والإمامة
أصحاب الاتجاه الثاني والقول بتحريف القرآن وذكر بعض روايات التحريف عند الشيعة
ذكر نماذج لأقوال بعض علماء الشيعة القائلين بالتحريف
نماذج لأقوال بعض المعاصرين القائلين بالتحريف
نماذج من الآيات التـي ادعوا حذف كلمة بني هاشم وآل محمد منها
نماذج من الآيات التي ادعوا حذف ما يختص بالإمامة منها
الكلام في حقيقة نسبة الشيعة فرية التحريف إلى أهل السنة
الحديث عن اتهاماتهم لأهل السنة والجماعة بالتحريف
أصحاب الاتجاه الأخير واستدلالهم بالسنة في إثبات نزول بعض الآيات في الإمامة
خلاصة الباب

الباب الثالث
الإمامة والسنة
نبذة عن الوضع والوضاعين في الحديث
الدليل الأول: الاستدلال بحديث بدء العشيرة ذكر الروايات ودراسة الأسانيد والرد على هذا الاستدلال
الدليل الثاني: الاستدلال بروايات: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ذكر الروايات ودراسة الأسانيد والرد على هذا الاستدلال
الدليل الثالث: حديث تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخاتم ونزول قولـه عز وجل
الكلام في متون روايات تصدق علي رضي الله عنه بخاتمه وهو راكع
الدليل الرابع: الاستدلال بآية التطهير والرد على هذا الاستدلال وبيان من هم أهل البيت عليهم السلام
عقيدة الشيعة في العصمة
بيان معنى الرجس
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأنبياء عليهم السلام
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة 27
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الأئمة 27
روايات من طرق الشيعة تنافي عصمة الملائكة عليهم السلام
الاستدلال بخبر الطائر وذكر الروايات ودراسة أسانيدها والرد على هذا الاستدلال
الاستدلال بحديث الثقلين
موقف الشيعة من الثقلين
الكلام في أول من درس أسانيد الروايات عند الشيعة
انقسام الشيعة بعدها إلى أصوليين وإخباريين
الاستدلال بحديث غدير خم وغلو الشيعة فيه وبيان أنه لم يصح في يوم الغدير نزول شيء من القرآن الكريم وذكر الروايات ودراسة أسانيدها
الرد على الاستدلال بما صح من الروايات
مدح الأمير للشيخين رضي الله عنهم أجمعين
خلاصة الباب

الباب الرابع
الإمامة والصحابة
الإمامة والصحابة
فضائل أمة محمد صلى الله عليه وسلم
فضائل الصحابة من القرآن والسنة وأقوال أئمة الشيعة
فضائل الصديق وعائشة رضي الله عنهما وروايتهما فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه
روايات عمر في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنهما
أهل البيت رحمهم الله وفضائل الصحابة رضوان الله عليهم
عقيدة الشيعة في الصحابة
رد الشيعة لجميع فضائل الصحابة وصرفها وتأويلها
فضائل الصديق رضي الله عنه في آية الغار وموقف الشيعة منها والرد عليها
تعظيم الشيعة لليهود والنصارى
ذكر من أنكر ولاية علي بن أبي طالب من الأنبياء والملائكة والجمادات والحيوانات والنباتات وسائر المخلوقات

خلاصة الباب
خاتمة الكتاب
أهم مصادر الكتاب
فهرس الموضوعات
 
 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
الإهداء
 
شـر الأزمنـة أن يتبجّـح الجــاهـل، ويسكـت العــاقـل،
ولكنَّ القبة الجوفاء لا ترجع غير الصدى..
فإلى القبــاب غيـر الجوفــاء أهــدي هــذا الكتـــاب...
 


 
تقريظ بقلم الشيخ/ سعد الحميِّد حفظه الله
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن من الأمور التي يبغضها الله لأهل الإسلام: الفرقة والاختلاف؛ كما قال سبحانه: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ)) [آل عمران:105].
ومن المعلوم أن أعظم اختلاف وافتراق وقع في الإسلام ذاك الاختلاف الذي وقع بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم بعد وقعة صفِّين، فإن الناس انقسموا فيه إلى ثلاث فرق:
(1) أهل السنة وهم جمهور الناس.
(2) الشيعة.
(3) الخوارج.
وكل غيور على دين الله ينفر من الاختلاف ويكرهه، ويسعى إلى دَرْئه ما استطاع، ومن ذلك: نصح الفرق المخالفة للسنة، وإقامة الحجة عليهم، وبيان الحق لهم، والرد على شبههم، كل ذلك بالرفق واللين والشفقة، وإظهار النصح؛ كما قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125]، وينبغي أن يكون هذا منهجاً حتى مع أهل الكتاب، كما قال سبحانه: ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)) [العنكبوت:46]، وكلما تسلّح الداعي إلى الله بسلاح العلم، وصاحبه حسن الأداء؛ كان ذلك أنفع بإذن الله.
وهنا ننبه إخواننا الذين يناظرون بعض أفراد الفرق المخالفة للسنة وبضاعتهم في العلم مزجاة أن يكفّوا عن ذلك؛ لأن ما ينشأ عن تلك المناظرات من المفاسد أعظم مما يلحق من النفع على الطرفين: أهل السنة، ومخالفيهم. فالمخالف يظن أنه على الحق، واستطاع أن يدفع حجج السُّنِّي، وأهل السنة ربما فُتن بعضهم ممن لا علم عنده بسبب ما رأى من آثار المناظرة.
كما ننبه إخواننا -أيضاً- على ضرورة إخلاص النية في مناظرة المخالف، فلا يكون هدفنا العصبية المصحوبة بالتعيير، والسب، والخصومة، بل النصح ومحبة الهداية للمدعو، ولنتذكر قصة ذاك النبي الذي أدماه قومه وهو يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وكذا نبينا صلوات الله عليه وسلامه، وقد بلغ به من شدة قومه أن يخرج من مكة من شدة الغمّ، فما يفيق إلا بقرن الثعالب، ويأتيه ملك الجبال فيخاطبه بقوله: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فيقول صلى الله عليه وسلم: لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً.
وهذا الجهد الذي يقدمه الأخ الفاضل: فيصل نور (الإمامة والنص) واحد من الجهود المبذولة لنصح أشد الطوائف مخالفة لأهل السنة (الشيعة) ويمكن أن يستفيد منه طالب العلم من أهل السنة ممن لـه دعوة في صفوف الشيعة؛ لأنه سلاح قائم على الحجة والبرهان؛ في مناقشتهم في قضية الإمامة التي هي من أهم ركائز الخلاف بين الشيعة والسنة.
فمتى كان النص على إمامة علي رضي الله عنه؟
وهل نص الله في القرآن على إمامته رضي الله عنه إذا كانت بهذه الأهمية التي تفوق أهمية الصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام المذكورة في القرآن؟
وهل دلَّت رواية صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الإمامة؟
وهل كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون هذه الإمامة؟
سيجد القارئ لهذا الكتاب عرضاً علميِّاً لهذه القضايا، وموثَّقَا من كتب الشيعة أنفسهم، بما يعود بالنفع على قارئه بإذن الله.
فنسأل الله تعالى أن يجزي أخانا: فيصل نور خير الجزاء على هذا العمل، وأن يعينه على المضيّ في هذا الطريق لإفادتنا بأعمال أخرى في هذه القضايا التي تحتاجها الأمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وكتبه:
سعد بن عبد الله الحميّد
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
9/1/1424هـ

 
تقريظ بقلم الشيخ/ عثمان الخميس حفظه الله
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وخليله المجتبى محمد بن عبدالله القائل: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
فهذه الطائفة ظاهرة منصورة، بالسيف والسنان، وبالحجة والبيان، وما زال المسلمون من أهل السنة والجماعة يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في ميادين الوغى، ويجاهدون كذلك أعداء الدين من الكفار والمنحرفين، يجاهدونهم بالحجة والبيان؛ إظهاراً للحق، وقمعاً للباطل، وبياناً لزيف قولهم، وخطل رأيهم.
ولقد سرَّني ما طالعته في كتاب: (الإمامة والنص) للأخ الفاضل: فيصل نور، فوجدته كتاباً قيماً نافعاً، حرص فيه مؤلفه على حسن العرض، وسهولة العبارة، ولين الكلام، وقوة الحجة؛ وذلك من خلال إبطاله لمسألة طال حولها الجدل، وهي (مسألة الإمامة) فذكر الأدلة من كتب الشيعة الاثني عشرية، وردَّ عليها كذلك من كتبهم؛ سواء من الكتاب أو السنة، أو أقوال الأئمة الاثني عشر، ثم أتبع ذلك بالكلام عن مكانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الاثني عشر.
فجاء كتاباً حافلاً لا يستغني عنه طلبة العلم؛ بل ولا العلماء.
وأخيراً: أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهود أخينا الفاضل فيصل نور، وأن يضاعف له الأجر، كما أتمنى أن يستمر الأخ فيصل في التأليف والكتابة، عسى الله أن ينفع به، وأن يوفقه إلى ما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 
وكتبه:
عثمان بن محمد الخميس

 
المقدمـة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فلعل أول خلاف ظهر بين المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو اختلافهم في موته، فقد زعم بعضهم أنه لم يمت بل رُفع إلى السماء كما رُفع المسيح عليه السلام، حتى أزال الصديق رضي الله عنه ذلك بقولـه: (من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، وتلا عليهم قول الله عز وجل: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) [آل عمران:144] وقولـه تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30].
ثم اختلفوا في موضع دفنه صلى الله عليه وسلم، حيث أراد المهاجرون رضي الله عنهم رده إلى مكة حيث ولد، وأراد الأنصار رضي الله عنهم دفنه في المدينة حيث دار هجرته وأنصاره، واختلفوا في جعل ذلك في البقيع أو صحن الدار، ورأى آخرون نقله إلى بيت المقدس حيث موضع دفن الأنبياء ومعراجه إلى السماء.
ثم زال ذلك بما روي عن الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما قبض الله نبياً إلا دفن في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)، أو ما رواه القوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إن الله لم يقبض نبيه إلا في أطهر بقاع الأرض)، فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها.
وفي رواية: (إن الله لم يقبض نبياً في مكان إلا ارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها) فرضي المسلمون بذلك([1]).
ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ووقعوا في شبهة جواز استخلاف خليفة منهم، وتوسط بعضهم وقال: منا أمير ومنكم أمير، ورشحوا رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، ثم عادوا عن دعواهم لما أدركهم الصديق رضي الله عنه وأخبرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، فبايع من كان في السقيفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم كانت البيعة العامة في المسجد، وتأخر عن بيعته جماعة فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم بايعوا جميعاً، وفي ذلك كان يقول علي رضي الله عنه: (إن الله سبحانه بعث محمداً فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدَّى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعَدَلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما).
وفي موطن آخر قال: (ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرَين منهم صالِحَين أحييا السيرة ولم يعْدُوَا السنة، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر فكان مرضيّ السيرة ميمون النقيبة).
وكان رضي الله عنه يؤكد شرعية بيعتهم بهذا الاستخلاف القائم على الشورى والبيعة، ويرى أن ذلك كان لله رضاً، وبها كان يستمد شرعية خلافته ويؤكدها عندما اضطربت عليه الأمور، لا باعتبار نصوص مزعومة ادعاها له بعض من انتسب إليه، ففي أحد كتبه إلى معاوية -مثلاً- قال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد؛ فإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصليه جهنم وساءت مصيراً)([2]).
وهكذا كان الأمر، وبقي الناس على ذلك حتى من رواد الشيعة الأوائل، فرغم تفضيلهم له على الشيخين رضي الله عنهما؛ إلا أنهم لم ينكروا فضلهما، ولم ينتقصوا من شأنهما([3]).
إلى أن وقعت الفتنة التي أعقبت مقتل ذي النورين رضي الله عنه؛ فبدأ الانحراف في عقيدة التشيع لعلي رضي الله عنه يتبلور ويأخذ مناحيَ عدة، فمن القول بأحقيته بالإمارة دون معاوية، ثم إلى القول بتقديمه على عثمان رضي الله عنه وتفضيله عليه، ثم القول بتقديمه على من سبقه من الخلفاء، إلى القول بالنص عليه من الله ورسوله، وأن من سبقه إنما كان مغتصباً للخلافة، ثم أفضى بهم هذا القول إلى الاعتقاد بردة الصحابة رضوان الله عليهم وكفر من تولاهم، والقول بتحريف القرآن وصرفه وتأويله، ورد كل ما خالف هذا المعتقد من آيات وأحاديث وآثار.
وهذا -كما ترى وتلاحظ- يدل على أن الأمر تطور كثيراً عما كان عليه في البداية، وخرج عن الاعتدال إلى الغلو والانحراف على مراحل تستدعي كثيراً من التأمل لمعرفة دوافع ذلك ومن كان وراءه.
وساعد القوم في ترسيخ معتقد النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمورٌ، منها: كثرةُ الرواياتِ في مناقبه وفضائِله، وهي التي أظهرها الصحابة رضي الله عنهم في زمن الفتنة التي عاشها علي رضي الله عنه، والتي كثر فيها أعداؤه والخارجون عليه والطاعنون فيه، فأظهر الصحابة رضي الله عنهم ما كان عندهم من أحاديث تبين فضله وترد كيد أعدائه، ولم يكن الأمر كذلك في حق من سبقه من الخلفاء رضي الله عنهم؛ لعدم وقوع ما يستلزم بيان فضلهم وإخراج مناقبهم.
إلا أن فساد الاستدلال بهذه المرويات لإثبات إمامته دفع القوم إلى وضع مئات الروايات في تأييد ما ذهبوا إليه من عقائد، فكان أن تسرب الكثير من هذه الروايات وانتشر في مصادر المسلمين لأسباب سنأتي على ذكرها في الكتاب، واستأثروا هم بألوف أخرى أصبحت مع مرور الزمن من ضروريات مذهب التشيع، وهذه الروايات حوتها بطون مصادرهم التي تداولوها بمنأى عن سائر المسلمين، وفيها من بذور هدم عقائدهم الكثير.
فكانت هذه الحقيقة -أي: تعذر الوقوف على مصادر القوم الأصلية- سبباً في تيسير أرضية خصبة للقوم، وذلك بإلزام خصومهم ومخالفيهم بما ألزموا أنفسهم به بزعمهم، وذلك بإيراد ما ظنوا أنها حجج وبراهين من بطون كتب مخالفيهم، دون بيان أسباب وجود أمثال هذه المرويات في مصنفاتهم أو حقيقتها، مما لُبِّس الأمر على أتباعهم فضلاً عن سائر من لم يتسن لهم معرفة هذه الحقائق من المسلمين.
ولم يكن بوسع علماء أهل السنة والجماعة أن يردوا عليهم إلا بما حوته كتبهم -أي: كتب أهل السنة- من دلائل تخالف معتقدات القوم، فتجد مثلاً مصنفاتهم كـ(منهاج السنة) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من أعظم الردود عليهم، فإنه يكاد يخلو من إيراد ما يلزم القوم من مصنفاتهم، لا أقل من رواية واحدة من عمدة القوم في إثبات عقائدهم، ألا وهو كتاب (الكافي) للكليني، مما يبين لك ما كان عليه الأمر من خفاء تلك الكتب، فكان أن أبى القوم هذه الردود عبر التاريخ متذرعين بقواعد علمية، مثل قولهم: إن المذاهب لا تُؤخذ إلا من كتبها، ويجب إلزام الخصوم بما ألزموا أنفسهم به، وغيرها.
ونحن نزلنا عند رغبة القوم، ووضعنا كتابنا الموجز هذا عن مسألة (الإمامة والنص) من كتبهم وطرقهم، وكما هو واضح من عنوانه، فلن نتعرض فيه إلى الجوانب العقلية، ولن نضطر إلى إيراد أي رواية -ولو واحدة- من طرق مخالفيهم في المذهب ولله الحمد.
وسنلتزم بالإيجاز الشديد في جميع أبوابه الأربعة، والتي جعلنا الأول منها في ذكر عقيدة القوم في الإمامة وبيان منزلتها، ثم ذكر النصوص الدالة على هذا المعتقد، وبيان الاضطراب الشديد فيها من جهة كونها دالة على انتفاء النص لا إثباته، دون الالتزام بصحتها أو ضعفها، أو قبول دلالتها أو عدم قبولها، حسب المعايير المعتبرة في التوثيق عند الفريقين.
ثم نتطرق في الباب الذي يليه إلى ذكر عقيدة الإمامة من القرآن، وبيان أنه لم يرد فيه ذكر لهذا المعتقد، وموقف القوم من هذه الحقيقة.
ثم نتكلم في الباب الثالث -وهو أهم أبواب الكتاب- عن الروايات التي يستدل بها الشيعة على إثبات النص على إمامة علي رضي الله عنه، وسنورد فيه جميع الروايات التي وقفنا عليها من طرق القوم، وندرس أسانيدها، ونرى هل يثبت منها شيء؟
وكل ذلك بمقاييسهم في علم الحديث والجرح والتعديل من كتبهم الرجالية، ثم نتكلم في هذه الاستدلالات.
ونختم الأبواب بذكر الصحابة رضوان الله عليهم، وبيان فضائلهم ومنزلتهم من القرآن والسنة وأقوال أئمة الشيعة، وموقف القوم من هذه الدلائل، وبيان استحالة التوفيق بين هذا وبين القول بمخالفتهم للنصوص المزعومة في إمامة علي رضي الله عنه وتصرفهم في الأرض دونه.
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فيصل نور
1416هـ


 

الباب الأول
متى كان النّص؟


 يعتقد الشيعة أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنها مثلها لطفٌ من الله عز وجل، ولا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه، بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي من بعده.
وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك، منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله، ما هو إلا عهد من رسول الله، رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها.
وفي أخرى نسبوها إلى ابنه جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: إن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود لرجلٍ مُسمى ليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده([4]).
ويعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وهم اثنا عشر إماماً لا ينقصون ولا يزيدون، وهم:
1- علي بن أبي طالب [المرتضى - أمير المؤمنين] 23 قبل الهجرة - 40 هـ.
2- الحسن بن علي [الزكي - المجتبى] 2-50 هـ.
3- الحسين بن علي [سيد الشهداء] 3-61 هـ.
4- علي بن الحسين [زين العابدين - السجاد] 38-95 هـ.
5- محمد بن علي [الباقر - أبو جعفر] 57-114 هـ.
6- جعفر بن محمد [الصادق - أبو عبدالله] 83-148 هـ.
7- موسى بن جعفر [الكاظم - أبو الحسن - أبو الحسن الأول - أبو الحسن الماضي - أبو إبراهيم] 128-183 هـ.
8- علي بن موسى [الرضا - أبو الحسن الثاني] 148-203 هـ.
9- محمد بن علي [الجواد - أبو جعفر الثاني] 195-220 هـ.
10- علي بن محمد [الهادي - العسكري] 212-254 هـ.
11- الحسن بن علي [العسكري - أبو محمد] 232-260 هـ.
12- محمد بن الحسن [المهدي - الحجة - القائم - الغائب - المنتظر]256-؟
 
نماذج من روايات الشيعة في النص على أئمتهم الاثني عشر:
لقد وضعوا في ذلك مئاتِ بل ألوفَ الروايات، ونسبوها إلى الله عز وجل، وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى صحابته رضوان الله عليهم، وإلى أئمتهم.
ومنها: روايتهم عن الباقر أنه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب؟
فقال جابر: أشهد أني دخلت على أمك فاطمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهنأتها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنه من زمردة، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا اللوح أهداه إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه اسم أبي، واسم بعلي، واسم ابني، واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة، فقرأته واستنسخته، فقال: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليَّ؟
قال: نعم، فأخرج الباقر صحيفة من رق، فقال له: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه الباقر، فما خالف حرف حرفاً، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين، من عند رب العالمين.. إلى أن قال: إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصياً، وإني فضلتك على الأنبياء، وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسناً معدن علمي بعد استكمال مدة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة([5])، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، وجعلت كلمتي التامة معه، وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جده المحمود، محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد على الحق، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر، ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعده لموسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى، وإن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد منهم واحداً فقد جحدني نعمتي، ومن غيَّر آية فقد افترى عليَّ، ويلٌ للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي، وحبيبي وخيرتي في علي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح، إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سري، وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم للسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه محمد رحمة للعالمين([6]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربي جل جلاله، فقال: يا محمد، إني اطلعت على الأرض اطلاعةً فاخترتك منها، فجعلتك نبياً، واشتققت لك اسماً من أسمائي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت ثانية فاخترت منها علياً، فجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا العلي الأعلى وهو علي، وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثم عرضتُ وِلايتَكم على الملائكة، فمن قبلها كان عندي من المقربين.
يا محمد، لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي، ثم أتاني جاحداً لولايتهم ما أسكنته جنتي، ولا أظللته تحت عرشي.
يا محمد، أتحب أن تراهم؟ قال: نعم يا رب، فقال عز وجل: ارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا أنوار علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن الحسين، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، فقلت: يا رب، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين([7]).
وفي رواية قال: ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله إليَّ أن سَلْ من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ قلت: على ما بعثتم؟
قالوا: على نبوتك، وولاية علي بن أبي طالب، والأئمة منكما، ثم أوحى إليَّ أن التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي في ضحضاح من نور يصلون([8]).
وعن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59] فقلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله، فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟
قال: هم خلفائي يا جابر، أئمة المسلمين بعدي، أولهم: علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيتي حجة الله على أرضه، وبقيته في عباده، ابن الحسن بن علي([9]).
وعن الرضا قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: من سرَّه أن يلقى الله عز وجل وهو مقبل عليه ليس بمعرض عنه فليتولَّ علياً، ومن سرَّه أن يلقى الله وهو راضٍ عنه فليتولَّ ابنك الحسن، ومن أحب أن يلقى الله لا خوف عليه فليتولَّ ابنك الحسين، ومن سرَّه أن يلقى الله وهو ممحو عنه ذنبه فليتولَّ علي بن الحسين السجاد، ومن سرَّه أن يلقى الله قرير العين فليتولَّ محمد بن علي الباقر، ومن أحب أن يلقى الله وكتابه بيمينه فليتولَّ جعفر بن محمد الصادق، ومن أحب أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتولَّ موسى الكاظم، ومن أحب أن يلقى الله وهو ضاحك مستبشر فليتولَّ علي الرضا، ومن أحب أن يلقى الله وقد رفعت درجاته وبدلت سيئاته حسنات فليتولَّ محمداً الجواد، ومن أحبَّ أن يلقى الله وهو من الفائزين فليتولَّ علياً الهادي، ومن أحبَّ أن يلقى الله وهو من الآمنين فليتولَّ الحسن العسكري، ومن أحب أن يلقى الله وقد كمل إيمانه وحسن إسلامه فليتولَّ الحجة صاحب الزمان المنتظر([10]).
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسك بالفرقدين، فإذا فقدتم الفرقدين فتمسكوا بالنجوم الزاهرة بعدي، فسألته عن ذلك، فقال: أنا الشمس وعليٌّ القمر، فإذا فقدتموني فتمسكوا به بعدي، وأما الفرقدان فالحسن والحسين، إذا فقدتم القمر فتمسكوا بهما، وأما النجوم الزاهرة فهم الأئمة التسعة بعدي، أئمة أبرار، عدد أسباط يعقوب وحواريي عيسى، قلت: فسمهم لي يا رسول الله؟ قال: أولهم وسيدهم علي بن أبي طالب وسبطاه، وبعدهما زين العابدين، وبعده محمد بن علي باقر علم النبيين، والصادق جعفر بن محمد، وابنه الكاظم سميّ موسى بن عمران، والذي يقتل بأرض الغربة على اسم ابنه محمد، والصادقان: علي والحسن، والحجة القائم المنتظر([11]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار... إلى أن قال: ووضع يده على كتف الحسين، وقال: يخرج من صلبه رجل مبارك سميُّ جده علي، ويخرج من صلب علي ولد سميي وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقراً، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق، يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله، الراد عليه كالراد عليَّ، ويخرج الله من صلب جعفر مولوداً نقياً طاهراً سميَّ موسى بن عمران، ويخرج من صلب موسى علي ابنه يدعى بالرضا، موضع العلم، ومعدن الحلم، ويخرج من صلب علي ابنه محمد المحمود، أطهر الناس خلقاً وأحسنهم خلقاً، ويخرج من صلب محمد علي ابنه، طاهر الجنبة، صادق اللهجة، ويخرج من صلبه الحسن الميمون، التقي الطاهر، الناطق عن الله، أبو حجة الله، ويخرج من صلب الحسن قائمنا أهل البيت([12]).
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جبرئيل أخبره أن الأمة تقتل الحسين وينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت، فقال: ومن قائمنا أهل البيت؟ فقال: هو التاسع من ولد الحسين، كذا أخبرني ربي أنه سيخلق من صلب الحسين ولداً وسماه عنده علياً، ثم يخرج من صلب علي ابنه، وسماه عنده محمداً، ثم يخرج من صلب محمد ابنه وسماه عنده جعفراً، ثم يخرج من صلبه ابنه وسمَّاه عنده موسى، ويخرج من صلبه ابنه وسمَّاه عنده علياً، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده محمداً، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده علياً، ثم يخرج من صلبه ابنه وسماه عنده الحسن، ويخرج من صلبه كلمة الحق، ولسان الصدق، ومظهر الحق، وحجة الله على بريته([13]).
وعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أخبرني جبرئيل عليه السلام، قال: لما أثبت الله اسم محمد في ساق العرش قلت: يا رب، هذا الاسم المكتوب في ساق العرش أراه أعزَّ خلقك عليك، فأراه الله عز وجل اثني عشر إماماً أشباحاً أبداناً بلا أرواح بين السماء والأرض، فقال: يا رب، بحقهم عليك إلا أخبرتني من هم؟ قال: هذا نور علي بن أبي طالب، وهذا نور الحسن والحسين، وهذا نور علي بن الحسين، وهذا نور محمد بن علي، وهذا نور جعفر بن محمد، وهذا نور موسى بن جعفر، وهذا نور علي بن موسى، وهذا نور محمد بن علي، وهذا نور علي بن محمد، وهذا نور الحسن بن علي، وهذا نور الحجة القائم المنتظر([14]).
وعن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش، فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به، ورأيت اثني عشر نوراً، فقلت: يا رب، أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمد، هذه أنوار الأئمة من ذريتك، قلت: يا رسول الله، ألا تسميهم لي؟ قال: نعم. أنت الإمام، والخليفة بعدي، تقضي ديني، وتنجز عداتي، وبعدك ابناك: الحسن والحسين، وبعد الحسين ابنه علي زين العابدين، وبعد علي ابنه محمد يُدعى بالباقر، وبعد محمد جعفر ابنه يُدعى بالصادق، وبعد جعفر ابنه موسى يُدعى بالكاظم، وبعد موسى ابنه علي يُدعى بالرضا، وبعد علي ابنه محمد يُدعى بالزكي، وبعد محمد ابنه علي يدعى بالنقي، وبعد علي ابنه الحسن يدعى بالأمين، والقائم من ولد الحسين سميّي، وأشبه الناس بي([15]).
وفي رواية: لما عرج بي إلى السماء رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته به، ورأيت اثني عشر اسماً مكتوباً بالنور، فيهم: علي بن أبي طالب وسبطاي، وبعدهما تسعة أسامي: علياً علياً علياً ثلاث مرات، ومحمد محمد مرتين، وجعفر، وموسى، والحسن، والحجة يتلألأ من بينهم، فقلت: يا رب، أسامي من هؤلاء؟ فناداني ربي جل جلاله: يا محمد، هم الأوصياء من ذريتك، بهم أثيب وبهم أعاقب([16]).
وعن الباقر قال: إن الله لما خلق إبراهيم كشف لـه عن بصره، فرأى نوراً إلى جنب العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور علي بن أبي طالب، ورأى إلى جنبه ثلاثة أنوار، فقال: إلهي، وما هذه الأنوار؟ فقال: هذا نور فاطمة وولديها الحسن والحسين، فقال: إلهي، وأرى تسعة أنوار قد حفوا بهم، قيل: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمة من ولد علي وفاطمة، فقال إبراهيم: إلهي، بحق هؤلاء الخمسة من هؤلاء التسعة؟ فقيل: يا إبراهيم، أولهم: علي بن الحسين، وابنه محمد، وابنه جعفر، وابنه موسى، وابنه علي، وابنه محمد، وابنه علي، وابنه الحسن، والحجة القائم ابنه([17]).
وعن أمير المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قصوراً -وذكر وصفها- إلى أن قال: فقال لي جبرئيل: هذه القصور خلقها الله لشيعة أخيك علي، وخليفتك من بعدك على أمتك، وهم السواد الأعظم، ولشيعة ابنه الحسن من بعده، ولشيعة الحسين من بعده، ولشيعة علي بن الحسين من بعده، ولشيعة ابنه محمد بن علي من بعده، ولشيعة ابنه جعفر بن محمد من بعده، ولشيعة ابنه موسى بن جعفر من بعده، ولشيعة ابنه علي بن موسى من بعده، ولشيعة ابنه محمد بن علي من بعده، ولشيعة ابنه علي بن محمد من بعده، ولشيعة ابنه الحسن بن علي من بعده، ولشيعة ابنه محمد المهدي من بعده، هؤلاء يا محمد الأئمة من بعدك، أعلام الهدى، ومصابيح الدجى([18]).
وعنه -أيضاً- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قول الله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) [النور:35]: يا علي [النور] اسمي، [والمشكاة] أنت يا علي، [مصباح، مصباح] الحسن والحسين، [الزجاجة] علي بن الحسين، [كأنها كوكب دري] محمد بن علي، [يوقد من شجرة] جعفر بن محمد، [مباركة] موسى بن جعفر، [زيتونة] علي بن موسى، [لا شرقية] محمد بن علي، [ولا غربية] علي بن محمد، [يكاد زيتها] الحسن بن علي، [يضيء] قائم المهدي([19]).
فليت شعري إذا كان هذا هو معنى الآية فبأي لغة يفهم القرآن إذاً! ولك أخي القارئ أن تحكم بنفسك على أمثال هذه الروايات.
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة التي كانت فيها وفاته: يا علي، أحضر صحيفة ودواة، فأملى رسول الله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إماماً، فأنت يا علي أول الاثني عشر، سمَّاك الله في سمائه: علياً، والمرتضى، وأمير المؤمنين، والصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون المهدي، فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي حيهم وميتهم، وعلى نسائي، فمن ثبّتّها لقيَتْني غداً، ومن طلقتها فأنا بريء منها، لم ترني ولم أرها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن البر الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الزكي الشهيد المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الباقر العلم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد، فذلك اثنا عشر إماماً([20]).
وأمثال هذه الروايات كثيرة لا يتسع لذكر جميعها هذا الكتاب، وفيما أوردناه كفاية لذوي الألباب، ومن أراد الاستزادة فعليه بطلبها من مظانها([21]).
 
منزلة الإمامة والأئمة عند الشيعة:
يرى الشيعة أن الإيمان بولاية الأئمة أصل من أصول الدين، ولا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، شأنها في ذلك شأن باقي الأركان، ووضعوا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة أنهم قالوا: بني الإسلام على خمس: الولاية، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، والحج.
وفي رواية: بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، وولاية علي بن أبي طالب([22]).
بل إنهم جعلوها أعظم هذه الأركان، فزعموا أن الله عز وجل قد أوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإمامة أكثر من أي شيء آخر.
فعن الصادق قال: عرج بالنبي إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها النبي بالولاية لعلي والأئمة أكثر مما أوصاه بالفرائض([23]).
وعن زرارة، عن أبي جعفر قال: بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة والصوم، والحج، والولاية، قال زرارة: وأي شيء من ذلك أعظم؟ فقال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن([24]).
لذا فليس من المستغرب أن يضع القوم روايات ترخص في جميع الأركان ماعداها، كقولـهم عن الباقر: بني الإسلام على خمس: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة ولم يجعل في الولاية رخصة([25]).
وزعموا أن الله عز وجل قد أخذ المواثيق من الأنبياء عند بعثتهم بالولاية، ووضعوا في ذلك روايات، كقولـهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: يا علي، ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعاً أو كارهاً.
وفي رواية: لم يبعث الله نبياً ولا رسولاً إلا وأخذ عليه الميثاق لمحمد بالنبوة ولعلي بالإمامة.
وفي رواية: عن الصادق: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث الله نبياً قط إلا بها.
وعن الرضا: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولم يبعث الله نبياً إلا بنبوة محمد ووصية علي صلوات الله عليهما([26]).
وعليها جعلوا مدار قبول الأعمال من العباد، فنسبوا إلى الصادق قولـه: إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله منه شيئاً من أعماله([27]).
وعنه أيضاً قال: نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام، ويقول: خلقت السموات السبع وما فيهن، والأرضين السبع ومن عليهن، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبداً دعاني هناك منذ خلقت السموات والأرضين ثم لقيني جاحداً لولاية علي لأكببته في سقر.
وفي رواية: لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجيء بولاية علي بن أبي طالب لأكبه الله عز وجل في النار.
وفي رواية: عن زين العابدين: إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلاً عُمِّر ما عُمِّر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يصوم النهار ويقوم في ذلك الموضع ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئاً.
وعن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لو أن عبداً عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، ولو أن عبداً عبد الله ألف سنة وجاء بعمل اثنين وسبعين نبياً ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم.
وفي رواية: والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا.
وفي أخرى: أما والله لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية وليي ما كان لـه على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان([28]).
ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام([29]).
وإلى الصادق قولـه: الجاحد لولاية علي كعابد وثن([30]).
لذا حكى المفيد إجماع الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار([31]).
والروايات في الباب تطول، حتى عقد بعضهم أبواباً خاصة في بيان هذه المسألة، كباب: أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية([32])، وباب: كفر المخالفين والنُّصّاب([33]).
ولم يشأ القوم أن يتركوا من أمور السموات والأرض شيئاً حتى جعلوا له نصيباً من هذه العقيدة، ولعلَّ في نقل مواضع الحاجة من الروايات الآتية -وهي غيض من فيض- بياناً يغني عن التعليق.
يروي القوم أنّ (لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين) مكتوبة على مجرى الماء، وأطباق الأرض، ورؤوس الجبال([34]).
ومكتوب على أطواد الأرضين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([35]).
وعلى الشمس والقمر: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([36]).
وفي رواية: مكتوب على أحد وجهي الشمس: علي نور الأرضين([37]).
وعلى أحد الغيوم التي كانت تظله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي سيد الوصيين([38]).
وفي أترجة هبط بها جبرئيل من الجنة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([39]).
وعلى رأس غزال وجده عبد المطلب لما حفر زمزم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي ولي الله([40]).
وفي ليلة الإسراء والمعراج زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد مكتوباً على صخرة بيت المقدس: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بوزيره ونصرته بوزيره، فقال لجبرئيل: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب([41]).
وعندما نعرج إلى السماء؛ نجد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين مكتوب على أكناف السموات([42]).
وفي رواية: مكتوب على باب كل سماء: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([43]).
وعلى كل أسطوانة في السماء مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين أيدته به([44]).
وقبل الدخول إلى الجنة نجد مكتوباً على بابها بزعم القوم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أخو رسول الله([45]).
وفي رواية: لا إله إلا الله محمد حبيب الله، علي ولي الله، فاطمة أمة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مبغضيهم لعنة الله([46]).
وفي أخرى: مكتوب على أبواب الجنة الثمانية: علي ولي الله([47]).
وفي أخرى: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([48]).
وأما داخلَها فما التفتنا يميناً أو شمالاً إلا وجدنا اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه دوننا، فعلى أوراق الجنة مكتوب: علي بن أبي طالب ولي الله([49]).
وعلى جناح جبرئيل عليه السلام مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين([50]).
وفي رواية: لا إله إلا الله علي الوصي([51]).
وعلى جبهة إسرافيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([52]).
وبين منكبي أحد الملائكة: علي الصديق الأكبر([53]). وآخر: علي وصيه([54]).
وفي سدرة المنتهى: إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره.
ويروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لجبرئيل: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب([55]).
وعندما نقترب من العرش نجد مكتوباً على كل حجاب من حجب النور: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([56]).
وعلى حواشي هذه الحجب مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([57]).
وأورد القوم رواية فيها عدد هذه الحجب، وهي: (70.000) حجاب([58]).
وفي أخرى: (90.000) حجاب([59])، وأما اللوح فمكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([60]).
وعلى حدوده مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي وصيه([61]).
أما العرش نفسه فلم يُترك جانب من جوانبه إلا وكتب عليه اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فعلى قوائمه مكتوب: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد حبيبي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره([62]).
وفي رواية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين([63]).
وفي ثالثة: علي وصي محمد([64]).
وفي أخرى: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([65]).
وأخرى: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي، ونصرته بعلي([66]).
وفي رواية أخرى: مكتوب على إحدى قوائم العرش -وفي رواية: على الساق الأيمن-: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، خُلِقت عَدنٌ بيدي، محمد صفوتي من خلقي، أيدته بعلي، ونصرته بعلي([67]).
وذكر القوم أن عدد أركان العرش هو (360,000) ([68]).
ومكتوب حول العرش: علي أمير المؤمنين([69])، وعليه: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي([70]).
وفي رواية: محمد خير النبيين، وعلي سيد الوصيين([71]).
وعلى بطنان العرش: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد عبدي ورسولي، أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره([72])... وهكذا، وهي كثيرة لا يسع المقام لحصرها([73]).
ولم يكتف آخرون بهذا، بل جعلوا له بُعداً آخر تجاوز الموجودات؛ حيث جعلوا خلق الأئمة قبل آدم عليه السلام، فزعم بعضهم أن ذلك -أي: خلقهم- كان قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام، فعن داود بن كثير، عن أبي عبدالله، أنه نادى سماعة بن مهران وسأله أن يأتيه بسلّة الرطب، فأتاه بسلة فيها رطب، فتناول رطبة فأكلها واستخرج النواة من فمه فغرسها في الأرض، ففلقت وأنبتت وأطلعت وأعذقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق، فشقها واستخرج منها رقاً أبيض، ففضه ودفعه إليّ، وقال: اقرأه؟ فقرأته وإذا فيه سطران:
السطر الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والسطر الثاني: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي، الخلف الحجة، ثم قال: يا داود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟ فقلت: الله أعلم ورسوله وأنتم، قال: قبل أن يخلق آدم بألفي عام([74]).
وعن أبي جعفر: إن الله خلق أربعة عشر نوراً من نور عظمته قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وتسعة من أولاده([75]).
وعن الصادق قال: كنا أشباحَ نورٍ حول العرش نسبح قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام([76]).
وعن الكاظم قال: بينا رسول الله جالس؛ إذ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجهاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حبيبي جبرئيل، لم أرك في مثل هذه الصورة؟ فقال الملك: لست جبرئيل، أنا محمود بعثني الله عز وجل أن أزوج النور من النور، فقال: مَن مِمن؟ قال: فاطمة من علي، قال: فلما ولَّى الملك إذ بين كتفيه: محمد رسول الله، علي وصيه، فقال له رسول الله: منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أن يخلق الله عز وجل آدم باثنين وعشرين ألف عام.
وفي رواية: بأربعة وعشرين ألف عام([77]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليلة أسري بي إلى السماء ما مررت ببابٍ من أبواب الجنة إلا ورأيت مكتوباً عليه: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين من قبل أن أخلق آدم بسبعين ألف عام([78]).
ولم يقنع فريق آخر من القوم بكل هذا، وعزَّ عليه أن يجد أي مخلوق آخر قد سبق خلقه خلق الأئمة، فقالوا: إن الله خلق نور محمد قبل خلق المخلوقات كلها بأربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة، وخلق منه الأئمة.
وهنا -أيضاً- استمرت الأرقام في ازدياد وتفاوت، حتى استقرت على مليوني عام قبل الخلق، حيث روى القوم عن الصادق أنه قال: إن الله خلقنا قبل الخلق بألفي ألف عام، فسبحنا فسبحت الملائكة لتسبيحنا([79]).
كيف؟ وهل كانت الملائكة موجودة أم هي ليست من الخلق؟!
وفي حقيقة الأمر أن الروايات في هذه المسألة والتي سبقتها قد ملأت كتب القوم بحيث يستحيل حصرها في كتابنا الموجز هذا، إلا أن وقوفنا على هذا العدد مليوني عام لا يعني بالضرورة أن هذا آخر عدد ورد في المسألة، ولكنه آخر ما وقفنا عليه من المراجع المتواضعة التي بين أيدينا، فضلاً عن كوننا لم نأتِ عليها جميعاً.
ثم رمانا القوم بثالثة الأثافي بجعلهم الأئمة علة خلق آدم عليه السلام، فقالوا: إن الله عز وجل قال لآدم: فوعزتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في آخر الزمان ما خلقتك، فقال آدم: يا رب، بقدرهم عندك ما اسمهم؟ فقال تعالى: يا آدم، انظر نحو العرش، فإذا بسطرين من نور:
أول السطر: لا إله إلا الله محمد نبي الرحمة، وعلي مفتاح الجنة.
والسطر الثاني: آليت على نفسي أن أرحم من والاهما، وأعذب من عاداهما([80]).
وهنا أيضاً تجاوز خلق آدم إلى سائر الموجودات، فذكروا في رواية أن الله عز وجل قال لآدم عليه السلام: لولاهما ما خلقت خلقي.
وفي أخرى: لولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض.
وفي أخرى: لولاهم لما خلق الله الأفلاك.
وفي رواية أخرى: قال لآدم وحواء: لولاهم ما خلقتكما.
وفي أخرى: لولاهم ما خلقتك، ولا خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة، ولا الجن ولا الإنس([81]).
ونسبوا إلى زين العابدين قولـه: لولا نحن لم يخلق الله أرضاً ولا سماءً، ولا جنةً ولا ناراً، ولا شمساً ولا قمراً، ولا براً ولا بحراً، ولا سهلاً ولا جبلاً، ولا رطباً ولا يابساً، ولا حلواً ولا مراً، ولا ماءً ولا نباتاً ولا شجراً، اخترعنا الله من نور ذاته لا يقاس بنا بشر([82]).. وغيرها([83]).
وذكروا أن تسمية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمير المؤمنين كان وآدم بين الروح والجسد([84]).
وهنا -أيضاً- لم يرضَ البعض بهذا، وقال: بل كان ذلك لما خلق الله السموات والأرض إذ نادى منادٍ: علي أمير المؤمنين([85]).
وهكذا نجد أن أبعاد منزلة الإمامة عند الشيعة لم تقتصر على نصوص وردت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في منزلة علي رضي الله عنه وإمامته -كما ستقف عليها وعلى حقيقتها- أو على كونها لطفاً من الله وبنص منه عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل جعلت ركناً من أركان الإسلام وأفضلها، وبها أخذ الله ميثاق الأنبياء عليهم السلام عند بعثتهم، وعليها مدار قبول الأعمال من العباد، وحكوا الإجماع على كفر منكرها وخلوده في النار.
وعلى أي حال، فقبل الشروع في المقصود نبين هنا -في عجالة- مسائل أخرى تبين منزلة الإمامة عند القوم زيادة على ما مر؛ فضلاً عما سنورده في طيات هذا الكتاب من نصوص أخرى، فنقول:
إن القوم عقدوا في كتبهم أبواباً في بيان منزلة الإمامة والأئمة تبينها عناوينها، مما يغنينا عن سرد محتواها، منها:
باب: (وجوب معرفة الإمام، وأنه لا يعذر الناس بترك الولاية، وأن من مات ولا يعرف إمامه أو شك فيه مات ميتة جاهلية وكفر ونفاق)([86]).
باب: (أن من أنكر واحداً منهم فقد أنكر الجميع)([87]).
باب: (أن الناس لا يهتدون إلا بهم، وأنهم الوسائل بين الخلق وبين الله، وأنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم)([88]).
باب: (عرض الأعمال عليهم، وأنهم الشهداء على الخلق)([89]).
باب: (تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم)([90]).
باب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداءهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال)([91]).
باب: (أنهم النجوم والعلامات، وغرائب التأويل فيهم وفي أعدائهم)([92]).
باب: (أنهم الصافون والمسبحون، وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة)([93]).
باب: (أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان)([94]).
باب: (أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب والمطر والظل والفواكه وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركاتهم)([95]).
باب: (في تأويل النحل بهم([96])، وأنهم السبع المثاني)([97]).
باب: (أنهم وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعداؤهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي)([98]).
باب: (تأويل الأيام والشهور بالأئمة)([99]).
باب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن)([100]).
باب: (جهات علومهم وما عندهم من الكتب وأنه ينقر في آذانهم وينكت في قلوبهم)([101]).
باب: (أنهم يزدادون ولولا ذلك لنفد ما عندهم، وأن أرواحهم تعرج إلى السماء في ليلة الجمعة)([102]).
باب: (أنهم خزان الله على علمه وحملة عرشه)([103]).
باب: (أنهم لا يحجب عنهم علم السموات والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة)([104]).
باب: (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم)([105]).
باب: (أن الله يرفع للإمام عموداً ينظر به أعمال العباد)([106]).
باب: (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم، وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر، وعلم البلايا، وفصل الخطاب، والمواليد)([107]).
باب: (في أن عندهم كتباً فيها أسماء الملوك الذين يملكون في الأرض)([108]).
باب: (أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله)([109]).
باب: (في أن عندهم صلوات الله عليهم كتب جميع الأنبياء يقرؤونها على اختلاف لغاتها)([110]).
باب: (أنهم يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها)([111]).
باب: (أنهم أعلم من الأنبياء عليهم السلام)([112]).
باب: (تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم)([113]).
باب: (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم)([114]).
باب: (أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم، وأنهم يرونهم صلوات الله عليهم أجمعين)([115]).
باب: (أن الجن خدامهم يظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم)([116]).
باب: (أن عندهم الاسم الأعظم، وبه يظهر منهم الغرائب)([117]).
باب: (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء)([118]).
باب: (أنهم سخر لهم السحاب ويسر لهم الأسباب)([119]).
باب: (أنهم الحجة على جميع العوالم وجميع المخلوقات)([120]).
باب: (ما ينفع حبهم فيه من المواطن، وأنهم يحضرون عند الموت وغيره، وأنه يسأل عن ولايتهم في القبر)([121]).
باب: (أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم)([122]).
باب: (أنهم يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم)([123]).
باب: (أنهم يظهرون بعد موتهم، ويظهر منهم الغرائب، ويأتيهم أرواح الأنبياء عليهم السلام، وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم)([124]).
باب: (أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم، وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة)([125]).
باب: (ما عند الأئمة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات الأنبياء، مثل: عصا موسى، وخاتم سليمان، والطست، والتابوت، والألواح، وقميص آدم)([126]).
باب: (أنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يخبروا به)([127]).
باب: (أنهم يخبرون شيعتهم بأفعالهم وسرهم وأفعال غيبهم وهم غيب عنهم)([128]).
باب: (أنهم يعلمون من يأتي أبوابهم ويعلمون بمكانهم من قبل أن يستأذنوا عليهم)([129]).
باب: (أنهم يعرفون آجال شيعتهم وسبب ما يصيبهم)([130]).
وبهذا تحصلت عندك صورة واضحة لمنزلة الإمامة عند الشيعة والدرجة التي أوصلها القوم إليها، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات، فضلاً عن عدم ذكرنا لأي رواية من روايات الأبواب آنفة الذكر رغم احتوائها على العشرات منها كما ترى، فإن عناوينها أغنتنا عن سرد محتواها.
وقد تعدى الأمر مسألة (الإمامة والنص) إلى ما رأيته من غلو دونه كل غلو في تقديس أشخاصهم وصفاتهم.
 
الكلام في النص وإمكانية خفائه ومتى كان النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟:
إذا علمت كل هذا مِنْ أن الله عز وجل قد نصَّ على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة من بعده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ هذا وأظهر فرض طاعتهم كما مرَّ بك، استحال أن يكون النص مخفياً عليه صلى الله عليه وسلم وعلى الأئمة، وعلى أصحابهم وأهل زمانهم، كما لا يجوز أن يظهر النبي شيئاً في زمانه فيخفى عمن ينشأ بعد زمانه حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب، واستدلال عليه، كشأننا الآن.
بهذه التوطئة الموجزة التي يجب عليك أن تستحضرها وأنت تقرأ كتابنا هذا، والمقدمة التي قرأتَها والتي يجب ألا تفارقها نشرع في المقصود.
لا شك بعد كل ما مر بك أنه ليس بالمستغرب أن يضع القوم روايات تتفق مع هذه العقيدة عند مولد الرسول صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فرووا أن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: اصبري سبتاً آتيك بمثله إلا النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين ثلاثون سنة([131]).
وفي رواية: إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره.
وفي أخرى: أما إنك ستلدين مولوداً يكون وصيه.
وفي أخرى: هو إنما يكون نبياً وأنت تلدين وزيراً بعد ثلاثين([132]).
ويقولون: إن الراهب المثرم بن دعيب قد أخبره بأنه سيلد وصي محمد، وسيكون اسمه علياً([133]).
وقالوا: لما ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أول شيء فعله عند مولده أن سجد على الأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي يُتمّ الوصية، وأنا أمير المؤمنين([134]).
وعندها أهبط القوم جبرئيل عليه السلام ليقول للرسول صلى الله عليه وسلم بزعمهم: يا حبيب الله، الله يقرئك السلام، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلاء درجتك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك وخليفتك، ومن شددت به أزرك، وأعليت به ذكرك علي بن أبي طالب([135]).
ثم يستمر القوم في سرد ما يناسب المقام ليضعوا رواية لعلها تبين أول لقاء بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد مولده، ليدور التالي: لما ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فأذّن وأقام، وشهد بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولنفسه بالخلافة والولاية، ثم أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَقرأُ يا رسول الله؟ فقال: نعم، فابتدأ بصحف آدم، فقرأها حتى لو حضر شيث لأقر أنه أعلم بها منه، ثم تلا صحف نوح، وصحف إبراهيم، والتوراة والإنجيل، ثم تلا ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:1] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قد أفلحوا إذ أنت إمامهم، ثم خاطبه بما يخاطب به الأنبياء والأوصياء، ثم سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عد إلى طفوليتك، فأمسك([136]).
وفي طفوليته تلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه -كما يزعم القوم- أن تضع مهده بقرب فراشه، وكان صلى الله عليه وسلم يلي أكثر تربيته، ويحمله على صدره، ويقول: هذا أخي ووليي وناصري وصفيي وذخري وظهري وظهيري ووصيي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي([137]).
فتأمل.. كيف يكون هذا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث بعد!
ومرَّت على ذلك سنوات حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أن دعاه رضي الله عنه وخديجة رضي الله عنها في بدء الدعوة، وقال كما يروي القوم عن الصادق: إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام، فأسلما تسلما... إلى أن قال: يا خديجة، هذا علي مولاك ومولى المؤمنين وإمامهم بعدي، قالت: صدقت يا رسول الله، قد بايعته على ما قلت، أُشهد الله وأشهدك بذلك، وكفى بالله شهيداً عليماً([138]).
ولم يشأ القوم أن يدعوا والدي الرسول صلى الله عليه وسلم بمنأى عن هذه العقيدة، فكان أن وضعوا في شأنهما رواية تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع ذات ليلة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخرج أباه من قبره، وسأله: من وليك يا أبه؟ فقال: وما الولي يا بني؟ قال: هو هذا علي، فشهد أن علياً وليه، ثم عدل إلى قبر أمه فصنع كما صنع عند قبر أبيه([139]).
ويبدو أن واضع هذه الرواية جاهل بموقع قبري والدي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جعلهما في البقيع.
وعلى أي حال، لا نمل القارئ بنسجنا على هذا المنوال وإلا طال بنا المقام، فكل ما أوردناه من روايات أو تلك التي أعرضنا عنها إنما وضعت لتخدم هذه العقيدة، فهي منسجمة تماماً مع ما مرَّ بك في أول هذا الباب وتتفق معها باعتبار معتقد القوم، ولا يفترض خلاف ذلك من جهل بالنص، أو غيابه عن سائر الناس أو معظمهم فضلاً عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، أو على من يجب أن يلي الأمر من بعده من أئمة منصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولكن الحال أن الأمر يختلف تماماً عن هذه الفرضية التي يجب أن نسلم بها مع القوم باعتبار كل ما مر بك، فقد اضطرب القوم واضطربت رواياتهم بعد ذلك بشكل لا يكاد يضبط ولا بد، لقولـه تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].
 
روايات من طرق الشيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم تتعارض مع مسألة النص:
أول ذلك حديث يوم الدار أو بدء الدعوة، لما نزل قولـه تعالى: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] حيث روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بني عبد المطلب وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي؟ فأحجم القوم جميعاً إلا علياً قال: أنا يا نبي الله، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا.
وهذا يعني أنه لم يكن وزيره ولا وصيه قبل ذلك.
وسنسهب في مناقشة أسانيد هذه القصة ومتونها في حينه، ولكن ما يعنينا من هذه الرواية الآن هو ما نحن بصدده، ولا شك أنه قد تبادر إلى ذهنك شيء وهو: كيف خفي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى علي رضي الله عنه وعلى كل من حضر الوليمة مسألة النص بعد كل ما مر حتى لم نجد أحداً منهم قد استدرك ذلك، لا أقلَّ من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يجد أن إمامته توشك أن تذهب إلى غيره بعرضها عليهم، أو أبيه الذي انتظر سبتاً ليرى وصي محمد صلى الله عليه وسلم وقد ولد؟
فإن أبطلنا كل ما مرَّ بك باعتبار هذه الرواية، لا نلبث أن نرى أخرى تسقطها هي أيضاً.. وهكذا، وهذه الأخرى تتمثل في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذت الدعوة منحىً عاماً أخذ يعرض نفسه على القبائل، فجاء إلى بني كلاب، فقالوا: نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك، فقال: الأمر لله، فإن شاء كان فيكم أو في غيركم، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكم علينا غيرنا([140]).
فما الذي اضطره صلى الله عليه وسلم إلى هذا القول مع ما تقدم؟ أليس كان عليه أن يبين أن هذا الأمر قد تم قبل أشهر حين قال لعشيرته وهو ممسك برقبة ابن عمه: هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فضلاً عن أن ذلك قد تم منذ مليوني عام قبل الخلق؟
وقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم القول نفسه بعد ذلك بسنين طويلة، وذلك لما جاءه عامر بن الطفيل في وفد بني عامر بن صعصعة في السنة العاشرة من الهجرة، وقال له: ما لي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك إليَّ، إنما ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء([141]).
وهكذا.. يستمر مسلسل خفاء النص عليه صلى الله عليه وسلم، حتى أواخر أيامه بمكة قبل الهجرة، وذلك في ليلة الإسراء والمعراج([142])، وقد أعرضنا عن ذكر الكثير من الروايات السابقة لذلك تحاشياً للتكرار، إذ إننا سنورد بعضها في حينها.
تقول رواية القوم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لما بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بوزيره ونصرته به، فقلت: يا جبرئيل، ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب([143]).
والطريف أن القوم يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: كنت نائماً بالحجر، إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكاً لطيفاً، ثم قال: عفا الله عنك يا محمد، قم واركب فَفِدْ إلى ربك، فأتاني بالبراق فركبت -ثم ذكر ما لاقاه في مسيره.. -إلى أن قال-: فإذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فقال لي: يا محمد، احتفظ بالوصي -ثلاث مرات- علي بن أبي طالب المقرب من ربه، قال: لما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس، إذا أنا برجل أحسن الناس وجهاً، وأتم الناس جسماً، وأحسن الناس بشرةً، فقال: يا محمد، احتفظ بالوصي -ثلاث مرات- علي بن أبي طالب المقرب من ربه، الأمين على حوضك صاحب شفاعة الجنة... ثم ذكر بقية القصة، وفي نهايتها قال لـه جبرئيل: الذين لقيتهما في الطريق وقالا لك: احتفظ بالوصي، كانا عيسى وآدم عليهما السلام([144]).
أي: رغم هذه الوصايا الست منهما عليهما السلام، لم يدرك صلى الله عليه وسلم مَنْ وزيره الذي أيده ونصره به، وافترض أن يكون رجلاً آخر سوى علي رضي الله عنه.
والطريف -أيضاً- ذكرهم على لسانه صلى الله عليه وسلم عشرات الروايات، يقول له فيها: إنه وزيره، ولعل أقربها إليك ما أوردناه آنفاً عند حديثنا عن بدء الدعوة.
وعلى أي حال، لنعرج مع القوم إلى السماء، وننظر ماذا حصل هناك.. قالوا: لما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، قالت الملائكة: نشهد أنك رسول الله، فما فعل وصيك علي؟ قال: خلفته في أمتي، قالوا: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله عز وجل فرض علينا طاعته، ثم صعد إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة مثلما قالت ملائكة السماء الدنيا، فلما صعد إلى السماء السابعة لقيه عيسى عليه السلام فسلم عليه، وسأله عن علي، فقال له: خلفته في أمتي، قال: نعم الخليفة خلفت، أما إن الله فرض على الملائكة طاعته، ثم لقيه موسى عليه السلام والنبيون نبياً نبياً، فكلهم يقول مقالة عيسى عليه السلام ([145]).
وفي السماء الرابعة زعم القوم أنه صلى الله عليه وسلم رأى ديكاً بدنه درة بيضاء، وعيناه ياقوتتان حمراوان، ورجلاه من الزبرجد الأخضر، وهو ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولي الله، فاطمة وولداها الحسن والحسين صفوة الله، يا غافلين اذكروا الله، على مبغضيهم لعنة الله([146]).
وفي نفس السماء صلَّى بالأنبياء وكانوا مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، وسألهم جبريل: بم بعثتم؟ ولم نشرتم الآن يا أنبياء الله؟
فقالوا بلسان واحد: بعثنا ونشرنا لنقر لك يا محمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالإمامة([147]).
وعندما وصل صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة سأله الله عز وجل: من لأمتك من بعدك؟ فقال: الله أعلم. قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين([148]).
وكأن القوم أرادوا أن يقولوا: إن صوت مائة وأربعة وعشرين ألف من الأنبياء -ولك أن تتخيل حجمه- وهم يقولون بإمامة علي بن أبي طالب، لم يكن له هذا التأثير؛ حيث إنه صلى الله عليه وسلم لم يتذكر ذلك بعد لحظات لما سأله الله عز وجل: من لأمتك من بعدك؟ ليقول: الله أعلم، ولعلها غفلة استوجبت تحذير ديكهم، ليقول: يا غافلين، فتأمل!
نبقى مع القوم في السماء السابعة، لنراهم يروون عن الرضا، عن آبائه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما عرج بي إلى السماء نوديت: يا محمد، فقلت: لبيك ربي وسعديك، تباركت وتعاليت، فنوديت: يا محمد، أنت عبدي وأنا ربك، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فإنك نوري في عبادي، ورسولي إلى خلقي، وحجتي على بريتي، لك ولمن تبعك خلقت جنتي، ولمن خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي، ولشيعتهم أوجبت ثوابي، فقلت: يا رب، ومن أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد، أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي، أولهم: علي بن أبي طالب، وآخرهم: مهدي أمتي، فقلت: يا رب، هؤلاء أوصيائي؟ فنوديت: يا محمد، هؤلاء أوليائي، وأحبائي، وأصفيائي، وحججي بعدك([149]).
ويرى القوم أنه بعد قراءته للأسماء نسي -أيضاً- أنهم أوصياؤه، كما أخبره بذلك ربه، فسأله في رواية أخرى للقوم: يا رب، من هؤلاء الذين قرنتهم بي؟ فنودي: يا محمد، هم الأئمة بعدك، والأخيار من ذريتك([150]).
وحين سأله: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قال: إلهي، لا علم لي، فقال له: يا محمد، هل اتخذت من الآدميين وزيراً أو أخاً ووصياً من بعدك؟ فقال: إلهي، ومن أتخذ تخير لي أنت؟ فأوحى الله إليه: يا محمد، اختر علياً، فقلت: إلهي، ابن عمي؟.. الرواية([151]).
ولكن هل وقف الأمر على هذا؟
انظر إلى القوم -وبعد كل هذه التأكيدات والمواثيق وفي طريق العودة إلى الأرض وفي السماء الرابعة حيث ديكهم وتنبيهه للغافلين ومنهم واضع هذه الرواية- يروون أنه لما هبط النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الرابعة ناداه ربه: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من اخترت من أمتك يكون من بعدك لك خليفة؟ قال: اختر لي ذلك، فتكون أنت المختار لي، فقال: اخترت لك خيرتك علي بن أبي طالب([152]).
وعلى أي حال، حتى لا يطول مكثنا في السماء، نجتزئ بالإيجاز الذي أوردناه، فالروايات الشبيهة الواردة في ليلة الإسراء كثيرة([153])، وقد أوردنا شيئاً منها في أول الباب أيضاً، وكل واحدة منها تناقض سابقتها وتسقطها، فضلاً عن إسقاطها للباب بأكمله، وهكذا جميع الروايات الآتية.
نعود إلى الأرض، وتحديداً إلى مكة؛ حيث لا زلنا مع القوم ورواياتهم قبل الهجرة.
روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه ليلة الهجرة: أرضيت أن أُطلب فلا أُوجد وتوجد فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول الله، رضيت أن تكون روحي لروحك فداء، ونفسي لنفسك فداء([154]).
لا شك أن وجه الدلالة غير خافٍ في الرواية، فافتراض القتل هنا، وفي روايات عدة سنأتي على ذكر بعضها لا يمكن توجيهها باعتبار أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلي الخلافة بعده صلى الله عليه وسلم، فكيف يفترض أن يقتل أو يموت قبله، والأمر واضح ولا أعتقد أنه يحتاج إلى زيادة تعليق.
فهذا يدل على خفاء النص على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يزعمون أنه نص على إمامة علي رضي الله عنه وهو في مكه قبل الهجرة للمدينة.
أما بعد الهجرة، فقد رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى أوحى إليَّ أنه جاعل لي من أمتي أخاً ووارثاً وخليفةً ووصياً، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إليَّ عز وجل: يا محمد، إنه إمام أمتك، وحجتي عليها بعدك، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إلي عز وجل: يا محمد، ذاك من أحبه ويحبني، ذاك المجاهد في سبيلي، والمقاتل لناكثي عهدي، والقاسطين في حكمي، والمارقين من ديني، ذاك وليي حقاً، زوج ابنتك، وأبو ولدك علي بن أبي طالب([155]).
لا أقل في تاريخ هذه الرواية من أنه بعد السنة الثالثة للهجرة، بدليل قول الله عز وجل: زوج ابنتك وأبو ولدك، ولا شك -وباعتبار كل ما مرَّ بك في هذا الباب- أنه سيتبادر إلى ذهنك عند قراءتك لبداية الرواية أن المقصود هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فواعجباً هل غاب ذلك عمن كان سبباً في النص على إمامة علي رضي الله عنه، بل يستفصل ويسأل حتى يبين الله أوصافه ثم يذكر له اسمه.
ثم يروي لنا القوم بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يسأل ربه أن يجعل علياً وصيه وخليفته من بعده، وأن يجعل الإمامة في الحسن والحسين([156]).
وحين سأله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه -بزعمهم- عن وصيه من بعده أمسك عنه عشراً لا يجيبه معتذراً بانتظار وحي السماء، ثم قال له: يا جابر، ألا أخبرك عما سألتني؟ فقلت: بأبي أنت وأمي، والله لقد سكتَّ عني حتى ظننت أنك وجدت عَلَيَّ، فقال: ما وجدت عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد، ربك يقول: إن علي بن أبي طالب وصيك، وخليفتك على أهلك وأمتك([157]).
ومثلها عن سلمان الفارسي رضي الله عنه حين سأله: من وصيك من أمتك فإنه لم يُبْعث نبي إلا كان له وصي من أمته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يبيَّن لي بعد، فمكثت ما شاء الله أن أمكث، ثم دخلت المسجد فناداني، فقال: يا سلمان، سألتني عن وصيي من أمتي فهل تدري من كان وصي موسى من أمته؟ فقلت: يوشع بن نون فتاه، فقال: هل تدري لِم كان أوصى إليه؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: أوصى إليه لأنه كان أعلم أمته بعده، ووصيي وأعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب([158]).
ولا تحتاج هذه الروايات إلى تعليق، فكيف يستقيم أن يجهل جابر بن عبدالله الأنصاري وسلمان الفارسي رضي الله عنهما([159])، مما علم من الدين بالضرورة باعتقاد القوم، حتى سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غاب عنه هو أيضاً بزعم القوم من قال عنه: إن مدار قبول الأعمال على القول بإمامته، ولولاه لما خلق الله الأكوان... إلى آخر ما مرَّ ذكره، حتى انتظر نزول الوحي به بعد عشر، ولا أدري أهي أيام أو شهور أو سنين، ولكن لا يغب عن بالك أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو معلوم من علم الأصول.
وفي يوم الخندق ذكر القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز رمحه على خيمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ابرز يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ فنكل الناس عنه، فقال: ادن مني يا علي، فنزع عمامته السحاب من رأسه وعممه بها وأعطاه سيفه، وقال: امض لشأنك، ثم قال: اللهم أعنه. وروي أنه لما قتل عمراً أنشد أبياتاً منها:
قد قال إذ عممني عمامة      أنت الذي بعدي له الإمامة ([160])
فانظر معي إلى هذه الرواية، فرغم أن أحداثها وقعت في السنة الخامسة للهجرة حيث غزوة الخندق، لكن لا زال أعظم أركان الدين عند القوم غير مبيّن، وكنت أنتظر من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يستدرك الأمر ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمر الإمامة قد انتهى بتعيينه خليفة له منذ أن نزل قوله عز وجل: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214]، ولكن لم يحصل ذلك، فضلاً عن الروايات التي أوردناها، وفضلاً عن مليوني عام قبل الخلق، ويزيد من حيرتي صمت الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم استدراك أحد منهم ذلك، وَلَعَلِّي أجد عند القوم ما يذهب عني حيرتي.
نعود إلى مسألة الخوف من موت اللاحق قبل السابق، ففي الغزوة نفسها وبعد أن خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمبارزة عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين([161]).
وتتكرر القضية في موطن آخر، فقد روى القوم أن علياً خرج في سرية ثلاثة أيام لا يأتيه جبرئيل بخبره ولا خبر من الأرض، وأقبلت فاطمة بالحسن والحسين تقول: أوشك أن يؤتم هذين الغلامين، فأسبل النبي عينيه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي أبشره بالجنة، وافترق الناس في الطلب لعظم ما رأوه بالنبي، وخرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشره بعلي، وهبط جبرئيل عليه السلام على النبي فأخبره بما كان فيه([162]).
ولسائل أن يسأل القوم عن كل هذا الخوف والقلق والاضطراب الذي استدعى إعلان حالة الطوارئ، وتفرق الناس في الأرض، وخروج العواتق، ونزول جبرئيل من أجل الخوف من موت أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وهم يرون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا زال حياً ماثلاً أمامهم، فكيف يفترض موت الخلف قبل السلف مادام هناك نص على خلافته بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟
وفي فتح مكة وجد متعلقاً بأستار الكعبة يسأل الله عز وجل العضد، ناسياً كل ما ذكرناه من مقدمة الباب حتى الرواية السابقة، حتى استوجب غضب جبريل عليه السلام بزعم القوم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم ابعث إليَّ من بني عمي من يعضدني، فهبط جبرئيل كالمغضب، فقال: يا محمد، أوليس قد أيدك الله بسيف من سيوف الله مجرد على أعداء الله؟ يعني بذلك علي بن أبي طالب([163]).
فلاحظ متى كان فتح مكة!
ثم نراه في غدير خم وقد هبط عليه جبرئيل عليه السلام بأمر من الله عز وجل بنصب علي رضي الله عنه بزعمهم، متسائلاً عن هذا الولي الذي سيكون من بعده، حيث قالوا: إن جبرئيل عليه السلام نزل يوم غدير خم، فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تعلم أمتك ولاية من فرضت طاعته ومن يقوم بأمرهم من بعدك، وأكَّد ذلك في كتابه، فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59]، فقال: إي ربي، ومن ولي أمرهم بعدي؟ فقال: من هو لم يشرك بي طرفة عين، ولم يعبد وثناً ولا أقسم بزلم، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين([164]).
ولما قرب أجله، روى القوم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما قبض الله نبياً حتى أمره أن يوصي إلى عشيرته من عصبته، وفي لفظ: إلى أفضل عشيرته من عصبته، وأمرني أن أوصي، فقلت: إلى من يا رب؟ فقال: أوص يا محمد إلى ابن عمك علي بن أبي طالب، فإني قد أثبته في الكتب السالفة، وكتبت فيها أنه وصيك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق ومواثيق أنبيائي ورسلي، وأخذت مواثيقهم لي بالربوبية، ولك يا محمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية([165]).
أقول: لا شك أن ورود إمامته في الكتب السالفة يقتضي ورود ذلك في القرآن من باب أولى، فبذلك يكون جهله صلى الله عليه وسلم ممتنعاً من هذه الجهة، أما خلافه ففيه إسقاط للمعتقد من أصله، وسنأتي على بيان ذلك في حينه([166]).
وأمر آخر في الرواية: وهو أن الله تعالى إن كان قد أخذ المواثيق بإمامته رضي الله عنه على الخلائق بما فيهم الأنبياء والرسل عليهم السلام، فلا شك أن خير البشر صلى الله عليه وسلم على رأسهم، فكيف جهل بهذا الميثاق؟
ثم يروي لنا القوم أنه صلى الله عليه وسلم بكى عند موته، فجاءه جبرئيل، وقال: لم تبكي؟ قال: لأجل أمتي، من لهم بعدي؟ فرجع، ثم قال: إن الله تعالى يقول: أنا خليفتك في أمتك([167]).
فنِعمَ سببُ البكاء، ونعم الخليفة الله عز وجل الذي لم يشأ أن يجمع هذه الأمة المرحومة على ضلالة، فقد كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يخشى على أمر أمته من بعده كما تذكر روايات القوم، وكان يُذَكِّر الوالي بعده، ويقول: أُذَكِّر الله الوالي من بعدي على أمتي إلا ترحّم على جماعة المسلمين، فأجلّ كبيرهم، ورحم ضعيفهم، ووقر عالمهم، ولم يُضرَّ بهم فيذلهم، ولم يفقرهم فيكفرهم، ولم يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم... إلخ، وكان ذلك آخر كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره، كما ذكر القوم ذلك عن الصادق([168]).
وهذه النصائح إن كانت موجهة إلى الإمام المعصوم فهي عبث لا فائدة منها، إذ إن المعصوم ليس بحاجة إلى توجيه علني على رءوس الملأ كهذا، أما إن كانت النصائح موجهة إلى من سيغتصب الخلافة من الإمام المعصوم -حسب معتقد القوم- فإن عبثيتها ستكون أشد، إذ إن من تجرأ على اغتصاب الخلافة من الإمام المعصوم رغم كل ما مرَّ من نصوص لإثباتها لن يردعه حديث أو حديثان، فما هي الفائدة المرجوة من هذه النصائح؟
وبهذه الروايات التي لا تخلو من فوائد أخرى لا تخفى على القارئ اللبيب، تسقط جميع الروايات الآنفة الذكر من مليوني سنة قبل الخلق إلى موته صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة.
ونجتزئ بهذا القدر من الروايات في جهل أو غياب النص عنه صلى الله عليه وسلم بزعم القوم([169])، لما التزمنا به في المقدمة من الاقتصار على ذكر بعض الأمثلة في كل موضوع لا حصر جميع الروايات، ولما سنورده من روايات أخرى تجدها مبثوثة في طيات هذا الكتاب.
 
روايات من طرق الشيعة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه تتعارض مع مسألة النص:
هذا ما كان من شأن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم والنص، أما شأن صاحب الشأن وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإليك بياناً موجزاً بذلك.
ذكرنا ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم منذ حديث بدء الدعوة وما بعدها، وننتقل إلى السنة الثالثة عشرة من البعثة، وتحديداً ليلة الهجرة، لنضيف التالي:
يروي القوم أنه رضي الله عنه لما بات في فراش النبي صلى الله عليه وسلم قال: وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له مسروراً لنفسي بأن أقتل دونه([170]).
وفي رواية: فلما نامت العيون جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين، فأقام رسولَ الله واضطجع أمير المؤمنين مكانه، فقال أمير المؤمنين: يا أبتاه، إني مقتول ([171]).
ولا شك أنك أدركت وجه الاستدلال هنا، فافتراض القتل يتعارض مع إرادة الله عز وجل في أن تكون الإمامة فيه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بزعم القوم، ناهيك عن تذكره -وهو يرى القتل- ما سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أشهر من مبيته، لما قال له بزعمهم: لما أسري بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش؛ فإذا مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي، ونصرته به، ورأيت اثني عشر نوراً، فقلت: يا رب، أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمد، هذه أنوار الأئمة من ذريتك، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا تسميهم لي؟ قال: نعم، أنت الإمام والخليفة بعدي... ثم ذكر أسماء بقية الأئمة([172]).
أما سؤاله وسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم قبله، فلا أذكرك به، فهو موضوع الباب كله.
وفي المدينة وبعد الهجرة يروي لنا القوم التالي: دخل علي على رسول الله وعنده جبرئيل في صورة دحية الكلبي وسلَّم، فقال جبرئيل: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله: يا علي، سلمت عليك ملائكة الله وسكان سمواته بإمرة المؤمنين من قبل أن يسلم عليك أهل الأرض.
يا علي، إن جبرئيل فعل ذلك من أمر الله وقد أوحى إليَّ عن ربي عز وجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس وأنا فاعل ذلك إن شاء الله تعالى... إلى آخر الرواية، وفيها بيعة المهاجرين والأنصار له([173]).
وهذه الرواية تؤكد بطلان كل ما مرَّ بك.
ونواصل مشوارنا مع غياب النص في أعظم الأركان عند القوم وعن صاحبه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونعود إلى مسألة افتراض الموت أو الرغبة في الشهادة، ففي رده على رجل سأله في أيام خلافته عن الفتنة، قال رضي الله عنه فيما قاله: قلت لرسول الله: أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحِيزت عني الشهادة فشق ذلك عليَّ، فقلت: أبشر، فإن الشهادة من ورائك... الرواية([174]).
وفي رواية: بأبي أنت وأمي كيف حرمت الشهادة([175]
ثم رأيناه يوم الخندق يشارك النبي في نسيانه عندما قال: من يقوم إلى مبارزة عمرو بن ود وله الإمامة بعدي؟
بل نراه ينظم في ذلك شعراً، وقد مرَّ بك تفصيل ذلك، والعجيب أن هذا أيضاً نسيه بعد أيام([176])، ففي غزوة وادي الرمل أو ذات السلسلة لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون فيها بكت الزهراء رضي الله عنها، فدخل النبي وهي على تلك الحال، فقال لها: مالك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلك، كلا إن شاء الله، فقال علي: لا تنفَسْ علي بالجنة يا رسول الله، ثم خرج([177]).
ثم يروي لنا القوم بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له رضي الله عنه لما كان مع أخيه جعفر وعمه العباس رضي الله عنهم في البقيع، حيث قال: ألا أبشرك، ألا أخبرك يا علي؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً، وخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً من ذريتك من ولد الحسين، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، ما أصبنا قط خيراً من الله إلا على يدك([178]).
ولا شك أن تاريخ هذه الرواية قريب من السنة الثامنة من الهجرة حيث معركة مؤتة التي استشهد فيها جعفر رضي الله عنه، ويقيناً حصولها بعد الهجرة بدلالة إسلام العباس وعودة جعفر من الحبشة أثناء غزوة خيبر، وذكر البقيع، رغم ذلك فدلالات عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم والأمير بالأئمة واضحة، هذا برواية القوم أنفسهم.
وفي موطن آخر يذكر القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: اكتب ما أملي عليك، فقال: يا نبي الله، أتخاف علي النسيان؟ قال: لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك، ولكن اكتب لشركائك، قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله؟ قال: الأئمة من ولدك، وهذا أولهم، وأومأ بيده إلى الحسن بن علي، ثم أومأ بيده إلى الحسين، ثم قال: والأئمة من ولده([179]).
ولكن يبدو أن واضع هذه الرواية يرى أن الدعاء المذكور لم يؤتِ ثماره، فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه نراه ناسياً حيث يقول بزعم القوم: قلت لرسول الله: أخبرني بعدد الأئمة بعدك؟ فقال: يا علي، هم اثنا عشر، أولهم أنت، وآخرهم القائم([180]).
وفي موطن آخر وبعد أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد استجاب الله لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك، قال: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟ قال: الذين قرنهم الله عز وجل بنفسه وبي، فقال: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59] فقلت: يا رسول الله، من هم؟ فقال: الأوصياء مني، فقلت: يا رسول الله، سمهم لي؟ فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن لـه يقال لـه: علي، سيولد في حياتك، فأقرئه مني السلام، ثم يكمله اثنا عشر إماماً([181]).
ويبدو -أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يردد ذلك عليه مراراً، ففي روايات القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـه: أنت الإمام والخليفة بعدي، وابناك هذان إمامان وسيدا شباب أهل الجنة([182]).
وفي رواية: أنت سيد الأوصياء، وابناك سيدا شباب أهل الجنة([183]).
وفي أخرى: أنت الوصي على الأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء من أمتي([184]).
ولا زال صلى الله عليه وسلم يبين ذلك ولا زال هو رضي الله عنه يَسأل ويَسأل، ففي رواية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أمِنَّا الهداةُ أم من غيرنا([185]
وفي أخرى: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أولو الأمر؟ قال: أنت يا علي أولهم([186]).
وأخرى: قال: يا رسول الله، فكم يكون بعدي من الأئمة([187]).
وأخرى: قلت لرسول الله: أخبرني بعدد الأئمة بعدك؟([188]) وأخرى.. وأخرى.
رغم روايتهم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي أكثر من عشر مرات: يا علي، إنك والأوصياء من بعدك أعراف بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه ([189]).
ولا أدري كم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حتى سمعها سلمان هذا العدد من المرات، ولم أقف -إضافة إلى جدوى إخباره بذلك رغم كل تلك النصوص التي أوردناها في المقدمة- على الفرق بين الأحياء والأموات وبين الأمة والأهل في مسألة الخلافة.
نعود إلى مسألة افتراض الموت.
فقد روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنفذ علياً في خيلٍ عند محاصرته أهل الطائف، وأمره أن يكسر كل صنم وجده، فلقيه جمعٌ كثير من خثعم، فبرز لـه رجل من القوم، وقال: هل من مبارز؟ فلم يقم أحد، فقام علي، فوثب العاص بن الربيع زوج بنت النبي، فقال: تكفاه أيها الأمير؟ فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس([190]).
ثم ها هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، يروي القوم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: أنت وارث علمي، ومعدن حكمي، والإمام بعدي، فإذا استشهدت فابنك الحسن، فإذا استشهد الحسن فابنك الحسين، فإذا استشهد الحسين فابنه علي، يتلوه تسعة من صلب الحسين أئمة أطهار، فقلت: يا رسول الله، فما أسماؤهم؟ قال: علي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، والحسن، والمهدي، من صلب الحسين، يملأ الله تعالى به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً([191]).
فالحسن رضي الله عنه ولد في السنة الثالثة من الهجرة، ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الحادية عشرة من الهجرة، فتأمل كم كان عمر الحسن رضي الله عنه عندما سمع هذا الحديث ووعاه، فلا أقل من أن ذلك كان في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم ذلك نرى عدم علم الأمير رضي الله عنه بالأئمة لا زال آخذاً مأخذه، حتى لو كان السائل هو الحسن فالأمر سيان.
وكذا رواية الحسين رضي الله عنه، حيث ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا حسين، أنت الإمام، ابن الإمام، أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار، ووضع يده على كتف الحسين، وقال: يخرج من صلبه رجل مبارك سميّ جده علي، ويخرج الله من صلب علي ولداً سميّي وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقراً، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله -وذكر بقية الأئمة- فقال لـه علي: من هؤلاء؟ قال: يا علي، أسامي الأوصياء من بعدك([192]).
ويروى -بزعم القوم- أنه رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، فقال: يا علي، هذه الآية نزلت فيك وفي سبطيك والأئمة من ولدك، قلت: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه -ثم ذكر بقية الأئمة- وقال: هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله عن ذلك، فقال: يا محمد، هم الأئمة بعدك([193]).
وينسى القوم في فورة حماسهم دعاء الرسول له بعدم النسيان، حيث نراه وقد حضر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الموت، يقول لعلي -كما ذكر القوم عن عمار بن ياسررضي الله عنه-: يا علي، أنت وصيي ووارثي([194])، وإن كنت لا أدري أيهما الناسي.
وفي رواية ثانية نسبها القوم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه، يقول فيها: لما حضرت رسول الله الوفاة دعاني، فلما دخلت عليه قال لي: يا علي، أنت وصيي وخليفتي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد موتي([195]).
وفي أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة التي كانت وفاته: يا علي، أحضر صحيفة ودواة، فأملى عليه وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنه سيكون من بعدي اثنا عشر إماماً، فأنت يا علي أول الاثني عشر إماماً، وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابني الحسن، ثم ذكر بقية الأئمة([196]).
فلا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن خائفاً على علي رضي الله عنه النسيان وقد دعا له، حتى يُذكّره بذلك في لحظاته الأخيرة، كما لا يحتاج إلى بيان ذلك، فقد فرض الله ولايته على المسلمين منذ يوم الدار في بدء الدعوة، إلى يوم الغدير، فضلاً عن مئات وألوف بل ملايين السنين قبل الخلق، فهذا ما كان من شأن الأمير رضي الله عنه، وقد أعرضنا عن ذكر عشرات النصوص في ذلك([197]).
 
روايات من طرق الشيعة عن الحسن رضي الله عنه تنفي وجود النص على افتراضه:
أما شأن الحسن رضي الله عنه -إضافة إلى ما سبق- فنراه وهو إمام منصوب ومنصوص عليه من الله عز وجل يبايع معاوية بن أبي سفيان([198]) الذي هو إمام ليس من الله، وهو يعلم -كما يروي القوم عن أبي جعفر- قوله: قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام أطاعت كل إمام ليس من الله وإن كانت الرعية بارة تقية([199]).
وعن أبي عبدالله في قوله تعالى: (الطَّاغُوتُ) إنما عني بذلك أنهم كانوا على نور الإسلام، فلما تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار مع الكفار([200]).
وغير ذلك مما أوردناه في المقدمة كعدم قبول الأعمال، ولاشك أنه يعلم أن أباه كان يقول لمعاوية: إنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى([201]).
وكان يقول: إني لا أرضى بمعاوية أميراً، ولا العامة ترضى به خليفة([202]).
وكان يصر على قتاله رغم اجتماع الناس عليه، فقد روى القوم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سمع ضوضاء في عسكره، فقال: ما هذا؟ قالوا: هلك معاوية، قال: كلاَّ والذي نفسي بيده، لن يهلك حتى تجتمع عليه هذه الأمة، قالوا: فبم تقاتله؟ قال: ألتمس العذر فيما بيني وبين الله تعالى([203]).
أو على الأقل يدعوه للمبارزة، فأيهما قتل صاحبه فالأمر له كما فعل أبوه رضي الله عنه معه يوم صفين([204])، ولا خوف على الحسن ما دام أشجع الناس، فضلاً عن كونه -كما يزعم القوم-([205]) يعلم أنه محفوظ معصوم، فمن أي شيء يخاف إذاً؟!
وقبلها قالها جده صلوات الله وسلامه عليه: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان([206]).
لذا ملأ القوم كتبهم من عتاب ولوم أصحابه لـه رضي الله عنه على ذلك، فهذا سليمان بن صرد الخزاعي يقول له: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاويةَ ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز([207]).
وذاك يسمي الحسن رضي الله عنه بمذل المؤمنين، وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمنين.
وآخر: سودت وجوه المؤمنين.
وآخر وهو سفيان بن ليلى قال له: يا مذل المؤمنين.
وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين([208]).
وسفيان هذا من الممدوحين عند القوم، بل من حواريي الحسن رضي الله عنه ([209]).
وهذا حجر بن عدي رضي الله عنه يقول لـه: أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم([210]).
والحسن رضي الله عنه رغم كل هذا كان يقول: أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء([211]).
ولن نناقش القوم في عصمة الحسن رضي الله عنه؛ سواء باعتبار بيعته لمعاوية، أو عدم فهم أصحابه وحواريه بأنه إمام معصوم، وليس في أفعاله ما يستوجب تسويد وجوه المؤمنين أو إذلالهم، فإن لنا مع هذا الموضوع شأناً تراه في حينه، ولكن لا شك أنه وهو يبايع معاوية لم يكن يرى أنه منصوص عليه من الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن كلامه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقد بايعه الناس بعد وفاة أبيه، قال: فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاَّني هذا الأمر من بعده([212]).
ومن كلامه رضي الله عنه -أيضاً- ما كتبه في كتاب الصلح لمعاوية: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين... إلى آخر ما جاء في كتابه رضي الله عنه ([213]).
فأنت ترى أن هذا الأمر للحسن رضي الله عنه، فسلمه لمعاوية، ثم أمره بأن يسير بسيرة الخلفاء الذين هم الراشدون عند الحسن رضي الله عنه، ولكنهم الغاصبون للخلافة عند من يزعم أنه من شيعته، ويأمره أن يجعل الأمر شورى من بعده، ليسقط كل ما ذكرناه من أول الكتاب.
وكون الأمر إليه ليس بنص من الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، يؤكده قولـه رضي الله عنه عن نفسه حيث يقول لأصحابه: إن هذا الأمر الذي أختلف فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرئ فهو أحق به مني، وإما أن يكون حقاً هو لي فقد تركته([214]).
 
مبايعة الحسن لمعاوية وإنكار الكثير من أصحابه عليه ذلك ورجوع جماعة من الشيعة عن القول بالإمامة ودخولهم في مقالة جمهور الناس:
كان من مواقف الحسن رضي الله عنه أن رجع جماعة من أصحابه عن القول بإمامته، فدخلوا في مقالة جمهور الناس([215]).
وقبل ذلك كله نرى -أو يرينا القوم- أن مسألة افتراض موت أو قتل اللاحق تتكرر هنا أيضاً، فها هو أبوه رضي الله عنه يقول في معركة صفين: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله وذريته من أمته([216]).
وتكررت المسألة في وصيته رضي الله عنه حيث يقول: وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فإنه إلى -وفي لفظ: من قام بالأمر بعده- الحسين بن علي([217]).
وعلى ذكر الوصية، فقد روى القوم عن الباقر، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً، فقال لهم: إن الله أحب أن يجعل فِيَّ سنة من يعقوب؛ إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكراً، فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف فاسمعوا لـه وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال لـه عبد الله ابنه: دون محمد بن علي؟ يعني: ابن الحنفية، فقال له: أجرأة عليّ في حياتي؟([218])
فها هو ابن الخليفة والوزير ويوم الدار والغدير يعترض عليه حتى استوجب غضبه، ذاهلاً عن أن هؤلاء قد نص الله على إمامتهم قبل ملايين السنين، وقديماً قالوا: أهل البيت أدرى بما فيه، ولعلنا نلتمس له العذر في هذا الالتباس ما دام أبوه رضي الله عنه قد أوصى في أمرٍ هو تحصيل حاصل، وذلك للفراغ منه بكل ما أوردناه من قبل، وكذا صمت الأحد عشر الآخرين، وعلى رأسهم: السبطان رضي الله عنهما؛ بل كيف لا نعذره ونحن نجد القوم يقولون: إن الحسن رضي الله عنه - الذي احتج عبدالله على أبيه بسببه وأخيه دون ابن الحنفية - سأل جده صلى الله عليه وسلم عن الأئمة بعده([219]).
وعلى أي حال، فتأخر تاريخ هذه الرواية واضح فتدبّر.
 
روايات من طرق الشيعة تدل على عدم علم الحسين رضي الله عنه بالنص على افتراضه وأخرى على جهله بكون النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء:
أما شأن الحسين رضي الله عنه فأَعْجَب! فقد روى القوم عنه أنه لما أنزل الله تبارك وتعالى: ((وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [الأنفال:75] قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تأويلها؟ فقال: والله ما عنى بها غيركم وأنتم أولو الأرحام، فإذا مت فأبوك علي أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به، قلت: يا رسول الله، فمن بعدي أولى بي؟
وفي رواية: يا رسول الله، من بعدي؟([220])
وروى القوم عنه -أيضاً- أنه رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكراً؟ فقال: يا بني، إن الروح الأمين قد أتاني، فقال: يا رسول الله؛ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي، فإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، قلت: يا رسول الله، فمن يملك هذا الأمر بعدك؟ قال: أبوك علي بن أبي طالب أخي وخليفتي([221]).
ولن أجدني مضطراً إلى بيان تأخر هذه الرواية وقربها من وفاته صلى الله عليه وسلم، أو بيان كيف خفي النص حتى هذا الوقت، فهو أمر قد اصطحبته معك من أول الكتاب وعبر كل الروايات السابقة، ولكن لا يفوتني أن أبدي حيرتي وتعجبي من سؤاله رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم عمن يملك هذا الأمر بعده، رغم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لقول جبرئيل: فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، وكأن واضع الرواية يريد أن يقول: إن الحسين رضي الله عنه لم يفهم أن من جعل عنده كل هذا فإنه أولى بالإمامة، وأعجب من سؤاله هذا سؤاله للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل يكون بعدك نبي؟([222])
فمن جهل بكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، فجهله بالإمام من بعده أولى، ولكن أن يخبرنا القوم أن ذلك صدر منه رضي الله عنه وهو من الأئمة المنصوص عليهم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بزعمهم، فهو أمر لا يمكن توجيهه بحال.
أما الطامة الكبرى، فهي هذه الألوف المؤلفة من الرسائل التي بعث بها شيعة أبيه وأخيه رضي الله عنهم، يسألونه المجيء إلى العراق للبيعة، وأنهم ليس عليهم إمام بعد الحسن رضي الله عنه ([223]).
ألم يعلم هؤلاء أن بيعتهم لـه لازمة في أعناقهم بعد الحسن رضي الله عنه، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، سواء أتى الكوفة أو لم يأتها؟
ألم يسمعوا أو يسمع واحد منهم وهم اثنا عشر ألفاً كما في بعض الروايات، أو أكثر كما في روايات أخرى([224]
ألم يسمعوا من أبيه أو أخيه -وهم شيعتهم- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أبيه وأخيه وعليه وعلى تسعة من ولده بعده بالاسم، وأنهم الخلفاء والأئمة بعده([225]
 
الزهراء رضي الله عنها والنص:
ولم يكن شأن أمهما الزهراء رضي الله عنها أيضاً بأحسن حالاً منهما أو من بعلها وأبيها صلوات الله عليهم أجمعين، كما يتبين ذلك من روايات القوم، فموقفها من زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذا من الحسين رضي الله عنه لما علمت بمقتله غير خافٍ على ذي لب، وسوف نوقفك عليه في حينه، ولكن أورد هنا رواية تتصل بموضوعنا.
فقد ذكر القوم أنها بكت لما عادت أباها صلى الله عليه وسلم في مرض موته، حتى أرضاها بالبشرى بجعل بعلها وصياً له، فذكروا أنها أتته في مرضه تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي: يا فاطمة، إني لكرامة الله إياك، زوّجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منها فبعثني نبياً، واطلع ثانية فاختار بعلك فجعله وصياً، فسرّت فاطمة رضي الله عنها واستبشرت([226]).
فما الذي استوجب سرورها واستبشارها -وهي في هذا الموقف- سروراً طغى على ألم مصيبة فقدها أباها صلى الله عليه وسلم؟ هل أن أباها صلى الله عليه وسلم قد أتى بأمرٍ جديد كانت تجهله؟ أو أمر كانت تعلم أن مدار قبول الأعمال على الإيمان به، وأن الله قد افترضه قبل خلق الخلق بكذا وكذا سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال ينادي به منذ بدء الدعوة؟ ومن ثم لا نجد في ذكره أمراً ذا بالٍ يستوجب سرورها واستبشارها.
 
الصحابة رضي الله عنهم والنص:
وقبل الشروع في ذكر أحوال بقية الأئمة وأصحابهم، أجد لزاماً أن أذكر نتفاً قليلة من شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص على أمير المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، هؤلاء الذين لزموا النبي صلى الله عليه وسلم منذ بدء الدعوة وجلسوا إليه وسافروا معه وشاركوه الحروب والغزوات وتزوجوا بناته وصاهرهم، ولم يدع من أمر الدين شيئاً مما يقربهم إلى الله عز وجل إلا وأخبرهم به، ولا أمراً مما يدخلهم النار إلا وقد نهاهم عنه، حتى بيَّن لهم أي رجل يقدمون عند دخولهم الخلاء وبأيٍ يخرجون، فضلاً عن أركان الإسلام والإيمان، ناهيك عن أعظمها وعلة فرض غيرها وهي الإمامة بزعم القوم.
ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يخفى على من لازموه كظله، وكيف يخفى؟ وقد روى القوم عن الباقر في قولـه تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) [محمد:28]، قال: كرهوا علياً وكان أمر الله بولايته يوم بدر وحنين ويوم بطن نخلة ويوم التروية ويوم عرفة، نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صدَّ فيها رسول الله عن المسجد بالجحفة وخم([227]).
وعنه -أيضاً- في قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة:1] قال: إن رسول الله أخذ لعلي بما أمر أصحابه، وعقد لـه عليهم الخلافة في عشرة مواطن، ثم أنزل عليه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة:1]، يعني: التي عقدت عليهم لعلي أمير المؤمنين([228]).
ولاشك أن القول بغياب النص عنهم مع كل هذا الذي أوردناه، سواء الروايتان السابقتان أو الباب كله منتفٍ وبعيد جداً، ولكن ما أورده القوم في شأنهم يختلف تماماً إلا مع موقف الأئمة من النص، كما سبق ذكره وسيأتي أيضاً.
فها هن أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن أجمعين، أقرب الناس إليه ملازمة، يروي القوم عنهن ما يدل على المقصود، ألا وهو غياب النص، هذا إن وجد النص أصلاً، فقد ذكر القوم أن جبرئيل عليه السلام قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: قد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته، وهو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك علي بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك، وإن الله يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك، فإنه الأمين المؤتمن.
يا محمد، إني اخترتك من عبادي نبياً، واخترته لك وصياً، فدعا علياً يوماً فخلا به يومه ذلك وليلته واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها، وعرفه ما قال جبرئيل، وكان ذلك يوم عائشة، فقالت: يا رسول الله، لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم، فأعرض عنها، فقالت: لم تعرض عني يا رسول الله بأمر لعله يكون لي صلاحاً؟ فقال: صدقت وايم الله، إنه لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والإيمان به، وقد أمرني بدعاء الناس جميعاً إليه، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس، قالت: يا رسول الله، ولم لا تخبرني به الآن لأتقدم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة للأسبقية والمسارعة إلى الإيمان بالله ورسوله...
إلى أن قال: إن الله أخبرني أن عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءهم([229]).
ويستشعر القارئ من الرواية تأخرها إلى أيامه الأخيرة صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك ترى كل هذا التضارب في النص، وتجد فيها بطلان ما ورد من نصوص قبل ذلك، وهو أمر غدا لك واضحاً مع كل رواية جديدة، مما يغنينا عن التعليق عليها جميعاً.
وكذا شأن أم سلمة رضي الله عنها، حيث قالوا: إن النبي دفع إليها كتاباً، فقال: من طلب هذا الكتاب منك ممن يقوم بعدي فادفعيه إليه، ثم ذكرت قيام أبي بكر وعمر وعثمان وأنهم ما طلبوه، ثم قالت: فلما بويع علي نزل عن المنبر ومرّ، وقال لي: يا أم سلمة، هاتي الكتاب الذي دفعه إليك رسول الله، فقالت: أنت صاحبه؟ فقال: نعم، فدفعته إليه، قيل: ما كان في الكتاب؟ قالت: كل شيء دون قيام الساعة([230]).
وفي رواية: قالت: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، قال: أمسكي هذا، فإذا رأيت أمير المؤمنين صعد المنبر فجاء يطلب هذا الكتاب فادفعيه إليه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أبو بكر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات صعد عمر المنبر فانتظرته فلم يسألها، فلما مات عمر صعد عثمان فانتظرته فلم يسألها.. الرواية([231])، وغيرها([232]).
وكذا حال خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدمه منذ هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى وفاته، فقد روى القوم عنه أنه قال: كان رسول الله في بيت أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال: يا أم حبيبة، اعتزلينا فإنا على حاجة، ثم دعا بوضوء فأحسن الوضوء، ثم قال: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب، وخير الوصيين، وأولى الناس بالناس، فقال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، قال: فدخل علي وجاء يمشي حتى جلس إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله يمسح وجهه بيده، ثم مسح بها وجه علي بن أبي طالب، فقال علي: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون([233]).
وفي رواية: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي بوجهه، فقال علي: صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل هذا، قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمع صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي([234]).
ومتى كان هذا السلوك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فهذه القصة لا أقل من افتراض حدوثها في أواخر السنة السابعة من الهجرة أو بعدها؛ وذلك أن قدوم أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما إلى المدينة إنما كان في ذي الحجة من السنة المذكورة، حيث كانت مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها عبيدالله بن جحش الذي ارتد عن الإسلام وتنصر، ثم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليخطبها... إلى آخر القصة([235]).
فموضع الشاهد في القصة هو جهل أنس بن مالك بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه رغم مرور أكثر من سبعة أعوام من خدمته للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ربه أن يجعله رجلاً من قومه، والعجيب قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي: إنك تبلغ رسالتي من بعدي، وتؤدي عني، مما يوحي بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان جاهلاً به حتى ذلك الوقت.
ولا يرد على هذا أن معرفته بإمرة المؤمنين كانت واقعة، وأن مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم له إنما هي استزادة مسئوليات، وذلك أن الإمامة -كما يراها القوم- تستلزم تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والأداء عنه، وتعليم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون مما يستقبح تكراره وصدوره عنه صلى الله عليه وسلم للناس فضلاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأعجب من هذا كله: الإبهام في ذكر اسم أمير المؤمنين، فلا يخلو الأمر من أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً به، حيث يكون الأولى به أن يقول: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أو يكون جاهلاً به، وهذا الأخير يشهد لـه قولـه لأنس كما في الرواية الأخرى: من هذا يا أنس؟ رغم قولـه: إن أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين.
وهذا ابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى القوم أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه والحسين على فخذه يلثمهما ويقبلهما، ويقول: اللهم وال من والاهما وعاد من عاداهما، ثم قال: يا ابن عباس، كأني به وقد خضبت شيبته من دمه، يدعو فلا يجاب، ويستنصر فلا ينصر، قلت: فمن يفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: شرار أمتي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا ابن عباس، من زاره عارفاً بحقه كتب له ثواب ألف حجة وألف عمرة، ألا ومن زاره فكأنما قد زارني، ومن زارني فكأنما زار الله، وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار، وإن الإجابة تحت قبته، والشفاء في تربته، والأئمة من ولده. قلت: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: بعدد حواريي عيسى، وأسباط موسى، ونقباء بني إسرائيل، قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟ قال: كانوا اثني عشر، والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي: الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه جعفر، فإذا انقضى جعفر فابنه موسى، فإذا انقضى موسى فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه محمد، فإذا انقضى محمد فابنه علي، فإذا انقضى علي فابنه الحسن، فإذا انقضى الحسن فابنه الحجة، قال ابن عباس: قلت: يا رسول الله، أسامي ما أسمع بهم قط، قال لي: يا ابن عباس، هم الأئمة بعدي([236]).
فابن عباس رضي الله عنهما كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وانتقل إلى دار الهجرة بعد فتح مكة الذي كان في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهذا يعني أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاثين شهراً، فلا شك إذاً في أن هذه الرواية يفترض حصولها في أحد أيام هذه الشهور الأخيرة.
رغم ذلك تأمل عدم علم ابن عباس رضي الله عنهما بمسألة الإمامة والأئمة، واستغرابه هذه الأسماء التي لم يسمع بها قط، وهو من هو من قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل ونراه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته بزعم القوم: إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ فأشار إلى علي رضي الله عنه، فقال: إلى هذا فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعتي([237]).
وكتب القوم مليئة بالروايات الشبيهة عنه رضي الله عنه ([238]).
وكذا شأن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من السابقين الأولين، بل من أوائل الذين أسلموا؛ مما يستحيل أن يخفى عليه من شأن الإمامة شيء، نراه لا يختلف عن سابقيه في هذا الشأن.
فتأمل -مثلاً- رواية القوم هذه، وحصولها لا شك أنه بعد عشرين سنة من مبعثه صلى الله عليه وسلم، إذ توحي عباراتها بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، تقول الرواية: إن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله لما رجع من حجة الوداع: يا ابن مسعود، قد قرب الأجل ونعيت إليّ نفسي فمن لك بعدي؟ فأقبلت أعد عليه رجلاً رجلاً، فبكى ثم قال: ثكلتك الثواكل! فأين أنت من علي بن أبي طالب لم تقدمه على الخلق أجمعين([239]).
وفي رواية: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن مسعود، نُعيَتْ إلي نفسي، فقلت: استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فأعرض عني، ثم قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، فقلت: استخلف، قال: من؟ قلت: عمر، فأعرض عني، قال: يا ابن مسعود، نعيت إلي نفسي، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: علياً، قال: أما إن أطاعوه دخلوا الجنة أجمعون أكتعون([240]).
وروى القوم عنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من يغسلك إذا مت؟ فقال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب([241]).
وهذا صحابي آخر وهو جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه، وزيادةً عما أوردناه عنه في أول الباب نورد هنا رواية أخرى يرويها القوم عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: من لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو شهد أن محمداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني، وما أنا بظلام للعبيد، فقام جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله، ومَن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟ والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([242]).
وهذا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يقول: كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء ونحن نفر من أصحابه، إذ قال: معاشر أصحابي، إنه يطلع عليكم من هذا الباب رجل هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين، قال: فنظروا وكنت فيمن نظر، فإذا نحن بعلي بن أبي طالب قد طلع، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا إمامكم من بعدي([243]).
وذكر مسجد قباء يؤكد لك تاريخ الرواية، وأنها بعد الهجرة، وأبو ذر رضي الله عنه من أوائل من أسلموا، حتى روي عنه أنه قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع، فاستمع إليه بعد ثلاثة عشر سنة من إسلامه وهو يقول: وكنت فيمن نظر، ليرى مع أصحابه من يكون أمير المؤمنين هذا.
وعن أنس رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلاة الفجر، ثم أقبل علينا، وقال: معاشر أصحابي، من أحب أهل بيتي حشر معنا، ومن استمسك بأوصيائي من بعدي فقد استمسك بالعروة الوثقى، فقام إليه أبو ذر الغفاري، فقال: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل، فقال: كلهم من أهل بيتك؟ قال: كلهم من أهل بيتي، تسعة من صلب الحسين والمهدي تاسعهم([244]).
وفي رواية أخرى أوردها القوم عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه -والرواية طويلة- وفيها أن أبا ذر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟ قال: عدد نقباء بني إسرائيل([245]).
وتذكرني هذه الرواية بالمثل القائل: كلام الليل يمحوه النهار، حيث أظهر القوم صاحبنا كمن نسي أسئلة الفجر التي في الرواية السابقة، ولكن لا تنس -عزيزي القارئ- أن الرواية الأخيرة كانت في مرض موته صلى الله عليه وسلم، لتعرف مدى تأخرها.
وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه كما يروي القوم، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، إن لكل نبي وصياً، فمن وصيك؟ قال: فسكت عني، فلمَّا كان بعدُ رآني من بعيد، فقال: يا سلمان، قلت: لبيك وأسرعت إليه، فقال: تعلم من كان وصي موسى؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: ذاك لأنه يومئذٍ خيرهم وأعلمهم، ثم قال: وإني أشهد اليوم أن علياً خيرهم وأفضلهم، وهو وليي ووصيي ووارثي([246]).
وفي رواية أخرى: يا رسول الله، إنك قلت: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية، من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان([247]).
ولا أدري كيف سمع سلمان الفارسي رضي الله عنه هذا الحديث، وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يتداولونه رغم خطورته، مع عدم معرفة الإمام، ثم تنقلب الآية، فيروي القوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سأل سلمان رضي الله عنه: يا سلمان، إن الله عز وجل لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً، قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- قال: يا سلمان، فهل علمت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم([248]).
لا أدري كيف وهو يؤكد ورود هذه العقيدة في كتب الأولين، ثم يبقى على جهله بهم حتى يسأله الرسول عن ذلك، ويرد بقولـه: الله ورسوله أعلم، ألم يخش أن يموت ميتة جاهلية؟ ثم أليست إجابة السؤال موجودة في التوراة كما زعموا؟ وقد ذكرنا ذلك فيما سبق.
وعلى ذكر قول سلمان: عرفت هذا من الكتابين -التوراة والإنجيل- فقد أورد القوم الكثير من الروايات في بيان ورود مسألة الإمامة والأئمة في الكتب السماوية، ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بطلبها من مظانها، ولكن نذكر هنا رواية واحدة تقول: إن أسماء الأئمة وردت في التوراة، وهي: تقوبيت، قيذوا، دبيراً، مفسوراً، مسموعاً، دوموه، مثبو، هذار، يثمو، بطور، نوقس وقيدموا([249]).
رجعنا الآن إلى ذكر سلمان الفارسي وغياب النص عنه، وكما أوردنا في الرواية السابقة عنه قولـه: عرفت هذا من الكتابين، ونسوق الرواية التالية التي تنسجم معها، فعن علي رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة، إذ دخل عليه جماعة من أصحابه، منهم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعبدالرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله، إن لكل نبي وصياً وسبطين، فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق ساعة، ثم قال: يا سلمان، إن الله بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيي خير الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط، ثم قال: يا سلمان، أتعرف من كان وصي آدم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: إني أعرفك يا أبا عبدالله، فأنت منا أهل البيت، إن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وأوصى شيث إلى ابنه شبان -ثم ذكر بقية سلسلة الأنبياء والأوصياء إلى أن قال-: وأنا أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: فقلت: يا رسول الله، فهل بينهم أنبياء وأوصياء أخر؟ قال: نعم، أكثر من أن تحصى، ثم قال: وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى ابنك الحسن، والحسن يدفعها إلى أخيه الحسين -ثم ذكر بقية الأئمة- ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافعاً صوته: الحذر الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي، قال علي: فقلت: يا رسول الله، فما يكون في هذه الغيبة حاله؟ والرواية طويلة أخذنا منها موضع الحاجة([250]).
والرواية -كما ترى- تدور أحداثها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وكان قد تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الرابعة من الهجرة، فكيف يستقيم أن أمراً من الخطورة بمكان أوردنا فيه في المقدمة ما أوردناه، لم يكن شائعاً بين الصحابة حتى السنة السابعة عشرة من البعثة، ولم يستوجب سؤال سلمان عنه رغم مرور ما لا يقل عن أربعة أعوام على إسلامه الذي كان بعد الهجرة، ونحن نعلم بالضرورة عدم سؤاله صلى الله عليه وسلم عن عدد ركعات صلاة المغرب، أو في أيٍّ من الأشهر يكون الصيام، لأن ذلك من ضروريات الدين وأركانه، ولكن لا نعلم علة جهله بأهم الأركان، والذي ما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء في المائة والعشرين مرة -كما يزعم القوم- إلا وأوصى بالإمامة أكثر من وصيته بالأركان الأخرى.
كذلك لا يفوتك في الرواية تساؤلات علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سواء عمن سبقوه، أو عن حال الخامس من ولد السابع وغيرهما.
ثم ها هو ينسى كل ذلك، حيث نراه يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم: من الخليفة بعدك حتى نعلمه؟ فقال: يا سلمان، ادخل على أبي ذر رضي الله عنه وافهموا عني أن علي بن أبي طالب وصيي ووارثي وقاضي ديني وعداتي([251]).
والغريب أن هذه الرواية -أيضاً- دارت أحداثها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وهو كما عرفت مما سبق تاريخ وقوعها، وأبطالها هم أبطال القصة السابقة، أي: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين، وتتكرر القصة.
ثم إنني لم أقف على مغزى استدعاء هؤلاء النفر من الصحابة دون غيرهم، ولا العلة من هذه السرية في تبيين ما لولاه لما خلق الله شيئاً، ألم يكن يغني قولـه صلى الله عليه وسلم: الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب عن كل هذا؟ ولعلي ألتمس العذر لجهل هؤلاء الصحابة -سواء الذين استدعاهم أو الذين لم يستدعهم- بخلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تاريخ هذه الرواية لسريتها كما يزعم القوم في هذه الرواية.
نعود إلى ما كنا فيه من ذكر غياب النص عن الصحابة رضي الله عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن مسعود، إذ دخل الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك أئمة أبرار، فقال له عبدالله بن مسعود: ما هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه، فقال: يا عبدالله، سألت عظيماً ولكني أخبرك أن ابني هذا -ووضع يده على كتف الحسين- يخرج من صلبه ولد مبارك سميّ جده علي، يُسمى: العابد ونور الزهاد، ويخرج الله من علي ولداً اسمه اسمي، وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقراً، وينطق بالحق، ويأمر بالصواب، ويخرج الله من صلبه كلمة الحق ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا رسول الله؟ قال: يقال له: جعفر، صادق في قولـه وفعله، الطاعن عليه كالطاعن علي، والراد عليه كالراد علي، ثم دخل حسان بن ثابت وأنشد في رسول الله شعراً وانقطع الحديث، فلما كان من الغد صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل بيت عائشة ودخلنا معه أنا وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن العباس، وكان صلى الله عليه وسلم من دأبه إذا سُئِلَ أجاب، وإذا لم يسأل ابتدأ، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ألا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين؟ قال: نعم يا أبا هريرة -ثم ذكر بقية الأئمة- فقال له علي بن أبي طالب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ قال: يا علي، أسامي الأوصياء من بعدك، والعترة الطاهرة، والذرية المباركة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً عبد الله ألف عام ثم ألف عام ما بين الركن والمقام، ثم أتاني جاحداً لولايتهم لأكبه الله في النار كائناً من كان([252]).
هذه الرواية وإن كان الأنسب إيرادها عند حديثنا عن أمير المؤمنين أو ابن مسعود رضي الله عنهما، إلا أن الغاية واحدة.
أقول: هذه الرواية منسوبة إلى أبي هريرة رضي الله عنه، الصدوق عند متقدمي القوم، والكذوب عند متأخريهم لحاجةٍ في نفس يعقوب، ليس هذا الكتاب محل بيانها.
وأبو هريرة رضي الله عنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر -أي: في السنة السابعة من الهجرة- بعد عشرين سنة من البعثة، فإذا علمت هذا فتأمل قول ابن مسعود: من هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ وقول علي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ فلا يحتاج إلى تعليق.
وعلى أي حال، حتى لا نطيل على القارئ في سيرنا على هذا المنوال بذكر صحابي صحابي، نورد هنا بعض الروايات المشتركة، ففيها غنىً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقبل هذا نذكرك برواية غزوة الخندق التي مرَّت بك، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من يقوم إلى مبارزته -أي: عمرو بن ود- وله الإمامة بعدي؟ وعرفنا هناك أن هذه الغزوة كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، ولكن لم نعرف أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم -وكانوا ثلاثة آلاف في تلك الغزوة- استدرك ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أخبره بأنه قال لهم: إن الأئمة خلقوا قبل الخلق بمليوني عام، وكذلك شأن علي بن أبي طالب نفسه الذي أنشد في ذلك شعراً كما مرَّ بك، ولعلَّ كل هذا يدلك على عدم وجود نص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، أي: بعد مرور ثمانية عشر عاماً من البعثة، أو أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم والأمير رضي الله عنه- قد نسوا كل تلك النصوص التي مرَّت بك حتى الآن، وأرى أن هذا الاحتمال قائم، وذلك أن الجميع -بما فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم والأمير رضي الله عنه- قد نسوا أمر هذه الغزوة، وأن علي بن أبي طالب بمبارزته وقتله ابن ود قد صار إماماً بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى القوم عن خالد بن سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله قال لنا ونحن محتوشوه في يوم بني قريظة وقد أقبل على رجال منا ذوي قدر، فقال: معاشر المهاجرين والأنصار، أوصيكم بوصية فاحفظوها، وإني مؤد إليكم أمراً فاقبلوه، ألا إن علياً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم أوصاني بذلك ربي وربكم([253]).
وقد علمت -أيضاً- مما مضى أن هذه الغزوة كانت عقب غزوة الخندق مباشرة، أي: أن بين قولـه صلى الله عليه وسلم: من يبارز ابن ود فله الإمامة بعدي، وبين قولـه السابق أياماً معدودات.
وتستمر تساؤلات الصحابة رضوان الله عليهم بزعم القوم في مواطن أخرى، فكلما سمعوا بذكر الأئمة تساءلوا عنهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله: معاشر الناس، من أراد أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، فليتول علي بن أبي طالب وبقية الأئمة من بعده، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟([254])
وتأخر هذه الرواية بيِّن مما عرفت من إسلام أبي هريرة رضي الله عنه.
وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)) [الرعد:7]، فقال: أنا المنذر، وعلي الهادي، وهو أبو الأئمة، فقيل: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟([255])
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاشر أصحابي، إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح وباب حطة في بني إسرائيل، فتمسكوا بأهل بيتي والأئمة الراشدين من ذريتي، فإنكم لن تضلوا أبداً، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟([256])
وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، قيل: يا رسول الله، فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟([257])
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول للحسين: يا حسين، أنت الإمام، ابن الإمام، أخو الإمام، تسعة من ولدك أئمة أبرار، تاسعهم قائمهم، فقيل: يا رسول الله، كم الأئمة بعدك؟ قال: اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين([258]).
وأضف إلى جهلهم بالأئمة بعده حتى تاريخ هذه الرواية التي يخاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الحسين رضي الله عنه، الذي ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والذي لاشك أنه بلغ مبلغ الإدراك، أي: سبع سنوات.
أقول: أضف إلى ذلك جهلهم بالحساب، فتأمل!
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بزعم القوم: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن تمسك بي والأئمة الأطهار من ذريتي، فقيل: يا رسول الله، فكم الأئمة بعدك؟([259])
وعنه -أيضاً- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزلوا أهل بيتي بمنزلة الرأس من الجسد، وبمنزلة العينين من الرأس، وإن الرأس لا يهتدي إلا بالعين، اقتدوا بهم من بعدي لن تضلوا، فسألنا عن الأئمة؟ فقال: الأئمة بعدي من عترتي -أو قال: من أهل بيتي- عدد نقباء بني إسرائيل([260]).
وتأمل تاريخ هاتين الروايتين، فراويهما هو ابن الأسقع الذي أسلم في السنة التاسعة من الهجرة.
وذكر القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف أصحابه أمير المؤمنين مرتين، وذلك أنه قال لهم: أتدرون من وليكم بعدي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن الله تبارك وتعالى قد قال: ((فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) [التحريم:4] -يعني: أمير المؤمنين- وهو وليكم بعدي؟ والمرة الثانية في غدير خم حين قال: من كنت مولاه فعلي مولاه([261]).
فالرواية فيها أن تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بأمير المؤمنين مرتين:
الأولى: بعد نزول سورة التحريم، التي نزلت -كما في بعض الروايات- في شأن عائشة وحفصة ومارية القبطية رضي الله عنهن، ومارية أهداها المقوقس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثامنة من الهجرة، فانظر متى تكون الرواية، وموقف جميع الروايات الآنفة الذكر والقادمة من غير هاتين المرتين، إلا أنه يسقط بها جميع ما أوردناه وما سنورده من روايات كانت أحداثها سابقة لروايتنا هذه.
كما لا يفوتك أن قول الصحابة رضي الله عنهم : الله ورسوله أعلم، ينسجم تماماً ويتفق مع ما قلناه، فتأمل!
أما المرة الأخرى -يوم غدير خم- فلنا معها شأن آخر في كتابنا هذا تجده في محله إن شاء الله.
نبقى معك عزيزي القارئ في السنة نفسها -أي: الثامنة من الهجرة- فاقرأ معي رواية القوم هذه، وهي سواء كانت قبل سابقتها أو بعدها؛ فإحداهما تسقط الأخرى وما قبلها.
تقول الرواية: قال بعض الثقات: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام فتح مكة، فقالوا: يا رسول الله، إن من شأن الأنبياء إذا استقام أمرهم أن يدلوا على وصي من بعدهم يقوم بأمرهم، فقال: إن الله تعالى قد وعدني أن يبين لي هذه الليلة الوصي من بعدي والخليفة الذي يقوم بأمري بآية تنزل من السماء، فلمَّا فرغ الناس من صلاة العشاء الآخرة من تلك الليلة، ودخلوا البيوت، وكانت ليلة ظلماء لا قمر فيها، فإذا نجم قد نزل من السماء بدوي عظيم، وشعاع هائل، حتى وقف على ذروة حجرة علي بن أبي طالب، وصارت الحجرة كالنهار، أضاءت الدور بشعاعه، ففزع الناس وجاءوا يهرعون إلى رسول الله، ويقولون: إن الآية التي وعدتنا بها قد نزلت، وهو نجم، وقد نزل على ذروة دار علي بن أبي طالب، فقال النبي: فهو الخليفة من بعدي، والقائم من بعدي، والوصي من بعدي، والولي بأمر الله تعالى([262]).
ولا أظن أن القارئ يحتاج مني إلى تعليق، ولكن أُذكره أن تاريخ رواية بعض الثقات هو عشرون عاماً بعد البعثة.
وعلى أي حال، نترك مكة وقد فتحت، ونجمة الخليفة وقد نزلت، ونعود مع العائدين إلى المدينة لنكمل مشوارنا، ونقترب هذه المرة من أواخر أيامه صلى الله عليه وسلم خشية الإطالة ووفاءً بعهد الإيجاز الذي التزمنا به في المقدمة، يقول القوم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه حين دنا موته: هذا وليكم من بعدي، فإن أطعتموه رشدتم([263]).
ويقولون: إنه حذَّر أمته بقولـه -كما نسبوا رواية ذلك إلى الأمير رضي الله عنه-: ستكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسك بالعروة الوثقى، فقيل: يا رسول الله، وما العروة الوثقى؟
قال: ولاية سيد الوصيين، قيل: ومن سيد الوصيين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يا رسول الله، ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يا رسول الله، من مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب([264]).
ولا أدري ماذا كان موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو راوي الحديث، وقد رأى إخوانه يجهلون كونه العروة الوثقى، وسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، ومولى المسلمين، وإمامهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعجب منه موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وحلمه مع هؤلاء الذين لم يعرفوا مَن لولاه لما خلقوا.
وأرى أن نعذرهم بضمان الرواية الآتية التي يرويها القوم عن علي بن أبي طالب -أيضاً- حيث يقول لطلحة: يا طلحة، أليس قد شهدت رسول الله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: إن رسول الله يهجر، فغضب رسول الله وتركها؟
قال: بلى شهدته، قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها ويشهد عليه العامة، وإن جبرئيل أخبره بأن الله يعلم أن الأمة ستختلف وتفترق، ثم دعا بصحيفة فأملى عليَّ ما أراد أن يكتب بالكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان الفارسي، وأبا ذر، والمقداد، وسمَّى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم، ثم ابني هذا الحسن، ثم ابني هذا الحسين، ثم تسعة من ابني هذا الحسين([265]).
ففي الرواية دلالة على أن الأئمة لم يكونوا مسمَّيْن حتى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، حيث انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبذلك نتبين موقف علي بن أبي طالب من الصحابة في الحديث السابق.
وفي الرواية فوائد أخرى سنتعرض لها في حينها، ولكن نأخذ منه الآن علة خوفه من أن تضل أمته بعده، مما اقتضى منه صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم هذا الكتاب.
فنقول: لا يخلو شأن أمته من أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لهم الخليفة من بعده، ومن ثمَّ ليس لهذا الكتاب حاجة، أو أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نص بعد على خليفته من بعده، ففي الأخذ بأيهما إشكال لا يمكن توجيهه، ففي الأول خوف من أمرٍ قد فرغ منه، وتم تبيينه مراراً كما مرَّ بك في هذا الفصل، فضلاً عما أوردناه في مقدمة الباب، مما يستوجب تكراراً يستقبح صدور مثله عنه صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: لعلَّ ذلك منه صلى الله عليه وسلم إقامة للحجة على قومه وقد علم منهم مخالفتهم لـه بعد موته.
فيقال له: إن من عقد العزم على مخالفة كل تلك النصوص منذ بدء الدعوة لن يثنيه أو يغيره كتاب يُكتب في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.
أما الإشكال الآخر: وهو عدم نصه صلى الله عليه وسلم، فإن الأخذ به إسقاط لمعتقد الإمامية من أصله، ولعل ما يؤكد هذا الإشكال رواية القوم هذه التي سنختم بها حديثنا.
فعن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، قال: لما مرض النبي مرضه الذي قبضه الله فيه اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه، وقالوا: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟
فلم يجبهم جواباً وسكت عنهم، فلمَّا كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول، فلم يجبهم عن شيء مما سألوه، فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، إن حدث بك حدثٌ فمن لنا من بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟
فقال لهم: إذا كان غداً هبط نجم من السماء في دار رجلٍ من أصحابي فانظروا من هو؟ فهو خليفتي عليكم من بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي، فلمَّا كان اليوم الرابع جلس كل رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النجم، إذ انقض نجم من السماء قد غلب نوره على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة علي([266]).
فهذه الرواية لا تحتاج إلى بيان، وأوجه الدلالة فيها واضحة، فهي تسقط كل ما أورده القوم قبل هذه القصة وقد علمت تاريخها.
ولا يفوتني هنا أن أذكرك بقولـه: اجتمع عليه أهل بيته وأصحابه، وأنت خبير بأن أهل بيته عند القوم، هم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين دون غيرهم، وهذه الرواية لم يروها من لا يرى هذا الحصر في أهل البيت، بل رواها الصادق عن الباقر عن آبائه رضي الله عنهم، وبهذا لا يخلو من أن يكون علي بن أبي طالب والزهراء والسبطان فيمن سأل الرسول صلى الله عليه وسلم في أواخر أيامه عن الخليفة بعده، أو أن أهل البيت أعم من حصرهم في هؤلاء الأربعة، فإن كان الأول فقد علمت نتيجته، وإن كان الآخر فهو مأزق كبير سترى نتائجه لاحقاً([267])، هذا ما كان من شأن الرعيل الأول.
 
الإمام زين العابدين وأصحابه والنص:
نبدأ حديثنا عن الإمام الرابع زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله، وأصحابه وأهل بيته، وموقف هؤلاء من الإمامة والنص، بسرد هذه الرواية التي تعيد إلى أذهاننا مسألة السرية والكتمان في مسألة جاهلها لا يعذر، وأعمال منكرها لا تقبل، ولكن كما عودناكم سنقتصر على النصوص دون اللجوء إلى التفسيرات والتعليلات، حيث إن هذه النصوص في ذاتها تغني عن ذلك.
نشرع في المقصود فنقول:
روى القوم عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدة أم أبي محمد، فقلت: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ فقالت: اقتدِ بالحسين بن علي، والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين.
وفي رواية عن الباقر: إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى، فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين مريضاً لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين ورجع أهل بيته إلى المدينة، دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا([268]).
أقول: إذاً أين تلك النصوص كلها التي تقول: إن الإمامة بعد الحسين تكون في زين العابدين، وتلك القائلة: إن معرفة ذلك ركن من أركان الدين ولا يتم إيمان المؤمن إلا بها؟ وأين هو محل هذه الوصية -ظاهرة كانت أم باطنة- من أمر قد عُلِمَ مسبقاً فيمن تكون؟ ولِم لَمْ ينكر أحد من الشيعة جعل الوصاية إلى امرأة، حتى لو كانت زينب رضي الله عنها، أم فاطمة الكبرى على الخلاف الذي مرَّ بك في الروايتين، وهم يعلمون سلفاً بأن الأئمة مسمَّون بأسمائهم، وبوصية نزلت من السماء، وعهدٍ من رسول الله رجل فرجل مسمَّى حتى تنتهي إلى صاحبها، وليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده، كما مرَّ بك؟
وعلى ذكر ما جاء في الرواية بأنهم لا يرون أن زين العابدين يبقى بعده، فقد كان للحسين موقف شبيه بموقف جده من وصييه، وأبيه منه ومن أخيه صلوات الله عليهم أجمعين، هذا الموقف هو افتراض موت اللاحق قبل السابق.
ففي فاجعة كربلاء خرج زين العابدين وكان مريضاً لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع، فقال: يا عمتاه، ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين رضي الله عنه: يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل رسول الله صلى الله عليه وسلم([269]).
فهل غاب عنه رضي الله عنه أن زين العابدين سيكون الإمام من بعده نصاً من الله ورسوله، وأن الأرض لا تخلو من حجة من آل الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لساخت.
والغريب أن زين العابدين كان جاهلاً بكل أحداث كربلاء، حتى بينت له ذلك زينب بنت علي رضي الله عنها، وعزَّته وسلَّته وبشرته بدرجات الشهداء([270]).
وعلى أي حال، نشرع في بيان موقف الأصحاب من الإمامة والنص، فنقول: روى القوم عن الباقر أنه قال: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً، وما كان يشك في أنه إمام حتى أتاه ذات يوم، فقال لـه: جعلت فداك، إن لي حرمة ومودة وانقطاعاً، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني، أأنت الإمام الذي فرض الله طاعته على الخلق؟
وفي موضع آخر: قال لعلي بن الحسين: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، فقال له علي بن الحسين: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني، وقد كنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمد بن الحنفية دهراً من عمري، ولا أشك إلا وأنه إمام([271]).
فاسأل نفسك: كيف خفي على رجل كهذا، وهو من الثلاثة الذين لم يرتدوا بعد قتل الحسين رضي الله عنه -بزعم القوم([272])- كيف خفي عليه أمر الإمام وهو يعرف أنه لابد من إمام مفروض الطاعة على الخلق، وكان لصيقاً بأهل البيت ومن شيعتهم؟
على أي حال، سنوقفك قريباً على علة جهله بهذا الأمر رغم خدمته دهراً من عمره لابن الحنفية، وهو عم زين العابدين، ولا شك أنه يعرف أن إيمان العبد ومدار قبول أعماله متوقف على القول بإمامة أبيه أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأخويه: الحسن والحسين، وابن أخيه، وبقية الأئمة، وهو يعرف أن خادمه هذا ضال بجهله بالإمام، بل وكافر لتوليه إماماً ليس من الله، أي: ابن الحنفية.
ثم ها هو -أي: الكابلي- ينتقل إلى خدمة إمامه بعد أن عرفه وأنقذ نفسه من النار، وضمن قبول أعماله وطاعاته، نراه يلاحقه بتلك الأسئلة، فيقول: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين، فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلى تمام الرواية، وفيها ذكر زين العابدين للأئمة([273]).
ويبدو الأمر طبيعياً حيث سؤاله، ولكن يبدو أنه نسي كل ذلك، فتراه يسأل زين العابدين: من الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد([274]).
ولا أدري إن كان قد اقتنع بكل ما مر أو أنه نسي مرة أخرى، وذهب إلى إمامه وهو في محرابه، وانتظره حتى فرغ من صلاته ليكرر عليه السؤال، حيث يقول: دخلت على علي بن الحسين وهو جالس في محرابه، فجلست حتى انثنى وأقبل عليَّ بوجهه يمسح يده على لحيته، فقلت: يا مولاي، أخبرني كم يكون الأئمة بعدك؟ قال: ثمانية، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر إماماً عدد الأسباط([275]). ولا أدري كيف صبر عليه الإمام إلى هذا الحد.
وآخر هو عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، قال: كنت عند الحسين بن علي، إذ دخل علي بن الحسين الأصغر، فدعاه الحسين وضمه إليه ضماً، وقبَّل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت ما أطيب ريحك وأحسن خلقك!
فتداخلني من ذلك، فقلت: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، إن كان ما نعوذ بالله أن نراه فيك فإلى من؟ قال: علي ابني، هذا هو الإمام أبو الأئمة، قلت: يا مولاي، هو صغير السن؟ قال: نعم، إن ابنه محمداً يؤتم به وهو ابن تسع سنين([276]).
وفي الرواية إشكال آخر، وهو كون الإمام هو علي الأصغر، إذ المعروف أنه استشهد مع أبيه الحسين في كربلاء، وهكذا شأن الكثير من أصحابه، ولا بأس من ذكر أمثلة أخرى.
عن زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: بينا أبي مع بعض أصحابه إذ قام إليه رجل، فقال: يا ابن رسول الله، هل عهد إليكم نبيكم كم يكون بعده أئمة؟([277])
ولا يفوتك أن تتأمل في قولـه: مع بعض أصحابه!
وعن أخيه الحسين بن علي بن الحسين رضي الله عنه: سأل رجل أبي عن الأئمة؟ فقال: اثنا عشر، سبعة من صلب هذا، ووضع يده على كتف أخي محمد([278]).
ومنهم من ظن أن أباه هو المهدي، فعن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا([279]).
 
خلاف أهل البيت مع زين العابدين رحمه الله:
على أي حال، نكتفي بذكر حال أصحابه المقربين خشية الإطالة، ونقترب إلى حال أهل بيته وهم من لا يفترض أن يغيب عنهم أو يخفى عليهم أمر لولاه لما خلق الله شيئاً، ولو أن أحداً منهم صف رجليه بين الركن والمقام وعبد ربه هناك ألف عام ثم ألف عام ما تقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يقول بالإمام، فذكرهم أبلغ في المقصود.
فها هو ابنه عمر بن علي زين العابدين يسأل أباه -كما يزعم القوم- عن علة تسمية أخيه الباقر بهذا الاسم؟ فيرد عليه أبوه: يا بني، إن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا، فيملأها قسطاً وعدلاً، وإنه الإمام، وأبو الأئمة، ومعدن الحلم، وموضع العلم، يبقره بقراً، والله لهو أشبه الناس برسول الله، فقال: فكم الأئمة بعده.. الرواية([280]).
كيف رضي أن يبقى ابنه جاهلاً بأعظم أركان الدين دون أن يبين لـه حتى كان هو الذي سأله، أو كان تاركه يموت على ضلالة لو لم يكن قد سأله، وعمر هذا قال عنه المفيد: وكان عمر بن علي بن الحسين فاضلاً جليلاً، وولي صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام، وكان ورعاً سخياً، وقد روى داود بن القاسم، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال: رأيت عمي عمر بن علي بن الحسين يشترط على من ابتاع صدقات علي عليه السلام أن يثلم في الحايط كذا وكذا ثلمة، ولا يمنع من دخله أن يأكل منه([281]).
وعن جرير القطان قال: سمعت عمر بن علي بن الحسين يقول: المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا، لنا حق بقرابتنا من جدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق جعله الله لنا، فمن تركه ترك عظيماً، أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذبنا الله فبذنوبنا، وإن يرحمنا الله فبرحمته وفضله([282]).
ولعل في قولـه: أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، ما يزيل شبهة عدم علمه بالأئمة، واللبيب بالإشارة يفهم.
وعلى أي حال، فقبل أن أنتقل إلى حديث آخر أود ألا يفوتك اسم صاحبنا هذا -أي: عمر بن علي- فتدبر وجهة الدلالة، ولنا مع مثل هذا وقفات في كتابنا هذا ستجدها في حينها إن شاء الله.
وهذا عمر آخر، وهو عمه، سترى أنه لم ينكر إمامته فحسب، بل ورأى منازعته في الصدقات، فقد روى القوم أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن، فأنا أولى بها منه، فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق:
لا تجعل الباطل حقّا ولا           تلطّ دون الحقّ بالباطل
 
ادعاء محمد بن علي بن أبي طالب [ابن الحنفية] رحمه الله للإمامة:
قبل أن أنتقل إلى الكلام عن الإمام الباقر وأصحابه، أختم حديثي عن زين العابدين برواية القوم هذه.
تقول الرواية: إنه لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به، وقال له: قد قتل أبوك ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي في سني وقدمتي، وأنا أحق بها منك في حداثتك، لا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تجانبني، فقال له علي بن الحسين: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي -يا عم- قد أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله عندي، فلا تتعرض لهذا فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ما صنع أبى أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين، فإن رأيت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك، قال أبو جعفر: وكان الكلام بينهما بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: ائته يا عم وابتهل إلى الله تعالى أن ينطق لك الحجر، ثم سله عما ادعيت، فابتهل في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر، فلم يجبه، فقال علي بن الحسين: أما إنك يا عم لو كنت وصياً وإماماً لأجابك، فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي فاسأله، فدعا الله علي بن الحسين بما أراده، ثم قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء والأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا مَن الإمام والوصي بعد الحسين؟ فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين، فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله.
وفي رواية: عن أبي بجير -عالم الأهواز- وكان يقول بإمامة ابن الحنفية، قال: حججت فلقيت إمامي، وكنت يوماً عنده، فمرَّ به غلام شاب فسلم عليه، فقام فتلقاه وقبَّل ما بين عينيه وخاطبه بالسيادة، ومضى الغلام وعاد محمد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عنائي، فقال: وكيف ذاك؟ قلت: لأنا نعتقد أنك الإمام المفترض الطاعة تقوم تتلقى هذا الغلام وتقول له: يا سيدي؟ فقال: نعم، هو والله إمامي، فقلت: ومن هذا؟ قال: علي ابن أخي الحسين، اعلم أني نازعته الإمامة ونازعني، فقال لي: أترضى بالحجر الأسود حكماً بيني وبينك؟ فقلت: وكيف نحتكم إلى حجر جماد؟ فقال: إن إماماً لا يكلمه الجماد فليس بإمام، فاستحييت من ذلك، وقلت: بيني وبينك الحجر الأسود، فقصدنا الحجر... فذكر القصة([283]).
وفي أخرى: عن أبي خالد الكابلي، قال: دعاني محمد بن الحنفية بعد قتل الحسين ورجوع علي بن الحسين إلى المدينة وكنا بمكة، فقال: صر إلى علي بن الحسين، وقل له: إني أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخويَّ الحسن والحسين، وأنا أحق بهذا الأمر منك، فينبغي أن تسلمه إلي، وإن شئت فاختر حكماً نتحاكم إليه، فصرت إليه وأديت رسالته، فقال: ارجع إليه، وقل له: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما لم يجعله الله لك، فإن أبيت فبيني وبينك الحجر الأسود، فمن أجابه الحجر فهو الإمام... إلى آخر القصة([284]).
هذا غير منازعته له في الصدقات، فعن سفيان بن عيينة، قال: قيل للزهري: من أزهد الناس؟
قال: علي بن الحسين حيث كان، وقد قيل له فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة في صدقات علي بن أبي طالب: لو ركبت إلى الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من غرر شره وميله عليك بمحمد، فإن بينه وبينه خلة، قال: وكان هو بمكة والوليد بها، فقال: ويحك! أفي حرم الله أسأل غير الله عز وجل؟ إني آنف أن أسأل الدنيا خالقها، فكيف أسألها مخلوقاً مثلي؟
وقال الزهري: لا جرم أن الله عز وجل ألقى هيبته في قلب الوليد حتى حكم له على محمد بن الحنفية([285]).
وفي رواية: عن ابن غندر قال: جاء مال من خراسان إلى مكة، فقال محمد بن الحنفية: هذا المال لي وأنا أحق به، فقال علي بن الحسين: بيني وبينك الصخرة، فأتيا الصخرة، فكلمها ابن الحنفية فلم تنطق، فكلمها علي بن الحسين فنطقت، وقالت: المال مالك وأنت الوصي ابن الوصي، والإمام ابن الإمام، فبكى محمد، وقال: يا ابن أخي ظلمتك([286]).
فهذه بعض مواقف ابن الحنفية من زين العابدين رحمهما الله، ولكن قبل الشروع في التعليق على هذه الروايات، أود أن أذكر هنا نبذة وجيزة عن منزلة ابن الحنفية:
قال الصدوق: كان محمد مورداً لعطف أمير المؤمنين -يعني: علياً رضي الله عنه- وشفقته، وقال: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذريته من أمته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا، وأومأ بيده إلى عبدالله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية([287]).
وقال ابن شهر آشوب: وجعله أمير المؤمنين في حرب صفين مع محمد بن أبي بكر وهاشم المرقال على ميسرة العسكر، وجعل الحسن والحسين ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر على الميمنة([288]).
وأعطاه أمير المؤمنين الراية يوم البصرة، وقال له: أنت ابني حقاً([289])، وغيرها([290]).
نرجع إلى روايتنا فنقول: لو لم يكن في كتابنا سوى هذه الرواية فهي حسبه، فقول ابن الحنفية: قد قتل أبوك ولم يوصِ، ورد زين العابدين: إن أبي يا عم أوصى إليَّ في ذلك، من أعظم الدلالات على بطلان كل ما مرَّ بك من القول بالنص على الاثني عشر، ويكفيك عدم احتجاجه بذلك، وإلا كان حسبه القول: يا عم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وأنه لولاهم لما خلق الله شيئاً وأنت منهم، ولا قبل أعمال العباد وأنت منهم إلا باعتقاد إمامتهم... وهكذا، إلى ذكر كل ما مرَّ بك في مقدمة هذا الباب، بدلاً من قولـه: إن أبي -يا عم- أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وإن كنا لا نرى توجيهاً لعهد الحسين رضي الله عنه هذا لذات العلة.
ثم إن احتجاجه بعامل السن رغم كون زين العابدين قد جاوز العشرين سنة لا يخلو من علة، وهي أهمية هذا العامل في مثل هذه المسائل، وما دمنا قد تطرقنا إلى هذه المسألة فلا أرى بأساً من ذكر بعض الدلائل التي تشير إلى أهمية ذلك، فزين العابدين نفسه لم يرَ في سن ابنه الباقر ما يجعله أهلاً للمحرمية، وذلك عندما أمر يزيد بقتله كما يروي القوم، فقال زين العابدين: فإذا قتلتني فبنات رسول صلى الله عليه وسلم من يردهن إلى منازلهن وليس لهن محرم غيري؟ فقال: أنت تردهن إلى منازلهن([291]).
وكان الباقر حينذاك لم يتجاوز الرابعة من العمر، ناهيك أن افتراض مقتله يقتضي أن يتولى أمر المؤمنين من لم يبلغ الخامسة من عمره، لذا يروي القوم أنه -أي: الباقر- تكلم بعد موت أبيه بسبع سنين([292]).
أي: أن الأرض تركت من غير حجة يفزع الناس إليها في حلالهم وحرامهم كما تقتضيه مسألة اللطف عند القوم.
والغريب أن القوم يقولون: إن الشيعة لم تعرف الحلال أو الحرام حتى تكلم الباقر([293]).
 
أهمية عامل السن في متولي الخلافة:
وعلى أي حال، ليس هذا موضوعنا، ونعود إلى مسألة السن، فقضية السن قضية فطرية أزلية لا يكاد يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح فيها كبشان، فمنذ بدء الخليقة وهذا الاعتبار آخذ مأخذه.
فقد ذكر القوم: أن قابيل أتى هبة الله، فقال: إن أبي أعطاك العلم الذي كان عنده وأنا أكبر منك وأحق به منك.
وفي رواية: إن الله تبارك وتعالى أوصى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل فغضب، فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية([294]).
وتستمر هذه القضية، فها هم بنو إسرائيل ينكرون على داود عليه السلام استخلافه سليمان لصغر سنه([295]).
ولا يكاد يخلو عصر من العصور من اعتقاد الناس بعامل السن هذا، ففي عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يروي القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: قم من مكان علي؟ فقال: تقيم الشيخ وتجلس الغلام، فأعادها عليه ثلاث مرات، فقام العباس فنهض مغضباً، وجلس عليٌّ مكانه، فقال رسول الله: يا عباس، يا عم رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيدخلك سخطي عليك النار، فرجع فجلس([296])، مما يوحي إليك بتقديم اعتبار السن حتى لو أدَّى ذلك إلى سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ما يعتقدون.
وها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الكهف يرى ما تقدم، ففي روايات أوردها القوم في كتبهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم إلى أهل الكهف -في قصة طويلة- فيها أن علي بن أبي طالب قال لأبي بكر رضي الله عنهما: يا أبا بكر، سلِّم فإنك أسننا، وكذلك قولـه لعمر.
وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وتقدم أنت يا أبا بكر فإنك أسن القوم، ثم عمر، ثم عثمان([297]).
وكان علي رضي الله عنه يحتج ويعتذر بهذا، حتى يوم أن أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بسورة براءة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك خطيب وأنا حديث السن، فقال: لابد أن تذهب بها أو أذهب بها، قال: أما إذا كان كذلك فأنا أذهب يا رسول الله، قال: اذهب فسوف يثبت الله لسانك، ويهدي قلبك([298]).
كل هذا في تبليغ سورة إلى مكة لا قرآن إلى أمة.
وبعدها لما أرسله إلى اليمن، قال: بعثني رسول الله إلى اليمن، فقلت: بعثتني يا رسول الله وأنا حدث السن لا أعلم بالقضاء([299]).
فأنت ترى أن ذلك رغم كونه في السنة العاشرة من الهجرة، وجاوز الأمير الثلاثين، ومع هذا لم ير التغاضي عن صغر سنه، أو إقراره بجهله بالقضاء، وكل هذا في توليه جزءاً صغيراً من العالم الإسلامي الذي عليه أن يكون أميراً عليها بعد أشهر قليلة من هذه الحادثة.
ولعل هذا ينسجم تماماً مع قول أبي عبيدة رضي الله عنه له يوم البيعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحسن، إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قريش ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور([300]).
وكذا كان الأمر في أولاده، فلا زال يحتج أهل البيت بعضهم على بعض بهذا العامل حتى ولو كان الفارق عاماً واحداً مما ينبئك بأنه أمر لا يمكن التغاضي عنه.
يروي القوم عن الربيع بن عبدالله أنه قال: وقع بيني وبين عبدالله بن الحسن كلام في الإمامة، فقال عبدالله بن الحسن: إن الإمامة في ولد الحسن والحسين، فقلت: بل في ولد الحسين إلى يوم القيامة دون ولد الحسن، فقال لي: وكيف صارت في ولد الحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، وهما في الفضل سواء، إلا أن للحسن على الحسين فضلاً بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في ولد الأفضل([301]
هذا مع العلم بأن بين الحسن والحسين رضي الله عنهما طهر واحد فقط، ويؤيد ذلك روايتهم عن الصادق: نزل أمر الحسن والحسين معاً، فتقدمه الحسن بالكبر([302]).
ونراه مرة أخرى يجادل الصادق في ذات المسألة، ويقول له: جعلت فداك، إن السن لي عليك، فإن في قومك من هو أسن منك([303]).
وهذا عبد الله بن جعفر الصادق نراه يدَّعي الإمامة بعد وفاة أبيه على أساس السن، محتجاً بأنه أكبر أولاد الصادق بعد أخيه إسماعيل الذي توفي في حياة أبيه، وقد اتبعه جماعة من الشيعة من أصحاب الصادق، وإن عاد أكثرهم عن القول بإمامته([304])، والإمام الكاظم رحمه الله كان يومها في العشرين من عمره([305]).
ثم ها هو حفيده الإمام الجواد رحمه الله، يتولى إمرة المسلمين -بزعم القوم- وعمره لم يتجاوز على اختلاف الروايات التاسعة([306])، حتى روى القوم في ذلك أن الناس أنكروا عليه حداثة سنه([307]).
وعندما أراد هو أن يوصي إلى ابنه الإمام الهادي استصغره([308]).
ولم أقف على علة الوصية وكذا الاستصغار في أمرٍ أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم في وصية مكتوبة فيها أسماء الأئمة بعده، كما مرَّ بك بزعم القوم.
رغم هذا فالهادي رحمه الله تولَّى الإمامة وله من العمر ست سنين وخمسة أشهر([309]). ونراه يقول لابنه العسكري: يا بني، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً([310]).
أي: جعلك إماماً بموت أخيك محمد، ولنا مع هذه الرواية مقال في حينه.
أما المهدي فهو أمر آخر نرجئه إلى حينه.
ولا شك أن هذه الروايات وغيرها كثير لم نذكرها، تحمل في طياتها أموراً كثيرة لم تخف علينا، ولا أظن أن القارئ اللبيب قد يفوته منها شيء، ولكن أعرضنا عن ذكرها هنا خشية التكرار، إذ إننا سنأتي على التعليق عليها في أماكنها، ولكن اقتصرنا هنا على إيراد موضع الشاهد منها وهو أهمية عامل السن([311]).
نعود إلى روايتنا الأولى، ومنها إلى تساؤلنا عن عدم اللجوء إلى هذه الطريقة في إثبات الإمامة من قبل بقية الأئمة؟ ويحضرني هنا طريقة أخرى كان يمكن اللجوء إليها بدلاً من المشي إلى الحجر الأسود، وهي أن من علامات الإمام أنه يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظل.
وفي رواية: فيء([312]).
ولا أدري لِمَ لَمْ يستفد من هذه الأخيرة، ولعل الحادثة كانت ليلاً، والطريف قول البعض: إن ابن الحنفية إنما فعل ذلك إزاحةً لشكوك الناس في ذلك([313]).
ولا شك أنك علمت من الروايات الأخرى فساد هذا القول، ناهيك عن علة ذلك فيما عُرِفَ من الدين بالضرورة، وفي ركن من أعظم الأركان، ويكفيك منازعته لـه في صدقات الأمير([314])، دلالةً على عدم قناعته بما مرَّ، وسواء سبقت أحداث الرواية الأولى أو الثانية ففيهما ما يغني، وحسب ذلك كله قول الصادق كما يدَّعي القوم: ما مات محمد بن الحنفية حتى أقرَّ لعلي بن الحسين([315]).
ثم إن كانت هذه الروايات تشير إلى ادعائه الإمامة أو الرجوع عنها فقد اعتقد الكثير من الشيعة في إمامته.
يقول النوبختي -وهو من علماء القوم- في معرض كلامه عن حال الشيعة بعد الحسين رضي الله عنه: ثم افترقوا بعده ثلاث فرق: ففرقة قالت بإمامة محمد بن الحنفية، وزعمت أنه لم يبق بعد الحسن والحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين من محمد بن الحنفية، فهو أولى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بها بعد الحسن من ولد الحسن، فمحمد هو الإمام بعد الحسين.
وفرقة قالت: إن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى هو الإمام المهدي، وهو وصي علي بن أبي طالب ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته ولا يشهر سيفه إلا بإذنه، وإنما خرج الحسن بن علي إلى معاوية محارباً لـه بإذن محمد بن الحنفية ووادعه وصالحه بإذنه، وإن الحسين إنما خرج لقتال يزيد بإذنه([316])، ولو خرجا بغير إذنه هلكا وضلا، وإن من خالف محمد بن الحنفية كافر مشرك([317]).
بل إن من الشيعة من قال: إنه المهدي سماه علي مهدياً، وهو لم يمت ولا يموت ولا يجوز ذلك؛ ولكنه غاب ولا يُدرى أين هو، وسيرجع ويملك الأرض، ولا إمام بعد غيبته إلى رجوعه.
بل إن منهم من قال: إن ابن الحنفية هو الله عز وجل -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وغير ذلك، والكلام في ذلك يطول([318]).
ولكن انظر أين القول بالنص من كل هذه النقول؟!
 
موقف الإمام محمد الباقر رحمه الله وأصحابه من النص:
ثم يأتي دور ابنه الباقر محمد بن علي رحمهما الله، وحديثنا عنه وعن أصحابه، ونبدأ بهذه الرواية: عن مالك بن أعين الجهني قال: أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي، فقال: بني، إني جعلتك خليفتي من بعدي، لا يدَّعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقاً من نار، فاحمد الله على ذلك واشكره([319]).
لا أدري هل كان الأمر له يضعه حيث يشاء، أم إنه الإمام من بعده من الله عز وجل، ولو لم يوص إليه أكان سيخلفه من بعده؟!
ولا شك أنك ترى مما مرَّ بك من أول الباب أن قولـه: إني جعلتك خليفتي من بعدي، مثل قوله: إني جعلت الصوم في شهر رمضان، فإما أن يكون هذان الأمران مفروضين من الله عز وجل، وليس لبشرٍ فيهما شأن، وإما الآخر، وهذا لا يقول به مسلم.
إذاً.. لا يبقى إلا أن ينتفي الآخر، أي: بطلان النص، وسيأتيك ما يدعمه.
ثم لا يفوتك قولـه: لا يدعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقاً من نار، يستشعر منه انتفاء النص، ذلك أن من نوى خلاف الله عز وجل فيمن نصَّ عليه لن يثنيه وصية بشر، ولا أظن أن هذا يفوت الإمام، أما شكره لهذه النعمة فلا شك أنها حاصلة قبل آلاف السنين من بدء الخليقة كما مرَّ بك، لا في السنة الخامسة والتسعين من الهجرة حيث توفي زين العابدين رحمه الله.
والغريب أنه قد نسي الأمرين على افتراضهما، أي: سواء النص من الله عز وجل، أو وصية السجاد، فعندما سأله أبو حنيفة رحمه الله: أنت الإمام؟ قال: لا، قال: فإن قوماً بالكوفة يزعمون أنك إمام، قال: فما أصنع بهم؟ قال: تكتب إليهم تخبرهم، قال: لا يطيعوني([320]).
فلا أعرف وجهاً لهذا الإنكار، فأبو حنيفة رحمه الله لم يكن أبداً من رجال السلاطين حتى يتقيه، فقد كان هواه مع آل البيت، وموقفه المؤيد لخروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هشام بن عبد الملك، وخروج عبد الله بن الحسن وولديه: محمد المعروف بالنفس الزكية وإبراهيم على المنصور، ورفضه تولي القضاء وتعذيبه حتى موته في الحبس -كما في بعض الروايات- أمور لا تخفى على من له أدنى قراءة لتاريخ الرجل.
وحتى لو أعرضنا عن كل هذا فلا أرى وجهاً للتقية، هذه الحيلة التي يلجأ إليها القوم في كل ما اضطرب عليهم من أمور، أو خالف أهواءهم ولم يخدم أغراضهم، كما سيكون تعليقهم على الكثير مما مر وسيمر بك في هذا الكتاب.
أقول: لا أرى وجهاً للتقية هذه بدلالة الرواية التي أوردها القوم عن الصادق، من أن الله أنزل الوصية من السماء على محمد كتاباً، وعليها خواتيم لكل إمام، وكان فيما يخص خاتم الباقر أن قال له الله عز وجل فيه: أن فسر كتاب الله تعالى، وصدِّق أباك، وورِّث ابنك، واصطنع الأمة، وقم بحق الله، وقل الحق في الخوف والأمن، ولا تخش إلا الله، ففعل.
وفي رواية: حدِّث الناس ولا تخافن إلا الله عز وجل، فإنه لا سبيل لأحد عليك، ففعل([321]).
فضلاً عن علمه بموعد موته باليوم والساعة، كما روى القوم عن الصادق أنه قال: قال أبي لي ذات يوم: إنما بقي من أجلي خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص([322]).
وقد مرَّ بك زعم القوم أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم، فتأمل كيف توفق بينهما!
نعود إلى ذكر الأصحاب، فعن أبي الجارود، قال: قلت لأبي جعفر: جعلت فداك، إذا مضى عالمكم أهل البيت، فبأي شيء يعرفون من يجيء من بعده؟ قال: بالهدي والإطراق، وإقرار آل محمد لـه بالفضل، ولا يسأل عن شيء مما بين الدفتين إلا أجاب عنه([323]).
لا أدري لماذا لم يكن جوابه أن ذلك يعرف بالنص من الله ورسوله على الاثني عشر، بدلاً من كل تلك الملاحظات والامتحانات؟!
فهل أبو الجارود هذا يحتاج في معرفة الإمام بعد الباقر -مثلاً- إلى وضع امتحان لـه في القرآن الذي بين الدفتين؟ أما كان يجزئه أن الإمام بعد الباقر ابنه الصادق بالنص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما مر بك في المقدمة؟
وهذا آخر وهو أبو خليفة، يقول: دخلت أنا وأبوعبيدة الحذاء على أبي جعفر، فقلت: كيف لنا بصاحب هذا الأمر حتى نعرف؟
قال: قول الله: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ)) [الحج:41] إذا رأيت هذا الرجل منا فاتبعه فإنه هو صاحبك([324]).
ولا أدري -أيضاً- كم رأى صاحبنا هذا من مكنه الله تمكين الباقر في الأرض وفيه هذه الصفات فاتبعه، أو كم بحث وأجهد نفسه ليجد هذا الرجل، اللهم إلا أن يقال: بأنه ليس في آل محمد زمان الباقر من فيه هذه الصفات سوى الصادق، وهذا ما حدا بالباقر إلى هذا القول، وإن كنت أتمنى أنه لم يضف إلى ضلالة أبي خليفة بجهله بالأئمة تلبيس الأمر عليه، وأن يقول له وللحذاء صاحبه الذي لا شك أنه يشاركه الجهل: بأن الإمام من بعدي فلان، ومن بعده فلان.. إلى الثاني عشر.
والمجلسي في بيانه لمعنى الإطراق في روايتنا السابقة قال: لعله أراد به السكوت في حال التقية([325]).
ولكن هل كان بيانه هذا ينسحب على هذه الرواية أم لا؟
وإن كنت لا أظن ذلك لقولـه في تعليقه على روايتنا هذه: إن من علامات الإمام أن يكون أشجع الناس، لأنه فئة المؤمنين التي يرجعون إليها إن انهزم من الزحف انهزم الناس لانهزامه([326]).
ولا أظن أن سؤال أبي خليفة هذا معركة، وهو أصلاً منزه عن الهزيمة فيها.
وآخر وهو عبد الرحيم القصير يقول: سألت أبا جعفر: هل لولد جعفر فيها نصيب؟ -أي: في الإمامة- قال: لا، قال: فعددت عليه بطون بني عبد المطلب، كل ذلك يقول: لا، ونسيت ولد الحسن، فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ فقال: يا أبا محمد، ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا([327]).
أقول: لا شك أن (لاءات) الباقر كانت كثيرة، وإن كنت أرى أن (لا) واحدة تجزيء وهو القول: لا تقبل أعمالك ولو عبدت الله بين الركن والمقام ألف عام ثم ألف عام إلا بولاية أهل البيت الذين نصَّ الله عليهم بأسمائهم، ويبدو أن خروج القصير كان كدخوله تماماً، جاهلاً بالأئمة والإمامة، حيث قال: فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ ولا أدري كيف خفي عليه النص في أعظم أركان الدين، بل إن قبول الأركان الأخرى مقرونة بها، وكيف دخل على الباقر وخرج منه بالجهل نفسه، وأعجب منه جواب الإمام، وكنت تمنيته أن يقول: ويحك يا أبا محمد، أولم تعلم أن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر لا ينقصون ولا يزيدون، وهم مسمون بأسمائهم، وهم: علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم أنا، ثم ابني جعفر.. وهكذا إلى بقية الأئمة، بدلاً من أن يضطره إلى كل هذه الأسئلة، ويضطر هو إلى كل (لاءاته) تلك.
لا زلنا مع الباقر وأصحابه، فهذا الكميت -الشاعر- يروي القوم أنه قال: دخلت على سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقر، فقلت: يا ابن رسول الله، إني قد قلت فيكم أبياتاً أتأذن لي في إنشادها؟ فقال: إنها أيام البيض، قلت: فهو فيكم خاصة، قال: هات، فأنشأت أقول:
أضحكني الدهر وأبكانـي         والدهر ذو صرف وألوان
إلى أن قال:
متى يقوم الحق فيـكم          متى يقـوم مهـديكم الثانـي؟
قال: سريعاً إن شاء الله سريعاً، ثم قال: يا أبا المستهل، إن قائمنا هو التاسع من ولد الحسين، لأن الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر، الثاني عشر هو القائم، قلت: فمن هؤلاء الاثنا عشر؟ قال: أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين وأنا، ثم بعدي هذا، ووضع يده على كتف جعفر، قلت: فمن بعد هذا؟ قال: ابنه موسى، وذكر بقية الأئمة([328]).
أقول: كنت أنتظر من شاعرنا أن يقول: يا سيدي، هل يحتاج معرفة أعظم أركان الدين ومَن لولاهم لما خلقت، ولا خلق الله الأكوان و.. و..، إلى بيان وتعريف، ولكن قولـه: يا سيدي، فمن هؤلاء الاثنا عشر؟ ثناني عن ذلك، إلا أن جهل شاعر كالكميت بالإمامة والأئمة أمر لا يمكن توجيهه، لا أقلَّ من معرفته بإمامة أمير المؤمنين الذي قال فيه وفي إمامته أشعاراً، فتشيعه كان ظاهراً، والتقية منه كانت محالاً، فشأنه كشأن أبي حنيفة لم يكن أبداً من رجال الدولة، بل إن شعره يطفح بعكس ذلك، ومن قولـه في ذم بني أمية:
فقل لبني أمية حيث حَلُّوا                  وإن خفت المهند والقطيعا
أجـاع الله من أشبعتموه            وأشبع من بجوركم أجيعـا
ويروي القوم أن الصادق لما أنشده هذه القصيدة دعا له([329]).
ويقولون: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في منامه، وطلبا منه أن ينشدهما قصيدته العينية من الهاشميات التي منها:
ويوم الدوح دوح غدير خم                أبان لـه الولاية لو أطيعا([330])
ويبدو جلياً أن الكميت لم يفهم الولاية هنا بمعنى الخلافة أو الإمارة كما يزعم القوم في حادثة الغدير، بدلالة روايتنا الأولى التي استفسر فيها عن الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويروون أنه دخل على الباقر فأنشده قصيدته هذه، فقال: اللهم اغفر للكميت، اللهم اغفر للكميت([331])، وفي موطن آخر أنشده:
من لقلـب متيم مستهـا            مغير ما صبوة ولا أحلام
فلما فرغ منها قال للكميت: لا تزال مؤيداً بروح القدس ما دمت تقول فينا([332]).
وفي أخرى: استقبل الباقر الكعبة، وقال: اللهم ارحم الكميت واغفر لـه -ثلاث مرات- ثم قال: يا كميت، هذه مائة ألف قد جمعتها لك من أهل بيتي، فقال الكميت: لا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عز وجل الذي يكافيني، ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه([333])، فهذه هي منزلة الكميت، وقد أعرضنا عن ذكر الكثير منها([334]).
ولك أن تسأل عن سر غياب النص على الاثني عشر عليه؟
ألم يكن الأجدر به -بدلاً من إعطائه حطام الدنيا- أن يعلم أن أعماله إنما هي هباء منثور لجهله بالأئمة، ولا أرى لزاماً من الاستزادة، ولكن قبل تركي لهذه الرواية إلى التي تليها، أود أن أنبهك إلى استدلال آخر فيها، وهو أن أكثر من أربعة عشر قرناً لا يعد من التشريع، واللبيب بالإشارة يفهم.
وتتكرر ظاهرة الغياب وجهل الأصحاب، فهذا آخر هو الحكم بن أبي نعيم قال: أتيت أبا جعفر وهو بالمدينة، فقلت له: علي نذر بين الركن والمقام إن أنا لقيتك ألا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أم لا؟ فلم يجبني بشيء، فأقمت ثلاثين يوماً، ثم استقبلني في طريق، فقال: يا حكم، وإنك لههنا بعد، فقلت: نعم، إني أخبرتك بما جعلت لله علي، فلم تأمرني ولم تنهني عن شيء ولم تجبني بشيء؟ فقال: بكر على غدوةً المنزل، فغدوت عليه، فقال: سَلْ عن حاجتك، فقلت: إني جعلت لله نذراً وصياماً وصدقة بين الركن والمقام إن أنا لقيتك ألا أخرج من المدينة حتى أعلم أنك قائم آل محمد أو لا؟ فإن كنت أنت رابطتك وإن لم تكن أنت سرت في الأرض فطلبت المعاش، فقال: يا حكم، كلنا قائم بأمر الله، قلت: فأنت المهدي؟ قال: كلنا نهدي إلى الله.. الرواية([335]).
 
خلاف أهل بيت الباقر معه:
لم يقتصر الجهل بالأئمة الاثني عشر على الأصحاب فحسب([336]) بل طال أهلَ البيت، فهذا يحيى بن زيد بن علي زين العابدين -رحمهم الله- يقول: سألت أبي عن الأئمة؟ فقال: الأئمة اثنا عشر: أربعة من الماضين وثمانية من الباقين، قلت: فسمهم يا أبه؟ قال: أما الماضون: فعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومن الباقين: أخي الباقر، وبعده جعفر الصادق ابنه، وبعده موسى ابنه -ثم ذكر بقية الأئمة-.
قال: فقلت له: يا أبه، ألست منهم؟ قال: لا ولكني من العترة، قلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم([337]).
فتدبر في الروايات السابقة وقارن بينها وبين ما يدعيه القوم من النص، وانظر هل يمكن التوفيق بينها، وهل يستقيم خفاء تلك النصوص على المقربين؟ وهل يستقيم القول باللطف ووجوب معرفة إمام الزمان مع تعسر معرفته إلا بسؤال أو تنبيه من إمام؟ فما مصير صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر أعمالِ مَن جهل بهم حتى يسأل أو يعلم؟
ولا شك أنهم لم يسألوا عن شهر الصيام أو الحج أو نصاب الزكاة وعدد ركعات العصر، ولعلَّ ما يخرجك من الحيرة أو يزيدها مزيد من روايات القوم.
عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن الصادق، قال: إن أبي استودعني ما هناك، فلمَّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً، فدعوت أربعة من قريش، فيهم: نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: ((يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [البقرة:132]، وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه يوم الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره، ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت لـه: يا أبت، ما كان في هذا أن يشهد عليه، فقال: يا بني، كرهت أن تغلب، وأن يقال: لم يوصِ إليه، وأردت أن تكون لك الحجة([338]).
أقول: لم أقف على علة الوصية هذه والتي فيها أمور لم يأخذ بها القوم حتى يومنا هذا، ولا الإشهاد عليها، ألم يعلم الناس وهؤلاء الأربعة من قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الصادق بعد أبيه، حتى اضطر الباقر إلى ذلك خشية أن يغلب أو يقال: لم يوصِ إليه وتكون الحجة له؟ وإن لم تكن حجة الله ورسوله مجزئة فماذا تكون حجة الباقر؟ ثم اسأل نفسك ما هي هذه الحجة التي كانت للباقر أصلاً وأرادها لابنه؟
وعن أبي عبيدة الحذاء قال: كنا زمن أبي جعفر حين قبض نتردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة، فقال: يا أبا عبيدة، من إمامك؟ قلت: أئمتي آل محمد، فقال: هلكت وأهلكت، أما سمعت أنا وأنت أبا جعفر وهو يقول: من مات ليس له إمام مات ميتة جاهلية؟ قلت: بلى لعمري لقد كان ذلك([339]).
ولا أظن أن القارئ يحتاج منا إلى تعليق، فأطلق العنان لفكرك، وتدبر في هذه الرواية، فستجدها مليئة بالشبهات والدلائل.
والباقر لم يسلم من خروج إخوته وأهله وخلافهم عليه، شأنه في ذلك شأن بقية الأئمة، وسأورد عليك بعضاً من تلك الروايات، ولن أحتاج معها إلى تعليق، وحسبك أن تستحضر عنوان كتابنا هذا، ثم انظر كيف توفق بينها، أو إن كنت تستطيع أن تخرج منها بالقول بالنص أو عدمه؟
روى القوم عن الصادق أنه قال: لما حضر علي بن الحسين الموت، قبل ذلك أَخْرَج السفط أو الصندوق عنده، فقال: يا محمد، احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة رجال، فلما توفي جاء إخوته يدعون في الصندوق؟ فقالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليَّ، وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه([340]).
وعن الباقر قال: كان فيما أوصى أبي إلي: إذا أنا مت فلا يلي غسلي أحد غيرك، فإن الإمام لا يغسله إلا إمام، واعلم أن عبدالله أخاك سيدعو إلى نفسه فدعه، فإن عمره قصير([341]).
ونختم ذلك بطامة شبيهة بطامة زين العابدين وابن الحنفية: يروي القوم عن الصادق أنه قال: كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أنا من ولد الحسن وأولى بذلك منك، لأني من ولد الأكبر، فقاسمني ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وادفعه إلي، فأبى أبي، فخاصمه إلى القاضي، فكان زيد معه إلى القاضي، فبينما هم كذلك ذات يوم في خصومتهم، إذ قال زيد بن الحسن لزيد بن علي: اسكت يا ابن السندية، فقال زيد بن علي: أف لخصومة تذكر فيها الأمهات، والله لا كلمتك بالفصيح من رأسي أبداً حتى أموت، وانصرف إلى أبي، فقال: يا أخي، إني حلفت بيمين ثقة بك وعلمت أنك لا تكرهني ولا تخيبني، حلفت أن لا أكلم زيد بن الحسن ولا أخاصمه، وذكر ما كان بينهما، فأعفاه أبي واغتنمها زيد بن الحسن، فقال: يلي خصومتي محمد بن علي فأعتبه وأؤذيه فيعتدي علي، فعدا على أبي، فقال: بيني وبينك القاضي، فقال: انطلق بنا، فلما أخرجه قال أبي: يا زيد، إن معك سكينة قد أخفيتها، أرأيتك إن نطقت هذه السكينة التي تسترها مني فشهدت أني أولى بالحق منك، أفتكف عني؟ قال: نعم، وحلف له بذلك، فقال أبي: أيتها السكينة، انطقي بإذن الله، فوثبت السكينة من يد زيد بن الحسن على الأرض، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أحق منك وأولى، ولئن لم تكف لألين قتلك، فخر زيد مغشياً عليه، فأخذ أبي بيده فأقامه، ثم قال: يا زيد، إن نطقت الصخرة التي نحن عليها أتقبل؟ قال: نعم، فرجفت الصخرة التي مما يلي زيداً، حتى كادت تفلق، ولم ترجف مما يلي أبي، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أولى بالأمر منك، فكف عنه وإلا وليت قتلك، فخر زيد مغشياً عليه، فأخذ أبي بيده وأقامه، ثم قال: يا زيد، أرأيت إن نطقت هذه الشجرة وتسير إليَّ أتكف؟ قال: نعم، فدعا أبي الشجرة فأقبلت تخد الأرض حتى أظلتهم، ثم قالت: يا زيد، أنت ظالم، ومحمد أحق بالأمر منك، فكف عنه وإلا قتلتك، فغشي على زيد، فأخذ أبي بيده، وانصرفت الشجرة إلى موضعها، فحلف زيد أن لا يعرض لأبي ولا يخاصمه، فانصرف وخرج زيد من يومه إلى عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، وقال: أتيتك من عند ساحر كذاب لا يحل لك تركه، وقص عليه ما رأى، وكتب عبد الملك إلى عامل المدينة، أن ابعث إليَّ محمد بن علي مقيداً، وقال لزيد: أرأيتك إن وليتك قتله قتلته؟ قال: نعم([342]).
أهؤلاء هم أهل البيت؟ أجيبوا أيها الشيعة! ألا يستقيم مدح أحدهم إلا بذم الآخر؟
وكما ذكرت من قبل أن هذه الروايات لا تحتاج إلى تعليق، ولكن لا بأس بالقول: إن أهل مكة أدرى بشعابها، كما أود القول: إن في الرواية دليلاً على أن السكاكين والصخور والأشجار لم تكن تتكلم يوم أن ادعى أبو بكر رضي الله عنه الإمامة دون علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا تنس -أيضاً- أن عبد الملك بن مروان هذا هو الذي شكر الله له وثبت ملكه وزاد فيه برهة كما مرَّ بك، ولعل إرساله في طلب الباقر مقيداً كان في هذه البرهة التي ذكرها والده زين العابدين.
 
افتراق الشيعة بعد وفاة الباقر:
قبل أن أنتقل إلى الإمام التالي، أذكر هنا موقف الشيعة بعد الباقر كما ذكر ذلك القوم أنفسهم:
يقول النوبختي: فلما توفي أبو جعفر افترقت أصحابه فرقتين، فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنه القائم، وأنه الإمام المهدي، وأنه لم يقتل، وقالوا: إنه حي لم يمت، مقيم بجبل يقال له: العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القائم المهدي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، وكان أخوه إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، خرج بالبصرة ودعا إلى إمامة أخيه محمد بن عبدالله، واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فقُتل بعد حروب كانت بينهم، وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام ورفضوه، فزعم أنهم رافضة، وأنه هو الذي سمَّاهم بهذا الاسم، ونصب بعض أصحاب المغيرة إماماً، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه، ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي، وأنكروا إمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، وقالوا: لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في المغيرة بن سعيد إلى خروج المهدي، وهو عندهم محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وهو حي لم يمت ولم يقتل، فسموا هؤلاء المغيرية باسم المغيرة بن سعيد مولى خالد بن عبدالله القسري، ثم تراقى الأمر بالمغيرة إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرئيل يأتيه بالوحي من عند الله، فأخذه خالد بن عبدالله القسري فسأله عن ذلك فأقر به ودعا خالداً إليه، فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قولـه فقتله وصلبه، وكان يدَّعي أنه يحيي الموتى، وكان يقول بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم.
وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر يسير منهم، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا: كَذبنا ولم يكن إماماً؛ لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عز وجل بدا له في إمامة إسماعيل، فأنكروا البداء والمشيئة من الله، وقالوا: هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة البترية ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداً، وهما: القول بالبداء، وإجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوا، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات؛ لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه وأنكروه عليهم؛ فقالوا: من أين هذا الاختلاف، وكيف جاز ذلك؟ قالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم، وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر([343]).
وذكر النوبختي قبل ذلك أن من نزلوا على القول بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر العلم أقاموا على إمامته إلى أن توفي، غيرَ نفرٍ يسير منهم، فإنهم سمعوا رجلاً منهم يقال له: عمر بن رياح، زعم أنه سأل أبا جعفر عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشكك في أمره وإمامته، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له: محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت لـه: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي، وهذه حالتي، فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيبَ بمثله، فرجع عن إمامته، وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه، ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله، ولا من يرخي ستره ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمال بسببه إلى قول البترية، ومال معه نفر يسير([344]).
ويحضرني هنا قول صاحب الحدائق في التقية حيث ذكر: فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل؛ لامتزاج أخباره بأخبار التقية([345]).
وفي مكان آخر قال: فإن جُلَّ الاختلاف في أخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية([346])، حتى قال الطوسي شيخ الطائفة: لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه.. إلى أن ذكر أنه وبسبب ذلك ترك الكثير من الشيعة مذهبهم([347]).
 
موقف الإمام جعفر الصادق رحمه الله وأصحابه من النص:
وصلنا إلى الحديث عن الإمام الصادق رحمه الله وأصحابه، ولكن لا شك أننا بوصولنا إلى هنا قد ابتعدنا كثيراً عما ذكرناه عن الإمامة ومنزلتها في مقدمة هذا الباب، لذا أنصح القارئ أن يمر مروراً سريعاً عليها حتى يقف على أوجه الدلالة فيما سيمر به.
ثم لا تنس أن ما ستقرؤه يكون أشد انتشاراً يوماً بعد يوم إلى زماننا هذا، أعني زمن الصادق المتوفى سنة (148) هجرية، أي: بعد مرور حوالي قرن ونصف القرن على البعثة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، مما يدل على أن خفاء أي نص من النصوص الآتية يقترب من الاستحالة إن لم يكن مستحيلاً، سواء على الأعداء الذين أخفوا تلك النصوص وتكتموا عليها بزعم القوم، أو على الأئمة وشيعتهم.
ولنشرع في المقصود، فنقول: لم يكن أصحاب الصادق بأفضل حالاً من أصحاب أبيه أو جده في جهلهم بالإمام والأئمة، مما يستوجب من ذلك أن من مات على ذلك مات ميتة جاهلية، أو مُنِي برد أعماله وعدم قبولها حتى لحظة سؤاله، ويبدو أن أمر الجهل بالنص هذا لم يغادر أحداً من أصحابه، بل حتى وأهل بيته كما سترى، إلا أننا -وكما ذكرنا- سنقتصر على ذكر بعض الأمثلة في كل موضوع خشية الإطالة والإطناب.
عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، وقدمني للموت قبلك، إن كان كون فإلى من؟ قال: إلى ابني موسى، فكان ذلك الكون، فوالله ما شككت في موسى طرفة عين قط، ثم مكث نحواً من ثلاثين سنة، ثم أتيت أبا الحسن موسى، فقلت لـه: جعلت فداك، إن كان كون فإلى من؟ قال: فإلى علي ابني([348]).
ولا نمل القارئ بتعليقاتنا، فأوجه الدلالة واضحة في الرواية ومثيلاتها.
عن المفضل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمد، فقلت: يا سيدي، لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضل، الإمام من بعدي ابني موسى([349]). وحسب هذه الروايات أن كل واحدة منها تسقط الأخرى.
وعن إبراهيم الكرخي قال: دخلت على أبي عبدالله، فإني لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر وهو غلام، فقمت إليه فقبلته وجلست، فقال أبو عبدالله: يا إبراهيم، أما إنه صاحبك بعدي([350]).
وعن معاذ بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله: أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال: قد فعل الله ذلك، قلت: من هو جعلت فداك؟ فأشار إلى العبد الصالح، وهو راقد، فقال: هذا الراقد، وهو يومئذٍ غلام، أي: الكاظم([351]).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: دخلت على جعفر بن محمد في منزلـه، وهو في بيت كذا من داره في مسجد لـه وهو يدعو، وعلى يمينه موسى بن جعفر يؤمن على دعائه، فقلت لـه: جعلني الله فداك، قد عرفت انقطاعي إليك وخدمتي لك، فمن ولي الأمر بعدك؟ قال: يا عبد الرحمن، إن موسى قد لبس الدرع فاستوت عليه، فقلت له: لا أحتاج بعدها إلى شيء([352]).
ولم أقف على فائدة هذا الانقطاع والخدمة مع الجهل بالأئمة.
عن ابن حازم قال: قلت لأبي عبدالله: بأبي أنت وأمي، إن الأنفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن؟ قال أبو عبدالله: إذا كان ذلك فهذا صاحبكم، وضرب بيده على منكب أبي الحسن([353]).
وعن صفوان الجمال، قال: سألت أبا عبدالله عن صاحب هذا الأمر؟ قال: صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب، وأقبل أبو الحسن وهو صغير ومعه بهمة عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لربك، فأخذه أبو عبدالله وضمه إليه، وقال: بأبي أنت وأمي من لا يلهو ولا يلعب([354]).
قارن بين هذه الرواية ورواية محمد بن مسلم: كنت عند أبي جعفر إذ دخل جعفر ابنه وعلى رأسه ذؤابة وفي يده عصاه يلعب بها، فأخذه الباقر وضمه إليه ضماً، ثم قال: بأبي أنت وأمي لا تلهو ولا تلعب([355]).
فتأمل في الروايتين وانظر تناقضهما، حيث نجد في الأولى كيف أن الصادق يرى أن الإمام لا يلهو ولا يلعب، بينما في الأخرى نراه هو وفي يده عصاه يلعب بها.
وعن عمر بن يزيد قال: كنت عند أبي عبدالله وهو وجع فولاَّني ظهره ووجهه إلى الحائط، فقلت في نفسي: ما أدري ما يصيبه في مرضه وما سألته عن الإمام بعده، فأنا أفكر في ذلك إذ حوَّل وجهه إليَّ، فقال: إن الأمر ليس كما تظن، ليس من وجعي هذا بأس([356]).
وعن يحيى بن إسحاق، عن أبيه قال: دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب الأمر من بعده، فقال لي: صاحب البهمة، وكان موسى ناحية الدار صبياً ومعه عناق مكية، وهو يقول لها: اسجدي لله الذي خلقك([357]).
وعن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبدالله: إن رجلاً من العجلية قال لي: كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ، إنما هو سنة أو سنتان حتى يهلك ثم تصيرون ليس لكم أحد تنظرون إليه؟ فقال أبو عبدالله: ألا قلت لـه: هذا موسى بن جعفر، قد أدرك ما يدرك الرجال، وقد اشترينا له جارية تباح له([358]).
والعجلية إحدى فرق الزيدية وهي من ضعفائها، وهم منسوبون إلى هارون بن سعيد العجلي، ولك أن تسأل عن ضلالة العجلي هذا، بل وجهل هارون بن سعيد نفسه، وجهل صاحبنا ابن محرز الذي أسقط في يده، أما زيد والزيدية فسيأتي بيانهم قريباً.
وعن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر: إني سألت أباك: من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبدالله ذهب الناس يميناً وشمالاً، وقلت: أنا وأصحابي بك، فأخبرني من الذي يكون بعدك؟ قال: ابني علي([359]).
ويشاركه في قضيته هذه أخوه نعيم بن قابوس حيث يقول: قال أبو الحسن: علي ابني، أكبر ولدي، وأسمعهم لقولي، وأطوعهم لأمري، ينظر معي في كتاب الجفر والجامعة، وليس ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي([360]).
ولا شك أن ما أخبره به ليس أمراً جديداً، إذ لا حاجة إلى تكرار ما هو معلوم.
وعن عيسى بن شلقان: دخلت على أبي عبدالله وأنا أريد أن أسأله عن أبي الخطاب، فقال لي مبتدئاً قبل أن أجلس: يا عيسى، ما منعك أن تلقى ابني فتسأله عن جميع ما تريد؟ قال عيسى: فذهبت إلى العبد الصالح -فأجابه مبتدئاً بكل ما يريد- ثم رجع إلى أبي عبد الله، فقال لـه: ما صنعت يا عيسى؟ قلت لـه: بأبي أنت وأمي، أتيته فأخبرني مبتدئاً من غير أن أسأله عن جميع ما أردت أن أسأله عنه، فعلمت والله عند ذلك أنه صاحب هذا الأمر، فقال: يا عيسى، إن ابني هذا الذي رأيت لو سألته عما بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم، ثم أخرجه ذلك اليوم من الكتّاب، فعلمت ذلك اليوم أنه صاحب هذا الأمر([361]).
ولا أدري أين يكون ذلك اليوم من ابن شلقان هذا؟
وعن هشام بن سالم قال: دخلت على عبد الله بن أبي عبدالله، فسألته فلم أر عنده شيئاً، فدخلني من ذلك ما الله به عليم، وخفت ألا يكون أبو عبد الله ترك خلفاً، فأتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجلست عند رأسه أدعو الله وأستغيث به، ثم فكرت، فقلت: أصير إلى قول الزنادقة، ثم فكرت فيما يدخل عليهم، ورأيت قولهم يفسد، ثم قلت: لا، بل قول الخوارج، فآمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأضرب بسيفي حتى أموت، ثم فكرت في قولهم وما يدخل عليهم، فوجدته يفسد، ثم قلت: أصير إلى المرجئة، ثم فكرت فيما يدخل عليهم، فإذا قولهم يفسد، فبينا أنا أفكر في نفسي وأمشي إذ مرَّ بي بعض موالي أبي عبدالله، فقال لي: أتحب أن أستأذن لك على أبي الحسن؟ فقلت: نعم، فذهب فلم يلبث أن عاد إليَّ، فقال: قم وادخل عليه، فلمَّا نظر إليّ أبو الحسن قال لي مبتدئاً: يا هاشم، لا إلى الزنادقة، ولا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولكن إلينا، قلت: أنت صاحبي، ثم سألته فأجابني عما أردت([362]).
ولا أدري على ماذا كان صاحبنا قبل تفكيره في هذه الفرق والمذاهب، والغريب أن له مودة إلى آل البيت وانقطاع، ولكن لا أعلم لم غاب عنه أمر لولاه لما خلق الله عز وجل هشام بن سالم، وذلك باعتبار أن الأئمة هم علة خلق كل شيء كما يزعم القوم.
وعن محمد بن فلان الرافعي قال: كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبدالله، وكان زاهداً، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان يلقاه السلطان وربما استقبل السلطان بالكلام الصعب، يعظه ويأمره بالمعروف، وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه، فلم يزل هذه حاله حتى كان يوماً دخل أبو الحسن موسى المسجد فرآه فأدنى إليه، ثم قال له: يا أبا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني بك إلا أنه ليست لك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة، قال: جعلت فداك، وما المعرفة؟ قال لـه: اذهب وتفقه واطلب الحديث، قال عمن؟ قال: عن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض عليَّ الحديث، قال: فذهب فتكلم معهم ثم جاءه فقرأه عليه فأسقطه كله، ثم قال له: اذهب واطلب المعرفة، وكان الرجل معنياً بدينه، فلم يزل يترصد أبا الحسن حتى خرج إلى ضيعة له، فتبعه ولحقه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله فدلني على المعرفة، قال: فأخبره بأمير المؤمنين، وقال له: كان أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بأمر أبي بكر وعمر، فقبل منه، ثم قال: فمن كان بعد أمير المؤمنين؟ قال: الحسن والحسين، حتى انتهى إلى نفسه، ثم سكت، قال: جعلت فداك، فمن هو اليوم؟ قال: إن أخبرتك تقبل؟ قال: بلى جعلت فداك، فقال: أنا هو، قال: جعلت فداك، فشيء أستدل به؟ قال: اذهب إلى تلك الشجرة -وأشار إلى أم غيلان- فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي، قال: فأتيتها، قال: فرأيتها والله تجب الأرض جبوباً حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت([363]).
أقول: لا أدري فيما كان أعبد وأزهد أهل زمانه، وكيف لم تقوداه إلى معرفة الإمامة والأئمة حتى اضطر الكاظم أن يجعل أم غيلان تجب الأرض جبوباً.
وعلى أي حال، فالرواية لا تخلو من فوائد، منها:
1- أن أم غيلان يبدو أنها لم تكن مطيعة زمن الإمام الأول، وإلا لكان قد احتج بها على الخليفة الأول.
2- أن أحاديث فقهاء المدينة رحمهم الله كلها ساقطة.
وعن أبي إبراهيم الكوفي قال: دخلت على أبي عبد الله، فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر وهو غلام، فقمت إليه وقبَّلت رأسه وجلست، فقال لي أبو عبد الله: يا أبا إبراهيم، أَمَا إنه صاحبك من بعدي، أَمَا ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أَمَا ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه... إلى أن قال: فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد الله خمس عشرة مرة أريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلمَّا كان من قابل دخلت عليه وهو جالس، فقال لي: يا أبا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجور، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، وحسبك يا أبا إبراهيم.
قال أبو إبراهيم: فما رجعت بشيء أسر إليَّ من هذا، ولا أفرح لقلبي منه([364]).
لسائل أن يسأل عن علة تكراره للسؤال خمس عشرة مرة وإصراره عليه، فضلاً عن جهله بصاحبه بعد الصادق، وعن علة انقطاعه لدخول مولى بني أمية هذا، وعلة انتظار صاحبنا حتى السنة التالية، ولا شك أن نص الرسول صلى الله عليه وسلم على الأئمة -بزعم القوم وكما مرَّ بك في مقدمة الباب- لا يخفى لا على موالي بني أمية ولا على أبي إبراهيم، حتى يضطر هذا إلى الانتظار، وذاك إلى الانقطاع؛ ناهيك عن مصيره لو مات قبل أن يعلم كما يزعم هؤلاء.
وعن علقمة بن محمد الحضرمي، عن الصادق قال: الأئمة اثنا عشر، قلت: يا ابن رسول الله، فسمهم لي؟ قال: من الماضين: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، ثم أنا، قلت: فمن بعدك يا ابن رسول الله؟ فقال: إني أوصيت إلى ولدي موسى، وهو الإمام بعدي، قلت: فمن بعد موسى؟ قال: علي ابنه يُدعى الرضا، يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثم بعد علي ابنه محمد، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والمهدي من ولد الحسن([365]).
وقِفْ بعض الشيء عند قولـه: إني أوصيت إلى ولدي موسى.
وعن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبدالله: رجل يتولاكم، ويبرأ من عدوكم، ويحلل حلالكم ويحرم حرامكم، ويزعم أن الأمر فيكم لم يخرج منكم إلى غيركم، إلا أنه يقول: إنهم قد اختلفوا فيما بينهم وهم الأئمة القادة، وإذا اجتمعوا على رجل، فقالوا: هذا، قلنا: هذا([366]).
لا أدري كيف فاته أعظم الأشياء وهو يقول بكل شيء، ويتبرأ من الأعداء الذين يعرف القارئ من هم دون شك.
وعن مسعدة قال: كنت عند الصادق إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى، متكئاً على عصاه، فسلم فرد أبو عبدالله الجواب، ثم قال: يا ابن رسول الله، ناولني يدك أقبلها، فأعطاه يده فقبلها، ثم بكى، فقال أبو عبدالله: ما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك، يا ابن رسول الله، أقمت على قائمكم منذ مائة سنة -أقول: هذا الشهر وهذه السنة- وقد كبرت سني، ودق عظمي، واقترب أجلي، ولا أرى فيكم ما أحب، أراكم مقتلين مشردين، وأرى عدوكم يطيرون بالأجنحة، فكيف لا أبكي؟! فدمعت عينا أبي عبدالله، ثم قال: يا شيخ، إن أبقاك الله حتى يقوم قائمنا كنت معه في السنام الأعلى، وإن حلَّت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثَقَل محمد صلى الله عليه وسلم ونحن ثقله([367]).
واسأل نفسك عن هذا الشيخ، كيف علم بأمر القائم وأقام عليه قرناً من الزمان دون أن يعلم بالأئمة؟ وكيف جهل بهم وقد أدرك الصادق، والباقر، وزين العابدين، وسيد الشهداء، وأخاه، ولعله أدرك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا شك أنه مرَّ به ومرَّ هو بألوف الشيعة دون أن يبين لـه عدد الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ناهيك عن عدم سؤاله كل هذا القرن، وكيف كانت صلاته وصيامه وزكاته وحجه بل وإيمانه وهو على هذا الجهل، وكم يحتاج من زيادة عمر حتى يكون في السنام الأعلى؟
وعن محمد بن عبيدالله بن زرارة، عن أبيه قال: لما بعث زرارة عبيداً ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبدالله، فلما اشتد به الأمر أخذ المصحف، وقال: من أثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي([368]).
ومنزلة زرارة عند القوم عظيمة، والغريب تعليل القوم هذه الرواية بأخرى أطم منها، فقد روى القوم عن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: قلت للرضا: يا ابن رسول الله، أخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق أبيك؟ فقال: نعم، فقلت له: فلم بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر؟ إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد؟ فقال: إن زرارة كان يعرف أَمْر أبي وَنَصَّ أبيه عليه، وأما بعث ابنه لِيَعْرِف مِنْ أبي: هل يجوز أن يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه؟ وأنه لما أبطأ عنه ابنه طولب لإظهار قولـه في أبي فلم يحب أن يقدم على ذلك دون أمره، فرفع المصحف وقال: اللهم إن إمامي من أثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد([369]).
أقول: أين نص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على الكاظم، حتى يكلف زرارة ابنه عناء هذه الرحلة الطويلة من العراق إلى المدينة ليسأله جواز رفع التقية لإظهار أمره ونص أبيه عليه؟ ألم تكن مسألة النص قد حسمت منذ كذا وكذا سنة قبل الخلق؟! ألم يكن الأئمة مسمين بأسمائهم؟ ثم ماذا تفهم من قولهم عن الرضا: ونص أبيه عليه؟
أما قضية المصحف وموقف القوم منه، وما إذا كان قد أثبت مسألة الإمامة أم لا؛ فستجده -إن شاء الله- في الباب القادم.
وعن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبدالله ذات يوم جالساً إذ قال: يا أبا محمد، هل تعرف إمامك؟ قلت: إي والله الذي لا إله إلا هو، وأنت هو، ووضعت يدي على ركبته أو فخذه، فقال: صدقت قد عرفت فاستمسك به، قلت: أريد أن تعطيني علامة الإمام؟ قال: يا أبا محمد، ليس بعد المعرفة علامة، قلت: أَزدَادُ إيماناً ويقيناً، قال: يا أبا محمد، ترجع إلى الكوفة وقد ولد لك عيسى، ومن بعد عيسى محمد، ومن بعدهما ابنتان، واعلم أن ابنيك مكتوبان عندنا في الصحيفة الجامعة مع أسماء شيعتنا وأسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وأنسابهم وما يلدون إلى يوم القيامة، وأخرجها فإذا هي صفراء مدرجة([370]).
يبدو أن صاحبنا على وشك النجاح، إلا أن سؤاله ابتداء يعكر صفو ذلك، وكذا طلبه علامة الإمام، أما أمر هذه الصحيفة الجامعة صفراء كانت أم خضراء، والتي أخرجها بإحدى يديه أو بكلتيهما، فيبدو أنها صغيرة، فتدبر في علة ذلك.
وعن الأصم، عن كرام قال: حلفت فيما بيني وبين نفسي ألا آكل طعاماً بنهار أبداً حتى يقوم قائم آل محمد، فدخلت على أبي عبد الله، فقلت لـه: رجل من شيعتك جعل لله عليه ألا يأكل طعاماً بالنهار أبداً حتى يقوم قائم آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: صم يا كرام ولا تصم العيدين، ولا ثلاثة أيام التشريق، ولا إذا كنت مسافراً([371]).
واضح أن صاحبنا لم يكن يعلم أن الإمام بعد أبي عبد الله هو ابنه الكاظم، ومن بعده ابنه الرضا، ثم الجواد، فالهادي والعسكري، ثم القائم، إلا إن كان لديه عهد بأنه سيعيش حتى خروجه، وبهذا لا شك أن صاحبنا قد مرَّ عليه أكثر من ألفين وخمسمائة عيد حتى صدور هذا الكتاب، أما جواب الإمام فلا يحتاج إلى تعليق.
وعن هشام بن سالم أنه سأل الصادق: هل يكون إمامان في وقت واحد؟ قال: لا، إلا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، وأما أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا، قلت: فهل تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين؟ قال: لا([372]).
لا أدري لماذا كل هذه الأسئلة مادامت سلسلة الأئمة معروفة لا تزيد ولا تنقص، ونحن نعلم بالضرورة أن هشاماً هذا لم يسأل أبا عبد الله أبداً: هل تكون صلاة العصر خمس ركعات مثلاً؟! فتأمل!
 
اضطراب الشيعة في علة جعل الإمامة في نسل الحسين دون الحسن رضي الله عنهما:
إن القوم لهم في علة جعل الإمامة في نسل الحسين دون الحسن رضي الله عنهما اضطراب كبير تلخصه هذه الروايات:
عن عبدالرحمن بن كثير الواسطي قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد؟
فقال: لا أراكم تأخذون به، إن جبرئيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما ولد الحسين بعد، فقال له: يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك، فقال: يا جبرئيل، لا حاجة لي فيه، فخاطبه ثلاثاً، ثم دعا علياً، فقال له: إن جبرئيل عليه السلام يخبرني عن الله عز وجل أنه يولد لك غلام تقتله أمتك من بعدك، فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول الله، فخاطب علياً ثلاثاً، ثم قال: إنه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة، فأرسل إلى فاطمة: إن الله يبشرك بغلام تقتله أمتي من بعدي، فقالت فاطمة: ليس لي حاجة فيه يا أبه، فخاطبها ثلاثاً، ثم أرسل إليها: لا بد أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة، فقالت لـه: رضيت عن الله عز وجل ([373]).
وعن الربيع بن عبدالله قال: وقع بيني وبين عبدالله بن الحسن كلام في الإمامة، فقال عبدالله بن الحسن: إن الإمامة في ولد الحسن والحسين، فقلت: بل في ولد الحسين إلى يوم القيامة دون ولد الحسن، فقال لي: وكيف صارت في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب أهل الجنة، وهما في الفضل سواء إلا أن للحسن على الحسين فضلاً بالكبر، وكان الواجب أن تكون الإمامة إذن في الأفضل؟
فقلت لـه: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين، وكان موسى أفضل من هارون عليهما السلام، فجعل الله عز وجل النبوة والخلافة في ولد هارون دون ولد موسى، وكذلك جعل الله عز وجل الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن ليجري في هذه الأمة سنن من قبلها من الأمم حذو النعل بالنعل، ثم قال: فدخلت على الصادق، فلما بصر بي قال لي: أحسنت يا ربيع فيما كلمت به عبدالله بن الحسن ثبتك الله([374]).
وخلص آخرون إلى أن ذلك إلى الله عز وجل، والله لا يسأل عما يفعل، فأراحوا أنفسهم، فعن محمد بن يعقوب البلخي قال: سألت أبا الحسن الرضا قلت لـه: لأي علة صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن؟ قال: لأن الله عز وجل جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن، والله لا يسأل عما يفعل([375]).
وهكذا.. ولا شك أنك لن تسمع من القوم من يعلل ذلك بأن الدم الذي يجري في عروق الإمام زين العابدين خليط من دم أعرق البيوتات الفارسية المتمثلة في أمه شهربانو ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين ومن دم أبيه الحسين رضي الله عنه، وهي قصه فيها نظر، ولولا خوفنا من الخروج عن منهج الكتاب لذكرنا أبعاد هذه القضية والعلة الحقيقية الكامنة وراءها، وكيف أن الفرس تستروا بشعارات الولاء لآل البيت لهدم الإسلام، وإن كان في العمر بقية، فنبين تفصيل ذلك في بحث مستقل، وسنبين -إن شاء الله- كيف أن أئمة أهل البيت وأئمة الرافضة صورتان متضادتان، وكيف أن جلَّ الفرق الهدامة التي ظهرت في الإسلام إنما ظهرت من أرض فارس متسترة بأمثال هذه الولاءات الزائفة.
نعود إلى حديثنا عن الصادق وأصحابه، فعن يونس بن ظبيان أنه سأل الصادق عن الأئمة، فقال: سمهم لي يا ابن رسول الله؟ قال: أولهم: علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعده علي بن الحسين، وبعده محمد بن علي الباقر، ثم أنا، وبعدي موسى ولدي، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، وبعد الحسن الحجة صلوات الله عليهم، اصطفانا الله وطهرنا وآتانا ما لم يؤت أحداً من العالمين، ثم قلت: يا ابن رسول الله، إن عبدالله بن سعد دخل عليك بالأمس فسألك عما سألتك فأجبته بخلاف هذا؟ فقال: يا يونس، كل امرئ وما يحتمله، ولكل وقت حديثه، وإنك لأهل لما سألت فاكتمه إلا عن أهله والسلام([376]).
فكيف يعرف الدين إذاً؟ وكيف يطاع ولي الأمر؟!
لا أدري لماذا هذا الكتمان وهو أمر غريب خلاف ما عليه القوم من القول بكتمان الأعداء للنص، فما قولهم في هذا النص وفي النص الآتي عن أبي يعفور الذي قال: قلت لأبي جعفر: أعرض عليك ديني الذي أدين الله به؟ قال: هاته، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، قال: ثم وصفت لـه الأئمة حتى انتهيت إلى أبي جعفر، قلت: وأقول فيك ما أقول فيهم، فقال: أنهاك أن تذهب باسمي في الناس([377]).
أليس يشبه قولـه هذا -حسب معتقد القوم- قولـه: أنهاك أن تقول في الناس: إن المغرب ثلاث ركعات؟ بل أعظم من ذلك؟!
وعن الحسين بن المعلى: سألت أبا عبدالله: تكون الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: أفيكون إمامان في وقت واحد؟ قال: لا، إلا وأحدهما صامت، قلت: فالإمام يعرف الإمام الذي من بعده؟ قال: نعم، قلت: القائم إمام؟ قال: نعم إمام ابن إمام([378]).
فاسأل نفسك مرة أخرى: لماذا كل هذه الأسئلة؟ فأنت ترى أنه بعد كل ما مرَّ بك في المقدمة تشبه هذه الأسئلة قول من يقول: تكون سنة من غير رمضان؟ أو أيكون رمضانان في عام واحد؟ وهكذا.. وإلا فأين النص؟
وهناك الكثير من الروايات الشبيهة قد أعرضنا عن ذكرها، وفي الرواية شبهات كثيرة، منها: علة صمت الإمام الآخر إن كانوا في العصمة والعلم سواء، وافتراض الجهل بالإمام الذي بعده.
والغريب أن هذه الشبهة الأخيرة تؤيدها روايات عدة عند القوم نذكر منها قولهم عن الصادق: ليس يموت إمام إلا أخبره الله إلى من يوصي([379]).
وفي رواية: ما مات منا عالم حتى يعلمه الله إلى من يوصي([380]).
وفي أخرى: لا يموت الرجل منا حتى يعرف وليه([381]).
وأخرى: إن الإمام يعرف الإمام الذي مِن بعده فيوصي إليه([382]).
وأخرى: لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون بعده([383]).. وغيرها([384]).
فأين قولهم بالنص إذاً؟!
وقد جهل الكثير من أصحابه رحمه الله بالقائم، فمنهم من ظنه ابنه، ومنهم من ظنه هو، وإليك بعضاً من هذه الروايات، وهي لا تحتاج إلى بيان:
عن داود الرقي قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمداً؟ فقال: إن هذا الأمر آيَسَ ما يكون وأشد غماً، ينادي منادٍ من السماء باسم القائم واسم أبيه، فقلت: جعلت فداك، ما اسمه؟ قال: اسمه اسم نبي، واسم أبيه اسم وصي([385]).
ولا يخفى عليك التحريف في الرواية أيضاً، وسيأتي بيان ذلك في حينه.
والغريب أن صاحبنا -الرقي هذا- وهو ينتظر صاحب الزمان، كان جاهلاً بإمام زمانه، فقد روى القوم أنه قال: قلت لأبي الحسن موسى: إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وإني سألت أباك فأخبرني بك فأخبِرْني مَن بعدك؟
فقال: هذا أبو الحسن الرضا.
وفي روايةٍ أخرى: قال: قلت لأبي إبراهيم: جعلت فداك، إني قد كبر سني، فخذ بيدي من النار، قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن، فقال: هذا صاحبكم من بعدي([386]).
فهل كان قبل ذلك مصيره إلى النار؟
وعن يزيد بن حازم قال: خرجت من الكوفة، فلما قدمت المدينة دخلت على أبي عبدالله فسلمت عليه فسألني: هل صاحبك أحد؟ فقلت: نعم، صحبني رجل من المعتزلة، قال: فيمَ كان يقول؟ قلت: كان يزعم محمد بن عبدالله بن الحسن القائم، والدليل أن اسمه اسم النبي، واسم أبيه اسم أبي النبي، فقلت له في الجواب: إن كنت تأخذ بالأسماء فهو ذا في ولد الحسين محمد بن عبدالله بن علي، فقال لي: إن هذا ابن أمة -يعني: محمد بن الحسين بن علي- وهذا ابن مهيرة -يعني: محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن- فقال لي أبو عبدالله: فما رددت عليه؟ قلت: ما كان عندي شيء أرد عليه، فقال: لو تعلمون أنه ابن سبية -يعني: القائم-([387]).
لعلك من خلال هذه الرواية -على ما فيها- قد وقفت على شيء من التحريف في الرواية السابقة.
وعن السيد بن محمد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمد: يا ابن رسول الله، قد رُوي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال: ستقع بالسادس من ولدي، والثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم: القائم بالحق([388]).
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، إني أريد أن أمس صدرك، فقال: افعل، فمسست صدره ومناكبه، فقال: ولم يا أبا محمد؟ فقلت: جعلت فداك، إني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر، مسترسل المنكبين، عريض ما بينهما([389]).
ألا يعرف إلا باللمس أم كان يقيسه؟!
وفي رواية: قال: قلت لأبي عبدالله: يا ابن رسول الله، من القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى([390]).
وليس هذا عليه بغريب، حتى روى القوم سؤال الباقر له: هل عرفت إمامك؟ قال: إي والله، قبل أن أخرج من الكوفة، فقال: حسبك إذاً([391]).
وتأمل في الرواية الأخيرة جيداً؛ لترى مصدر أمثال هذه العقائد، ولعلَّ في جواب الإمام أو تهكمه بالأحرى ما يدل على ذلك، فلا يفوتنك القصد، ولأبي بصير هذا منزلة عظيمة عند الأئمة والقوم.
وعن عبدالله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر: إن شيعتك بالعراق كثير، والله ما في أهل بيت مثلك كيف لا تخرج؟ فقال: يا عبدالله، قد أمكنت الحشوة من أذنيك، والله ما أنا صاحبكم، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفى على الناس ولادته هو صاحبكم([392]).
وعن شعيب بن أبي حمزة قال: دخلت على أبي عبدالله، فقلت له: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: لا، قلت: فولدك؟ قال: لا، قلت: فولد ولدك؟ قال: لا، قلت: فولد ولد ولدك؟ قال: لا([393]).
أقول: لعل الذي لبس على أصحابه أو أصحاب أبيه أمر القائم حتى ظن الكثير منهم أنهم سيدركونه أو أنه الباقر أو الصادق، تبينه لنا هذه الروايات:
فعن خلاَّد بن قصار قال: سُئِلَ أبو عبدالله: هل ولد القائم؟ قال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي([394]).
وأصحابه يعرفون كما تعرف -مما مر بك- أن الإمام لا يكون إماماً حتى يمضي الذي قبله، فبقاؤه يقتضي بطلان إمامة من بعده، ناهيك عن حاجته إلى أكثر من قرن حتى يدركه، حيثُ توفي الصادق سنة(148هـ)، والقائم وُلِدَ بزعم القوم سنة (256هـ).
وعن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله: لِيُعِدَّنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً، فإن الله إذا علم ذلك من نيته رجوت أن ينسئ في عمره حتى يدركه ويكون من أعوانه وأنصاره([395]).
وعن الباقر: من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة([396]).
وعن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبدالله: يا مفضل، أنت وأربعة وأربعون رجلاً مع القائم([397]).
وروي أيضاً: ذكرنا القائم ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبدالله: إذا قام أُتي المؤمنُ في قبره، فيقال لـه: يا هذا، إنه ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق([398]).
وعن صفوان بن مهران قال: سئل الصادق: يا ابن رسول الله، ممن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع([399]).
وعنه أيضاً: إذا اجتمعت -وفي رواية: إذا توالت- ثلاثة أسماء متوالية: محمد، وعلي، والحسن، فالرابع القائم([400]).
ولا أدري لِمَ كل هذه الألغاز! ولعلَّ في هذه الروايات دلالة على جواز إجابة من سأل عن شهر رمضان -مثلاً- أن يقال لـه: إذا توالت ثلاثة أشهر: جمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، كان رابعها شهر الصوم، أو أن شهر الصوم بين شهرين يبدأان بحرف الشين.. وهكذا.
وعلى أي حال، نجتزئ بذكر هذه الأمثلة عن أصحابه، وننتقل إلى ذكر موقف أهل بيته من النص:
فهذا عيسى بن عبدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب يقول للصادق كما يروي القوم: إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت لـه: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أأتم؟
قال: بولده، ثم هكذا أبداً، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك([401]).
وهنا أتساءل: أليسوا مسمَّيْن كما سبق؟
وآخر هو علي بن عمر بن علي سأله: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك؟
فقال: إلى صاحب هذين الثوبين الأصفرين والغديرتين، وهو الطالع عليك من الباب، فما لبثنا أن طلع علينا كفان آخذتان بالبابين، حتى انفتحا ودخل علينا أبو إبراهيم موسى بن جعفر وهو صبي وعليه ثوبان أصفران([402]).
ولم يقتصر الأمر على ما مرَّ بك، بل اقرأ هذا: عن الصادق: العجب لعبدالله بن الحسن بن الحسن يقول: ليس فينا إمام صدق وما هو بإمام ولا كان أبوه إماماً، يزعم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماماً ويردد ذلك([403]).
 
النزاع بين بني الحسن وبني الحسين رضي الله عنهما:
يبدو أن أمر الخلاف والمنازعة بين بني الحسن وبني الحسين كان مستفحلاً، وقد تكلمنا قليلاً عن أبعاد ذلك عند ذكرنا: (علة جعل الإمامة في ولد الحسين دون الحسن) وإليك المزيد مما يؤيد ذلك:
فعن علي بن سعيد قال: كنت جالساً عند أبي عبدالله، فقال رجل: جعلت فداك، إن عبدالله بن الحسن يقول: مالنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا، فقال أبو عبدالله -بعد كلام-: أما تعجبون من عبدالله، يزعم أن أباه علياً لم يكن إماماً، ويقول: إنه ليس عندنا علم، وصدق والله ما عنده علم، ولكن والله -وأهوى بيده إلى صدره- إن عندنا سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه ودرعه، وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله، وإنه من إملاء رسول الله وخطه علي بيده، والجفر وما يدرون ما هو، مسك من شاة، أو مسك من بعير([404]).
وفي رواية: وقع بين الصادق وعبدالله بن الحسن كلام في صدر يوم، فأغلظ له في القول عبدالله بن الحسن، ثم افترقا وراحا إلى المسجد، فالتقيا على باب المسجد، فقال الصادق لعبدالله بن الحسن: كيف أمسيت يا أبا محمد؟ فقال: بخير، كما يقول المغضب، فقال: يا أبا محمد، أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب، فقال: لا تزال تجيء بالشيء لا نعرفه، قال: فإني أتلو عليك قرآناً، قال: وذلك أيضاً؟ قال: نعم، قال: فهاته، قال: قول الله عز وجل: ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)) [الرعد:21] قال: فلا تراني بعدها قاطعاً رحمنا([405]).
وعن علي بن جعفر قال: بعث عبدالله بن الحسن إلى أبي: يقول لك أبو محمد: أنا أشجع منك، وأنا أسخى منك، وأنا أعلم منك، فقال لرسوله: أما الشجاعة فوالله ما كان لك موقف يعرف به جبنك من شجاعتك، وأما السخيّ فهو الذي يأخذ الشيء فيضعه في حقه، وأما العلم فقد أعتق أبوك علي بن أبي طالب ألف مملوك، فسم لنا خمسة منهم، وأنت عالم، فعاد إليه فأعلمه، ثم عاد إليه، فقال: يقول: إنك رجل صحفي، فقال له أبو عبدالله: قل: إي والله، صحف إبراهيم وموسى وعيسى ورثتها عن آبائي([406]).
وكان بنو الحسن يرشدون ويدلون الناس إليهم، فعن عبدالرحمن بن كثير أن رجلاً دخل يسأل عن الإمام بالمدينة، فاستقبله رجل من ولد الحسين، فقال له: يا هذا، إني أراك تسأل عن الإمام، قال: نعم، قال: فأصبته؟ قال: لا، قال: فإن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، فاستدله فأرشده إليه، فلما دخل عليه قال له: إنك دخلت مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتىً من ولد الحسن فأرشدك إلى محمد بن عبدالله، فسألته وخرجت، فإن شئت أخبرتك بما سألته عنه وما رده عليك، ثم استقبلك فتى من ولد الحسين، وقال لك: إن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، قال: صدقت، كان كل ما ذكرت ووصفت([407]).
وكذلك شأن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مع الصادق، فكما فعل أبوه من قبل، فعل هو مع الصادق، حيث قال له: والله إني لأعلم منك وأسخى وأشجع([408]).
ولما بويع -أي: محمد بن عبدالله بن الحسن- على أنه مهدي هذه الأمة، جاء أبوه عبدالله إلى الصادق وقد كان ينهاه، وزعم أنه يحسده، فضرب الصادق يده على كتف عبدالله، وقال: إيهاً والله، ما هي إليك ولا إلى ابنك، وإنما هي لهذا -يعني: السفاح- ثم لهذا -يعني: المنصور- يقتله على أحجار الزيت([409]).
رغم هذا كان يبارك خروج ابنه ويؤيده، فلما بلغ أبا مسلم موت إبراهيم الإمام وجه بكتبه إلى الحجاز، إلى جعفر بن محمد، وعبدالله بن الحسن، ومحمد بن علي بن الحسين يدعو كلَّ واحد منهم إلى الخلافة، فبدأ بجعفر، فلما قرأ الكتاب أحرقه، وقال: هذا الجواب، فأتى عبدالله بن الحسن، فلما قرأ الكتاب قال: أنا شيخ ولكن ابني محمد مهدي هذه الأمة، فركب وأتى جعفراً فخرج إليه ووضع يده على عنق حماره، وقال: يا أبا محمد، ما جاء بك في هذه الساعة؟ فأخبره، فقال: لا تفعلوا فإن الأمر لم يأتِ بعد، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني([410]).
وكان الناس يرون إمامته دون الصادق، فعن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبدالله بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك حين قتل الوليد واختلف أهل الشام بينهم، فتكلموا وأكثروا وخطبوا فأطالوا، فقال لهم أبو عبدالله جعفر بن محمد: إنكم قد أكثرتم عليَّ وأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلم بحجتكم وليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلاً له دين وعقل ومروءة ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبدالله بن الحسن، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه وندعو الناس إليه([411]).
وقد خرج أخوه إبراهيم أيضاً، فعن عبيد بن زرارة قال: لقيت أبا عبدالله في السنة التي خرج فيها إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، فقلت له: جعلت فداك، إن هذا قد ألف الكلام وسارع الناس إليه، فما الذي تأمر به؟ قال: فقال: اتقوا الله واسكنوا ما سكنت السموات والأرض([412]).
ويبدو أن الصادق قد ضاق ذرعاً بهذا الأمر، فما زال يفتش ويبحث في كتبه عمن يملك من بني الحسن، ولا زال يقول بـحسدهم، فلما سُئِلَ عنهم وعما إذا كانوا يعرفون لمن الحق؟ قال: بلى ولكن يمنعهم الحسد([413]).
وفي أخرى: فقال له بعضنا: يعرف هذا ولد الحسن؟ قال: نعم، كما يعرفون أن هذا ليل، ولكن يحملهم الحسد، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم، ولكنهم يطلبون الدنيا([414]).
وعن أبي يعفور قال: لقيت أنا ومعلى بن خنيس الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال: يا يهودي، فَأَخْبَرَنَا بما قال جعفر بن محمد، فقال: هو والله أولى باليهودية منكما، إن اليهودي من شرب الخمر([415]).
وعنه أيضاً قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لو توفي الحسن بن الحسن بالزنا وشرب الخمر كان خيراً مما توفي عليه([416]).
ويبدو أن المودة كانت متبادلة بينهما، فعن سلمان بن خالد قال: لقيت الحسن بن الحسن، فقال: أما لنا حق؟ أما لنا حرمة؟ إذا اخترتم منا رجلاً واحداً كفاكم، فلم يكن له عندي جواب، فلقيت أبا عبدالله فأخبرني بما كان من قولـه، فقال لي: القه، فقل له: أتيناكم فقلنا: هل عندكم ما ليس عند غيركم؟ فقلتم: لا، فصدقناكم وكنتم أهل ذلك، وأتينا بني عمكم فقلنا: هل عندكم ما ليس عند الناس؟ فقالوا: نعم، فصدقناهم وكانوا أهل ذلك، قال: فلقيته فقلت له ما قال لي، فقال لي الحسن: فإن عندنا ما ليس عند الناس، فلم يكن عندي شيء، فأتيت أبا عبدالله فأخبرته، فقال لي:القه، وقل: إن الله عز وجل يقول في كتابه: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [الأحقاف:4] فاقعدوا لنا حتى نسألكم، قال: فلقيته فحاججته بذلك، فقال: أفما عندكم شيء إلا تعيبونا إن كان فلان تفرغ وشغلنا فذاك الذي يذهب بحقنا([417]).
 
أما شأن كتاب الملوك الذين يملكون الأرض، ونظر الصادق فيه، فإليك بعض هذه الروايات:
عن خنيس قال: كنت عند أبي عبدالله إذ أقبل محمد بن عبدالله بن الحسن فسلم عليه ثم ذهب، ورق له أبو عبدالله ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟ قال: رققت له؛ لأنه ينسب في أمرٍ ليس له، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها([418]).
وفي رواية: عن الصادق أنه سئل عن محمد؟ فقال: إن عندي لكتابين فيهما كل نبي وكل ملك يملك، لا والله ما محمد بن عبدالله في أحدهما([419]).
وفي ثالثة: عن فضيل سكرة قال: دخلت على أبي عبدالله، قال: يا فضيل، أتدري في أي شيء كنت أنظر فيه قبل؟ قال: قلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة، فليس ملك يملك إلا وفيه مكتوب اسمه واسم أبيه، فما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً([420]).
وفي أخرى: عن ابن خنيس -أيضاً- قال: قال أبو عبدالله: ما من نبي ولا وصي ولا ملك إلا في كتاب عندي، لا والله، ما لمحمد بن عبدالله بن الحسن فيه اسم([421]).
وأخرى: عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبدالله يقول: إن عندي لصحيفة فيها أسماء الملوك، ما لولد الحسن فيها شيء([422]).
وذكر النزاع بين بني الحسن والحسين رضي الله عنهما يطول([423]).
والغريب أن بني الحسن قد ملكوا عبر التاريخ، وأسسوا الممالك والدول، كدولة الأدارسة في المغرب، والتي أنشأها إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وملوك المغرب في أيامنا هذه، ولا أدري لماذا أغفلهم كتاب الملوك هذا؟!
 
خلاف بعض بني هاشم مع الصادق رحمهم الله أجمعين:
ولم يقتصر الأمر عليهم، بل امتد إلى سائر بني هاشم بما فيهم بنو الحسين رضي الله عنهم، فها هو أبوه يحذره من أخيه، يروي القوم عن الصادق: قال لي أبي: اعلم أن عبدالله أخاك سيدعو الناس إلى نفسه، فدعه فإن عمره قصير، فكان كما قال أبي، وما لبث عبدالله إلا يسيراً حتى مات([424]).
وهذا عمه عبدالله، يروي القوم عن الوليد بن صبيح قال: كنا عند الصادق في ليلة، إذ يطرق الباب طارق، فقال للجارية: انظري من هذا؟ فخرجت ثم دخلت، فقالت: هذا عمك عبدالله بن علي، فقال: أدخليه، وقال لنا: ادخلوا البيت، فدخلنا بيتاً، فسمعنا منه حساً ظننا أن الداخل بعض نسائه، فلصق بعضنا ببعض، فلما دخل أقبل على أبي عبدالله، فلم يدع شيئاً من القبيح إلا قاله في أبي عبدالله، ثم خرج وخرجنا، فأقبل يحدثنا من الموضع الذي قطع كلامه، فقال بعضنا: لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننا أن أحداً يستقبل به أحداً، حتى لقد همَّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به، فقال: مه، لا تدخلوا فيما بيننا([425]).
ولابن عبدالله هذا محمد الملقب بالأرقط شأن مع الصادق، وهو سبب تسميته بهذا اللقب، فقد جرى بينه وبين الصادق أمر، فبصق في وجه الصادق، فدعا عليه الصادق فصار أرقط الوجه، به نمش([426])، كريه المنظر([427]).
وها هو ابن عمه الملقب بالأفطس، يقول القوم: إن سالمة مولاة الصادق قالت: كنت عند أبي عبدالله حين حضرته الوفاة، وأغمي عليه، فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي ابن علي بن الحسين -وهو الأفطس- سبعين ديناراً، وأعط فلاناً كذا وفلاناً كذا، فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟ قال: تريدين أن لا أكون من الذين قال الله عز وجل فيـهم: ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)) [الرعد:21]([428]).
وعن عمر بن علي قال: إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، وفيهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن، وابناه: محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس إليهم أعينهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعةً لرجلٍ منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، فحمد الله عبدالله بن الحسن وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلم لنبايعه، وقال أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى -يريد به محمد بن عبدالله- قالوا: قد والله صدقت، إن هذا الذي نعلم، فبايعوا محمداً جميعاً، ومسحوا على يده، قال عيسى: وجاء رسول عبدالله بن الحسن إلى أبي: أن ائتنا فإنا مجتمعون لأمر، وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد، وقال غير عيسى: إن عبدالله بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفراً؛ فإنا نخاف أن يفسد عليكم أمركم، قال عيسى بن عبدالله بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له؟ فجئتهم ومحمد بن عبدالله يصلي على طنفسة رحل مثنية، فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبدالله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبدالله، قال: وجاء جعفر بن محمد، فأوسع له عبدالله بن الحسن إلى جنبه، فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر: لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأتِ بعد، إن كنت ترى -يعني: عبدالله- أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الأمر، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، والله ما أطلعك على غيبه ولكن يحملك على هذا الحسد لابني([429]).
فانظر -أيها القارئ- كيف توفق بين هذه الرواية والقول بالنص على الاثني عشر.
 
قصة خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله وذكر منزلته ورواية تفيد معرفة بدء القول بالنص على الأئمة:
نختم حديثنا عن مدعي الإمامة من أهل البيت أيام الصادق بذكرنا قصة زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنهم، وما أدراك من زيد هذا! الذي أرانا القوم برواياتهم أن جذور تخطيطه للخروج وادعاء الإمامة ضاربة في القدم.
يروي القوم أن الباقر عند الوفاة دعا بابنه الصادق ليعهد إليه عهداً، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين رجوت أن لا تكون أتيت منكراً، فقال له: يا أبا الحسين، إن الأمانات ليست بالتمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله عز وجل ([430]).
فواضح لمن تدبر في رواية القوم هذه أنه يهيئ لأمرٍ ما، أما مسألة انتفاء النص فلن نكرره عليك، فقد طلبنا منك استحضاره واصطحابه منذ المقدمة.
نعود إلى روايتنا، ويبدو أن الباقر قد فطن إلى ذلك، فقد روى القوم عنه أنه قال: سيخرج زيد أخي بعد موتي، ويدعو الناس إلى نفسه، ويخلع جعفراً ابني، ولا يلبث إلا ثلاثاً حتى يقتل ويصلب، ثم يحرق بالنار، ويذرى في الريح، ويمثل به مثلة ما مثل بها أحد قبله([431]).
وفي رواية: إن زيداً سيدعو بعدي إلى نفسه، فدعه ولا تنازعه فإن عمره قصير([432]).
ولا شك أن الباقر يذكر يوم أن دخل عليه زيد ومعه كتب أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له: هذه الكتب ابتداء منهم، أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه؟ فقال: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما يجدون في كتاب الله عز وجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء، فقال الباقر: فلا تعجل، فإن الله لا يعجل لعجلة العباد، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك، فغضب زيد عند ذلك، ثم قال: ليس الإمام منا من جلس في بيته، وأرخى ستره، وثبط عن الجهاد، ولكن الإمام منا من منع حوزته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده، ودفع عن رعيته، وذب عن حريمه([433]).
ثم ها هو يجس نبض الأصحاب، فيقول لزرارة كما يروي القوم: ما تقول يا فتى في رجل من آل محمد استنصرك؟ فقلت: إن كان مفروض الطاعة نصرته، وإن كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل ولي ألا أفعل، فلما خرج قال الصادق: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجاً([434]).
وعن مؤمن الطاق عند القوم، أن زيداً قال له: ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال: قلت له: إن كان أباك وأخاك خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله عز وجل في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجة فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخِوان، فيلقمني اللقمة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد من شفقته عليَّ، ولم يشفق عليَّ من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ قال: فقلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك ألا تقبله فتدخل النار... إلى أن قال: فحججت، فحدثت أبا عبدالله بمقالة زيد وما قلت له: فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه([435]).
وكان قبل ذلك يقول بأن الأئمة أربعة، ثلاثة مضوا والرابع هو القائم([436]). ففي الرواية دليل على معتقده في أن من لم يخرج بالسيف ليس بإمام، لذا فهو لم يعد أباه زين العابدين إماماً.
وكان يقول: من أراد الجهاد فإليّ، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر([437]).
ويقول: جعفر إمامنا في الحلال والحرام([438]).
ولم يكن يرى رحمه الله من قولـه: [إمامنا] بأنه إمام بمفهوم القوم المستوجب للخلافة العامة، بل كان يبين شرائط الإمامة العامة في قولـه: ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من شهر سيفه([439]).
ثم شرع فيما عقد العزم عليه، فكانت هذه الحادثة التي يرويها معتب، حيث يقول بزعم القوم: قُرِع باب مولاي الصادق فخرجت، فإذا بزيد بن علي، فقال الصادق لجلسائه: ادخلوا هذا البيت وردوا الباب، ولا يتكلم منكم أحد، فلما دخل قام إليه فاعتنقا وجلسا طويلاً يتشاوران، ثم علا الكلام بينهما، فقال زيد: دع ذا عنك يا جعفر، فوالله لئن لم تمد يدك حتى أبايعك أو هذه يدي فبايعني لأتعبنك ولأكلفنك ما لا تطيق، فقد تركت الجهاد، وأخلدت إلى الخفض، وأرخيت الستر، واحتويت على مال الشرق والغرب، فقال الصادق: يرحمك الله يا عم، يغفر الله لك يا عم([440]).
ولم يكن يأبه بتحذير الصادق له: يا عم، أعيذك بالله أن تكون المصلوب بالكناسة، وكانت أم زيد ترد: والله ما يحملك على هذا القول غير الحسد لابني، ويرد: يا ليته حسداً، يا ليته حسداً، ثلاثاً..([441]).
إلى أن جاءت الأخبار بخروجه وادعائه الإمامة، فعن داود الرقي قال: دخلت على جعفر بن محمد، فقال: ما الذي أبطأ بك عنا يا داود؟ فقلت: حاجة عرضت لي بالكوفة هي التي أبطأت بي عنك، جعلت فداك، فقال لي: ماذا رأيت بها؟ قلت: رأيت عمك زيداً على فرس ذنوب، قد تقلد مصحفاً، وقد حف به فقهاء الكوفة، وهو يقول: يا أهل الكوفة، إني العلم بينكم وبين الله تعالى، قد عرفت ما في كتاب الله من ناسخه ومنسوخه، فقال أبو عبد الله: يا سماعة بن مهران، ائتني بتلك الصحيفة، فأتاه بصحيفة بيضاء، فدفعها إليَّ، وقال لي: اقرأ هذه بما أخرج إلينا أهل البيت، يرثه كابر عن كابر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأتها فإذا فيها سطران:
السطر الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والسطر الثاني: أسماء الأئمة مكتوبة من قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فقال أبو عبدالله: فأين يتاه بزيد ويذهب به؟ إن أشد الناس لنا عداوة وحسداً الأقرب إلينا فالأقرب([442]).
وعن أبي الصباح قال: دخلت على أبي عبد الله، فقال: ما وراءك؟ فقلت: شر ورائي من عمك زيد، خرج يزعم أنه ابن ستة، وأنه قائم هذه الأمة، وأنه ابن خيرة الإماء، فقال: كذب، ليس هو كما قال، إن خرج قتل([443]).
وقبل أن نختم حديثنا عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لابد من بيان حاله وذكر منزلته حتى تستقيم المسألة.
فعن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صلبي، فقال: يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال لـه: زيد، يقتل شهيداً، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنة([444]).
وعن حذيفة بن اليمان قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله المصلوب في أمتي والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا -وأشار بيده إلى زيد بن حارثة- فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حباً، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي([445]).
وعن محمد بن الحنفية قال: ليقتلن من ولد الحسين رجل، يقال لـه: زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، من نظر إلى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار([446]).
وعن زين العابدين قال: يخرج من ولدي رجل يقال له: زيد، يقتل بالكوفة، ويصلب بالكناسة، يُخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، يبتهج به أهل السموات، يجعل روحه في حويصلة طير خضر يسرح في الجنة حيث يشاء([447]).
وعن أبي الجارود -وكان رأس الزيدية- قال: كنت عند أبي جعفر جالساً، إذ أقبل زيد بن علي، فلما نظر إليه أبو جعفر قال: هذا سيد أهل بيتي، والطالب بأوتارهم([448]).
أما الصادق فقد جاء عنه في زيد رحمه الله الكثير، منها: أنه لما جاءه خبر استشهاده بكى، وقال: مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثلما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه([449]).
وقال فيه أيضاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عمي، إنه كان نِعم العم، إن عمي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسن والحسين([450]).
وفرَّق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار([451]).
وقال في هشام الذي قتله: إن الله نزع منه الملك([452]).
وسأل أبا ولاد الكاهلي: رأيت عمي زيداً؟ قال: نعم، رأيته مصلوباً، ورأيت الناس بين شامت حنق، وبين محزون محترق، قال: أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه([453]).
ولا زال يبكيه كلما تذكره أو ذكروه به، فعن حمزة بن حمران قال: دخلت إلى الصادق، فقال لي: يا حمزة، من أين أقبلت؟ قلت: من الكوفة، قال: فبكى حتى بلَّت دموعه لحيته، فقلت له: يا ابن رسول الله، مالك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيداً وما صنع به فبكيت([454]).
ويترحم عليه ويقول: رحمه الله، أما إنه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يضعها([455]).
ويكفيك من قولـه: وكان صدوقاً، من أنه لم يكن كاذباً في خروجه وادعائه رحمه الله، وكان الرضا لا يرضى أن يقاس به أحد حتى لو كان أخاه.
فعن ابن عبدون قال: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس، وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا، وقال له: يا أبا الحسن، لئن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل، ولولا مكانتك مني لقتلته، فليس ما أتاه بصغير، فقال الرضا: يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي، فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لله عز وجل، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله([456]).
وعن أبي هاشم الجعفري قال: سألت الرضا عن المصلوب؟ فقال: أما علمت أن جدي صلَّى على عمه([457])، إشارة إلى قول الصادق فيه: صلى الله عليه ولعن قاتله([458]).
ونجتزئ بهذه الأمثلة من الروايات الدالة على منزلته رحمه الله تعالى([459]).
ونختم حديثنا عنه بهذا التساؤل الذي لا شك أنه -عزيزي القارئ- قد أخذ منك مأخذاً، وهو: كيف لرجل مثل زيد بن علي رحمه الله وهو بهذه المنزلة العظيمة أن يدعي الإمامة وهو من أهل البيت، وابن إمام من الأئمة الاثني عشر الذين نصَّ الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم بأسمائهم بزعم القوم؟ وقبل أن نسترسل في هذا التساؤل بل التساؤلات وهي لا شك كثيرة، نورد هذه الرواية فسنجد فيها جواب كل ذلك؛ بل الجواب لكل ما مرَّ بك في الكتاب وما سيمر.
تقول رواية القوم هذه: قيل لمؤمن الطاق: ما الذي جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبدالله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي، بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماماً مفترض الطاعة؟ قال: قلت: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتي بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليَّ من حرِّ اللقمة ولا يشفق علي من حر النار.
وفي رواية: قال زيد: ويحك! فما كان يمنعه من أن يقول لي، فوالله لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق عليِّ من حرِّ الطعام ولا يشفق عليِّ من حرِّ النار([460]).
فأمعن النظر في الروايتين ثم استشف منهما متى وضعت عقيدة القول بالنص على الأئمة، فزيد بن علي رحمه الله قتل سنة (121) للهجرة، فحسب كتابنا هذا هذه الرواية في الدلالة على بطلان القول بالنص على الاثني عشر.
وتنسجم هذه الرواية مع رواية سعيد السمان قال: كنت عند أبي عبدالله، إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض طاعته؟ قال: فقال: لا، فقالا له: وقد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به، وسموا قوماً، وقالوا: هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبدالله، وقال: ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب بوجهه خرجا([461]).
وفي رواية سليمان بن خالد قال: بينا نحن مع أبي عبد الله في سقيفة، إذ استأذن عليه أناس من أهل الكوفة فأذن لهم، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا عبد الله، إن أناساً يأتونا يزعمون أن فيكم أهل البيت إماماً مفترض الطاعة، فقال: ما أعرف ذلك في أهل بيتي، فقالوا: يا أبا عبد الله، يزعمون أنك أنت هو، قال: ما قلت لهم ذلك، قالوا: يا أبا عبد الله، إنهم أصحاب تشمير، وأصحاب خلوة، وأصحاب ورع، وهم يزعمون أنك أنت هو، قال: هم أعلم وما قالوا، فلما رأوا أنهم قد أغضبوه قاموا فخرجوا([462]).
وهنا سؤال يطرح نفسه: كيف يحصل كل هذا التهرب؟ ولِمَ يترك الناس في متاهة في أعظم أمور الدين عندهم؟
والجدير بالذكر هنا أن نورد هذه الرواية، يقول القوم: إن الصادق كان يسير مع أبي جعفر المنصور، فقال له: يا أبا عبدالله، قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة وفتح لنا من العز، ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الأمر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم، قال: ومن رفع إليك هذا عني فقد كذب، فقال: أتحلف على ما تقول؟ قال: إن الناس سحرة -يعني: يحبون أن يفسدوا قلبك علي- فلا تمكنهم من سمعك، فإنا إليك أحوج منك إلينا([463]).
فأين القائلون بالنص؟ ولاشك أن أول ما سيحتج به القوم هو القول بالتقية، ولن نناقش القوم في هذا، ولكن من أولى بالتقية؟
أهو زيد رحمه الله الذي لا يملك اختيار موته، وليس مأموراً بما أمر الله عز وجل الصادق به -كما يزعم القوم- أم الصادق؟ والذي نذكرك برواية الصحيفة المختومة المنزلة من السماء إلى الأئمة، وكانت الوصية فيها إليه: أن حدث الناس وأفتهم، وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين، ولا تخافن إلا الله عز وجل، وأنت في حرز وأمان([464])، أو ماذكرناه في مقدمة الباب من أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم.
وعلى أي حال، فاليوم هناك الملايين من الشيعة يعتقدون إمامة زيد رحمه الله.
 
ذم الباقر والصادق لمدعي الإمامة من أهل البيت:
من كل ما مرَّ بك من ادعاء بعض أهل البيت الإمامة؛ اضطر الصادق إلى القول رداً على من قال له: ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل معه بشر كثير، فأطرق طويلاً، ثم قال: إن فيهم الكذابين([465]).
وكان ينهى أن يخرج أحد مع من يخرج من أهل البيت قبل المهدي([466]).
وقبله كان أبوه يتهكم بالخارجين من أهل البيت، فيقول: مثل من خرج منا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار ووقع في كوة فتلاعبت به الصبيان([467]).
ثم أكدَّ ذلك بقولـه -كما في رواية المفضل بن عمر عند القوم- قال: سألت أبا عبدالله عن قول الله I: ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)) [النساء:159]؟ فقال: هذه نزلت فينا خاصة، أنه ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدنيا حتى يقر للإمام وبإمامته كما أقر ولد يعقوب ليوسف حين قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا([468]).
 
اعتقاد بعض الشيعة بإمامة عبدالله بن جعفر الصادق:
عاد بنا الحديث إلى الصادق وأصحابه([469])، ولكن نتحدث هذه المرة عن مسارٍ آخر، وهو: اعتقاد أصحابه في الإمامة في أبنائه.
فعن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومؤمن الطاق وأبو جعفر، والناس مجتمعون على أن عبدالله صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون عند عبدالله، وذلك أنهم رووا عن عبدالله أن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا نسأله عما كنا نسأل أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة، قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف، قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا، فرفع يده إلى السماء، فقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضُلالاً، لا ندري إلى أين نتوجه، أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد وإلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر، وذلك أنه كان لـه بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فما زلت أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى، ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: ادخل رحمك الله، قال: فدخلت، فإذا أبو الحسن، فقال لي ابتداء: لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ، إليَّ، إليَّ، قال: فقلت له: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك، من لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك، إن عبدالله يزعم أنه من بعد أبيه، قال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله، قال: قلت لـه: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟
فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك أيضاً، قلت: جعلت فداك، أنت هو؟ قال لي: ما أقول ذلك، قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا، فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله، إعظاماً له وهيبة، أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، قلت: جعلت فداك، أسألك عما يسأل أبوك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بَحْر، قال: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضُلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي بالكتمان؟ قال: من آنست منهم رشداً فألق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح -وأشار بيده إلى حلقه- ثم ذكر أنه لقي الناس وأخبرهم بذلك ودخلوا عليه وقطعوا عليه إلا طائفة، مثل: عمار وأصحابه، فبقى عبدالله لا يدخل عليه أحد إلا قليلاً من الناس، قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأخبر أن هشام بن سالم صدَّ عنه الناس، فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني([470]).
وعبدالله هذا قد ادعى الإمامة بعد أبيه كما سيأتي.
 
الصادق يسأل الله عز وجل أن يجعل الإمامة في ابنه إسماعيل وذكر اختلاف الشيعة فيه:
أما ابنه الآخر وهو إسماعيل فقضيته أطم وبليته أعم، ولعلَّ أغرب ما في قصة إسماعيل هذا، أن أباه الصادق كان يجله ويقدمه أكثر من غيره من إخوته، بل وتذكر لنا روايات القوم أنه استمات في الدعاء إلى الله عز وجل لأجل أن تكون الإمامة فيه، وهو اضطراب كبير، وتشويش خطير، لا أظن أن أحداً ممن يدعي النص يستطيع أن يوجهه، ولا بأس من ذكر مثال على ذلك.
يروي القوم أن الصادق قال: إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي، فأبى ربي إلا أن يكون موسى ابني([471]).
وفي رواية قال: سألته وطلبت وقضيت إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل، فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى([472]).
وسيأتيك مثال آخر قريباً، بل يبدو أن الأمر كان له من بعده فعلاً، لولا أنه توفي في عهد أبيه.
يروي القوم عن الصادق قولـه: ما بدا لله بداء أعظم من بداء بدا له في إسماعيل ابني([473]).
وهذه النصوص من أعظم الدلائل التي يحتج بها الإسماعيلية، وهم يعدون بالملايين، ومنتشرون في أنحاء العالم، وقد أدت هذه التلبيسات إلى اعتقاد الكثير من أصحاب الصادق الإمامة فيه، وأن أباه قد أوصى إليه، كما ذكر ذلك الوليد بن صبيح، حيث قال: كان بيني وبين رجل يقال له: عبد الجليل صداقة في قدم، فقال لي: إن أبا عبدالله أوصى إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين([474]).
وعن مسمع كردين قال: دخلت على أبي عبدالله وعنده إسماعيل، قال: ونحن إذ ذاك نأتم به بعد أبيه... الرواية([475]).
وعن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبدالله: جعلت فداك، ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان ثم أؤجرها من الغير، على أن ما أخرج الله فيها من شيء كان لي من ذلك النصف أو الثلث أو أقل من ذلك أو أكثر، هل يصلح ذلك؟ قال: لا بأس به، فقال إسماعيل ابنه: يا أبتاه، لم تحفظ، قال: أو ليس كذلك أعامل أكرتي يا بني؟ أليس من أجل ذلك كثيراً ما أقول لك: الزمني فلا تفعل؟ فقام إسماعيل فخرج، فقلت: جعلت فداك، فما على إسماعيل ألاَّ يلزمك إذا كنت متى مضيت أفضت الأشياء إليه من بعدك كما أفضت الأشياء إليك من بعد أبيك؟ فقال: يا فيض، إن إسماعيل ليس مني كما أنا من أبي، قلت: جعلت فداك، فقد كان لا شك في أن الرحال تحط إليه من بعدك، فإن كان ما نخاف -ونسأل الله من ذلك العافية- فإلى من؟ وأمسك عني، فقبلت ركبتيه، وقلت: ارحم شيبتي فإنما هي النار، إني والله لو طمعت أن أموت قبلك ما باليت، ولكني أخاف أن أبقى بعدك، فذكر أبو عبدالله علامات الإمام الذي بعده والفيض يقول: زدني زدني.. إلى أن قال له: إن موسى هو الإمام، فقم فأقر له بحقه، قال: فقمت حتى قبَّلت يده ورأسه، ودعوت الله له، فقال أبو عبدالله: أما إنه لم يؤذن لي في المرة الأولى منك، فقلت: جعلت فداك، أخبر به عنك؟ قال: نعم، أهلك وولدك ورفقاءك، وكان معي أهلي وولدي، وكان معي يونس بن ظبيان من رفقائي، فلما أخبرتهم حمدوا الله على ذلك، وقال يونس: لا والله حتى أسمع ذلك منه -وكانت فيه عجلة- فخرج فاتبعته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبدالله يقول له -وقد سبقني يونس-: الأمر كما قال لك فيضٌ، اسكت واقبل، فقال: سمعت وأطعت([476]).
ويبدو أن هذه الاستزادة والبيان لم تقنعه، فلا زال يلاحق أبا عبدالله بأسئلته: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ قال: فدخل أبو إبراهيم وهو يومئذٍ غلام، فقال: هذا صاحبك فتمسك به([477]).
وعن إسحاق بن عمار قال: وصف إسماعيل أخي لأبي عبدالله دينه واعتقاده، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنكم.. ووصفهم -يعني: الأئمة- واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبي عبدالله، قال: وإسماعيل من بعدك؟ قال: أما إسماعيل فلا([478]).
وكما تلاحظ فالروايات مضطربة في شأن منزلة إسماعيل، فمن مُعظمة له كما رأيت، إلى ذامة له كما مرَّ بك بعض منها، وإليك المزيد.
فعن الصادق أنه سئل عنه؟ فقال: إنه عاص لا يشبهني ولا يشبه أحداً من آبائي([479]).
وكان لا يتورع عن التطاول على أبيه، ووصمه بعدم الفهم لأسئلة الناس، كرواية الفيض بن المختار أنه سأل الصادق: جعلت فداك، نتقبل من هؤلاء الضياع فنقبلها بأكثر مما نتقبلها؟
فقال: لا بأس به، فقال لـه إسماعيل ابنه: لم تفهم يا أبت، فقال أبو عبدالله: أنا لم أفهم، أقول لك: الزمني فلا تفعل، فقام إسماعيل مغضباً([480]). وكان يخالف أوامر أبيه في كثير من المسائل([481]).
رغم هذا وبعد أسطر من هذه الروايات تجد القوم يروون عن عمار بن حيان أنه قال: أخبرني أبو عبدالله ببر ابنه إسماعيل له، وقال: لقد كنت أحبه وقد ازداد إليَّ حباً([482]).
وعلى أي حال، لا شأن لنا بكل هذا الاضطراب، فهي سمة روايات القوم، ونعود إلى ما كُنَّا فيه.
ولما توفي إسماعيل في حياة أبيه، وكان الأمر قد استفحل باعتقاد الكثير من أصحابه أن الإمامة فيه -وقد ذكرنا أمثلة قليلة على ذلك- اجتهد في إقناعهم والتأكيد عليهم بموته.
يقول القوم: إن الصادق دعا داود بن كثير الرقي، وحمران بن أعين، وأبا بصير، ودخل المفضل بن عمر وأتى بجماعة، حتى صاروا ثلاثين رجلاً، فقال: يا داود، اكشف عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه، فقال: تأمله يا داود فانظره أحي هو أم ميت؟
فقال: بل هو ميت، فجعل يعرضه على رجلٍ رجل حتى أتى على آخرهم، فقال: اللهم فاشهد، ثم أمر بغسله وتجهيزه، ثم قال: يا مفضل، احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال: حي هو أم ميت؟ انظروه أجمعكم.
فقالوا: بل هو يا سيدنا ميت، فقال: شهدتم بذلك وتحققتموه؟
قالوا: نعم، وقد تعجبوا من فعله، فقال: اللهم اشهد عليهم، ثم حمل إلى قبره، فلما وضع في لحده قال: يا مفضل، اكشف عن وجهه، فكشف، فقال للجماعة: انظروا أحي هو أم ميت؟
فقالوا: بل ميت يا ولي الله، فقال: اللهم اشهد([483]).
ولشدة ما كان من اعتقاد الأصحاب في إمامته وكون هذا الأمر مسلماً به بينهم، كان الشيعة الذين يخالفونهم في تسلسل الإمامة يعيرونهم بوفاته وتركهم بلا إمام، فهذا هارون بن خارجة قال: قال لي هارون بن سعد العجلي: قد مات إسماعيل الذي كنتم تمدون إليه أعناقكم، وجعفر شيخ كبير يموت غداً أو بعد غد، فتبقون بلا إمام، فلم أدرِ ما أقول([484]).
ولم يقتصر استغلال موته على شياطين الإنس فحسب، بل يبدو أن ذلك قد طال شياطين الجن أيضاً.
زعم القوم أن الصادق قال: إن شيطاناً قد ولع بابني إسماعيل يتصور في صورته ليفتن به الناس، وإنه لا يتصور في صورة نبي ولا وصي نبي، فمن قال لك من الناس: إن إسماعيل ابني حي لم يمت، فإنما ذلك الشيطان تمثل له في صورة إسماعيل، مازلت أبتهل إلى الله عز وجل في إسماعيل ابني أن يحييه لي ويكون القيم من بعدي فأبى ربي ذلك([485]).
 
افتراق الشيعة بعد وفاة الصادق:
هذا ما كان من شأن الصادق وأصحابه وأهل بيته واختلافهم والصادق حي لا يزال، وكما عودناكم سابقاً بذكر موقف الشيعة بعد وفاة كل إمام، فسوف نذكر هنا موقف الشيعة واختلافهم بعد أبي عبدالله، ولكن قبل ذلك اقرأ معي روايات القوم هذه:
عن أبي أيوب الخوزي قال: بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي، وبين يديه شمعة، وفي يده كتاب، فلما سلَّمت عليه رمى الكتاب إليَّ وهو يبكي، وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون -ثلاثاً- وأين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب، فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصى إلى رجلٍ بعينه فقدمه واضرب عنقه، قال: فرجع الجواب إليه أنه قد أوصى إلى خمسة: أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبدالله وموسى ابني جعفر، وحميدة، فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل([486]).
وعن داود بن كثير الرقي قال: أتى أعرابي إلى أبي حمزة الثمالي فسأله خبراً؟ فقال: توفي الصادق، فشهق شهقة وأغمي عليه، فلمَّا أفاق قال: هل أوصى إلى أحدٍ؟ قال: نعم، أوصى إلى ابنه عبدالله، وموسى، وأبي جعفر المنصور، فضحك أبو حمزة، وقال: الحمد لله الذي هدانا إلى الهدى، وبيَّن لنا الكبير، ودلنا على الصغير، وأخفى عن أمرٍ عظيم، فسئل عن قولـه فقال: بيَّن عيوب الكبير ودلَّ على الصغير لإضافته إياه، وكتم الوصية للمنصور؛ لأنه لو سأل المنصور عن الوصي لقيل: أنت([487]).
وفي رواية هشام بن سالم التي مضت والتي قال فيها: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون عند عبدالله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، ذكر أنه بعد أن خرجا من عند عبدالله حائرين، فقعدا في بعض أزقة المدينة، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور؛ وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من تجتمع بعد جعفر الناس إليه فيؤخذ ويضرب عنقه([488]).
فاسأل نفسك: لِمَ كل هذا التمويه والتدليس ما دام الإمام معروفاً ومنصوصاً عليه؟ ألم يزعم القوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده بأسمائهم كما مرَّ بك في المقدمة؟ إذن فما الحاجة إلى هذه الوصية؟ وهل كان المنصور في حاجة إلى أن يعرف إلى من أوصى الصادق من بعده؟ وهل كان حاله إلا أحد أمرين: إما جهله بالنص وهذا يبرئه من مسئولية تولي أمر الأمة دون الإمام المنصوص، أو كان عالماً ومن ثمَّ لا أعرف للروايات توجيهاً.
والغريب قول القوم: إن الحكام هم سبب خفاء النص على الأئمة عن الأمة([489])، بينما نرى أن حاكمنا هذا قد جنَّد الجند وأرسل الجواسيس فقط لمعرفة إلى من أوصى الصادق، وكذا لا أعرف ماذا كان للصادق رحمه الله من حول أو منصب حتى يوصي به إلى من يكون بعده، وكذا علة بكاء المنصور عليه وحماسه لقتل من أوصى إليه، وكذا شأن الصادق ووصيته، ولا أظن أنني بحاجة إلى الإسهاب في التعليق على كل هذا، فالقارئ الأريب لا شك أنه أدرك المقصود.
رجعنا إلى الكلام عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، فقد ذكر القوم أنه لما توفي افترقت شيعته بعده عدة فرق:
ففرقة قالت: إن جعفر بن محمد حي لا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وإنه المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني أنا صاحبكم، وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف. وهذه الفرقة تسمى الناووسية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه؛ لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم؛ لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلَّدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لايقول إلا الحق، فلما ظهر موته علمنا أنه صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت، وهذه الفرقة هي الإسماعيلية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد الصادق محمد بن إسماعيل، وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل الصادق الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك؛ لأنها لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب، ولم يكن لأخوي إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حق مع علي بن الحسين، وهذه الفرقة تسمى المباركية.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الصادق محمد بن جعفر، وهي السمطية.
وفرقة قالت: إن الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضي الصادق أكبر ولده سناً، وجلس مجلس أبيه، وادعى الإمامة ووصية أبيه، وهذه الفرقة تسمى الفطحية.
وقد مال إلى هذه الفرقة جُلَّ مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في كون الإمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته.
وفرقة قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه، وأنكروا إمامة عبدالله وخطئُوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. وغيرها من الفرق، وقد انبثقت من هذه الفرق فرق أخرى يطول ذكرها([490]).
 
موقف موسى الكاظم رحمه الله وأصحابه وأهل بيته من النص:
جاء دور الحديث عن الإمام موسى الكاظم رحمه الله، الإمام السابع وأصحابه وأهل بيته، وكما ذكرنا عند الحديث عن أبيه ضرورة اعتبار كون النص أكثر انتشاراً، جيلاً بعد جيل وليس العكس، ولا أقل من كون ذلك بين الأصحاب أنفسهم، وذلك إذا علمنا أن موت إمامنا كان في سنة (183) للهجرة، وقد علمت مما مر بك موقف الشيعة بعد وفاة أبيه وافتراقهم، ولكن سنتحدث هنا عمن قال بإمامة الكاظم بعد أبيه، وموقفهم من النص.
عن محمد بن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وقد اشتكى شكاية شديدة، وقلت له: إن كان ما أسأل الله ألا يرينا فإلى من؟ قال: إلى علي ابني، وكتابه كتابي، وهو وصيي وخليفتي من بعدي([491]).
وعن علي بن يقطين قال: كنت عند العبد الصالح موسى بن جعفر جالساً، فدخل عليه ابنه الرضا، فقال: يا علي، هذا سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي، فضرب هشام براحته جبهته، ثم قال: ويحك! كيف قلت؟ فقال علي بن يقطين: سمعت والله منه كما قلت لك، فقال هشام: أخبرك والله أن الأمر فيه من بعده([492]).
وفي رواية: قال: من لنا بعدك يا سيدي؟ قال: علي هذا خير من أخلف بعدي، هو مني بمنزلتي من أبي([493]).
وعن غنام بن القاسم قال: قال لي منصور بن يونس بزرج: دخلت على أبي الحسن -يعني: موسى بن جعفر- يوماً فقال لي: يا منصور، أما علمت ما أحدثت في يومي هذا؟ قلت: لا، قال: قد صيرت علياً ابني وصيي والخلف من بعدي، فادخل عليه وهنئه بذلك، وأعلمه أني أمرتك بهذا، قال: فدخلت عليه فهنأته بذلك وأعلمته أن أباه أمرني بذلك، ثم جحد منصور بعد ذلك، فأخذ الأموال التي كانت في يده وكسرها([494]).
اسأل نفسك: ألم يذكر القوم -كما مر بك- أن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم قالا: إن الإمام بعد الكاظم ابنه الرضا.
وعلى أي حال، إن كان لابد من تهنئة لأحدٍ فلمنصور بن يونس على ما حصل عليه، وليس هذا منه بمستغرب، فقد علمت عن أحوال الكثير من الشيعة مثل ذلك، وكذا سيمر بك المزيد.
وعن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم: إني قد كبرت سني، وخفت أن يحدث بي حدث ولا ألقاك، فأخبرني من الإمام من بعدك؟ فقال: ابني علي.
وفي رواية: فأشار إلى أبي الحسن الرضا، وقال: هذا صاحبكم من بعدي([495]).
لا أدري كم بلغ من الكبر ولا زال جاهلاً بأعظم أركان الإسلام؟!
عن سليمان المروزي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وأنا أريد أن أسأله عن الحجة على الناس بعده، فابتدأني وقال: يا سليمان، إن علياً ابني ووصيي والحجة على الناس بعدي، وهو أفضل ولدي، فإن بقيت بعدي فاشهد لـه بذلك عند شيعتي وأهل بيتي المستخبرين عن خليفتي من بعدي([496]).
لماذا كل هذه التوصيات والمواثيق؟ هل الكاظم قد أتى بأمر جديد استوجب ذلك؟!
وعن علي بن عبدالله الهاشمي قال: كنا عند القبر نحو ستين رجلاً منا ومن موالينا، إذ أقبل أبو إبراهيم موسى بن جعفر ويد علي ابنه في يده، فقال: أتدرون من أنا؟ قلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، قال: سموني وانسبوني؟ فقلنا: أنت موسى بن جعفر، فقال: من هذا معي؟ قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال: فاشهدوا أنه وكيلي في حياتي، ووصيي بعد موتي([497]).
أقول: الحمد لله أنهم عرفوا ذلك وهم عند القبر وليس فيه، وإلا ماتوا ميتة جاهلية، وكانت أعمالهم هباءً منثوراً.
وعن عبدالله بن الحارث -وأمه من ولد جعفر بن أبي طالب- قال: بعث إلينا أبو إبراهيم فجمعنا، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قلنا: لا، قال: اشهدوا أن علياً ابني هذا وصيي، والقيم بأمري، وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كانت له عندي عدة فليستنجزها منه، ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلا بكتابه([498]).
وعن زيد الهاشمي قال: الآن تتخذ الشيعة علي بن موسى إماماً، فقيل: وكيف ذاك؟ قال: دعاه أبو الحسن موسى بن جعفر فأوصى إليه([499]).
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: أوصى أبو الحسن موسى بن جعفر إلى ابنه علي، وكتب له كتاباً أشهد فيه ستين رجلاً من وجوه أهل المدينة([500]).
وعن حسين بن بشير قال: أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر ابنه علياً كما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم، فقال: يا أهل المدينة، أو قال: يا أهل المسجد، هذا وصيي من بعدي([501]).
لا أزيد -عزيزي القارئ- على القول لك سوى أن تقرأ مقدمة هذا الباب مرة أخرى.
وعن عبدالله بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة، فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم وهو يذهب به إلى البصرة، فأرسل إلي فدخلت عليه، فدفع إليَّ كتباً وأمرني أن أوصلها إلى المدينة، فقلت: إلى من أدفعها جعلت فداك؟ قال: إلى ابني علي، فإنه وصيي، والقيم بأمري، وخير بني([502]).
وعن الحسن بن علي الخزاز قال: خرجنا إلى مكة ومعنا علي بن أبي حمزة ومعه مال ومتاع، فقلنا: ما هذا؟ قال: للعبد الصالح أمرني أن أحمله إلى علي ابنه وقد أوصى إليه.
وقال الصدوق: إن علي بن أبي حمزة أنكر ذلك بعد وفاة موسى بن جعفر، وحبس المال عن الرضا([503]).
أذكرك بتهنئتنا لمنصور بن يونس، وابن أبي حمزة هذا يروي لنا أنه قال لأبي الحسن: إن أباك أخبرنا بالخلف من بعده فلو خبرتنا به، قال: فأخذ بيدي فهزها، ثم قال: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة:115] قال: فخفقت، فقال لي: مه لا تعود عينك كثرة النوم، فإنها أقل شيء في الجسد شكراً([504]).
ولعلك ترى معي أن في خفقته هذه تخطيطاً آخر لحبس المال كما فعل مع الكاظم، أما الطامة الكبرى في الرواية فهي جهل الرضا بالإمام بعده، وقد أورد المجلسي هذه الرواية في بحاره، ثم عقَّبها بقولـه: لعله بيَّن لـه أن الله سيظهر لكم الإمام بعدي ويبينه ولا يدعكم في ضلالة.
أقول: يبدو أن المجلسي يشارك ابن أبي حمزة كثرة النوم، وإلا أين كل تلك المجلدات من بحاره، والتي ملأها بالنصوص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على أن الإمامة بعد الرضا في ابنه الجواد، وكذلك عن الأئمة الذين سبقوه.
وعن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبدالله: إن رجلاً من العجلية قال لي: كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ، إنما هو سنة أو سنتان حتى يهلك ثم تصيرون ليس لكم أحد تنظرون إليه؟ فقال أبو عبدالله: ألا قلت لـه: هذا موسى بن جعفر، قد أدرك ما يدرك الرجال، وقد اشترينا له جارية تباح له([505]).
والعجلية فرقتان:
الأولى: تقول بإمامة زكريا بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي المغيرية، أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي.
والأخرى: المنصورية أصحاب أبي منصور العجلي، وقد عزا نفسه إلى الباقر، فتبرأ منه وطرده.
أقول: وما أكثر منصورية زماننا هذا ولا باقر لهم!
وعن إسماعيل بن الخطاب قال: كان أبو الحسن يبتدئ بالثناء على ابنه علي ويطريه ويذكر من فضله وبره ما لا يذكر من غيره كأنه يريد أن يدل عليه([506]).
ولا أدري أين تكون (كأنه) هذه من أخبار النص على الاثني عشر.
وعن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي إبراهيم موسى وهو في الحبس، فإذا فيها مكتوب: عهدي إلى أكبر ولدي([507]).
وعن زياد بن مروان القندي قال: دخلت على أبي إبراهيم وعنده علي ابنه، فقال لي: يا زياد، هذا كتابه كتابي، وكلامه كلامي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قولـه([508]).
قال الصدوق: إن زياد بن مروان روى هذا الحديث ثم أنكره بعد مضي موسى، وقال بالوقف، وحبس ما كان عنده من مال موسى بن جعفر.
أود هنا أن أنقل ما أورده الكشي في زيادٍ هذا:
يقول: عن يونس بن عبدالرحمن، قال: مات أبو الحسن وليس عنده من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان سبب وقفهم وجحدهم موته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال: رأيت ذلك وتبين لي الحق وعرفت مِنْ أمر أبي الحسن ما علمت، فكلمت ودعوت الناس إليه، قال: فبعثا إليَّ، وقالا: لا تدع إلى هذا إن كنت تريد المال فنحن نغنيك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار، وقالا لي: كُفَّ([509]).
ولا أزيد على القول: إن هذه الظاهرة لا زالت موجودة في منصورية هذا الزمان.
وعن محمد بن سنان، عن أبي الحسن قال: من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب حقه وجحد إمامته من بعد محمد صلى الله عليه وسلم. فعلمت أنه قد نعى إلي نفسه ودل على ابنه، فقلت: والله لئن مدَّ الله في عمري لأسلمن إليه حقه، فلأقرن له بالإمامة، وأشهد أنه من بعدك حجة الله على خلقه والداعي إلى دينه، فقال لي: يا محمد، يمد الله في عمرك وتدعو إلى إمامته وإمامة من يقوم مقامه من بعده، قلت: من ذاك جعلت فداك؟ قال: محمد ابنه، قال: قلت: فالرضا والتسليم، قال: نعم، كذلك وجدتك في كتاب أمير المؤمنين، أما إنك من شيعتنا في أبين من البرق في الليلة الظلماء([510]).
وعن داود بن زربي قال: كان لأبي الحسن موسى بن جعفر عندي مال، فأخذ بعضه وترك عندي بعضه، وقال: من جاءك بعدي يطلب ما بقي عندك فإنه صاحبك، فلما مضى أرسل إليَّ علي ابنه: ابعث إليَّ بالذي عندك وهو كذا وكذا، فبعثت إليه ما كان له عندي([511]).
أقول: لا أدري كم سنة انتظر صاحبنا حتى عرف صاحبه.
وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول: ألا تدلني على من آخذ منه ديني؟ فقال: هذا ابني علي([512]).
وعن العباس بن النجاشي الأسدي قال: قلت للرضا: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: إي والله، على الإنس والجن([513]).
وعن داود بن سليمان قال: قلت لأبي إبراهيم: إني أخاف أن يحدث حدث ولا ألقاك، فأخبرني عن الإمام بعدك؟ فقال: ابني أبو الحسن([514]).
وعن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم: إني سألت أباك: من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبدالله ذهب الناس يميناً وشمالاً، وقلت: بك أنا وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك؟ قال: ابني علي([515]).
أقول: يبدو أن جهل صاحبنا هذا جهل مستمر.
وعن الحسن بن الحسن في حديثٍ له قال: قلت لأبي الحسن موسى: أسألك؟ فقال: سل إمامك، فقلت: من تعني فإني لا أعرف إماماً غيرك؟ قال: هو علي ابني قد نحلته كنيتي، قلت: سيدي، أنقذني من النار فإن أبا عبدالله قال: إنك القائم بهذا الأمر، قال: أولم أكن قائماً؟ قال: يا حسن، ما من إمام يكون قائماً في أمة إلا وهو قائمهم، فإذا مضى عنهم فالذي يليه هو القائم والحجة حتى يغيب عنهم، فكلنا قائم، فاصرف جميع ما كنت تعاملني به إلى ابني علي، والله ما أنا فعلت ذاك به، بل الله فعل به ذاك حباً ([516]).
أقول: قد أدت أقوال الصادق هذه إلى اضطراب كبير عند القوم بعد رحيله، كما ستقف عليه.
ولم يقتصر الجهل وغياب النص على الأفراد فحسب، بل طال ذلك المدن والأمصار بمن فيها، فعن محمد بن الفضل الهاشمي قال: لما توفي موسى بن جعفر أتيت المدينة، فدخلت على الرضا، فسلمت عليه بالأمر، وأوصلت إليه ما كان معي، وقلت: إني سائر إلى البصرة وعرفت كثرة خلاف الناس -وقد نعي إليهم موسى- وما أشك أنهم سيسألونني عن براهين الإمام... والرواية طويلة جداً أخذنا منها موضع الحاجة([517]).
حتى من ظن أنهم سبب إخفاء النص على الأئمة -كما يزعم القوم- لم يسلموا من العلة نفسها، فعن موسى بن مهران قال: سمعت جعفر بن يحيى يقول: سمعت عيسى بن جعفر يقول لهارون حين توجه من الرقة إلى مكة: اذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنك حلفت: إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبراً، وهذا علي ابنه يدعي هذا الأمر، ويقال فيه ما يقال في أبيه، فنظر إليه مغضباً، فقال: وما ترى؟ تريد أن أقتلهم كلهم؟([518])
وعن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو الحسن موسى بن جعفر وتكلم الرضا خفنا عليه من ذلك، فقلت له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً وإنما نخاف عليك هذا الطاغي، فقال: ليجهد جهده فلا سبيل له علي([519]).
وعن محمد بن سنان قال: قلت لأبي الحسن الرضا في أيام هارون: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم؟
قال: جوابي على هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنني لست بإمام([520]).
وعن أبي مسروق قال: دخل على الرضا جماعة من الواقفة، فيهم: علي بن أبي حمزة البطائني، ومحمد بن إسحاق بن عمار، والحسين بن عمران، والحسين بن أبي سعيد المكاري، فقال له علي بن أبي حمزة: جعلت فداك، أخبرنا عن أبيك ما حاله؟
فقال: قد مضى، فقال له: فإلى من عهد؟ فقال: إليَّ، فقال له: إنك تقول قولاً ما قاله أحد من آبائك؛ علي بن أبي طالب فمن دونه، قال: لكن قد قاله خير آبائي وأفضلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أما تخاف هؤلاء على نفسك؟
فقال: لو خفت عليها كنت عليها معيناً، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أبو لهب فتهدده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خُدشت من قبلك خدشة فأنا كذاب، فكانت أول آية نزع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أول آية أنزع بها لكم، إن خُدشت خدشاً من قبل هارون فأنا كذاب، فقال له الحسين بن مهران: قد أتانا ما نطلب إن أظهرت هذا القول، قال: فتريد ماذا؟ أتريد أن أذهب إلى هارون فأقول له: إني إمام وأنت لست في شيء؟ ليس هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره، إنما قال ذلك لأهله ومواليه ومن يثق به، فقد خصهم به دون الناس، وأنتم تعتقدون الإمامة لمن كان قبلي من آبائي، وتقولون: إنه إنما يمنع علي بن موسى أن يخبر أن أباه حي تقية، فإني لا أتقيكم في أن أقول: إني إمام، فكيف أتقيكم في أن أدعي أنه حي لو كان حياً([521]).
فاسأل نفسك: لِمَ كل هذه التهديدات والوعيد والحذر والانتظار من الجميع مادامت الإمامة في الرضا بعد أبيه الكاظم بنص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما يزعم القوم، ثم تدبر في أقوال الرضا، وانظر أين موقع التقية التي يصر القوم على نسبتها إلى الأئمة، أما بقية الشبهات فلم تعد خافية عليك، فقد مر بك بعضها، ويحضرني هنا رواية عن أحد الذين دخلوا عليه، وهو أبو سعيد المكاري، حيث قال للرضا: أبلغ الله من قدرك أن تدَّعي ما ادَّعى أبوك؟ فقال: مالك أطفأ الله نورك وأدخل الفقر بيتك([522]).
وكشأن بقية الأئمة الذين تكلمنا عنهم لم يقتصر غياب النص على الأصحاب فحسب، بل طال أهل البيت، فعن علي بن الحكم، عن حيدر بن أيوب، عن محمد بن زيد بن علي، أنه قال: دعانا أبو إبراهيم اليوم سبعة عشر رجلاً من ولد علي وفاطمة، فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته، وأن أمره جائز عليه وله، ثم قال: والله يا حيدر، لقد عقد له الإمامة اليوم، ولتقولن الشيعة به من بعده، قال حيدر: بل يبقيه الله وأي شيء هذا؟
فقال: يا حيدر، إذا أوصى إليه فقد عقد له الإمامة، قال علي بن الحكم: مات حيدر وهو شاك([523]).
وها هي أم أحمد زوجة الكاظم لما توجه من المدينة إلى بغداد أودعها ودائع الإمامة، وقال لها: كل من جاءك وطلب منك هذه الأمانة في أي وقت من الأوقات فاعلمي بأني قد استشهدت، وأنه هو الخليفة من بعدي والإمام المفترض طاعته عليك وعلى سائر الناس([524]).
وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم أحد عنها، فقلت: يا سيدي، من الخامس من ولد السابع؟ قال: يا بني، عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه([525]).
وعنه أيضاً قال: كنت عند أخي موسى بن جعفر، إذ طلع ابنه علي، فقال لي: يا علي، هذا صاحبك وهو مني بمنزلتي من أبي، فثبتك الله على دينه([526]).
وعن يزيد بن سليط قال: دعانا أبو الحسن وأشهدنا -ونحن ثلاثون رجلاً من بني هاشم- أن علياً ابنه ووصيه وخليفته من بعده([527]).
وعن ظريف بن ناصح قال: كنت مع الحسين بن زيد ومعه ابنه علي، إذ مرَّ بنا أبو الحسن موسى بن جعفر، فسلَّم عليه ثم جاز، فقلت: جعلت فداك، يعرف موسى قائم آل محمد؟ قال: فقال لي: إن يكن أحد يعرفه فهو، ثم قال: وكيف لا يعرفه وعنده خط علي بن أبي طالب وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال علي ابنه: يا أبه، كيف لم يكن ذاك عند أبي زيد بن علي؟ فقال: يا بني، إن علي بن الحسين ومحمد بن علي سيدا الناس وإمامهم، فلزم يا بني أبوك زيد أخاه، فتأدب بأدبه وتفقه بفقهه، قال: فقلت: فإنه يا أبه إن حدث بموسى حدث يوصي إلى أحد من إخوته؟ قال: لا والله ما يوصي إلا إلى ابنه، أما ترى -أي بني- هؤلاء الخلفاء لا يجعلون الخلافة إلا في أولادهم([528]).
 
خلاف أهل البيت مع الكاظم وذكر من ادعى الإمامة من أهل بيته:
لا شك -أيها القارئ- أنك تنتظر ذكر من نازعه وخرج عليه من أهل البيت كما عودناك، فإليك أمثلة على ذلك:
عن محمد بن الحسن العلوي قال: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد البرمكي، وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد -وكان يقول بالإمامة- حتى داخله وآنس إليه وكثر غشيانه في منزلـه، فيقف على أمره فيرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه بما يقدح في قلبه، ثم قال يوماً لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلاً من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرّفني ما أحتاج إليه؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى بن خالد مالاً، وكان موسى يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها، فكتب ليشخص به، فأحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يا ابن أخي؟ قال: إلى بغداد، قال: وما تصنع؟ قال: عليّ دين وأنا مملق، قال: فأنا أقضي دينك، وأفعل بك وأصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال له: انظر يا ابن أخي لا تؤتم أولادي، وأمر له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم، فلما قام من بين يديه قال أبو الحسن موسى لمن حضره: والله ليسعين في دمي ويؤتمن أولادي([529]).
وكذا شأن أخيه محمد، فعن علي بن جعفر بن محمد قال: جاءني محمد بن إسماعيل ابن جعفر يسألني أن أسأل أبا الحسن موسى أن يأذن له في الخروج إلى العراق وأن يرضى عنه ويوصيه.. إلى أن قال: فقال محمد بن إسماعيل: يا عم، أحب أن توصيني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، فقال: لعن الله من يسعى في دمك، ثم قال: يا عم، أوصني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، ثم ذكر خروج محمد بن إسماعيل إلى العراق وملاقاته لهارون الرشيد، وقولـه له: يا أمير المؤمنين، خليفتان في الأرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له بالخراج، وأنت في العراق يجبى لك الخراج، فقال: والله؟ فقال: والله([530]).
أما من خرج في أيامه ودعا الناس إلى بيعته من أهل البيت فإليك بيانه:
عن عبدالله بن المفضل مولى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ([531]) واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم، لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبدالله فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمراً، فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان، ثم ودعه([532]).
وللحسين بن علي صاحب الفخ هذا رحمه الله منزلة عظيمة، حيث أورد فيه القوم عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ بفخ فنزل فصلَّى ركعة، فلما صلَّى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناس النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بكوا، فلما انصرف قال: نزل عليّ جبرئيل لما صليت الركعة الأولى، فقال لي: يا محمد، إن رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين([533]).
كما رووا عن الصادق أنه قال لنضر بن قرواش وهو في طريقه إلى المدينة: يا نضر، إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني. فلما وصل وأبلغه بذلك قال: ناولني الإداوة والركوة، فتوضأ وصلى ثم ركب، فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً، أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يقتل ههنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة([534]).
وذكروا أن الكاظم جاء إلى الحسين صاحب الفخ فانكب عليه شبه الركوع، وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل مِنْ تخلفي عنك، فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة([535]).
ولعل في إطراقه الطويل هذا تساؤلاً عن سر رفضه الأول ثم ندمه، وهو إمام معصوم لا يصدر عنه فعلان متضادان، ولما عرضت عليه رأسه رحمه الله قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله([536]).
وقال فيه الجواد: لم يكن لنا بعد اللطف مصرع أعظم من فخ([537]).
ومنهم: أخوه عبدالله المعروف بالأفطح، وقد ذكرنا نبذة عنه عند كلامنا عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، ونزيد هنا رواية المفضل بن عمر، قال: لما مضى الصادق كانت وصيته في الإمامة لموسى، فادعى أخوه عبدالله الإمامة، وكان أكبر ولد جعفر في ذلك الوقت، فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره، فأرسل إلى عبدالله يسأله المصير إليه، فلما صار عنده مع جماعة من وجوه الإمامية، فلما جلس إليه أخوه عبدالله أمر موسى أن تضرم النار في ذلك الحطب فأضرمت، ولا يعلم الناس ما سبب ذلك حتى صار كله جمراً، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار وأقبل يحدث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثيابه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبدالله: إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس؟ قالوا: فرأينا عبدالله تغير لونه، ثم قام يجر رداءه حتى خرج من دار موسى([538]).
 
افتراق الشيعة بعد وفاة الكاظم:
رجع بنا الحديث إلى موقف الشيعة بعد وفاة الكاظم، فقد ذكر القوم أن الشيعة افترقت بعد وفاته إلى عدة فرق:
فرقة منهم قالوا بوفاته في حبس السندي بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمَّهُ في رطب وعنب بعثهما إليه، وأن الإمام بعده هو علي الرضا. وهذه الفرقة سميت بالقطعية؛ لأنها قطعت على وفاته وعلى إمامة الرضا.
وفرقة قالت: إن الكاظم لم يمت وإنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وإنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس ولم يره أحد نهاراً ولم يعلموا به، وأن السلطان وأصحابه ادعوا موته وموهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الصادق أنه قال: هو القائم المهدي، فإن هدهد رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم.
وقال بعضهم: إنه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختفٍ في موضع من المواضع حيٌ يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سمي القائم قائماً؛ لأنه يقوم بعدما يموت.
وقال بعضهم: إنه قد مات، وإنه القائم، وإن فيه شبهاً من نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، وإنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وإن الله قال: إن فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وإنه يقتل على يدي ولد العباس، فقد قتل، وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وإنه يرده عند قيامه، فسموا هؤلاء جميعاً الواقفة؛ لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه القائم، ولم يَأتَمُّوا بعده بإمام، ولم يتجاوزوه إلى غيره، وقد قال بعضهم ممن ذكر أنه حي: إن الرضا ومن قام بعده ليسوا بأئمة ولكنهم خلفاء، واحداً بعد واحد إلى أوان خروجه.
وفرقة قالت: لا ندري أهو حي أم ميت، لأنا قد روينا أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهديَ، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضاً مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عز وجل يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، وقالوا: ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامة -يعنون علي بن موسى الرضا- فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه.
وفرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته، ولما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة، وهكذا.. إلى وقت خروج الكاظم([539]).
وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى الكاظم، وأن الكاظم أوصى إليه وإلى الرضا وأجازوها في أخوين، وجعله أبوه الوصي بعد علي بن موسى([540]).
وكذا إبراهيم بن الكاظم الذي خرج باليمن ودعا الناس إلى بيعة محمد بن إبراهيم طباطبا، ثم دعا الناس إلى بيعة نفسه([541]).
وإبراهيم هذا من الذين أنكروا موت أبيه، حيث يروي القوم عن بكر بن صالح قال: قلت لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر: ما قولك في أبيك؟ قال: هو حي، قلت: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟ قال: ثقة صدوق، قلت: فإنه يقول: إن أباك قد مضى؟ قال: هو أعلم وما يقول، فأعدت عليه فأعاد علي، قلت: فأوصى أبوك؟ قال: نعم، قلت: إلى من أوصى؟ قال: إلى خمسة منا وجعل علياً علينا([542]).
أما هذه الوصية التي أشار إليها فقد رواها القوم عن يزيد بن سليط الزيدي، أنه قال: لقيت موسى بن جعفر، فقلت: أخبرني عن الإمام بعدك بمثل ما أخبر به أبوك، قال: فقال: كان أبي في زمن ليس هذا مثله.
قال يزيد: فقلت: من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك، ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة أني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى ابني، وأشركتهم مع علي ابني، وأفردته بوصيتي في الباطن، ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء، وقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدي علي حيث قال لي: الأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله، أرنيه أيهم هو؟ فقال رسول الله: ما رأيت من الأئمة أحداً أجزع على فراق هذا الأمر منك، ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن من الله([543]).
فأين القول بالنص مع كل هذا التمويه؟ ولعل أمثال هذه الوصايا هي التي جرأت أبناء الأئمة للخروج وادعاء الإمامة كما مرَّ بك، وكما هو شأن صاحبينا إبراهيم وأخيه زيد ابني موسى الذي خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه، وحرق دوراً وأعبث، ثم ظُفِرَ به وحُمِلَ إلى المأمون، وقد ذكرنا نبذة من ذلك عند كلامنا عن زيد بن علي.
 
وقوف الكثير من الشيعة على الكاظم واعتقادهم بأنه المهدي:
كان لشأن هذه التلبيسات أن وقف فريق كبير من الشيعة على الكاظم -كما مرَّ بك آنفاً- وهم الواقفة، وهؤلاء قد أتعبوا من جاء بعده، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
عن علي بن خطاب -وكان واقفياً- قال: كنت في الموقف يوم عرفة، فجاء أبو الحسن الرضا ومعه بعض بني عمه، فوقف أمامي، وكنت محموماً شديد الحمى، وقد أصابني عطش شديد، قال: فقال الرضا لغلام له شيئاً لم أعرفه، فنزل الغلام فجاء بماء في مشربة، فناوله فشرب وصب الفضلة على رأسه من الحر، ثم قال: املأ، فملأ الشربة، ثم قال: اذهب فاسق ذلك الشيخ، قال: فجاءني بالماء، فقال لي: أنت موعوك؟ قلت: نعم، قال: اشرب، قال: فشربت، قال: فذهب والله الحمى، فقال لي يزيد بن إسحاق: ويحك يا علي، فما تريد بعد هذا ما تنتظر؟ قال: يا أخي دعنا، قال له يزيد: فحدثت بحديث إبراهيم بن شعيب وكان واقفياً مثله، قال: كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبي إنسان ضخم آدم، فقلت له: ممن الرجل؟ فقال لي: مولى لبني هاشم، قلت: فمن أعلم بني هاشم؟ قال: الرضا، قلت: فما باله لا يجيء عنه كما جاء عن آبائه، قال: فقال لي: ما أدري ما تقول، ونهض وتركني، قال الحسن -راوي الحديث عن ابن خطاب-: فأجدهما ماتا على شكهما([544]).
وعن ابن أبي نجران وصفوان قالا: حدثنا الحسين بن قياما وكان من رؤساء الواقفة، فسألنا أن نستأذن له على الرضا ففعلنا، فلما صار بين يديه، قال له: أنت إمام؟ قال: نعم، قال: فإني أشهد الله أنك لست بإمام، وكان الحسين بن قياماً هذا واقفاً في الطواف، فنظر إليه أبو الحسن الأول، فقال له: مالك حيرك الله تعالى، فوقف عليه بعد الدعوة([545]).
وفي رواية: قال: دخلت على علي بن موسى الرضا، فقلت له: يكون إمامان؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت، فقلت له:هو ذا أنت ليس لك صامت، ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد، فقال: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر، فقيل لابن قياما: ألا تقنعك هذه الآية؟ فقال: أما والله إنها آية عظيمة، ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه([546]).
وفي رواية: أنه كتب إلى الرضا كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن شبه المغضب: وما علمك أنه لا يكون لي ولد؟ والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني ولداً ذكراً([547]).
وعن عبدالله بن المغيرة قال: كنت واقفياً وحججت على ذلك، فلما صرت بمكة اختلج في صدري شيء، فتعلقت بالملتزم، ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه، فقلت للغلام: قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب، فسمعت نداءه وهو يقول: ادخل يا عبدالله بن المغيرة، فدخلت، فلما نظر إليَّ قال: قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه، فقلت: أشهد أنك حجة الله وأمين الله على خلقه([548]).
والغريب أن ابن المغيرة هذا له منزلة عظيمة عند القوم، وكل من ترجم له قال فيه: شيخ جليل ثقة، من أصحاب الكاظم، لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه، صنَّف ثلاثين كتاباً، وهو ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه([549]).
أقول: لا أدري لم وقف على الكاظم وهو من هو في الورع والدين وجلالة القدر، دون أن يقف على كفر من أنكر واحداً من الأئمة الاثني عشر بزعم القوم!
وعلى أي حال، فإن كلتا الوقفتين عجيبة!
وعن الحسن بن علي الوشاء قال: كنت كتبت معي مسائل كثيرة قبل أن أقطع على أبي الحسن، وجمعتها في كتاب مما روي عن آبائه وغير ذلك، وأحببت أن أتثبت في أمره وأختبره، فحملت الكتاب في كمي وصرت إلى منزله، وأردت أن آخذ منه خلوة فأناوله الكتاب، فجلست ناحية وأنا متفكر في طلب الإذن عليه وبالباب جماعة جلوس يتحدثون، فبينا أنا كذلك في الفكرة والاحتيال في الدخول عليه إذا أنا بغلام قد خرج من الدار في يده كتاب، فنادى: أيكم الحسن بن علي الوشاء ابن بنت إلياس البغدادي؟
فقمت إليه، فقلت: أنا الحسن بن علي الوشاء، فما حاجتك؟ قال: هذا الكتاب أمرت بدفعه إليك فهاك خذه، فأخذته وتنحيت ناحية فقرأته، فإذا والله فيه جواب مسألة مسألة، فعند ذلك قطعت عليه وتركت الوقف([550]).
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر وهو من آل مهران، وكانوا يقولون بالوقف، وكان على رأيهم، فكاتب أبا الحسن الرضا وتعنت في المسائل، فقال: كتبت إليه كتاباً وأضمرت في نفسي أني متى دخلت عليه أسأله عن ثلاث مسائل من القرآن، فأجابني عن كتابي وكتب في آخره الآيات التي أضمرتها في نفسي أن أسأله عنها ولم أذكرها في كتابي إليه، فلما وصل الجواب نسيت ما كنت أضمرته، فقلت: أي شيء هذا من جوابي؟ ثم ذكرت أنه ما أضمرته([551]).
وعن الحسين بن عمر بن يزيد قال: دخلت على الرضا وأنا يومئذٍ واقف، وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل فأجابه عن ست وأمسك عن السابعة، فقلت: والله لأسألنه عما سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل جواب أبيه فكانت دلالة، فسألته فأجاب بمثل جواب أبيه([552]).
وعن يزيد بن إسحاق وكان من أدفع الناس لهذا الأمر، قال: خاصمني مرة أخي محمد وكان مستوياً، قال: فقلت له لما طال الكلام بيني وبينه: إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول فاسأله أن يدعو الله حتى أرجع إلى قولكم، قال: قال لي محمد: فدخلت على الرضا، فقلت له: جعلت فداك، إن لي أخاً وهو أسن مني، وهو يقول بحياة أبيك، وأنا كثيراً ما أناظره، فقال لي يوماً من الأيام: سَلْ صاحبك إن كان بالمنزلة التي ذكرت أن يدعو الله لي حتى أصير إلى قولكم، فأنا أحب أن تدعو الله له، فدعا له فقال بالحق([553]).
 
أسباب وقوف هؤلاء على الكاظم رحمه الله:
على أي حال، لسنا بصدد حصر كل أمثال هذه الروايات، ونكتفي بهذا القدر الضئيل، ولكن لنتساءل عن العلة التي من أجلها وقف هؤلاء والتبس الأمر عليهم، حتى قال من قال منهم كابن قياما الواسطي: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ كما مرَّ بك قولـه آنفاً، بل وقول الكاظم: أما إنهم يفتنون بعد موتي، فيقولون: هو القائم، وما القائم إلا بعدي بسنين([554]).
ترى ماذا قال الصادق رحمه الله -أو بالأحرى ماذا نسب إليه- حتى وقف هؤلاء على ابنه، وقالوا بأنه المهدي؟
اقرأ معي هذه الروايات لتقف على حقيقة هذا الأمر:
عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لا ينسجني والقائم أب.
وعن يزيد الصايغ قال: لما ولد لأبي عبدالله أبو الحسن رضي الله عنه عملت له أوضاحاً وأهديتها إليه، فلما أتيت أبا عبدالله بها قال لي:يا يزيد، أهديتها والله لقائم آل محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي سعيد المدايني قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن الله استنقذ بني إسرائيل من فرعونها بموسى بن عمران، وإن الله مستنقذ هذه الأمة من فرعونها بسميه.
وعن أبي جعفر قال: إن الله تعالى عرض سيرة قائم آل محمد على موسى بن عمران، فقال: اللهم اجعله من بني إسرائيل، فقال له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعلني من أنصاره، فقيل له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعله سميي، فقيل له: أعطيت ذلك.
وعن أبي جعفر قال: قال رجل: جعلت فداك، إنهم يروون أن أمير المؤمنين قال بالكوفة على المنبر: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً مني يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقال أبو جعفر: نعم، قال: فأنت هو؟ فقال: لا، ذاك سمي فالق البحر. أي: موسى بن عمران على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وعن علي بن الحسين قال: إن قارون كان يلبس الثياب الحمر، وإن فرعون كان يلبس السودَ ويرخي الشعور، فبعث الله عليهم موسى، وإن بني فلان لبسوا السواد وأرخوا الشعور، وإن الله تعالى مهلكهم بسميه.
وعن علي بن الحسين قال: إن اسم القائم اسم لحديدة الحلاق.
وعن أبي عبدالله قال: ابني هذا -يعني: أبا الحسن- هو القائم، وهو من المحتوم، وهو الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً([555]).
وعنه أيضاً قال: من المحتوم أن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف، وأشار بيده إلى أبي الحسن.
وعن أبي الوليد الطرائقي قال: كنت ليلة عند أبي عبدالله، إذ نادى غلامه، فقال: انطلق فادع لي سيد ولدي، فقال له الغلام: من هو؟ فقال: فلان -يعني: أبا الحسن- فلم يلبث حتى جاء بقميص بغير رداء.. إلى أن قال: ثم ضرب بيده على عضدي، وقال: يا أبا الوليد، كأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس، ومعه أصحابه يهدون جبال الحديد هداً، لا يأتون على شيء إلا هدوه، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: نعم، هذا يا أبا الوليد، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً، يسير في أهل القبلة بسيرة علي بن أبي طالب، يقتل أعداء الله حتى يرضي الله، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: هذا، ثم قال: فاتبعه وأطعه وصدقه وأعطه الرضا من نفسك، فإنك ستدركه إن شاء الله.
وعن عبدالله بن غالب قال: أنشدت أبا عبدالله هذه القصيدة:
فإن تك أنت المرتجى للذي نرى           لك التي من ذي العلى فيك نطلب
فقال: ليس أنا صاحب هذه الصفة، ولكن هذا صاحبها، وأشار بيده إلى أبي الحسن.
وعن إسماعيل البزار قال: قال أبو عبدالله: إن صاحب هذا الأمر يلي الوصية وهو ابن عشرين سنة، فقال إسماعيل: فوالله ما وليها أحد قط كان أحدث منه، وإنه لفي السن الذي قال أبو عبدالله.
وعن إسماعيل بن منصور الزبالي قال: سمعت شيخاً بأذرعات قد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت علياً يقول على منبر الكوفة: كأني با بن حميدة قد ملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقام إليه رجل، فقال: أهو منك أو من غيرك؟ فقال: لا، بل هو رجل مني.
وعن أبي عبدالله قال: كأني با بن حميدة على أعوادها قد دان له شرق الأرض وغربها([556]).
وحميدة هي أم الكاظم([557]).
وعن يحيى بن إسحاق العلوي، عن أبيه، قال: دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب هذا الأمر من بعده؟
قال: صاحب البهمة، وأبوالحسن في ناحية الدار ومعه عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لله الذي خلقك، ثم قال: أما إنه الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وعن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله وذكر البداء لله، فقال: فما أخرج الله إلى الملائكة وأخرجه الملائكة إلى الرسل، فأخرجه الرسل إلى الآدميين، فليس فيه بداء، وإن من المحتوم أن ابني هذا هو القائم.
وعن الصادق قال: على رأس السابع منا الفرج.
وعن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبدالله: من جاءك فقال لك: إنه مرّض ابني هذا وأغمضه وغسله ووضعه في لحده ونفض يده من تراب قبره فلا تصدقه.
وفي رواية: عن الكاظم نفسه قال: يا علي، من أخبرك أنه مرضني وغمضني وغسلني ووضعني في لحدي ونفض يده من تراب قبري فلا تصدقه.
وعن أبي عبدالله قال: أما إنه -أي: الكاظم- صاحبكم، مع أن بني العباس يأخذونه فيلقى منهم عنتاً، ثم يفلته الله من أيديهم بضرب من الضروب، ثم يُعمَّى على الناس أمره حتى تفيض عليه العيون، وتضطرب فيه القلوب، كما تضطرب السفينة في لجة البحر وعواصف الريح، ثم يأتي الله على يديه بفرج لهذه الأمة للدين والدنيا.
وعن الباقر قال: صاحب الأمر يسجن حيناً ويموت ويهرب حيناً.
وعنه أيضاً قال: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وسلم، أما موسى فخائف يترقب، وأما يوسف فالسجن، وأما عيسى فيقال: مات ولم يمت، وأما محمد فالسيف([558]).
ومعلوم أن مهدي القوم لم يسجن، أما الكاظم فقد سجن، بل ويبدو أن ذلك كان من المسلمات لولا أن بدا لله فيه كما يزعم القوم، فمن أدعية زيارته كما يُروى عن أبي الحسن: السلام عليك يا من بدا لله في شأنه([559]).
وعلى أي حال، نجتزئ بما أوردناه حتى لا نمل القارئ، ولعل بما ذكرنا التماساً للعذر لابن قياما الواسطي، وقولـه: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ وكذا سائر الواقفة.
 
رسالة تعزية من الكاظم إلى الخيزران يسمي فيها هارون الرشيد بأمير المؤمنين:
قبل أن ننتقل إلى الإمام التالي، نورد هنا موقفاً شبيهاً بموقف زين العابدين ورسائله إلى الأسرة الحاكمة، فقد كتب الكاظم إلى الخيزران يعزيها بموسى ابنها، ويهنئها بهارون ابنها بما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم: للخيزران أم أمير المؤمنين، من موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، أما بعد: أصلحك الله وأمتع بك وأكرمك وحفظك، وأتم النعمة والعافية في الدنيا والآخرة لك برحمته، ثم إن الأمور -أطال الله بقاءك- كلها بيد الله عز وجل يمضيها ويقدرها بقدرته فيها، والسلطان عليها توكل بحفظ ماضيها وتمام باقيها، فلا مقدم لما أخر منها، ولا مؤخر لما قدم، استأثر بالبقاء، وخلق خلقه للفناء، أسكنهم دنيا سريعاً زوالها، قليلاً بقاؤها، وجعل لهم مرجعاً إلى دار لا زوال لها ولا فناء، لم يكن -أطال الله بقاءك- أحد من أهلي وقومك وخاصتك وحرمتك كان أشد لمصيبتك إعظاماً، وبها حزناً، ولك بالأجر عليها دعاءً، وبالنعمة التي أحدث الله لأمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- دعاءً بتمامها ودوامها وبقائها ودفع المكروه فيها مني، والحمد لله لما جعلني الله عليه بمعرفتي بفضلك، والنعمة عليك، وبشكري بلاءك، وعظيم رجائي لك أمتع الله بك، وأحسن جزاءك، إن رأيت -أطال الله بقاءك- أن تكتبي إلي بخبرك في خاصة نفسك، وحال جزيل هذه المصيبة، وسلوتك عنها فعلت، فإني بذلك مهتم، وإلى ما جاءني من خبرك وحالك فيه متطلع، أتم الله لك أفضل ما عودك من نعمته، واصطنع عندك من كرامته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته([560]).
 
روايات شيعية في النهي عن التسمية بأمير المؤمنين لغير علي رضي الله عنه واختلافهم في هذا وفيه الكاظم يبشر المأمون بالخلافة:
الغريب هنا هو أن ينادي الكاظم هارون الرشيد وكذا غيره من الأئمة خلفاء الجور -بزعم القوم- بأمير المؤمنين، رغم النهي الشديد الذي ورد عنهم في ذلك، كروايتهم عن الصادق قولـه لرجل دخل عليه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقام على قدميه، فقال: مه، هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين سماه الله به، ولم يُسمَّ به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحاً وإن لم يكن به ابتلي([561]).
وفي رواية: لا يسمى به أحد قبله ولا بعده إلا كافر([562]). والروايات في الباب كثيرة([563]).
رغم هذا يروون عن أبي الصباح بن مولى آل سام قال: كنت عند أبي عبدالله أنا وأبو المغرا، إذ دخل علينا رجل من أهل السواد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم اجتذبه وأجلسه إلى جنبه.
فقلت لأبي المغرا: إن هذا الاسم ما كنت أرى أن أحداً يسلم به إلا على أمير المؤمنين علي، فقال لي أبو عبدالله: يا أبا صباح، إنه لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن لآخرنا ما لأولنا([564]).
وكان الرشيد يجل الكاظم إلى درجة تثير معه استغراب الآخرين، فقد كان لا يرضى إذا دخل عليه أن ينزل من فوق حماره إلا على بساطه، فقد روى ابنه المأمون ذلك، وقال في ذكر أحد لقاءات الكاظم مع أبيه: فلمَّا رأى الرشيد رمى بنفسه -أي: الكاظم- عن حمارٍ كان راكبه، فصاح الرشيد: لا والله إلا على بساطي، فمنعه الحجاب من الترجل، ونظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال والإعظام، فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط، والحجاب والقواد محدقون به، فنزل فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط، وقبَّل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس، وأجلسه معه فيه، وجعل يحدثه ويقبل بوجهه عليه، ويسأله عن أحواله... الرواية([565]).
وفي الرواية هذه نفسها بشَّر الكاظم المأمون بالخلافة، وسأله أن يحسن إلى ولده، وكان كما أراد، فقد تزوج الرضا من ابنة المأمون، بل وبويع له بولاية العهد فضلاً عن رغبة المأمون في التنازل له عن الحكم، كما هو معروف([566]).
فانظر أين محل التقية من كل هذا؟
هذا ما كان من شأن الإمام موسى الكاظم وأصحابه وأهل بيته وشأن القول بالنص على الاثني عشر، وقد عرفت حقيقة ذلك مما مرَّ بك.
 
موقف علي الرضا رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص:
لنشرع الآن في التكلم عن ابنه الإمام علي الرضا المتوفى سنة (203) للهجرة.
أقول: لم يشذ شيعة الرضا عن شيعة أبيه وأجداده بخفاء النص على الأئمة الاثني عشر عليهم مما يستوجب بطلان هذا الاعتقاد أصلاً كما سترى باعتبار روايات القوم أنفسهم.
رووا أن ابن أبي النصر قال: سألت علي الرضا: جعلت فداك، إني سألت أباك وهو في هذا الموضع [القادسية] عن خليفته من بعده، فدلني عليك، وقد سألتك منذ سنين وليس لك ولد عن الإمامة فيمن تكون من بعدك؟ فقلت: في ولدي، وقد وهب الله لك ابنين فأيهما عندك بمنزلتك التي كانت عند أبيك؟ فقال لي: هذا الذي سألت ليس هذا وقته([567]).
وعن دعبل بن علي الخزاعي قال: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة             ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالـــة خـارج                 يقوم على اسـم الله والبركات
يميز فينا كـل حـق وبـاطــــل         ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا بكاءً شديداً ثم رفع رأسه إليَّ، فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟
 فقلت: لا يا مولاي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً، فقال: يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره ([568]).
ولدعبل هذا منزلة عظيمة عند القوم، وتهالكه في ولاء أهل البيت غير خافٍ([569])، ولكن الخافي هو جهله بركن من أعظم أركان الدين!
وآخر هو جعفر بن محمد النوفلي قال: أتيت الرضا فسلمت عليه، ثم جلست، وقلت: جعلت فداك، إن أناساً يزعمون أن أباك حي، فقال: كذبوا لعنهم الله، لو كان حياً ما قسم ميراثه ولا نكح نساؤه، ولكنه والله ذاق الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب، قال: فقلت له: ما تأمرني؟ قال: عليك با بني محمد من بعدي([570]).
وعن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر، فكنت تقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهب الله لك وأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه، فقلت له: جعلت فداك، وهو ابن ثلاث سنين؟ قال: وما يضره من ذلك؟ قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين([571]).
وعلى ذكر السن أقول: إن الرضا توفي رحمه الله سنة (203) للهجرة، والجواد ولد سنة (195) للهجرة، فاحسب عمره عندما افترض توليه لإمرة المؤمنين.
وعلى أي حال، فقد ذكرنا تفاصيل ذلك عند كلامنا في منازعة محمد بن الحنفية مع الإمام زين العابدين.
وعن مسافر قال:أمرني أبو الحسن بخراسان، فقال: الحق بأبي جعفر فإنه صاحبك([572]).
وعن ابن بزيع، عن أبي الحسن علي الرضا أنه سئل أو قيل له: تكون الإمامة في عم أو خال؟ فقال: لا، فقال: في أخ؟ قال:لا، قال: ففي من؟ قال: في ولدي، وهو يومئذٍ لا ولد له([573]).
وعن عبدالله بن جعفر قال: دخلت على الرضا أنا وصفوان بن يحيى، وأبو جعفر قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا له: جعلنا الله فداك، إن -وأعوذ بالله- حدث حدث فمن يكون بعدك؟ قال: ابني هذا وأومأ إليه، قال: فقلنا له: وهو في هذا السن؟ قال: نعم، وهو في هذا السن، إن الله تبارك وتعالى احتج بعيسى عليه السلام وهو ابن سنتين([574]).
وعن محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمد جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده عدة سنين أكتب عنه ما سمع من أخيه -يعني: أبا الحسن- إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا المسجد -مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبَّل يده وعظمه، فقال له أبو جعفر: يا عم، اجلس رحمك الله، فقال: يا سيدي، كيف أجلس وأنت قائم؟ فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا، إذا كان الله عز وجل -وقبض على لحيته- لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله؟ نعوذ بالله مما تقولون بل أنا له عبد([575]).
وعن ابن أبي النصر قال: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك فأشتهي أن تسأله حتى أعلم؟ فدخلت على الرضا فأخبرته، فقال: الإمام ابني([576]).
وعن بنان بن نافع قال: سألت علي بن موسى الرضا، فقلت: جعلت فداك، من صاحب هذا الأمر بعدك؟ فقال لي: يا ابن نافع، يدخل عليك من هذا الباب من ورث ما ورثته ممن هو قبلي، وهو حجة الله تعالى من بعدي، فبينا أنا كذلك إذ دخل علينا محمد بن علي([577]).
وعن الصقر بن دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا يقول: إن الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري، وقولـه قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن([578]).
ومن أصحابه من ظنه المهدي، فعن أيوب بن نوح قال: قلت لأبي الحسن الرضا: إنا نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك عفواً بغير سيف([579]).
وعن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً([580]).
 
ذكر من نازعه من إخوته وأهل بيته:
نجتزئ بهذه الأمثلة التي سردناها سرداً لوضوح المقصود منها، ونذكر الآن -وكما عودناكم- أمثلة على موقف أهل بيته معه:
فعن علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: لما مات أبو الحسن حججنا، فدخلنا على أبي جعفر وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر، فدخل عمه عبدالله بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً، عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة، فجلس، وخرج أبو جعفر من الحجرة وعليه قميص قصب، ورداء قصب، ونعل جدد بيضاء، فانتدب رجل من القوم، فقال لعمه: أصلحك الله، ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: تقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب أبو جعفر، ثم نظر إليه، فقال: يا عم، اتق الله.. اتق الله، إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، فيقول لك: لم أفتيت الناس بما لا تعلم؟ فقال له عمه: أليس قال هذا أبوك؟ فقال أبو جعفر: إنما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال: صدقت يا سيدي وأنا أستغفر الله، فتعجب الناس، فقالوا: يا سيدنا، أتأذن لنا أن نسألك؟ فقال: نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين ([581]).
أقول: يبدو أن مجالسهم كانت طويلة، إذ لو افترضنا أن سؤال وجواب كل مسألة يستغرق نصف دقيقة، لكان مدة المجلس أكثر من عشرة أيام.
وعلى أي حال، أنت ترى أن عمه رغم نبله وورعه يفتي بلا علم في حضرة إمام منصوص من الله لمثل هذه المسائل لرجل لم يوجه سؤاله أصلاً إلى من كان أولى بتوجيه السؤال إليه، وأحداث هذه القصة تذكرني بمواقف كثيرة للفاروق عمر مع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أوردها القوم في مصنفاتهم، ونذكر منها:
أن رجلاً من شباب اليهود سأل عمر رضي الله عنه: دلني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وبنبيه؟ فأومأ بيده إلى علي، فقال: هذا.
وفي رواية: دونك هذا الشاب، فقال: ومن هذا الشاب؟ قال: علي بن أبي طالب([582]).
ومنها: أن رجلاً سأل عمر رضي الله عنه عن تفسير سبحان الله؟ فقال: إن في هذا الحائط رجلاً كان إذا سئل أنبأ، وإذا سكت ابتدأ، فدخل الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ([583])، فتأمل الفرق!
وننهي كلامنا عن الرضا بذكر منازعة أخيه العباس لـه، فعن الجعفري قال: قال العباس بن موسى لابن عمران القاضي الطلحي: إن أسفل هذا الكتاب -أي: وصية الكاظم- كنز لنا وجوهر يريد -أي: الرضا- أن يحتجزه دوننا، ولم يدع أبونا شيئاً إلا جعله لـه وتركنا عالة، فوثب عليه إبراهيم بن محمد الجعفري فأسمعه، ووثب إليه إسحاق بن جعفر ففعل به مثل ذلك، فقال العباس للقاضي: أصلحك الله، فض الخاتم واقرأ ما تحته، فقال: لا أفضه لا يلعنني أبوك، فقال العباس: أنا أفضه، قال: ذلك إليك، ففض العباس الخاتم -رغم قول أبيه الكاظم: وليس لأحدٍ أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهو على ما ذكرت وسميت، فمن أساء فعليه، ومن أحسن فلنفسه، وما ربك بظلام للعبيد، وليس ذلك لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي الذي ختمت عليه أسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه والملائكة بعد ذلك ظهير وجماعة المسلمين والمؤمنين- ففض العباس الخاتم، فإذا فيه إخراجهم من الوصية، وإقرار علي وحده وإدخاله إياهم في ولاية علي إن أحبوا أو كرهوا أو صاروا كالأيتام في حِجره وأخرجهم من حد الصدقة وذكرها، ثم التفت علي بن موسى إلى العباس، فقال: يا أخي، أعلم أنه إنما حملكم على هذا الغرام والديون التي عليكم، فانطلق يا سعد فتعين لي ما عليهم واقضه عنهم، واقبض ذكر حقوقهم، وخذ لهم البراءة، فلا والله لا أدع مواساتكم وبركم ما أصبحت أمشي على ظهر الأرض، فقولوا ما شئتم، فقال العباس: ما تعطينا إلا من فضول أموالنا ومالنا عندك أكثر، فقال: قولوا ما شئتم، فالعرض عرضك، اللهم أصلحهم وأصلح بهم، وأخسئ عنا وعنهم الشيطان، وأعنهم على طاعتك، والله على ما نقول وكيل، فقال العباس: ما أعرفني بلسانك وليس لمسحاتك عندي طين، ثم إن القوم افترقوا([584]).
لذا لم يذكره بخير كل من ترجم له([585])، ورغم هذا يقول المفيد في إرشاده: إن لكل واحد من أولاد الكاظم فضلاً ومنقبة([586]).
 
افتراق الشيعة بعد وفاة الرضا:
أما عن موقف الشيعة بعد وفاة الرضا، فإليك البيان:
فرقة منهم كانت قد قطعت عليه وعلى موت أبيه، ولما توفي الرضا رجعوا إلى الوقف بعد موسى بن جعفر، وهذه الفرقة تسمى المؤلفة.
وثانية تسمى: المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء من أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعاً، فلما توفي علي بن موسى الرضا رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة الرضا عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعاً للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهراً، فلما توفي الرضا رجعوا إلى قومهم من الزيدية.
وفرقة ائتمت بأحمد بن موسى.. وهكذا([587]).
 
موقف محمد الجواد رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص:
وكذلك حال أصحاب محمد الجواد رحمه الله المتوفى سنة (220) للهجرة، فعن إسماعيل بن مهران قال: لما خرج أبو جعفر من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكر بوجهه إليَّ ضاحكاً، وقال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك، فأنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إليَّ، فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي([588]).
فانظر كم سنة انتظر حتى علم أن الأمر بعد الجواد إلى ابنه علي الهادي؟!
وعن ابن أكثم قال: قلت للرضا: والله إني أريد أن أسألك مسألة وإني والله لأستحي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام؟ فقلت: هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت: علامة؟ فكان في يده عصا، فنطقت وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة([589]).
وعن الخيراني، عن أبيه قال: كنت ألزم باب أبي جعفر للخدمة التي وكلت بها، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري يجيء في السحر من آخر كل ليلة ليتعرف خبر علة أبي جعفر، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين الخيراني إذا حضر قام أحمد وخلا به، قال الخيراني: فخرج ذات ليلة وقام أحمد بن محمد بن عيسى عن المجلس وخلا بي الرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول: مولاك يقرئك السلام، ويقول لك: إني ماضٍ والأمر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثم مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه، فقال لي: ما الذي قال لك؟ قلت: خيراً، قال: قد سمعت ما قال، وأعاد علي ما سمع، فقلت: قد حرَّم الله عليك ما فعلت، لأن الله تعالى يقول: (وَلا تَجَسَّسُوا) فإن سمعت فاحفظ الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوماً، وإياك أن تظهرها إلى وقتها.
قال: أصبحت وكتبت نسخة من عشر رقاع وختمتها ودفعتها إلى وجوه أصحابنا، وقلت: إن حدث بي حدث قبل الموت أن أطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها، فلما مضى أبو جعفر لم أخرج من منزلي حتى علمت أن رؤوس العصابة قد اجتمعوا عند محمد بن الفرج يتفاوضون في الأمر، فكتب إليَّ محمد بن الفرج يعلمني باجتماعهم عنده، يقول: لولا مخافة الشهرة لصرت معهم إليك فأحب أن تركب إليَّ، فركبت وصرت إليه، فوجدت القوم مجتمعين عنده، فتجارينا في الباب، فوجدت أكثرهم قد شكوا، فقلت لمن عنده الرقاع وهم حضور: أخرجوا تلك الرقاع، فأخرجوها، فقلت لهم: هذا ما أمرت به، فقال بعضهم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الأمر آخر ليتأكد هذا القول، فقلت لهم: قد أتاكم الله بما تحبون، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة، فسأله القوم، فتوقف عن الشهادة، فدعوته إلى المباهلة فخاف منها، وقال: قد سمعت ذلك وهي مكرمة كنت أحب أن يكون لرجلٍ من العرب، فأما مع المباهلة فلا طريق إلى كتمان الشهادة، فلم يبرح القوم حتى سلموا لأبي الحسن([590]).
أقول: لم أقف على علة كل هذه الرقاع والاجتماعات السرية والمفاوضات والاتهامات وإقحام مسألة القوميات العربية والفارسية و.. و.. مادام الأمر ببساطة، القول بالنص من الله ورسوله على الهادي بعد الجواد.
وروى القوم أن جماعة من الشيعة دخلوا على الجواد وفيهم رجل زيدي يظهر الإمامة مدة أربعين سنة ولا تعلم الشيعة أنه زيدي، فقال الجواد لبعض غلمانه: خذ بيد هذا الزيدي فأخرجه، فقال بإمامته وإمامة الأئمة، وقال: علمت مني ما لم يعلمه إلا الله([591]).
وعن أمية بن القيسي قال: قلت لأبي جعفر الثاني: من الخلف بعدك؟ فقال: ابني علي([592]).
وعن محمد بن عثمان الكوفي أنه سأل أبا جعفر الثاني: إن حدث بك -وأعوذ بالله- حدث فإلى من؟ فقال: إلى ابني هذا، يعني: أبا الحسن الهادي([593]).
ولما مات الجواد كتبت الشيعة إلى أبي الحسن العسكري يسألونه عن الأمر، فكتب إليهم: الأمر لي مادمت حياً([594]).
 
افتراق الشيعة بعد وفاة الجواد:
أما موقف الشيعة بعد وفاته، فقد نزل أصحابه الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيه علي بن محمد، فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير منهم عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد، ثم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلاً حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد ورفضوا إمامة موسى بن محمد، فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد([595]).
 
موقف علي الهادي رحمه الله وأصحابه من النص:
وهذا الإمام علي الهادي رحمه الله المتوفى سنة (254) للهجرة وأصحابه لا نراهم يختلفون عمن سبق.
فعن علي بن عمرو النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن العسكري في داره، فمرَّ علينا أبو جعفر، فقلت له: هذا صاحبنا؟ فقال: لا، صاحبكم الحسن([596]).
وعن علي بن عمرو العطار قال: دخلت على أبي الحسن، وابنه أبو جعفر في الأحياء وأنا أظن أنه الخلف من بعده، فقلت: جعلت فداك، من أخص من ولدك؟ فقال: لا تخصوا أحداً من ولدي حتى يخرج إليكم أمري، قال: فكتبت إليه بعد: فيمن يكون هذا الأمر؟ قال: فكتب إلي: الأكبر من ولدي، وكان أبو محمد أكبر من جعفر([597]).
وعن عبدالله الجلاَّب قال: كتب إليَّ أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، وقَلِقْتَ لذلك فلا تغتم، فإن الله لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وصاحبك بعدي أبو محمد ابني([598]).
وعن عبدالعظيم بن عبدالله الحسني، عن علي بن محمد أنه قال: الإمام من بعدي الحسن، فكيف للناس بالخلف من بعد؟([599])
ولاشك أن صاحبنا عبدالعظيم هذا بحاجة إلى هذا البيان مادام قد ظن في الجواد أنه المهدي، كما روى هو عن نفسه حيث قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى: إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً([600]).
وعن عبدالله بن محمد الأصفهاني قال: قال لي أبو الحسن: صاحبكم الذي يصلي عليَّ قال: ولم نعرف أبا محمد قبل ذلك، قال: فخرج أبو محمد بعد وفاته فصلى عليه([601]).
وعن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن: إن كان كون -وأعوذ بالله- فإلى من؟ قال: عهدي إلى الأكبر من ولدي، يعني: الحسن([602]).
وفي رواية: إني كنت سألت أباك عن الإمامة فنص عليك، ففي من الإمامة بعدك؟ فقال: في أكبر ولدي، ونصَّ على أبي محمد([603]).
وعن يحيى بن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشار إليه بالأمر من بعده، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي([604]).
وعن أحمد بن عيسى العلوي من ولد علي بن جعفر قال: دخلت على أبي الحسن بصرياً فسلمنا عليه، فإذا نحن بأبي جعفر وأبي محمد قد دخلا، فقمنا إلى أبي جعفر لنسلم عليه، فقال أبو الحسن: ليس هذا صاحبكم عليكم بصاحبكم، وأشار إلى أبي محمد([605]).
وصاحبنا هذا من أهل البيت.
أقول: على أي حال، فإننا لم نعلق على الروايات السابقة حتى نعلق على هذه، ولكن حسبك أن تسأل نفسك عند كل رواية: أين القول بالنص؟ ألم يزعم القوم أن الله ورسوله والأئمة الماضين قد ذكروا أن الإمامة بعد الهادي في ابنه العسكري؟!
 
روايات شيعية تدل على خفاء النص المزعوم على بني العباس وبني هاشم والهادي نفسه:
إلا أنني أرى أن نعذر هؤلاء لجهلهم بالنص ما دام الأمر نفسه قد طال آل أبي طالب وبني العباس، بل وطال الهادي وابنه كما سترى:
عن علي بن عبدالله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضراً عند مضي أبي جعفر بن أبي الحسن، فجاء أبو الحسن فوضع له كرسياً فجلس عليه، وأبو محمد قائم في ناحية، فلما فرغ من أبي جعفر التفت أبو الحسن إلى أبي محمد، فقال: يا بني، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً([606]).
وفي رواية: قال: إن الله قد جعل فيك خلفاً منه فاحمد الله([607]).
وعن سعيد بن عبدالله، عن جماعة من بني هاشم، منهم الحسن بن الحسين الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: قَدَّرْنَا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسين رجلاً سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي وقد جاء مشقوق الجيب حتى جاء عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة من قيامه، ثم قال: يا بني، أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً، فبكى الحسن واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين، وإياه أشكر تمام نعمته علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فسألنا عنه؟ فقيل لنا: هذا الحسن ابنه، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذٍ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه([608]).
كم أود أن أعرف رأي القائلين بالنص على الاثني عشر نصاً من الله ورسوله عليهم واحداً بعد واحد بأسمائهم لا يزيدون ولا ينقصون، وليس للإمام الماضي فيه صنع، حتى يرويها عمن يكون من بعده.
كم أود أن أعرف تعليقهم على هذه الروايات مع كل هذا، وكل ما مر بك في المقدمة.
وقد عرفت تعليق المجلسي كما في الحاشية على الرواية، وقد استدرك عليه آخر قائلاً: الأصح أن يقال: أحدث فيك أمراً، أي: لطفاً ونعمة؛ وذلك لأن المعروف بين شيعتنا بنص الباقر أن الإمامة في الولد الأكبر، ولو لم يمض أبو جعفر أخوك الأكبر لاختلف فيك الشيعة.
أقول: ما كان أغناهم عن كل ذلك! ألم يكن حسبهم من كان حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش المائة والخمسين رجلاً حيث قالوا: وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه؟!
ولقد أحدثت روايات الهادي في إمامة ابنه محمد دون العسكري اضطراباً كبيراً عند شيعته بعد موته، نذكر لك طرفاً منها:
فعن سعد بن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن العسكري وقت وفاة ابنه أبي جعفر وقد كان أشار إليه ودل عليه([609]).
وإني لأفكر في نفسي، وأقول: هذه قصة أبي إبراهيم وقصة إسماعيل، فأقبل علي أبو الحسن، وقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي جعفر وصيَّر مكانه أبا محمد، كما بدا له في إسماعيل بعد ما دلَّ عليه أبو عبدالله ونصبه وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاجون إليه، ومعه آلة الإمامة والحمد لله([610]).
وقد تحدثنا عن قصة إسماعيل بن جعفر الصادق في موضعه.
وعن شاهويه بن عبدالله الجلاب قال: كنت رويت عن أبي الحسن العسكري في أبي جعفر ابنه روايات تدل عليه، فلما مضى أبو جعفر قَلِقْتُ لذلك وبقيت متحيراً لا أتقدم ولا أتأخر، وخفت أن أكتب إليه في ذلك، فلا أدري ما يكون، فكتبت إليه أسأله الدعاء أن يفرج الله عنا في أسباب من قبل السلطان كنا نغتم بها في غلماننا، فرجع بالدعاء، ورد الغلمان علينا، وكتب في آخر الكتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد مضي أبي جعفر، وقلقت لذلك، فلا تغتم، فإن الله لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، صاحبكم بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدم الله ما يشاء ويؤخر ما يشاء: ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) [البقرة:106] قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان([611]).
 
افتراق الشيعة بعد الهادي رحمه الله:
وعلى هذا المنوال افترقوا بعد وفاة الهادي رحمه الله، فقالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسر من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده -كما مرَّ بك- والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي، وقالوا فيه بمثل مقالة إسماعيل بن جعفر، وقال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة الحسن بن علي وأثبتوا له الإمامة بوصية أبيه، وكان يكنى بأبي محمد، سوى نفر يسير قليل فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي، وقالوا: أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتقاء عليه ودفاعاً عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي([612]).
 
 
موقف الحسن العسكري رحمه الله وأهل بيته وأصحابه من النص:
رجع بنا الحديث إلى الإمام العسكري الحسن بن علي رحمه الله المتوفى سنة (260) للهجرة، وموقف أصحابه وأهل بيته.
لقد أدى الارتياب والشك عند شيعة الهادي في الإمام بعده إلى التطلع بلهفة إلى أي شخص كان لبيان الحق لهم، وكأن تلك النصوص التي مرَّت بك منذ أول الكتاب لم تكن.
فعن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد، فقال لي: يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا، لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، قال: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى([613]).
رغم ذلك فقد كان الحسن نفسه خائفاً -بزعم القوم- من أن يخرج من الدنيا دون أن يرى الخلف من بعده([614]).
بل إن من عرفه وَدَّ أنه صاح في الناس بإمامته لولا النهي، كما يروي محمد بن عبدالعزيز البلخي حيث قال: أصبحت يوماً فجلست في شارع الغنم، فإذا بأبي محمد قد أقبل من منزلـه يريد دار العامة، فقلت في نفسي: ترى إن صحت: أيها الناس، هذا حجة الله عليكم فاعرفوه يقتلوني؟ فلما دنا مني أومأ بإصبعه السبابة على فيه أن اسكت، ورأيته تلك الليلة يقول: إنما هو الكتمان أو القتل فاتق الله على نفسك([615]).
وأنت عليم -أيها القارئ- أن العسكري يعلم وهو يأمر البلخي بالكتمان أن الرسولصلى الله عليه وسلم وكذا الأئمة لم يكتموا ذلك عندما قالوا -كما يدعي القوم- بإمامته بعد أبيه الهادي.
وآخر لا يدري إن كان له ولد أصلاً أو لا، فعن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد: جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي أن أسألك؟ قال: سل، قلت: يا سيدي، هل لك ولد؟ قال: نعم، قلت: فإن حدث حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة([616]).
بل طال ذلك خَدَمَه الذين لا يفترض ذلك منهم، فعن أبي الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها، فكتب معي كتباً، وقال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الناعية في داري، وتجدني على المغتسل، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي، فإذا كان ذلك فمن؟
قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي، قلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي، فإذا أنا بالناعية في داره، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزونه ويهنئونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد، فقال: يا سيدي، قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله.. الخبر([617]).
وجعفر هذا ادعى الإمامة([618]) بعد أخيه العسكري وأنكر أن يكون لأخيه عقب وقد حاز على ميراثه، ولا غرابة في هذا لما مر بك من ادعاء الكثير من أهل بيت النبوة للإمامة، حتى رووا عن الصادق: لا يخرج القائم حتى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه([619]).
وفي رواية: خروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدَّعي الإمامة لنفسه([620]).
وقد عرفت منزلةَ بعض هؤلاء الذين خرجوا عند حديثنا عنهم، ويسمى جعفر هذا بالكذاب تمييزاً له عن الصادق، وروى القوم في ذلك أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، منها قولـه: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإنه يكون في ولده سمي له يدعي الإمامة بغير حقها ويسمى كذاباً.
وفي رواية: فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذباً عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله([621]).
وقد ورد في قدحه عن الأئمة من الروايات الكثير، إلا أن هناك رواية تفسد كل هذا، روى القوم عن إسحاق بن يعقوب: أنه سأل القائم عن مسائل أشكلت عليه، فورد التوقيع بخط القائم: أما ما سألت عنه -أرشدك الله وثبتك- من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحدٍ قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام ([622]).
ووجه الدلالة غير خافية في الرواية، فالكتاب العزيز قد دلَّ على توبة إخوة يوسف عليه السلام، وواضع هذه الرواية فاته الحديث السابق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: جعفر الكذاب المفتري على الله. بزعمهم.
 
افتراق الشيعة بعد وفاة العسكري:
أما موقف الشيعة بعد وفاة العسكري المتوفى سنة (260) للهجرة، فإليك بيانه بإيجاز:
افترق أصحابه إلى فرق كثيرة جاوزت العشر، منها:
فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهراً؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام.
وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع، لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إماماً ولا الحسن أيضاً؛ لأن محمداً توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعياً مبطلاً، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهراً معروفاً مشاراً إليه، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.
وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلاً، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالاً مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمداً كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف.
وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولداً في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمداً وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع.
وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلاً، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له إن له ولداً خفياً لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: خلف ابناً نبياً رسولاً، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابناً، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ذكراً من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابناً ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة.
وفرقة قالت:إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عز وجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضاً من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين عيسى عليه السلام نبي ولا وصي، ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم.
وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه.
وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إماماً وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إماماً بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله، وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولداً، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عز وجل في الأرض حجة، وإن للحسن بن علي ابناً سماه محمداً ودلَّ عليه وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عز وجل ([623]).
وهذه الفرقة الأخيرة هي التي تهمنا، وهي الإمامية الاثنا عشرية، وهي موضوع كتابنا هذا، ويبلغ تعداد الإمامية الاثني عشرية من الشيعة اليوم ما يزيد على المائة مليون نسمة حسب المصادر الشيعية([624])، من مجموع تعداد المسلمين والذي فاق المليار، ويختلف الآخرون مع الإمامية في صحة تعدادهم أنه قد بلغ المائة مليون، ويعدون ذلك من مبالغاتهم باعتبار أن العدد المذكور يشمل جميع فرق ومذاهب الشيعة السائدة في يومنا هذا كالزيدية والإسماعيلية والعلوية، فضلاً عن الفرق الباطنية في شبه القارة الهندية وغيرها.
وعلى أي حال، لسنا الآن بصدد مناقشة مسألة العدد.
 
المهدي المنتظر واختلاف الشيعة في: مولده، تاريخ ميلاده، اسم أمه، جواز تسميته:
وصل بنا الحديث إلى الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن.
أقول: اضطربت الإمامية في شأن المهدي اضطراباً شديداً لا يكاد ينضبط بحالٍ من الأحوال، حتى إنه لم يغادر من شئونه وأحواله شيء، ويصعب علينا إيراد ذلك كله في هذه العجالة من أمر كتابنا هذا، إلا أننا -إن كان في العمر بقية- أن سنوفي هذا الموضوع حقه، ولكن إليك بيان ذلك بإيجازٍ شديد:
أول اختلاف يفاجأ به الباحث في مسألة مهدي القوم، هو الاختلاف الشديد عندهم في مولده، فاقرأ معي هذه الروايات، فهي واضحة الدلالة وتغني عن التعليق والإضافة.
يروي القوم أن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قالت: بعث إليَّ أبو محمد، فقال: يا عمة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: والله جعلني فداك ما بها من أثر.
وفي رواية: فوثبت إلى نرجس، فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثراً من حبل، فعدت إليه فأخبرته بما فعلت فتبسم، ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها.
وفي رواية: قال: إنا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام وإنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا؛ لأننا نور الله الذي لا تناله الدانسات، فجاءت تنزع خفي، وقالت لي: يا سيدتي، كيف أمسيت؟
فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا يا عمة؟ فقلت لها: يا بنية، إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، فجلست واستحيت، فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي.
وفي رواية: فلما ورد وقت صلاة الليل قمت ونرجس نائمة ما بها أثر ولادة، فأخذت في صلاتي ثم أوترت، فأنا في الوتر حتى وقع في نفسي أن الفجر قد طلع، فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمد من المجلس: لا تعجلي يا عمة فإن الأمر قد قرب، فبينا أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، فوقع علي سبات لم أتمالك معه أن نمت، ووقع على نرجس مثل ذلك ونامت، فلم أنتبه إلا بحس سيدي المهدي، وصيحة أبي محمد يقول: يا عمة، هاتي ابني... الخبر([625]).
وفي رواية: عن سعد بن عبدالله قال: لما توفي الحسن العسكري بعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحبل، فدخلن على جواريه، فنظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم.
فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه([626]).
أما متى ولد؟ ففي رواية: سنة (254) للهجرة، وفي ثانية: (255) للهجرة، وفي ثالثة: (256) للهجرة، وفي رابعة: (257) للهجرة، وفي خامسة: (258) للهجرة([627]).
أما اسم أمه: ففي رواية: نرجس، وفي ثانية: صقيل، وفي ثالثة: ريحانة، وفي رابعة: سوسن، وفي خامسة: حكيمة، وفي سادسة: خمط، وفي سابعة: مليكة، وفي ثامنة: مريم بنت زيد العلوية([628]).
ومن أطرف ما قرأت في تفسير هذا التعدد، قول البعض: إن لها كل يوم اسماً([629])!
كذلك اختلفوا في جواز تسميته ورؤية شخصه، ووضعوا في ذلك روايات عن معظم الأئمة، منها:
ما روي عن الباقر قال: سأل عمر أمير المؤمنين عن المهدي قال: يا ابن أبي طالب، أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال: أما اسمه فلا، إن حبيبي وخليلي عهد إليَّ ألا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل وهو مما استودع الله عز وجل رسوله علمه.
وعن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على محمد بن علي الباقر، فقلت: جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفته لو رأيته في بعض الطرقات لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمرٍ ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمرٍ لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة.
وعن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله في مجلسه ومعي غيري، فقال لي: يا أبا عبدالله، إياكم والتنويه، يعني: باسم القائم.
وعنه قال: المهدي من ولدي الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته.
وعنه أيضاً قال: صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا كافر.
وعن الكاظم أنه قال: يخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته.
وعن الرضا قال: لا يرى جسمه، ولا يسمى باسمه.
وعن الجواد قال: القائم هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيّه.
وعن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري يقول: الخلف من بعد الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد.
وعن عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن الثالث أنه قال في القائم: لا يحل ذكره باسمه.
بل روى القوم ذلك عن المهدي نفسه، فعن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سماني في محفلٍ من الناس.
وفي رواية: من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله.
وعن الحميري أنه سأل العمري عن اسم القائم؟ فقال: إياك أن تبحث عن هذا، فإن عند القوم أن هذا النسل قد انقطع([630]).
ومسألة النهي عن تسميته من أغرب المسائل وأطرفها بعد كل هذه المئات من الروايات التي ملأ القوم كتبهم منها، والتي ذكرنا بعض مصادرها في مقدمة الباب عند ذكر سلسلة الأئمة، وأن الإمام بعد الحسن العسكري ابنه محمد، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكذا الأئمة.
ولعلماء القوم في هذه المسألة تأويلات وأقوال وردود، منها: أن الصدوق لما أورد روايات فيها ذكر اسمه، قال تعليقاً على إحداها: جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم، والذي أذهب إليه النهي عن تسميته([631]).
وقال الإربلي: من العجيب أن الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد رحمهما الله تعالى قالا: إنه لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثم يقولان: اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام، وهما يظنان أنهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته، وهذا عجيب! والذي أراه أن المنع من ذلك إنما كان للتقية في وقت الخوف عليه والطلب له والسؤال عنه، فأما الآن فلا، والله أعلم([632]).
أقول: وأعجب منه تعليل الإربلي نفسه -بما لا أعرف وجهة الحاجة إليه- وهو القول بالتقية في هذه المسألة في أمرٍ قد فرغ منه بزعم القوم بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على إمامته بعد أبيه العسكري كما مرَّ بك.
 
اضطراب الشيعة في تأويل حديث: (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي):
وعلى ذكر قولـه: اسمه اسم النبي وكنيته كنيته، فقد وردت من طرق عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المهدي قولـه: يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي([633]).
وهذه الأحاديث تعني ببساطة: أن المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبدالله، أما مهدينا هذا فاسمه محمد بن الحسن، إذاً ماذا كان موقف القوم من هذا؟
في حقيقة الأمر اضطربت آراؤهم في هذه المسألة بين مختصر للطريق، وذلك بالقول بضعف أسانيد هذه الروايات، إلى مؤول لها تأويلاً بعيداً؛ كما ستقف عليه من هذه الأقوال:
منها قولهم: إنه سائغ وشائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد، أو أن لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة.
ومنهم من قال: إن المهدي من ولد أبي عبدالله وكانت كنية الحسين أبا عبدالله، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم على الكنية لفظة الاسم لأجل المقابلة بالاسم في حق أبيه، وأطلق على الجد لفظة الأب، فكأنه عليه السلام قال: يواطيء اسمه اسمي، فأنا محمد وهو محمد، وكنية جده اسم أبي إذ هو أبو عبدالله([634]).
ومنهم من قال: إن كنية الحسن العسكري أبو محمد، وعبدالله أبو النبي صلى الله عليه وسلم أبو محمد، فتتوافق الكنيتان والكنية داخلة تحت الاسم([635]).
ومنهم من قال: لما كان المهدي يخرج بعد دهر طويل من ولادته، لا يمكنه في بدء دعوته أن يعرف نفسه ويحقق نسبه بأنه محمد بن الحسن بن علي لعدم الجدوى بذلك، ولأن أهل مكة -حيث يظهر- غير معترفين بغيبته دهراً طويلاً ولا بإمامة آبائه، فهو إنما يعرف نفسه بأنه محمد بن عبدالله، يعني: أن اسمه الشريف محمد، وأن أباه عبد من عباد الله الصالحين([636]).
ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] مصحفة، وإنما هي [ابني]([637]).
ومنهم من قال: إنما هي [نبي]([638]).
ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] قد زيدت في هذه الأحاديث([639]).
 
النهي عن كتابة اسمه:
نبقى مع القوم في مسألة النهي عن التسمية، ونقول: إن هذا النهي شمل كتابة اسمه أيضاً، فإذا أراد أحد ممن يرى هذا النهي كتابة اسمه نراه يكتبه على هذا النحو: (م ح م د) هكذا بحروف مقطعة، فلذا تجد هذه الطريقة في كتابة اسمه مألوفة وكثيرة في كتب القوم([640]).
 
طريقة نشأته، مدة غيبته الصغرى، علة غيبته، تاريخ خروجه، مكان خروجه، عمره عند خروجه، مدة ملكه بعد خروجه:
أما طريقة نشأته، فقد علمت من تواريخ ميلاده التي ذكرناها أنه بعد وفاة أبيه العسكري لم يكن قد تجاوز السنتين إلى الست سنوات من عمره، بحسب الاختلاف الذي أوردناه هناك في تاريخ ميلاده.
إذاَ: لابد للقوم من حل لهذا الإشكال، ولهذا وضعوا هذه الروايات:
عن حكيمة -التي مرَّت بك روايتها لمولد المهدي- قالت: بعد أن كان أربعون يوماً دخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه، فقلت: سيدي، هذا ابن سنتين؟ فتبسم ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عز وجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء، فلم أزل أرى ذلك الصبي كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضي أبي محمد بأيام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمد: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس، وهو خليفتي من بعدي([641]).
وفي رواية يبدو فيها أن واضعها قد استبطأ الطريقة السابقة، فروى عن العسكري أنه قال لحكيمة: أما علمت أنا معشر الأوصياء ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في الجمعة، وننشأ في الجمعة ما ينشأ غيرنا في السنة([642]).
وجاء آخر يبدو أنه في عجلة من أمره، فجعل أمر اليوم كسنة، فروى أن العسكري قال: يا عمتي، أما علمتِ أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة([643]).
وهكذا حل الإشكال.
وكذلك الاختلاف حصل في مدة غيبته الصغرى بين (69) سنة و(74) سنة([644])، بين من جعل ابتداء ذلك من تاريخ مولده -وقد عرفت الاختلاف في ذلك- وبين من جعل ذلك من وفاة أبيه العسكري (260) للهجرة، وحصل بذلك عندك خمسة تواريخ لبدء غيبته، والغريب من جعل ذلك سنة ست وستين ومائتين([645])، وست وسبعين ومائتين أيضاً([646]).
أما علة الغيبة فإليك الاختلاف:
عن حنان بن سدير عن أبيه قال: عن أبي عبدالله قال: إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إن الله عز وجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم، وإنه لابد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم([647]).
ومنهم من جعل علة الغيبة الخوف من القتل، فرووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل([648]).
وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن للغلام غيبة قبل ظهوره، قلت: ولم؟ قال: يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعني القتل([649]).
وفي رواية: يخاف على نفسه الذبح([650]).
وعن الباقر قال: إذا ظهر قائمنا أهل البيت، قال: ((فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ)) [الشعراء:21]([651]).
ومنهم من جعل علة الغيبة لئلا يكون في عنقه لأحدٍ بيعة إذا خرج، فعن إسحاق بن يعقوب قال: إنه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان: وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:101] إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي([652]).
وعن أبي عبدالله قال: صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق؛ لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج([653]).
أقول: وفي هذه الروايات دليل على بيعة كل إمام لخليفة زمانه، وفي هذا إشكال لا يخفى على القارئ البصير.
ومنهم من جعل علة ذلك سُوءَ أعمال العباد وكراهية الله لجوار الأئمة لهم، كما في الرواية: ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم([654]).
قال الطوسي: وفيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه([655]).
أقول: وفيه إشارة إلى عدم خلو أناس هذا الزمان من سوء الأعمال.. فتدبر!
وعن مروان الأنباري قال: خرج من أبي جعفر: إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم([656]).
أقول: يبدو أن هذه الكراهية لازالت قائمة، نسأل الله العافية.
ومنهم من لم ير كل ما ذكرناه، فأبهم العلة وجعلها خافية، فرووا أن مهديهم قال: أغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج([657]).
وعن عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، وإن هذا الأمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله([658]).
أما متى يخرج؟
فهذه هي الطامة الكبرى والبلية العظمى، ولا زالت الشيعة تربى بالأماني إلى يومنا هذا، أما الاختلاف في ذلك فإليك بياناً موجزاً عنه:
فعن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر قال: ستبقون ستة من دهركم لا تعرفون إمامكم، قلت: وكم الستة جعلت فداك؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين، أو ستون سنة([659]).
ثم جاءت الروايات أكثر تحديداً، فعن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله قال: في القائم سنة من موسى بن عمران، فقلت: وما سنته من موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ قال: ثمانياً وعشرين سنة([660]).
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: إذا فقد الناس الإمام مكثوا سبتاً لا يدرون من أي، ثم يظهر الله عز وجل لهم صاحبهم([661]).
وفي رواية: عن الباقر: ثم يقيم سبتاً من دهركم لا تدرون أياً من أي، فبينما أنتم كذلك إذ أطلع الله نجمكم فاحمدوه واقبلوه([662]).
والسبت -كما مرَّ بك- ثلاثون سنة([663]).
وعلى هذا فقد مرت عشرات السبتات منذ غيبة صاحبنا، ولم يظهر نجمه لنحمد الله ونقبله.
وعن الأودي قال: إن المهدي سأله: أتعرفني؟ فقلت: اللهم لا، قال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهر أيام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك فحدِّث بها إخوانك من أهل الحق([664]).
أقول: مضى على هذه الرواية حوالي (14) قرناً، وتيه بني إسرائيل كما في سورة المائدة: آية: (26) إنما كان أربعين سنة.
وعن الثمالي قال: قلت لأبي جعفر: إن علياً كان يقول: إلى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون ولم نر رخاء؟
فقال أبو جعفر: يا ثابت، إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع الستر فأخره الله([665]).
أقول: سواء كان الأمر حسب التوقيت الأول (أي: أيام الحسين رضي الله عنه) أو الآخر (أي: أيام الصادق رحمه الله) فهما لا يستقيمان إذا علمنا أن المهدي هو ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، فكيف يخرج من لم يولد بعد؟ وأين القول بالاثني عشر؟ ففي الرواية إسقاط ثمانية أئمة باعتبار التوقيت الأول، وخمسة باعتبار التوقيت الآخر، وهذا إشكال متروك حله إلى القوم، والغريب قول الصادق: كان هذا الأمر فيَّ فأخره الله، ويفعل بعدُ في ذريتي ما يشاء([666])!
وعن علي بن الحسين قال: يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة، قال: يقوم القائم بلا سفياني، إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني، قلت: جعلت فداك، فيكون في هذه السنة؟ قال: ما شاء الله، قلت: يكون في التي يليها؟ قال: يفعل الله ما يشاء([667]).
وهذه الرواية كسابقتها، فيها مع افتراض التوقيت المذكور إسقاط بقية الأئمة، أما مسألة حتمية السفياني فهي موضع نظر عند القوم؛ لاحتمال البداء فيه، كما يروي القوم عن داود بن أبي القاسم قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم([668]).
وعن البزنطي قال: سمعت الرضا يقول: يزعم ابن أبي حمزة أن جعفراً زعم أن أبي القائم وما علم جعفر بما يحدث من أمر الله، فوالله لقد قال الله تبارك وتعالى يحكي لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [الأحقاف:9] وكان أبو جعفر يقول: أربعة أحداث تكون قبل قيام القائم تدل على خروجه، منها أحداث قد مضى منها ثلاثة وبقي واحد.
قلنا: جعلنا فداك، وما مضى منها؟ قال: رجب خلع فيه صاحب خراسان، ورجب وثب فيه علي بن زبيدة، ورجب يخرج فيه محمد بن إبراهيم بالكوفة، قلنا له: فالرجب الرابع متصل به؟ قال: هكذا قال أبو جعفر([669]).
قال المجلسي في بيان الحديث: خلع صاحب خراسان كأنه إشارة إلى خلع الأمين المأمون عن الخلافة، وأمره بمحو اسمه عن الدراهم والخطب.
والثاني: إشارة إلى خلع محمد الأمين.
والثالث: إشارة إلى ظهور محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة في قريب من مائتين من الهجرة، ويحتمل أن يكون المراد بقولـه: هكذا قال أبو جعفر، تصديق اتصال الرابع بالثالث، فيكون الرابع إشارة إلى دخوله خراسان، فإنه كان بعد خروج محمد بن إبراهيم بسنة تقريباً، ولا يبعد أن يكون دخوله خراسان في رجب([670]).
أقول: مضى على هذه الحوادث الأربعة التي تكون قبل قيام القائم وتدل على خروجه كما في الرواية اثنا عشر قرناً.
وعن البزنطي أيضاً قال: سألت الرضا عن قرب هذا الأمر؟ فقال: قال أبو عبد الله، حكاه عن أبي جعفر قال: أول علامات الفرج سنة خمس وتسعين ومائة، وفي سنة ست وتسعين ومائة تخلع العرب أعنّتها، وفي سنة سبع وتسعين ومائة يكون الفنا، وفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة يكون الجلاء، فقال: أما ترى بني هاشم قد انقلعوا بأهاليهم وأولادهم؟ فقلت: لهم الجلاء؟ قال: وغيرهم، وفي سنة تسع وتسعين ومائة يكشف الله البلاء إن شاء الله، وفي سنة مائتين يفعل الله ما يشاء، فقلت له: جعلت فداك، إنك قلت لي في عامنا الأول: حكيت عن أبيك أن انقضاء ملك آل فلان على رأس فلان وفلان، وليس لبني فلان سلطان بعدهما، قال: قد قلت ذاك لك، فقلت: أصلحك الله، إذا انقضى ملكهم يملك أحد من قريش يستقيم عليه الأمر؟ قال: لا، قلت: يكون ماذا؟ قال: يكون الذي تقول أنت وأصحابك، قلت: تعني خروج السفياني؟ فقال: لا، فقلت: فقيام القائم، قال: يفعل الله ما يشاء، قلت: فأنت هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله([671]).
هذه الرواية بالرغم من كل ما فيها من تورية وجهل بالقائم كسابقتها، ونحن الآن في القرن الخامس عشر للهجرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن الباقر أنه سئل عن قول الله عز وجل: ((سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)) [المعارج:1]؟ فقال: نار تخرج من المغرب، وملك يسوقها من خلفها حتى يأتي من جهة دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع داراً لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها وذلك المهدي([672]).
أقول: لعل بني أمية هؤلاء الذين جاءتهم النار من جهة دار بني سعد بن همام غير بني أمية الذين نعرف والذين ذهبت دولتهم، وكذا من جاء بعدهم من عباسيين وعثمانيين.
وعن الحسن بن إبراهيم قال: قلت للرضا: أصلحك الله، إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس؟ فقال: كذبوا، إنه ليقوم وإن سلطانهم لقائم([673]).
وعن الباقر قال: لا بد أن يملك بنو العباس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان([674]).
وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله قال: الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل، قلت: جعلت فداك، فأخبرني بما أستريح إليه، قال: يا أبا محمد، ليس يرى أمة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجلٍ منا أهل البيت، يسير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائد العادل الحافظ لما استودع، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً([675]).
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أتيت أمير المؤمنين خالياً، فقلت: يا أمير المؤمنين، متى القائم من ولدك؟ فتنفس الصعداء، وقال: إذا قتلت ملوك بني العباس، أولي العمى والالتباس، أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه كالتراس، وخربت البصرة، هناك يقوم القائم من ولدي الحسين([676]).
أقول: انظر كم مضى على زوال الدولة العباسية ولم يخرج صاحبنا؟!
وعن ابن يقطين قال: قال لي أبو الحسن: يا علي، إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.
وقال يقطين لابنه علي: ما لنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضركم فأعطيتم محضة، وكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام؛ ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه! تألفاً لقلوب الناس، وتقريباً للفرج([677]).
ويقطين هذا كان من أتباع بني العباس، فقال لابنه علي الذي كان من خواص الكاظم: ما بالنا وعدنا دولة بني العباس على لسان الرسول والأئمة صلوات الله عليهم، فظهر ما قالوا، ووعدوا وأخبروا بظهور دولة أئمتكم فلم يحصل.
والرواية تتكلم عن قسوة القلوب والخوف من رجوع عامة الناس عن الإسلام لمئتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لا أربعة عشر قرناً، ولعل في الروايات الآتية بياناً لكل ما مرَّ بك.
فعن أبي بصير قال: قلت له: ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟
قال: بلى، ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه([678]).
ولكن يبدو أن الموعد الجديد الذي أخر إليه قد أخر هو الآخر أيضاً، فعن إسحاق بن عمار قال: يا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين([679]).
ولكن ماذا حصل للموعد الجديد، فقد مرَّت بك الرواية في قول الباقر: بأن الله تعالى قد وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخره الله.
ثم حسمت المسألة بتكذيب التوقيت مطلقاً، فعن الفضيل قال: سألت أبا جعفر: هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون.
وعن منذر الجوار، عن أبي عبدالله قال: كذب الموقتون، ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل.
وعن مهزم الأسدي قال: سألت أبا عبدالله: أخبرني -جعلت فداك- متى يكون هذا الأمر الذي تنتظرونه فقد طال؟ فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون.
وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: من وقت لك من الناس شيئاً فلا تهابن أن تكذبه، فلسنا نوقت لأحدٍ وقتاً.
وعن أبي عبدالله قال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين.
وعن إسحاق بن يعقوب أنه خرج إليه على يد محمد بن عثمان العمري: أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون.
وعن أبي عبدالله قال: إنا لا نوقت هذا الأمر.
وعنه أيضاً قال: حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا([680]).
وعلى أي حال، فالروايات في الباب كثيرة، ولكن من الذي وقت لنا؟
ونختم حديثنا عن الاختلاف في تاريخ خروجه بهذه الروايات، ففيها فرج ورفع حرج لحيرة المنتظرين:
فعن محمد بن مسلم وأبي بصير قالا: سمعنا أبا عبدالله يقول: لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي([681]).
وعن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر: متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا -يقولها ثلاثاً- حتى يذهب الكدر، ويبقى الصفو([682]).
وعن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن: جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟ فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل، فقلت: إي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد بلغت من السن ما ترى؟ فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك، حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل، ثم صعَّر كفه([683]).
وقال الرضا: والله ما يكون ما تمدون أعينكم إليه حتى تمحصوا وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر([684]).
فتأمل في عدد سكان العالم الآن، وانظر كيف يذهب أكثر من [66%] ولعل في ذلك دلالة على نشوب حرب عالمية أخرى تأتي على الأخضر واليابس، ويفنى فيها أكثر الناس حتى يعود من بقي منهم إلى ما كان عليه الناس من عصر السيوف والنبال.
ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن صاحبنا سيخرج بالسيف، كما في روايات القوم، ومنها: عن الصادق قال: لا يظهر إلا بالسيف([685]).
وعن الحسن بن فضال، عن الرضا أنه قال: كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: لأن إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف([686]).
وعن المفضل أنه سمع الصادق يقول: إن لصاحب الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفى([687]).
وعن أبي جعفر الثاني قال: وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عز وجل، فناداه السيف: اخرج يا ولي الله، فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله([688]).
وحددت بعض الروايات سيفه بأنه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم([689])، وفي بعضها بأنه ذو الفقار([690]).
وكذلك أصحابه، فعن الصادق قال: إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا، وأومأ بيده إلى موضع، ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف سيف، واثني عشر ألف بيضة، لكل بيضة وجهان، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه([691]).
وعز على آخر أن تكون سيوفهم من الأرض فأنزلها من السماء، فعن الصادق: إذا قام القائم نزلت سيوف القتال على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه([692]).
وعلى أي حال، فالروايات الدالة على خروجه وكذا أصحابه بالسيوف كثيرة، ونجتزئ بما أوردناه([693]).
عاد بنا الحديث إلى الاختلاف في شئونه، ومنها: في أي يوم سيكون خروجه وأين؟ عن الصادق قال: يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج؛ لأنه من أيامنا حفظته الفرس وضيعتموه ([694]).
لا يفوتك أن تتدبر في مسألة انتظار الإمام السادس للثاني عشر في حياته، كما لا يفوتك مغزى الولاء لهذه الأعياد.
وفي قول: يوم عاشوراء يوم السبت([695]).
وفي آخر: يوم الجمعة([696]).
أما أين؟
ففي رواية: من قرية في اليمن تسمى كرعة([697]).
وفي أخرى: مكة([698]).
وكذلك الاختلاف في عمره عند خروجه، ففي بعض الروايات أنه ابن ثلاثين سنة.
وفي أخرى: اثنتين وثلاثين سنة.
وفي أخرى: ابن أربعين سنة.
وأخرى: ابن ثمانين سنة.
وأخرى: إن ذلك إلى الله عز وجل.
عن المفضل أنه سأل الصادق: يا سيدي، يعود شاباً أو يظهر في شيبته؟ فقال: سبحان الله! وهل يعرف ذلك؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء([699]).
وكذا اختلف القوم في كم يملك عند خروجه، بين (7) سنوات، و(19) سنة، و(19) سنة وأشهر، و(40) سنة، و(70) سنة، و(120) سنة، و(309) سنوات([700]).
نعود إلى حديثنا عن غيبة المهدي وحال المسلمين فيها، ونورد بعضاً مما أورده القوم عن الأئمة في ذلك حتى تنجلي الغمة ثم نعلق على ذلك بما يفتح الله علينا.
عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه([701]).
وقال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى، ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض([702]).
وقال: لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه، ولا سناد يستندون إليه في أمورهم([703]).
وعن الباقر قال: لا يزالون ولا تزالون حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون خلق أم لم يخلق([704]).
وعن الصادق: إن للقائم غيبتين، يقال في أحدهما هلك، ولا يدرى في أي وادٍ سلك([705]).
ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المهدي من ولدي تكون لـه غيبة وحيرة تضل فيها الأمم([706]).
وعن الصادق قال: أما والله ليغيبن عنكم مهديكم، حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة([707]).
وعنه أيضاً قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره، إلا المولى الذي يرى أمره([708]).
وعن الكاظم قال: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة؛ حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به([709]).
وعنه أيضاً لما سُئِلَ عن تأويل قول الله عز وجل: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)) [الملك:30]؟ فقال: إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون([710]).
وعن الصادق قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبةً، المتمسك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده([711]).
وعن العسكري قال: أما إنه له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون([712]).
وعن الصادق قال: ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين، فلا تراه عين أحد([713]).
 
تكذيبه لمن سيدعي مشاهدته في غيبته الكبرى:
ويؤيد عدم الرؤية هذه ما أورده القوم عن المهدي نفسه في ذلك، حيث قال في التوقيع الذي خرج إلى السمري: يا علي بن محمد السمري، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فأنت ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم([714]).
فما رأي القوم أن نقول لهؤلاء الذين ادعوا مشاهدته والفوز بلقائه ممن مضى وممن سيأتي، كما ملأ القوم كتبهم بقصصهم بأنهم كذابون ومفترون بضمانة هذه الرواية.
وعن الصادق قال: يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه([715]
وفي رواية: إن للقائم غيبتين يرجع في إحداهما والأخرى لا يدرى أين هو؟ يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه([716]).
وفي رواية: إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه([717]).
 
الكلام في اللطف:
تقودنا هذه الروايات الصريحة بافتتان الخلق بغيبته، والصريحة باستحالة رؤيته، والمكذبة لمدعي رؤيته أو الفوز بلقائه إلى مسألة اللطف.
وقد مرَّ بك تعريف موجز عن مفهوم اللطف في أول الكتاب، حيث ذكرنا هناك أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصرٍ إمام هادٍ يخلف النبي، من وظائفه: هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول([718]).
وحيث إننا التزمنا في هذا الكتاب الابتعاد عن التأويلات الفلسفية والكلامية والترهات العقلية التي لا تجدي ولن تجدي، والتزمنا بالاقتصار على إيراد النصوص لما لها من وقع على نفس القارئ من حيث القبول والمصداقية، ولحجيتها الملزمة في مثل هذه المسائل عوضاً عن المتاهات الكلامية التي يعرف أصحابها سلفاً أنها ترويج لبضائع كاسدة لم يقتنع واضعوها بها فضلاً عمن وضعت له، نورد هنا بعضاً مما ذكره القوم ليتبين لنا حقيقة القول بهذا اللطف الذي صدعوا به الرءوس، ولبسوا فيه على النفوس.
رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية([719]).
وعن الصادق: الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف([720]).
وفي رواية: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قيل: إمام حي؟ قال: إمام حي، إمام حي([721]).
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبدالله: تخلو الأرض من عالم منكم حي ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: لا، إذاً لا يعبد الله يا يوسف([722]).
وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول قال: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا، يعني: إماماً حياً، فقال: قد والله قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية([723]).
وعن الصادق: إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرق بين الحق والباطل([724]).
والروايات كهذه كثيرة، وأقوال القوم فيها مضطربة([725])، ولكن من منهم اليوم يعرف إمام زمانه الحي والظاهر حتى يفزع إليه في حلاله وحرامه أو يسمع له ويطيع؟
وهكذا نجد أن القوم قد عادوا بنا إلى أصل الدعوى، وأصل الخلاف بإسقاط القول باللطف ووجوب العصمة، إقراراً منهم بعدم جدوى الحلول المتمثلة عند القوم بوجوب النص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على نصب الإمام بالتأويلات التي ذكرناها، إذ إن ذلك اللطف انتهى بوفاة العسكري، حيث عدنا إلى إلزامهم بالقول بالاضطرار إلى الحجة تماماً كحال المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بإسقاط أحد الأمرين للآخر.
ومعنى ذلك أن وجوب اللطف من الله، والمتمثل في نصب إمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قائم تماماً بذات الأسباب بعد العسكري، وقد عرفت الحال بعده إلى يومنا هذا.
اقرأ معي هذه الروايات أيضاً: عن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: يكون فترة لا يعرف المسلمون إمامهم فيها؟ قال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر.
وفي رواية: إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمد، فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحاً ومساءً.
وفي أخرى: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علم يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقيل: هذا والله البلاء فكيف نصنع -جعلت فداك- حينئذٍ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه، فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر.
وفي أخرى: تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم([726]).
وعن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن خاله الصادق قال: قلت له: إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت له: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أأتم؟ قال: بولده، ثم هكذا أبداً، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك، من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك([727]).
فالدلالة واضحة في هذه الروايات وأمثالها بانتفاء استمرارية اللطف الذي ألزمنا القوم به.
وكذلك لا تغتر بالقائل بالتمسك بأقوال الأئمة الماضين، فإن ذلك إن كان حاصلاً فكذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته سواء بسواء.
وفيه فساد القول بالعصمة؛ لاحتمال تطرق الخطأ والزلل والنسيان والسهو من الناقلين لعلم الأئمة دون الإمام المعصوم عند القوم، وهذا ظاهر في اختلاف المراجع في العصر الواحد، كما لا يفوتك من هذه الروايات قول الصادق: يقال ذلك، ولا يفوتنك أيضاً جهل عيسى بن عبدالله بتسلسل الأئمة، فتدبر في ذلك.
وعن الصادق قال: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في حجرها، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ قال: كونوا على ما أنتم عليه، حتى يطلع الله عليكم نجمكم.
وفي رواية: كيف أنتم إذا وقعت السبطة بين المسجدين، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها، واختلف الشيعة بينهم، وسمى بعضهم بعضاً كذابين، ويتفل بعضهم في وجوه بعض؟ فقلت: ما عند ذلك من خير؟ قال: الخير كله عند ذلك -يقوله ثلاثاً- وقد قرب الفرج([728]).
وعنه أيضاً قال: ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى([729]).
فهذه الروايات -وهي غيض من فيض- واضحة الدلالة على فساد التأويلات التي خلصت إلى القول بوجوب اللطف والتي أدت إلى وجوب القول بإمامة علي بن أبي طالب والأئمة من بعده وكفر من خالف ذلك، وقد رأيت انقطاع هذا اللطف بعد سنة (260) للهجرة، كما هو الحال الآن، فكيف ألزمونا بوجوب الأول دون الآخر، وإذا قالوا بالآخر فكيف ألزمونا بالأول، وهذا لا يخفى على من تدبر.
 
سيرته عند خروجه:
وعلى أي حال, لنتغاض عن كل ما ذكرناه، ولننظر ماذا سيصنع صاحبنا إذا خرج بعد كل هذه القرون من الانتظار والحيرة، وبعد أن يسمي بعضنا بعضاً كذابين، ويتفل بعضنا في وجوه بعض.
يروي القوم أن أول ما يفعله المهدي عند خروجه نبش قبري الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويفعل بهما الأفاعيل!
فعن بشير النبال قال: قال أبو عبدالله: هل تدري أول ما يبدأ به القائم؟ قلت: لا، قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذرهما في الريح، ويكسر المسجد([730]).
وفي رواية: إذا قدم القائم وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح([731]).
ويبدو أن هذا التخاذل سمة عند أصحاب الأئمة.
وعن عبد العظيم الحسني، عن الجواد قال: فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل، فقلت: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما([732]).
والمجلسي لما أورد الرواية في بحاره، لم يزد على أن قال في بيانه وكله حماس: يعني باللات والعزى صنمي قريش: أبا بكر وعمر([733]).
وفي رواية: عن الصادق قال: فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري([734]).
أقول: روايات إخراجهما رضي الله عنهما وحرقهما عديدة، وقد ذكرها العديد من علماء القوم([735])، فلذا لا أرى بأساً من ذكر تفاصيلها ليكون القارئ على بينة من أول عمل يقوم به مهدي القوم عند خروجه ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
يروي القوم عن المفضل، عن الصادق في قصة طويلة فيها أحوال المهدي عند خروجه، قال: ثم يسير إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وردها كان فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين، قال المفضل: يا سيدي، ما هو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جدي صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا معاشر الخلائق، هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه صلى الله عليه وسلم، فيقول:وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسى المدفون غيرهما؟ فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وسلم، ماههنا غيرهما، إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما، فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة وليس ضجيعاً جدك غيرهما، فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولون: لا، فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام، ثم ينشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما، فيخرجان غضين طريين كصورتهما، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها، فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا -والله- الشرف حقاً، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما، وينادي منادي المهدي: كل من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه، فلينفرد جانباً، فيتجزأ الخلق جزأين: أحدهما: موالٍ، والآخر: متبرئ منهما، فيعرض المهدي على أوليائهما البراءة منهما، فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومن صلبهما، وأخرجهما، وفعل بهما ما فعل، فيأمر المهدي ريحاً سوداء، فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخلٍ خاوية، ثم يأمر بإنزالهما، فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم عليه السلام، وجمع النار لإبراهيم عليه السلام، وطرح يوسف عليه السلام في الجب، وحبس يونس عليه السلام في الحوت، وقتل يحيى عليه السلام، وصلب عيسى عليه السلام، وعذاب جرجيس ودانيال عليهما السلام، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسناً، وسم الحسن، وقتل الحسين، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإراقة دماء آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دم سفك، وكل فرج نكح حراماً، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام قائمنا، كل ذلك يعدده عليهما، ويلزمهما إياه، فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليم نسفاً، قال المفضل: يا سيدي، ذلك آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة، وكل من محَّض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، وليقتصن منهما جميعاً حتى إنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى ما شاء ربهما([736]).
ولعلَّ عمله الثاني هو ما سيفعله بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
فعن عبدالرحيم القصير، عن أبي جعفر قال: أما لو قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة منها، قلت: جعلت فداك، ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم عليه السلام، قلت: فكيف أخره الله للقائم؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم نقمة([737]).
وحيث إن صاحبنا سيكون نقمة، لذا فليس من المستبعد أن يضع القوم ما يناسب نقمته وينسون اللطف والعدل، أو إن شئت الدقة فقل: نقمة القوم.
عن الصادق قال: إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قيل: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم([738]).
وفي رواية: تقول قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل([739]).
وهذا مصداق لروايتهم عن الصادق: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف وما يأخذ منها إلا السيف([740]).
وللقوم في تفسير مثل هذه الروايات قول طريف يسمى بالرجعة، وهو أن الله تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقاً ويذل فريقاً آخر، وذلك عند قيام المهدي([741]).
وعلى أي حال، ليس هذا الكتاب محل تناول هذه العقيدة، ولكن نواصل حديثنا عن سيرته عند خروجه حسب روايات القوم.
عن الهروي قال: قلت للرضا: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟
فقال: هو كذلك([742]).
وعن بدر بن خليل الأزدي قال: سمعت أبا جعفر يقول: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلكم حتى تتنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم([743]).
وعن الصادق: ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة، وأهل دميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغني، وباهلة، وأزد، وأهل الري([744]).
ولـه في الكوفة حكايات، فمن ذلك:
عن الباقر قال: إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس، يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وعلا([745]).
وفي حقيقة الأمر أن تناول مسألة المهدي يطول، وهذا الايجاز الشديد والشديد جداً في ذكر أموره وأحواله قطرة من بحر إن لم يكن محيطاً، ويقيني أن ما أوردته يعد اختصاراً مخلاً، وكذلك أخشى التطويل الممل؛ لأن كتابنا هذا -كما ذكرت في المقدمة- يتناول مسائل الإمامة بإيجاز، ولكن إذا كان في العمر بقية سيكون لنا مع مهدي القوم -إن شاء الله- بحث مستقل.
 
يكون بعد المهدي اثنا عشر مهدياً:
ولكن قبل أن أنهي حديثي عن المهدي، أورد هنا بعض روايات القوم المتصلة بموضوعه، وهي روايات أجزم بأن أكثر قراء هذا الكتاب لم يسمع بها من قبل ولم يقف عليها.
عن أبي بصير قال: قلت للصادق: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت من أبيك أنه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً، فقال: إنما قال: اثني عشر مهدياً ولم يقل: اثني عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا، يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا([746]).
وفي رواية: إن منا بعد القائم اثني عشر مهدياً من ولد الحسين([747]).
وعن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام([748]).
وعن الباقر: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة، ويزداد تسعة، قال: قلت: فمتى ذلك؟ قال: بعد موت القائم([749]).
وقد اضطرب القوم في رد هذا الإشكال أو المأزق إن شئت أن تسميه، وأوردوا في ذلك وجوهاً لا تستحق الذكر([750]).
والغريب أن مهدينا لن يمضي إلا قبل القيامة بأربعين يوماً([751]).
وكل ما مرَّ بك من روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم، والرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، يجب أن يكون في هذه الأربعين يوماً المتبقية من عمر الدنيا!
والأغرب أن هذا المضي قبل القيامة بأربعين يوماً يخالف ما أورده القوم من عدم خلو الأرض من حجة، كقولـهم عن الصادق: ما تبقى الأرض يوماً واحداً بغير إمام منا تفزع إليه الأمة([752]).
بل ولا ساعة؛ لقولـهم عن الباقر: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله([753]).
ورووا أن الصادق سئل: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت([754]).
بل ولا أقل من ذلك، فلما سئل الرضا، قال: لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها([755]).
وعن الصادق قال: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وإن آخر من يموت الإمام؛ لئلا يحتج أحدهم على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة([756]).
بل ويبدو أن ذلك كان مثار خلاف بين الأئمة، ففي رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قال: قلت: فإنا نروي عن أبي عبدالله أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، قال: لا، لا تبقى، إذاً لساخت.
وفي رواية: معاذ الله لا تبقى ساعة، إذاً لساخت([757]).
والروايات في الباب كثيرة([758]).
ولا يسعف القوم القول بأن روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم وكذا الرجل من أهل البيت الذي يحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، إنما يكون في هذه الأربعين يوماً، ففساد هذا القول بيِّن، وذلك أن روايات عدم خلو الأرض إنما هي من إمامٍ وليس من مهدي، ولعل في قول الصادق كما في رواية أبي بصير الأولى، حيث قال: إنما قال اثني عشر مهدياً، ولم يقل: اثني عشر إماماً، أو رواية الرضا: إن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منا([759]) وغيرها.. دليل على هذا التفريق، هذا وناهيك عن كون المدة المتبقية من عمر الدنيا وهي أربعون يوماً لا تستوعب كل هؤلاء، فضلاً عن الرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً.
فتبين لك -أيها القارئ العزيز- أن هؤلاء الأئمة من آل البيت رحمهم الله ورضي عنهم، كُذب عليهم ونُسب إليهم من الكذب مالا يعلمه إلا الله، وهم ولا شك أناس صالحون لكن قوّلوا مالم يقولوا، وافتري عليهم الكثير والكثير، وعند الله يجتمع الخصوم.
هذا وإن الدين باقٍ إلى قيام الساعة بنقل العلماء الصالحين له، فالله قد أمر بسؤال أهل الذكر والعلم، وأمر بأن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، دون أن يخصها بأناس دون أناس.
وفي البابين التاليين يتضح لك حقيقة الأمر، وهل نص على الأئمة الاثني عشر في القرآن والسنة أم لا؟ والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 
خلاصة الباب:
لا شك -عزيزي القارئ- أن النتيجة التي خرجنا منها في هذا الباب مؤداها: أن الذي وضع عقيدة الإمامة، وأوجب النص على الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وحدد أساميهم، ونسب كل هذا إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى الأئمة عليهم السلام وهم منها براء.
أقول: إن هذا الذي وضع هذه العقائد لم تستقيم له الأمور في إثبات: متى كان النص على فرضه؟ ولا بد؛ فالباطل يحطم بعضه بعضاً، حيث رأينا كيف أن آلاف الراويات التي وضعها كل فريق من فرق الشيعة تتعارض مع مسيرة التاريخ، وبعد موت كل إمام، وكيف أن عظماء أصحاب الأئمة اختلفوا في تحديد الإمام اللاحق مما أدى إلى افتراقهم وتشتتهم.
ومن غرائب الأمور: أن الإمامية قد وضعوا كل تلك الروايات التي تذكر تسلسل الأئمة بأسمائهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المهدي، ومع ذلك يأتي كبير مراجعهم في هذا العصر وينفي وجود نص على تسمية هؤلاء الأئمة، حيث يقول الخوئي: الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة عليهم السلام باثني عشر من ناحية العدد ولم تحددهم بأسمائهم عليهم السلام واحداً بعد واحد، حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق، بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس؛ بل لدى أصحابهم عليهم السلام إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد والله العالم([760]).
 فهل الخوئي -وهو من هو في علم الحديث عند الشيعة، وصاحب أكبر موسوعة في علم الرجال عندهم- لم يقف على شيء مما أوردناه في مقدمة الباب؟
وصدق الله القائل: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82]

 
 

الباب الثاني

الإمامة والقرآن

الإمامة والقرآن:
في القرآن الكريم مئات المواضع التي تتحدث عن التقوى والأخلاق الفاضلة وترغب فيهما وتحث عليهما؛ كالصبر والتوبة والاستغفار والإحسان والعفو والصفح والصدق وأداء الأمانة والحياء وغض البصر والشكر وغيرها.
فهذه الأخيرة -مثلاً- ورد فيها أكثر من سبعين آية، ونحن نعلم بأن فضيلة الشكر هذه ليست من أركان الدين أو أصوله، وإنما من تقوى القلوب وفضائل الأعمال.
واختيارنا للشكر وذكر عدد آياته لا يعني أنها الفضيلة الوحيدة التي جاء فيها هذا العدد من الآيات؛ بل إنها لا تقل شأناً عن الكثير من مسائل الأخلاق التي ذكرناها آنفاً.
فلا شك أنك أدركت أن القرآن الكريم إذا كان قد أورد كل هذه الآيات في فضيلة من فضائل الأعمال، فالأَولى أن يرد مئات الآيات في أركان الإسلام، فهذا حاصل تماماً، فقد أورد القرآن الكريم مئات الآيات الكريمة في الصلاة والزكاة، وعشرات الآيات في الصوم والحج، كما أورد مثلها في الإيمان بالملائكة، والكتب السماوية، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر.
لا شك أن القارئ قد أدرك ما رمينا إليه من هذه التوطئة، فالإمامة التي مرَّت منزلتها بك في مقدمة الباب الأول، والتي هي من أعظم أركان الدين عند القوم، ولا تقبل أخواتها إلا بها، وعليها مدار قبول الأعمال، والله قد أخذ المواثيق على الأنبياء والرسل عند بعثتهم بها، والأئمة علة خلق السموات والأرض والجنة والنار والأفلاك والعرش والكرسي والملائكة والجن والإنس و.. و.. إلى آخر ما أوردناه في الباب الأول من كتب القوم.
فلاشك أن تناول مسألة بهذه الخطورة يجب أن ينزل فيها من الآيات أضعاف ما نزل في الأركان الأخرى، فضلاً عن فروع الدين وفضائل الأعمال، فإننا -مثلاً- نجد ذكر الكثير من الأنبياء عليهم السلام مع تفاصيل دعوتهم؛ بالرغم من أن الله عز وجل قد أخذ المواثيق عليهم عند بعثتهم بالإمامة -كما عرفت- فضلاً عن أن الأئمة أفضل من الأنبياء عليهم السلام عند القوم.
وقد نضطر هنا للوقوف بعض الشيء لبيان هذه المسألة -أعني: تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام عند القوم- لرفع ما قد يقع من لبس عند بعض من ينكر نسبة هذا القول إلى الشيعة.
 
بيان عقيدة الشيعة في تفضيل الأئمة على الأنبياء عليهم السلام:
اعلم أن هذه المسألة من المسلمات عندهم، بل ومن ضروريات المذهب، ولست أجازف باتهامهم بما لا يعتقدونه، ولعل في ذكرنا لبعض رواياتهم وأقوالهم في المسألة ما يؤيد صحة ما ذهبنا إليه.
روى القوم عن الرضا أنه قال: إن آدم لما أكرمه الله - تعالى ذكره - بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، قال في نفسه: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟ فعلم الله عز وجل ما وقع في نفسه، فناداه: ارفع رأسك يا آدم، فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش، فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم عليه السلام: يا رب، من هؤلاء؟ فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة والنار ولا السماء والأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء لنظرها إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم منها، فأخرجهما الله عز وجل من جنته وأهبطهما عن جواره إلى الأرض([761]).
وقال: نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد، فينا نزل القرآن وفينا معدن الرسالة([762]).
وعن الصادق قال: إن الله أخذ ميثاق الخلائق ومواثيق الأنبياء والرسل لمحمد بالنبوة، ولعلي بن أبي طالب بالولاية([763]).
وعنه أيضاً قال: إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل([764]).
وعنه أيضاً قال: إن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم؟ فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون([765]).
وعن الباقر قال: أخذ الله الميثاق على النبيين، فقال: ألست بربكم، وأن هذا محمداً رسول الله، وأن هذا علياً أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى، فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم: إني ربكم، ومحمد رسول الله، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزان علمي، وإن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأُعبد به طوعاً وكرهاً، قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب، ولم يجحد آدم ولم يقر، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قولـه تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) [طه:115]، إنما يعني: فترك([766]).
وعن أبي الحسن: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله نبياً إلا بنبوة محمد وولاية وصيه علي([767]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا علي، ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك طائعاً أو كارهاً ([768]).
وعن الباقر: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي، وأخذ عهد النبيين بولاية علي([769]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تكاملت النبوة لنبي في الأظلة حتى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي، ومثلوا له فأقروا بطاعتهم وولايتهم([770]).
وعن الصادق: ما نبئ نبي قط إلا بمعرفة حقنا، وبفضلنا على من سوانا([771]).
وعن الباقر: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها([772]).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي أتاني ملك، فقال: يا محمد، سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت: معاشر الرسل والنبيين، على ما بعثكم الله قبلي؟ قالوا: على ولايتك يا محمد، وولاية علي بن أبي طالب([773]).
وعن الصادق قال: علم النبي صلى الله عليه وسلم علم النبيين بأسره، وأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم فجعله محمد عند علي، فقال رجل: فعلي أعلم أو بعض الأنبياء؟ فنظر الصادق إلى بعض أصحابه، فقال: إن الله يفتح مسامع من يشاء، أقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ذلك كله عند علي، فيقول: علي أعلم أو بعض الأنبياء([774])!
وعن سيف التمار قال: كنا مع أبي عبدالله في الحجر، فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة، وقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة، ورب الكعبة، ورب الكعبة، إني لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما([775]).
أقول: الروايات في الباب كثيرة جداً، ولا يسعنا حصرها، ولعلَّ في سردنا لبعض الأبواب التي وضعها القوم في المقام كفاية لمن أراد المزيد، فانظر مثلاً:
باب: تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق، وأخذ ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أولي العزم إنما صاروا أولي العزم بحبهم([776]).
باب: أنهم أعلم من الأنبياء([777]).
باب: أن عندهم جميع علم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء عليهم السلام، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله([778]).
باب: أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم([779]).
باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء([780]).
باب: أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب، ويأتيهم أرواح الأنبياء عليهم السلام، وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم([781]).
وغيرها من الأبواب التي أوردناها في مقدمة الباب الأول، فراجعها هناك.
وكذلك صنفوا في ذلك تصانيف مستقلة:
كتفضيل الأئمة على الأنبياء، لهاشم البحراني.
وتفضيل الأئمة على غير جدهم من الأنبياء، للمولى كاظم الهزاز.
وتفضيل أمير المؤمنين على من عدا خاتم النبيين، للمجلسي. والاسم ذاته للسيد دلدار اللكهنوي.
وتفضيل علي على أولي العزم من الرسل، لهاشم البحراني أيضاً، وغيرها([782]).
وقال الصدوق في اعتقاداته: يجب أن يُعتقد أن الله عز وجل لم يخلق خلقاً أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم والأئمة، وأنهم أحب الخلق إلى الله عز وجل وأكرمهم، وأولهم إقراراً به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر، وأن الله تعالى أعطى كل نبي على قدر معرفته نبينا صلى الله عليه وسلم وسبقه إلى الإقرار به، ويُعتقد أن الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته، وأنه لولاهم ما خلق السماء ولا الأرض ولا الجنة ولا النار ولا آدم ولا حواء ولا الملائكة ولا شيئاً مما خلق([783]).
وأكد المجلسي قول الصدوق وأيده، وقال: اعلم أن ما ذكره رحمه الله من فضل نبينا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات، وكون أئمتنا أفضل من سائر الأنبياء، هو الذي لا يرتاب فيه من تتبع أخبارهم على وجه الإذعان واليقين، والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما أوردنا في هذا الباب قليلاً منها([784])، وهي متفرقة في الأبواب لاسيما باب: صفات الأنبياء وأوصافهم، وباب: أنهم كلمة الله، وباب: بدو أنوارهم، وباب: أنهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهم، وعليه عمدة الإمامية، ولا يأبى ذلك إلا جاهل بالأخبار([785]).
وقال المفيد: قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة من آل محمد على سائر من تقدم من الرسل والأنبياء سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ([786]).
ويروي القوم أن عدد الأنبياء والأوصياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي.
وفي رواية: مائة ألف نبي وأربعة وأربعون نبياً، ومثلهم أوصياء([787]).
 
بيان أنه لم يرد في القرآن الكريم ذكر للإمامة وموقف الشيعة من هذه الحقيقة:
ونحن نجد في القرآن ذكر هؤلاء الأنبياء في مئات المواضع، ولكن لم نقف على موضع واحد فيه ذكر لأحد من هؤلاء الأوصياء، سواءً المائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، أو المائة ألف وأربعة وأربعون، بل ولا آية واحدة تتحدث عن أكرم هؤلاء وأفضلهم، بل وأفضل من الأنبياء كما عرفت.
والقرآن الذي لم يغادر شيئاً إلا وبَيّنَه، كما يؤكد ذلك القوم برواية الصادق: والله إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وما في الجنة وما في النار، وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثم سكت، ثم قال: أعلمه عن كتاب الله أنظر إليه هكذا، ثم بسط كفه، وقال: إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء.
وفي رواية: ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه، فقال: علمت من كتاب الله أن الله يقول: فيه تبيان كل شيء([788]).
وقولـه: ما ترك الله شيئاً تحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن إلا وقد أنزله الله فيه([789]).
فهذا القرآن قد ذكر السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، والجنة والنار وما فيهما، في مئات المواضع، فكان لابد ألا يدع القرآن ذكر ما كان سبباً لخلق كل هذا وهو الإمامة والأئمة، وقد علمت منزلتهما، دون أن يكون له نصيب الأسد من البيان، ولكن شيئاً من هذا لم يكن.
فأمام هذه الحقيقة الخطيرة المتمثلة في خلو القرآن الكريم عن آحاد الآيات المؤيدة لعقيدة القوم في الإمامة، والتي تؤكدها صراحة بعض الروايات، كراوية أبي بصير الذي سأل الصادق: إن الناس يقولون: لِمَ لم يسم علي وأهل بيته في كتاب الله عز وجل؟ فقال: قولوا لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي فسر ذلك، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي فسَّر ذلك لهم، ونزل الحج... إلى آخر الرواية، حيث ذكر فيها بيان إمامة علي بالسنة لا بالقرآن([790]).
فأمام هذه الحقيقة لجأ الشيعة إلى وسائل ثلاث لحل هذا الإشكال، وقد عبرت عنها بالاتجاهات.
 
أصحاب الاتجاه الأول وتأويل مُعظَم آيات القرآن الكريم لإثبات نزولها في الأئمة والإمامة:
الاتجاه الأول: أَوّلَ معظمَ آيات القرآن الكريم، وجعلها لا تخلو من كون نزولها في أهل البيت سواء في بيان منزلتهم أو ولايتهم.. أو ما شابه ذلك، بحيث تتعلق بهم على نحوٍ ما، أو في ذم أعدائهم من الصحابة رضوان الله عليهم، أو المخالفين للمذهب بزعمهم.. وهكذا.
وأصحاب هذا الاتجاه اجتهدوا في لَيِّ أعناق معظم آيات القرآن وتأويلها بحيث لا تخرج عن غرضهم، وأيسر السبل التي انتهجها هؤلاء في بيان ذلك هو وضع الأحاديث على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة، بدءاً ببسملة سورة الفاتحة، وانتهاءً بالمعوذتين.
ففي الأولى -مثلاً- رووا عن الصادق أنه سئل عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم ملك الله، قال السائل: فقلت: الله؟ قال: الألف آلاء الله على خلقه، والنعم بولايتنا، واللام إلزام خلقه بولايتنا، قال: قلت: فالهاء؟ قال: هوان لمن خالف محمداً وآل محمد صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: الرحمن؟ قال: بجميع العالم، قال: قلت: الرحيم؟ قال: بالمؤمنين وهم شيعة آل محمد صلى الله عليه وسلم ([791]).
وفي الأخرى: رووا عنه أيضاً: أن جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن فلاناً سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه -يعني: إلى البئر- أوثق الناس عندك، وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك حتى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً، فاستخرج حقاً وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم... الرواية([792]).
وفي حقيقة الأمر قد أعرضنا عن ذكر أمثلة على هذا الاتجاه، وذلك لسهولة الوقوف عليها في أكثر التفاسير الشيعية المطبوعة والتي لا تخلو منها، وبالأخص تلك التي جعلت حكراً على الآيات التي تمثل هذا الاتجاه، كتأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، وهو مطبوع في مجلدين، وحوالي تسعمائة صفحة من الحجم المتوسط، وغيره.
 
أصحاب الاتجاه الثاني والقول بتحريف القرآن وذكر بعض روايات التحريف عند الشيعة:
أما الاتجاه الثاني: فهو اتجاه خطير في العقيدة يؤدي بصاحبه إلى الكفر والخروج من الملة، والذي اضطر أصحابه إلى الأخذ به والقول به هو قناعتُهم التامة بخلو القرآن الكريم من الحجج والبراهين التي تؤيد عقيدتهم في الإمامة وتعارضه مع الكثير من العقائد الأخرى المنبثقة عن القول بالإمامة.
وأصحابنا هؤلاء لم يقنعوا بالاتجاه الأول لفساده البين فجاءوا بأفسد منه، ولا شك أن اضطرارهم إلى هذا من أبين الدلائل وأظهرها على فساد القول بالإمامة والنص.
ويتمثل هذا الاتجاه بالقول بتحريف القرآن.
ويبدأ أصحابنا هؤلاء بالتوطئة القائلة بأن القرآن الموجود بين الدفتين ليس هو ذلك القرآن الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا القرآن الموجود بين أيدينا قد حذفت منه آيات كثيرة، بل وسور فيها ذكر الإمامة وآل محمد واسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك فضائح المهاجرين والأنصار وغيرهم، مما سيتبين لك قريباً، وأن القرآن كما أنزل إنما جمعه أمير المؤمنين علي، ثم توارثه الأئمة، وهو عند المهدي الآن وسيظهره عند خروجه.
وأيدوا قولهم هذا بروايات وضعوها على لسان الأئمة، كقول الباقر: ما من أحدٍ من الناس يقول: إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
وفي رواية: ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن إلا وصي محمد صلى الله عليه وسلم ([793]).
ووضعوا روايات في قصة هذا الجمع المزعوم.
منها: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر، وقال: يا علي، اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت -وكان قارئاً للقرآن- فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه قد بطل كل عملكم. قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر، سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه([794]).
وكذلك لا بأس من ذكر بعض حكايات القائم هذا والقرآن المزعوم:
ففي رواية: إن المهدي عند ظهوره يتلو القرآن، فيقول المسلمون: هذا والله القرآن حقاً الذي أنزله الله على محمد، وما أسقط وبدل وحرَّف لعن الله من أسقطه وبدَّله وحرَّفه([795]).
وفي أخرى: عن علي عليه السلام قال: كأني بالعجم في فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت -أي: الراوي-: يا أمير المؤمنين، أو ليس هو هذا كما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا للإزراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عمه([796]).
وأيد القوم هذا الجزء الأخير من الرواية بروايات أخرى شبيهة، منها: عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: دفع إلي أبو الحسن مصحفاً، وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الذين كفروا، فوجدت فيها أسماء سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم.
وفي رواية: ففتحته فوقعت بين يدي سورة لم يكن، فإذا هي أطول وأكثر مما يقرؤها الناس.
وعن أبي عبدالله قال: أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب.
وفي رواية: أنه نقص أربعين اسماً من سورة تبت([797]).
وعنه قال: إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت([798]).
وعنه قال: لو قرىء القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمَّين([799]).
وعن الباقر: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قام قائمنا فنطق صدقه القرآن([800]).
وعنه أنه سئل: ليس في القرآن بنو هاشم؟ فقال: محيت والله فيما محي، ولقد قال عمرو بن العاص على منبر مصر: محي من القرآن ألف حرف بألف درهم، وأعطيت مائتي ألف درهم على أن يمحى [إن شانئك هو الأبتر] فقالوا: لا يجوز ذلك، فكيف جاز ذلك لهم ولم يجز لي؟([801])
وعنه قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا ابن سنان -أي: الراوي- إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة؛ لكن نقصوها وحرَّفوها([802]).
وزعموا أن ربع هذا القرآن المزعوم قد اشتمل على ذكر الإمامة والأئمة، وآخر على أعدائهم، فعن الباقر: نزل القرآن أرباعاً: ربعاً فيه عدونا، وربعاً فينا، وربعاً فيه سنن وأمثال، وربعاً فيه فرائض وأحكام([803]).
ويقتضي هذا القول أن يكون أكثر من ألف وستمائة آية قد تناولت مسألة الإمامة والأئمة، ومثلها في أعدائهم، هذا باعتبار أن القرآن الموجود بين أيدينا الآن حوالي (6666) آية، أو (6263) آية، على خلاف([804]).
ومرد الاختلاف -كما لا يخفى عليك- راجع إلى تجزئة بعضهم للآية الطويلة واحتسابها أكثر من آية، بناءً على انقطاع النفس في أثنائها، فظنوها أكثر من آية، من غير زيادة أو نقصان في الألفاظ والأحرف، فتنبه، والله تعالى أعلم.
وقد علمت فساد هذا القول لخلو القرآن الكريم عن آحاد الآيات في الأئمة أو أعدائهم، حتى لو كان باعتبار الاتجاه الأول الذي ذكرناه، وكان بيّن الفساد، إلا أن يكون تدليلاً على أصحاب الاتجاه الذي نتحدث عنه الآن، وهو القول بحذف الكثير من الآيات، بل السور، ويؤيد أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بروايات نسبوها إلى الأئمة، كقول الصادق: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية.
وفي رواية: ثمانية عشر ألف آية([805]).
وهذا بيّن في اختفاء أكثر من عشرة آلاف آية من القرآن الكريم الموجود بين أيدينا الآن.
ورواية الزنديق الطويلة مع علي عليه السلام الذي قال فيها فيما قال: وأما ظهورك على تناكر قوله: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) [النساء:3]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام، فهو كما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن([806]).
وهذا الكلام -كما لا يخفى عليك أيها القارئ العزيز- جهل قبيح، إذ أن سبب نزول الآية: أن الرجل تكون عنده اليتيمة يحفظها فيرغب في نكاحها فربما حصل منه ميل وجور، فبيَّن الله أن النساء غيرهن كثر فقال: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا)) [النساء:3] الآية، وذلك إرشاداً لمن خاف ألا يقسط فيهن إذا تزوجهن بأن يتركهن وينكح غيرهن.
ورواية الباقر: إن القرآن قد طرح منه آي كثير، ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت بها الكتبة وتوهمتها الرجال([807]).

ذكر نماذج لأقوال بعض علماء الشيعة القائلين بالتحريف:
قبل أن أخوض في ذكر بعض النماذج لمن قال بالتحريف أحب أن أقف وقفة مع الروايات الواردة في التحريف.
فقد وردت روايات كثيرة تثبت تحريف القرآن الكريم، ولهذا جعلها من قال بالتحريف مستنداً له على قوله، بينما يتمسك من يقول بأنه لا يعتقد بالتحريف بقوله: إن هذه الروايات ضعيفة وليست صحيحة..
وذكر أقوال علماء المذهب الكبار في هذه القضية ينهي النزاع، إذ كلامهم ليس حديثاً حتى يقال بأنه ضعيف أو مكذوب، وإنما يعتبر بياناً واضحاً على ما يعتقده أصحاب هذا المذهب..
ومع ذلك فإن من علماء الشيعة من صرح بصحة بعض هذه الروايات وأنه لا شك بصدورها عن المعصومين؛ كما سيأتي بيانه بإذن الله.
ومن الأمثلة على ذلك: قول الخوئي -وهو ممن له باع في معرفة الحديث، وله موسوعة ضخمة في الرجال- حيث يقول: إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها: ما روي بطريق معتبر([808]).
وإذا كان بعضها لا شك بصدوره عن المعصوم فإن هذا كافٍ لبيان وجوب الاعتقاد بذلك عند الشيعة؛ لأنه لا يجوز مخالفة المعصوم فيما يخبر به، فالراد عليه كالراد على الله..، وهذا يبين لك سبب قول علماء الشيعة بالتحريف، مع الأسباب الأخرى التي ذكرتها لك في بداية هذا الباب.
وتأكيداً لذلك أورد ثلاثة أمثلة فقط لما روي بطريق معتبر مما أجمع علماء رجال الشيعة على تصحيحه -والأمثلة كثيرة- ثم أورد أقوال بعض العلماء القائلين بالتحريف بإذن الله.
الرواية الأولى: روى الكليني في آخر كتاب: فضل القرآن من الكافي، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله، قال: إن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية ([809]).
الرواة:
1) محمد بن يعقوب الكليني: ثقة الإسلام عند الإمامية.
2) محمد بن يحيى العطار: قال عنه النجاشي: (شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة عين كثير الحديث)، وقال عنه الطوسي: (قمي كثير الرواية)، وهو يروي كثيراً جداً عن أحمد بن محمد بن عيسى، إذ روى عنه قرابة ثلاثة آلاف رواية، كما أن الكليني روى عنه أكثر من خمسة آلاف رواية في الكافي.
3) أحمد بن محمد بن عيسى: قال عنه النجاشي: (شيخ القميين، ووجيههم، وفقيههم غير مدافع)، وقال عنه الطوسي في الفهرست: (شيخ قم، ووجيهها وفقيهها غير مدافع)، وقد روى عن علي بن الحكم قرابة ألف رواية.
4) علي بن الحكم بن الزبير النخعي: قال عنه الطوسي: (ثقة جليل القدر).
5) هشام بن سالم: قال عنه النجاشي: (ثقة ثقة)، وعده الشيخ المفيد في رسالته العددية من الرؤساء والأعلام، المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم بشيء، ولا طريق إلى ذم واحد منهم.
الرواية الثانية: روى الكليني في الروضة: عن محمد، عن أحمد، عن ابن فضال، عن الرضا أنه قرأ: (فأنزل الله سكينته على علي وأيده بجنود لم تروها) قلت: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها، وهكذا تنزيلها([810]).
أقول: أولاً: تنزيل هذه الآية في المصحف الموجود بين أيدي المسلمين اليوم هكذا: ((فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)) [التوبة:40]، فأين نزلت الآية التي تذكرها الرواية؟!
وثانياً: لاحظ أن هذه الصيغة هي التي يقرأ بها الإمام القرآن، فهي ليست مجرد نزول تفسير.
أما الرواة فكما يلي:
1) محمد بن يعقوب الكليني: ثقة الإسلام عند الإمامية.
2-3) محمد بن يحيى العطار، وأحمد بن محمد بن عيسى سبقت ترجمتهما في الرواية السابقة.
4) علي بن الحسن بن فضال: حكي عن بعضهم عده من أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم وتصديقهم والإقرار لهم بالفقه والعلم، وقال عنه الطوسي في الفهرست: (روى عن الرضا عليه السلام، وكان خصيصاً به، كان جليل القدر عظيم المنزلة، زاهداً ورعاً، ثقة في الحديث وفي رواياته)، ووثقه في رجاله في أصحاب الرضا.
الرواية الثالثة: روى الكليني في الروضة: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية، قال: تلا أبو جعفر: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن خفتم تنازعاً في الأمر فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم)، ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم؟ إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) [النساء:59] ([811]).
أقول: ويبدو أن هناك رأياً آخر لعلي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني حول هذه الرواية، فقد قال في تفسيره قول الله تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:59]: حدثني أبي، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبدالله، قال: نزلت: (فإن تنازعتم في شيء فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم).
الآية في القرآن الكريم هكذا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) [النساء:59].
الرواة:
1) محمد بن يعقوب الكليني: ثقة الإسلام عند الإمامية.
2) علي بن إبراهيم القمي: شيخ مفسري الشيعة، روى عن أبيه أكثر من ستة آلاف رواية! وكذلك روى عنه الكليني في الكافي قرابة ستة آلاف رواية.
3) إبراهيم بن هاشم: هو أكثر رواة الإمامية حديثاً، إذ تزيد رواياته عن ستة آلاف رواية، روى منها ثلاثة آلاف رواية عن شيخه محمد بن أبي عمير، لكنه ليس ثقة عند جميع الشيعة، فبعضهم ينزل حديثه إلى مرتبة الحسن، لكن روايته مقبولة، وإنما الخلاف بينهم هل روايته صحيحة أم حسنة.
4) محمد بن أبي عمير: قال عنه النجاشي: (جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين)، وقال عنه شيخ الطائفة الطوسي: (كان من أوثق الناس عند الخاصة والعامة)، وقد روى عن عمر بن أذينة قرابة أربعمائة رواية.
5) عمر بن أذينة: قال عنه النجاشي: (شيخ أصحابنا البصريين ووجههم)، وقال عنه الطوسي (ثقة)، ووثقه أيضاً في رجاله في أصحاب الكاظم.
6) بريد بن معاوية العجلي الكوفي: قال عنه النجاشي: (وجه من وجوه أصحابنا، وفقيه أيضاً، له محل عند الأئمة)، وقال الكشي في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله: (اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأصحاب أبي عبدالله عليهما السلام، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة).
فهذه الروايات السابقة صحيحة باتفاق علماء الرجال الشيعة، وهذا الكتاب - الكافي - له مكانة عظيمة عندهم، وكذا مؤلفه، وهذا يدلك على اعتقادهم بتحريف القرآن الكريم، وهو ما صرح به علماؤهم قديماً وحديثاً، وإليك بيان ذلك.
والغريب أن هذا الاتجاه لم يغادر أحداً من علماء القوم المعتبرين، حتى من ظن ذلك فيهم أو ادعى لهم، وإليك بياناً موجزاً عن هذا:
يقول الشيخ المفيد: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان([812]).
وقال: اتفقت الإمامية على أن أئمة الضلال خالفوا في كثيرٍ من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم([813]).
وقال: إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شيء من كلام البشر، وهو جمهور المنزل، والباقي مما أنزله الله تعالى قرآناً عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام لم يضع منه شيء، وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله -أي: عثمان- في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك:
منها: قصوره عن معرفة بعضه.
ومنها: ما شك فيه.
ومنها: ما عمد بنفسه.
ومنها: ما تعمد إخراجه منه، وقد جمع أمير المؤمنين القرآن من أوله إلى آخره، وألفه بحسب ما وجب من تأليفه([814]).
ويقول الكاشاني في تفسيره وبعد أن أورد الكثير من الروايات الدالة على التحريف: المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها: اسم علي في كثير من المواضع، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ([815]).
وقال في موضع آخر: كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن([816]).
وخلص إلى القول: بأنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن، إذ على هذا يحتمل أن كل آية منه قد حُرِّفت وغيرت، ويكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه، والوصية بالتمسك به.. إلى غير ذلك([817]).
ويقول المجلسي في معرض شرحه للكافي، في رواية هشام بن سالم، عن الصادق: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية: الخبر صحيح، ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً؛ بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن الأخبار في الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر([818]).
وقال: إن عثمان حذف من هذا القرآن ثلاثة أشياء: مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل بيته، وذم قريش والخلفاء الثلاثة، مثل آية: يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلاً([819]).
وقد أورد في تذكرته تمام سورة الولاية التي يدَّعي كشأن أضرابه أن عثمان رضي الله عنه قد حذفها من القرآن([820]).
ويقول نعمة الله الجزائري في أنواره: إنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلمَّا جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل، فقال عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك، عندنا قرآن كتبه عثمان، فقال لهم علي: لن تروه بعد هذا اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي. وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة وهو خالٍ من التحريف([821]).
وقال في موضع آخر: ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة، فإنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد غيروا وبدَّلوا في الدين ما هو أعظم من هذا؛ كتغييرهم القرآن وتحريف كلماته، وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول والأئمة الطاهرين وفضائح المنافقين وإظهار مساويهم، كما سيأتي في نور القرآن([822]).
ونور القرآن هذا قد حذف تماماً من الكتاب، واكتفى المحقق الطباطبائي بالقول كما في الحاشية: إن القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله وجعله معجزة باقية له إلى يوم القيامة هو القرآن الموجود بين أيدينا الآن لا زيادة فيه ولا نقصان ولا تحريف ولا تغيير([823]).
ولعلنا نلتمس له العذر في حذف هذا الباب بأكمله من الكتاب إذا علمنا أن صاحبنا الجزائري يرى كما يروي عنه صاحب فصل الخطاب: أن الأخبار الدالة على التحريف تزيد على ألفي حديث([824]).
فعجز عن رد هذه الروايات التي نظن أن الجزائري قد أورد الكثير منها في هذا النور، فحذفه محققنا وتركنا في الظلمات!!
ويقول العاملي: اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها: أن القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغيرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله تعالى، ما جمعه إلا علي وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن.. وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم، وهو اليوم عنده صلوات الله عليه([825]).
وفي موضع آخر قال -بعد أن أسهب في إثبات هذه المسألة وأورد أسماء من قال به ممن سبقوه وفند من ظن أنهم أنكروه- قال: وعندي من وضوح صحة هذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة، فتدبر([826])!
ويقول البحراني بعد إنكاره لمسألة القراءات السبع: ومما يدفع ما ادعوه -أي: تواترها- أيضاً استفاضة الأخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه، كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين([827]).
وفي موضع آخر وفي معرض تعليقه على قراءة آية الوضوء: ((وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) [المائدة:6]، على النصب، قال: وليس بالبعيد أن هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز؛ لثبوت التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصاناً، وإن كان بعض أصحابنا ادعى الإجماع على نفي الأول، إلا أن في الأخبار ما يرده، كما أنهم تصرفوا في قولـه تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار([828])، حيث إن الوارد في أخبارنا أنها نزلت: فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها، فحذفوا لفظ (رسوله) وجعلوا محله الضمير، ويقرب بالبال -كما ذكر أيضاً بعض علمائنا- الإبدال، أن توسيط آية ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، في خطاب الأزواج من ذلك القبيل([829]).
أقول: يقصد بقولـه: كما ذكر بعض علمائنا الإبدال، المجلسي، حيث قال: فلعل آية التطهير أيضاً وضعوها في موضع زعموا أنها تناسبه، أو أدخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية، ولو سلم عدم التغيير في الترتيب، فنقول: سيأتي أخبار مستفيضة بأنه سقط من القرآن آيات كثيرة، فلعله سقط مما قبل الآية وما بعدها آيات([830]).
وقد تناول الطهراني مسألة التحريف بإسهاب وتوسع، إذ نقل إجماع الشيعة على القول بهذه المسألة، وذكر أقوالهم، وفنَّد -على حد زعمه- أقوال أهل السنة في كون القرآن الموجود بين الدفتين هو القرآن بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، كما زيَّف أقوال أضرابه المنكرين للتحريف وطعن فيهم، وخلص إلى القول بإجماع الشيعة على هذه المسألة، بل وكونه من ضروريات مذهبهم([831]).
أما النوري الطبرسي فقد صنف كتاباً مستقلاً في المسألة، قال في مقدمته: هذا كتاب لطيف، وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)([832]).
وكتابه هذا زهاء أربعمائة صفحة، أورد فيه كل ما وقف عليه من أخبار وأقوال ونصوص بلغت المئات، كلها في إثبات مسألة التحريف.
وعند طبعه عام (1298) للهجرة، ثارت حوله ضجة عند القوم لافتضاح معتقدهم في هذه المسألة، ولم يقف المصنف مكتوف اليدين إزاء ما قيل فيه، بل صنف رسالة في دفع الشبهات التي أثيرت حوله([833]).
ويقول السيد عدنان: إن القول بالتحريف والتغيير من المسلمات عند الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم، وبه تظافرت أخبارهم([834]).
وبعد أن أورد الروايات الدالة على التحريف وتفنيد أقوال المنكرين، خلص إلى القول بأن الأخبار من طريق أهل البيت كثيرة -إن لم تكن متواترة- على أن القرآن الذي بأيدينا ليس هو القرآن بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو محرف ومغير، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها: اسم علي في كثير من المواضع.
ومنها: لفظة آل محمد.
ومنها: أسماء المنافقين.
ومنها: غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم كما في تفسير علي بن إبراهيم([835]).
وعلى أي حال، فهذه المسألة فيها طول، ونجتزئ بما أوردناه من أقوال.
 
نماذج لأقوال بعض المعاصرين القائلين بالتحريف:
والطريف في الأمر أن عدد القائلين بالتحريف عند القوم في زيادة، بمعنى أن المتأخرين منهم لم يستطيعوا أن يخفوا هذه العقيدة رغم تمسحهم بمسوح التقية.
فانظر -مثلاً- الخوئي، رغم أنه حاول أن ينكر هذه العقيدة، إلا أنه ومن حيث يشعر أو لا يشعر نراه بإزاء تواتر روايات التحريف من طرق الشيعة يقول: إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر([836]).
وقبله قال الخميني: ولعلَّ القرآن الذي جمعه -أي: علي عليه السلام- وأراد تبليغه إلى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه المضبوطة عنده بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبالجملة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بلغ الأحكام حتى أرش الخدش على الأمة، لكن من لم يفت منه شيء من الأحكام وضبط جميعها كتاباً وسنة هو أمير المؤمنين في حين فات من القوم كثير منها لقلة اهتمامهم بذلك([837]).
وفي موضع آخر قالها صراحة: أولئك -أي: الصحابة- الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله -أي: الدالة على خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام- وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار الدنيا على وجه دائم، بحيث يبقى هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلى يوم القيامة، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلى اليهود والنصارى إنما هي ثابتة عليهم([838]).
هذا بالإضافة إلى أن الخميني وكذا صاحبه الخوئي من الموثقين لدعاء صنمي قريش، والذي يتضمن على فقرات دالة على وقوع التحريف.
وعلى أي حال، ليس هذا الكتاب مكان تناول هذه المسألة، فإن غرضنا من ذكر بعض أقوال القوم في تحريف القرآن هو بيان أسباب اضطرارهم لذلك.
وكنا قد جمعنا المئات من النصوص والروايات والأقوال من طرق القوم في التحريف تصلح مادة لكتاب، ونسأل الله أن يرى النور.
 
نماذج من الآيات التـي ادعوا حذف كلمة بني هاشم وآل محمد منها:
وعلى أي حال، لابد من ذكر نماذج من هذا الاتجاه، ففيها صلة بموضوع كتابنا هذا، فمن الآيات التي ادعى القوم حذف كلمة بني هاشم منها: ما روي عن الصادق: ولو نشاء لجعلنا من بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون، قال الراوي: ليس في القرآن بني هاشم؟ فقال أبو عبدالله: محيت والله فيما محي([839]).
ومن الآيات التي ادعى القوم حذف كلمة آل محمد منها: قول الأمير عليه السلام في رواية الزنديق الطويلة: وكذلك قولـه: سلام على يس، لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: يس والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين، لعلمه بأنهم يسقطون قول الله: سلام على آل محمد، كما أسقطوا غيره([840]).
وعن الباقر: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا: فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون([841]).
وعن الصادق أنه قرأ: إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، قال: هكذا نزلت.
وفي رواية: فأسقطوا آل محمد من الكتاب.
وفي أخرى: فمحوها وتركوا آل إبراهيم وآل عمران.
وفي أخرى: فوضعوا اسماً مكان اسم.
وفي أخرى: حرفاً مكان حرف([842]).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام في قولـه تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون لآل محمد، فحذفوا آل محمد([843]).
وعن الصادق: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: إن الذين ظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم([844]).
وعنه: هكذا نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم في آل محمد وأنتم تعلمون([845]).
وعنه: نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية هكذا: ولا يزيد الظالمين آل محمد حقهم إلا خساراً([846]).
وعنه: وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً لآل محمد، كذا نزلت([847]).
وعن الباقر: نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية هكذا: وقال الظالمون لآل محمد حقهم إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً([848]).
وعن الصادق: وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون، هكذا والله نزلت([849]).
وعن الباقر: نزلت هذه الآية هكذا: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم آل محمد حقهم أنكم في العذاب مشتركون([850]).
والأمثلة في ذلك كثيرة، ونكتفي بما أوردناه.
 
نماذج من الآيات التي ادعوا حذف ما يختص بالإمامة منها:
ومن الآيات التي ادعى القوم حذف ما يتعلق بالإمامة والأئمة منها: قول الباقر: في قراءة علي عليه السلام وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، الوصية لرسول الله، والإمام بعده([851]).
وفي رواية: عن الكاظم أنه قال لبعض أصحابه: كيف تقرأ هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ماذا؟ قال: مسلمون، فقال: سبحان الله! يوقع عليهم الإيمان فيسميهم مؤمنين ثم يسألهم الإسلام، والإيمان فوق الإسلام، قال: هكذا يُقرأ في قراءة زيد، قال: إنما هي في قراءة علي صلوات الله عليه وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم: إلا وأنتم مسلمون لرسول الله ثم الإمام من بعده([852]).
وعن الصادق: ولتكن منكم أئمة([853]).
وعن ابن سنان قال: قرأت عند أبي عبدالله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110]
فقال: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابْنَيْ علي؟
قال: فقلت: جعلت فداك، كيف نزلت؟ قال: نزلت: كنتم خير أئمة أخرجت للناس، ألا ترى مدح الله لهم: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله([854]).
وعن الباقر: لو أن الجهال من هذه الأمة يعرفون متى سمي أمير المؤمنين لم ينكروا، إن الله تبارك وتعالى حين أخذ ميثاق ذرية آدم، وذلك فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه، فنزل به جبرئيل كما قرأناه يا جابر -راوي الحديث- ألم تسمع الله يقول: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وأن محمداً رسولي، وأن علياً أمير المؤمنين.
وفي رواية: هكذا نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي أخرى: هكذا أنزل الله في كتابه([855]).
 وعن الصادق أن رجلاً قرأ عنده: ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) [التوبة:105]، فقال: ليس هكذا هي، إنما هي والمأمونون، ونحن المأمونون([856]).
وعنه أنه قرأ: أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم.
وفي رواية: قال الراوي: جعلت فداك، أئمة؟ قال: إي والله أئمة، قلت: فإنا نقرأ أربى، فقال: وما أربى، وأومأ بيده فطرحها([857]).
وعن الباقر قال: قال الله عز وجل: ألم تكن آياتي تتلى عليكم في علي فكنتم بها تكذبون([858]).
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: ((وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)) [الفرقان:74]، قال: لقد سألت ربك عظيماً، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إماماً.
وفي رواية: قد سألوا عظيماً أن يجعلهم للمتقين أئمة، فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول الله؟ قال: إنما أنزل الله: واجعل لنا من المتقين إماماً([859]).
وعن أبي الحسن الماضي: وذرني يا محمد والمكذبين وصيك أولي النعمة، قلت -أي: الراوي-: إن هذا تنزيل؟ قال: نعم([860]).
 
نماذج من الآيات التي ادعوا حذف اسم علي بن أبي طالب عليه السلام منها:
ونختم ذلك بذكر نماذج من الآيات التي حذف منها اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بزعم القوم، من ذلك:
قولـه تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي، فإن لم تفعل عذبتك عذاباً أليماً، فطرح العدوي -بزعمهم- اسم علي([861]).
وعن الباقر: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله([862]).
وعنه أيضاً قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً([863]).
وعنه قال: نزلت هذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا والله: وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين([864]).
وعن الصادق: نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا في علي نوراً مبيناً([865]).
وفي رواية: عن الباقر: نزلت هذه الآية على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلت في علي مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم.. إلى قولـه: مفعولاً([866]).
وعن الصادق: وما يوعظون به في علي.. هكذا نزلت([867]).
وعنه قال: إنما نزلت: لكن الله يشهد بما أنزل في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً([868]).
وعنه قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا بولايته فإن لله ما في السموات وما في الأرض([869]).
وعنه قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: وقل الحق من ربكم في ولاية علي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين آل محمد حقهم ناراً أحاط بهم سرادقها([870]).
وعنه قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: فأبى أكثر الناس بولاية علي إلا كفوراً([871]).
وعنه قال: ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً، هكذا نزلت([872]).
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون بعلي.
وفي رواية: بعلي منتقمون.
وفي أخرى: محيت والله من القرآن واختلست والله من القرآن([873]).
وعن الصادق: إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ في علي.. هكذا نزلت([874]).
وعنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد في علي وهو الحق من ربهم كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.. هكذا نزلت([875]).
وعن الباقر: نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية هكذا: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله في علي، إلا أنه كشط الاسم([876]).
وقولـه: إن علي إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل، فمحي اسمه وكشط عن هذه الموضع([877]).
وعنه قال: إنما توعدون لصادق في علي.. هكذا نزلت([878]).
وعن أبي الحسن الماضي قال: ولو كره الكافرون بولاية علي، قال السائل: هذا تنزيل؟ قال: أما هذا الحرف فتنزيل، وأما غيره فتأويل([879]).
وعن الصادق: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين بولاية علي ليس له دافع، ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: هكذا هي في مصحف فاطمة.
وفي أخرى: هكذا هو مثبت في مصحف فاطمة([880]).
وعن علي عليه السلام قال: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابياً، فحرفوها، فقالوا: تراباً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من مخاطبتي بأبي تراب([881]).
وعن الصادق: والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، خلق الزوجين الذكر والأنثى، ولعلي الآخرة والأولى، قال: نزلت هكذا([882]).
وعن المقداد بن الأسود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم اعضدني، واشدد أزري، واشرح صدري، وارفع ذكري، فنزل جبرئيل، وقال: اقرأ يا محمد: ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، وأثبتها ابن مسعود، وانتقصها عثمان([883]).
ولا نطيل عليك، ففيما أوردناه كفاية لبيان المقصود.
 
الكلام في حقيقة نسبة الشيعة فرية التحريف إلى أهل السنة:
الغريب أنه رغم كل هذا فإن هناك من القوم من لا يزال يكابر ويحاول أن يوهم البسطاء والسذج من بني جلدته أو من غيرهم بأن مسألة التحريف هذه من المسلمات عند الفريقين([884]) -أي: السنة والشيعة- وذلك بإيراده -وبشكل ممل ومكرر- روايات من طرق أهل السنة في نسخ التلاوة أو القراءات، أو بعض الروايات الموضوعة التي تكلم العلماء في وضعها، أو أوردوها لصلتها بالموضوع دون اعتقاد صحتها، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله.
ومحاولتهم التلبيس على البسطاء والسذج إنما هي من أجل حفظ ماء الوجه أمام أتباعهم ومقلديهم، وإلا فمحاولة نسبة التحريف إلى أهل السنة -أيضاً- ظلم وأي ظلم، وأشد منه حصر القول بالتحريف على أهل السنة وتبرئة ساحة الشيعة منه، وهذا من العجب العجاب!
لقد سبق -قبل قليل- ذكر تصريح علمائهم الأولين، وكذا العلماء المعاصرين، في القول بالتحريف بما لا يمكن معه المخادعة والمراوغة، حيث جعلوا النصوص فيه من المتواتر، والقول به من ضروريات مذهب التشيع.
ومن باب العدل والإنصاف فإن هناك من علماء الشيعة من لم يصرح في الظاهر بالقول بالتحريف؛ كالشريف المرتضى، والشيخ الصدوق، وشيخ الطائفة الطوسي، والطبرسي.
وكل من أراد من القوم نفي هذه الفرية عنهم يحيلنا إلى أقوال هؤلاء، وهؤلاء إنما أرادوا بنفيهم لعقيدة التحريف القول بأن الشيعة كسائر المسلمين يعتقدون بهذا القرآن، لعلمهم بأن الاعتقاد بكونه محرفاً يخرج بقائله عن الإسلام والمسلمين.
وبغض النظر عن حقيقة أقوال هؤلاء والاضطراب في ذلك، حيث إن بعضهم أورد في مصنفاته ما يدل على القول بالتحريف، وكذلك كون بعضهم شيخاً للبعض وتلميذاً لآخرين، كالشيخ المفيد الذي مرَّ قولـه وإقراره بالتحريف، فهو من تلاميذ الشيخ الصدوق، ومن شيوخ المرتضى علم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسي، وهؤلاء -كما عرفت- أنكروا التحريف.
فإن هذا يضع أمامنا علامة استفهام كبيرة لحقيقة الأمر، وهل أقوالهم هذه صدرت على وجه التقية أم خلافه؟ وحيث إن أهل مكة أدرى بشعابها، ندع الكلام فيهم إلى أضرابهم:
يقول الجزائري: والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها؛ بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها، وسيأتي الجواب عن هذا، كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا نزلت ثم غُيِّرت إلى هذا([885]).
ويقول النوري: لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة وما حكى عنهم المفيد، ثم شاع هذا المذهب بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم، حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع، وبعد ملاحظة ما ذكرناه تعرف أن دعواه جرأة عظيمة، وكيف يمكن دعوى الإجماع بل الشهرة المطلقة على مسألة خالفها جمهور القدماء وجُلَّ المحدثين وأساطين المتأخرين، بل رأينا كثيراً من كتب الأصول خالية عن ذكر هذه المسألة، ولعل المتتبع يجد صدق ما قلناه ونقلناه.([886])
وقال في موضع آخر في معرض رده على المرتضى: كيف وقد عد هو في الشافي من مطاعن عثمان: إن من عظيم ما أقدم عليه جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما لاشك أنه من القرآن، ولولا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعناً([887]).
وفي رده على الطوسي قال: لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان -وهو الكتاب الذي ادعى فيه الطوسي بأن القرآن غير محرف- أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عدَّ الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذي حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة، فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه نحو ذلك.
ومما يؤكد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود، وهذا لفظه: نحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر بن الحسن الطوسي في كتاب التبيان، وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته([888]).
ويقول الطهراني: وكيف كان فالمتبع هو البرهان لا الأساطين والأعيان، ولا يعرف لهؤلاء موافق إلى ذلك الزمان، وإنما شاع بعد عصر الطبرسي مع أن إسناده إلى الشيخ والطبرسي في غاية الإشكال، فدعوى الإجماع على عدم التحريف عجيبة حيث لا يعرف سوى الصدوق والمرتضى إلى عصرٍ متأخر المتأخرين، وقد عرفت الذاهبين إلى الحق([889]).
وهكذا حمل أقوالهم على التقية سائر من رد عليهم ممن اعتقد بالتحريف، ولا يسعنا هنا الإسهاب في بيان هذا الأمر حتى لا نخرج عن موضوع الكتاب.
ولا زال أذناب هؤلاء في أيامنا هذه ينتهجون مناهجهم وهم يرون في التقية فسحة وملاذاً آمناً.
فهذا شرف الدين الموسوي يقول: نُسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفترٍ علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته([890]).
وهذا آخر وهو الأميني يقول: ليت هذا المجترئ -أي: ابن حزم- أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، أو طالب من رواد علومهم ولو لم يعرفه أكثرهم، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم أو ثرثار، كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، لكن القارئ إذا فحص ونقَّب لا يجد في طليعة الإمامية إلا نفاة هذه الفرية، كالشيخ الصدوق في عقايده، والشيخ المفيد، وعلم الهدى، وشيخ الطائفة الطوسي في التبيان، وأمين الإسلام في مجمع البيان.. وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه([891]).
فانظر إلى مساوئ التقية وكيف تصل بصاحبها إلى هذا الدرك من فساد العقيدة، وخبث السريرة، واستحلال التلبيس على عباد الله، فهل كان يرى أن عقائد أضرابه بمنأى عن غيره حتى يجد لنفسه هذه الحرية في الإنكار والتقية.
فهل أن القمي، والصفار، والكليني، والمفيد -الذي جعله من المنكرين للتحريف- والعياشي، وفرات، والطبرسي -صاحب الاحتجاج- والكاشاني، والمجلسي، والجزائري والبحراني، والعاملي، والطهراني، والنوري، والطبرسي، والسيد عدنان.. وغيرهم ممن ذكرناهم أو لم نذكرهم، فهل هؤلاء من أساطين القوم الذين أسسوا بنيان التشيع وقعدوا قواعده وأصلوا أصوله، أم إنهم من جهالهم أو قروييهم أو ثرثاريهم؟!
والطريف أن الأميني في الكتاب نفسه، وهو في فورة حماسه في حشد كل ما يراه قد طَعَنَ في الخلفاء من روايات موضوعة أو لا تخدم غرضه، فقد أقر من حيث يشعر أو لا يشعر بالتحريف حيث قال:
إن بيعة الصديق رضي الله عنه قد عمَّ شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، ونفت جندبها، وفتقت بطن عمارها، وحرفت القرآن، وبدلت الأحكام، وغيرت المقام([892]).
تماماً كما فعل الخوئي في بيانه حيث نفى التحريف أولاً، ثم قال من حيث أراد أو لم يرد كما مر بك.
إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر.
ولا أريد أن أطيل عليك، فليس هذا موضع التوسع في هذه المسألة كما ذكرت لك، ولكن هي إشارات مختصرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
 
الحديث عن اتهاماتهم لأهل السنة والجماعة بالتحريف:
فكما ذكرنا آنفاً أن هناك من القوم من لا يزال يكابر ويحاول أن يوهم البسطاء والسذج من بني جلدته أو من غيرهم بأن مسألة التحريف هذه من المسلمات عند الفريقين -أي: السنة والشيعة- وذلك بإيراده -وبشكل ممل ومكرر- روايات من طرق أهل السنة في نسخ التلاوة أو القراءات، أو بعض الروايات الموضوعة التي تكلم العلماء في وضعها، ومن أمثلة هذه الروايات:
عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: (إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده) ثم قال: كنا نقرأ: (ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) أو: (إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم).
وعن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن).
وعن أبي موسى الأشعري أنه بعث إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها غير أني قد حفظت منها:لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة).
وعن زر قال: قال أبي بن كعب: يا زر، كم آي تقرأ سورة الأحزاب؟ قـلت: (73) آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة.
وعن حميدة بنت أبي يونس قالت: (قرأ عليَّ أَبِي -وهو ابن ثمانين سنة- في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف).
وعن عبد الرازق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: سمعت بجالة التميمي قال: وجد عمر بن الخطاب مصحفاً في حجر غلام في المسجد فيه: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم).
وعن عروة قال: كان مكتوباً في مصحف عائشة: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر.
وعن إبراهيم بن علقمة قال: (دخلت في نفر من أصحاب عبدالله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم، قال: فأيكم؟ فأشاروا إلي، فقال: اقرأ، فقرأت: والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى، قال: أنت سمعتها من فِي صاحبك؟ قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من فِي النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء يأبون علينا).
وعن أبان بن عمران قال: قلت لعبدالرحمن بن أسود: إنك تقرأ: صراط من أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
وغيرها، وهي لا تخرج عن هذا السياق.
أقول: أما القول بأن نسخ التلاوة تحريف فليس بصحيح؛ لأن نسخ التلاوة ثابت بكتاب الله، حيث يقول سبحانه: ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) [البقرة:106]، وكقولـه سبحانه: ((يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)) [الرعد:39]، وهذا المراد به نسخ التلاوة..
والنسخ في الآية يشمل نسخ التلاوة والحكم، ولا يوجد دليل على إخراج نسخ التلاوة.
يقول الفيض الكاشاني في معنى الآية الأولى: ما ننسخ من آية بأن نرفع حكمها، أو ننسها بأن نرفع رسمها([893]).
أضف إلى ذلك أن الذين يقولون بعدم التحريف يقولون بنسخ التلاوة، كالمرتضى والطبرسي والطوسي، فمثلاً يقول الطبرسي: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب، منها: ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم([894])، وقال نحو هذا القول أبو جعفر الطوسي والعتاقي الحلي([895])، والوحيد الذي لم يثبت عنه القول بالتحريف بوجه من الوجوه وهو المرتضى يقول عن نسخ التلاوة: فصل في جواز نسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ التلاوة دونه([896]).
أما إنكار بعض علماء الشيعة للقراءات، فنقول: إنهم يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يعلمون، وهذا من الضلال المبين، فالقراءات ثابتة ومتواترة من طرقنا، وإلا فهم لا يستطيعون إثبات القرآن ولا من طريق واحد.
وأما إنكار الأحرف وأن القرآن نزل على سبعة أحرف، فأقول: بوب الصدوق: باب نزول القرآن على سبعة أحرف([897]).
فالقرآن نزل على سبعة أحرف، وذلك على اختلاف اللهجات، فمثلاً: تأتي الآية بلفظ [جاء]، وتأتي بلفظ [أتى]، فهذا معنى الأحرف السبعة على القول الصحيح، فلما انتشر الإسلام في الناس كثر الخلاف في أوجه القراءة، ولذا جمعهم عثمان رضي الله عنه على مصحفٍ واحدٍ على لغة قريش.
وإلى هذا يعزى سبب الاختلاف في عددٍ من الروايات، حتى بين الصحابة أنفسهم، وكان ذلك قبل جمعهم على مصحف واحد.
وأما قول بعض علماء الشيعة: بأن اختلاف أهل السنة في البسملة دليل على أنها من المحرف.
فأقول: لا خلاف بينهم في جواز قراءتها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها، ولكن خلافهم: هل قرأها على أنها آية من القرآن، أو للتبرك، أو للفصل بين السور كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنزل الله عليه البسملة للفصل بين السور.؟
قال الشوكاني: واعلم أن الأمة أجمعت على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفاً مجمعاً عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد، فإنه يكفر بالإجماع -أي: بإجماع أهل السنة- ولا خلاف في إثباتها خطاً في أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة براءة([898]).
فالكل مجمع على إثباتها كتابة في المصحف، وأنها ثابتة في المصحف الأصل، ولم يدع أحد إلى إزالتها من المصحف، فبقي خلافهم: هل هي آية فتدخل في ترقيم الآيات، أم إنها للفصل بين السور فلا تدخل في ترقيم الآيات؟
ناهيك أن من علماء الشيعة كالمجلسي -مثلاً- من عدَّ سورتي: الضحى والشرح سورة واحدة، وأنه ينبغي أن يقرأهما موضعاً واحداً ولا يفصل بينهما بالبسملة، وقد حكى المجلسي الخلاف في ذلك، قال: والأكثر على ترك البسملة([899]).
فهل عدَّ الشيعة ذلك تحريفاً؟! أم هو كما قيل: رمتني بدائها وانسلت!
وأما عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، فعندنا أنه يجوز الجهر وعدمه، وكلاهما ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً نقول: روي ذلك عن أبي عبدالله، فعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عن الرجل يكون إماماً، يستفتح بالحمد ويترك: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) [الفاتحة:1] قال: لا يضره، ولا بأس عليه([900]).
وعن محمد بن علي الحلبي أن أبا عبدالله سُئِلَ عمن يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، إن شاء سراً وإن شاء جهراً. فقيل: أفيقرؤها في السورة الأخرى؟ قال: لا([901]).
بل خذ هذه الرواية وتأمل فيها، فعن مسمع البصري قال: صليت مع أبي عبد الله فقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:1-2] ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) [الفاتحة:1]، ثم قام في الثانية فقرأ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:2] ولم يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) [الفاتحة:1] ([902]).
فعند تأمل هذه الرواية والتي قبلها -أيضاً- يتبن لك عدم إمكانية فعل ذلك تقية كما زعم بعضهم؛ بل إن التقية عندهم لا تجوز في ترك الجهر بالبسملة، فعن جعفر بن محمد أنه قال: التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث: في شرب المسكر، وفي المسح على الخفين، وفي ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم([903]).
ناهيك عن أن كون تركها تقية لا يجوز، فهل يقول عاقل: إنه يجوز التحريف تقية؟!
أما زعم بعض الشيعة أن قول: آمين، زيادة زادها أهل السنة في كتاب الله.
فأقول: كان صلى الله عليه وسلم يقولها في الصلاة، ومعناها: اللهم استجب، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنها من القرآن، ولهذا لا تقال في غير الصلاة، وقولها في الصلاة سنة.
وأما ما عدا ذلك من الروايات التي يستدل بها الشيعة على أهل السنة، فهي إما روايات موضوعة تكلم العلماء في وضعها، أو أوردوها على سبيل ذكر كلما له صلة بالموضوع دون اعتقاد صحته، أو روايات راجعة إلى اختلاف القراءات أو الأحرف، أو راجعة إلى عدم علم الصحابي بأنها من القرآن، كظن ابن مسعود أن المعوذات ليست من القرآن، وإنما رقية كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي بها الحسن والحسين، وكان ذلك قبل جمع القرآن، أما بعد جمعه فلم يحصل أي اختلاف بينهم.
ونحن إنما نحتج على الشيعة بأقوال واعتقادات علمائهم وأساطينهم لا بروايات ونصوص فقط، ولم أجد حتى الآن -ولن أجد- من احتج منهم بقول عالم من علماء أهل السنة يقول بالتحريف أو يعتقده كشأن من ذكرنا من علماء القوم، فهل يدلنا القوم على أحد من علماء أهل السنة عبر التاريخ قال أو اعتقد بالتحريف؟!
وفي الختام أقول:
لا أدل على عدم قول أهل السنة بالتحريف من تصريحهم بكفر من قال بتحريف القرآن.. كما قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه بين المسلمين أنه كافر).
وقال ابن حزم وغيره: (القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفر صريح وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقال أبو عثمان الحداد: (جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الحكم بكفر من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت) وغير ذلك كثير.
أما علماء الشيعة فغاية ما يقولون: بأن القائل بتحريف القرآن مخطئ أو مخترق أو مشتبه، وأنه قد جانب الصواب، ونحو هذه العبارات..، كما قال محمد حسين آل كاشف الغطاء: ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص أو تحريف فهو مخطئ بنص الكتاب العظيم: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].
وكما قال محمد رضا المظفر: ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه وكلهم على غير هدى، فإنه كلام الله الذي: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].
وعدم قولهم بالكفر إنما هو فرار من إلزامهم بتكفير علمائهم القائلين بالتحريف، الأمر الذي يحاول كثير من الشيعة إخفاءه أو عدم الاعتراف به.
فليقل الشيعة إن كانوا صادقين: إن من قال بالتحريف فهو كافر لتكذيبه كلام الله الذي أخبر أنه تكفل بحفظه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9]، أم يخافون أن يكفروا بذلك علماءهم القائلين بالتحريف فيقدمون بذلك حب الدنيا، والتعصب المقيت، على مرضات الله سبحانه؟!
إننا نقول:من أحق أن نصدق، كلام الله الواحد القهار، أم كلام أولئك البشر الذين أوقفناك على أقوالهم؟!
لكن نقول كما قال الله: ((لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [المجادلة:22] فهذه دعوة لكل مسلم أن يتقي الله، ويراقبه وحده، ولا يخشى أي أحد غير الله إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
وإلا فمن حاججنا عنهم بالباطل لن يغنوا عنا من الله شيئاً، ولن يغني جدالنا عنهم شيئاً كما قال سبحانه: ((هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)) [النساء:109].
فلا نجاة إلا بالاستغفار والالتجاء إلى الله الواحد القهار، مادام المرء في زمن المهلة، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
أصحاب الاتجاه الأخير واستدلالهم بالسنة في إثبات نزول بعض الآيات في الإمامة:
أما الاتجاه الأخير وهو أعدلها، فيتمثل في القول بنزول بعض الآيات في فضائل الأمير رضي الله عنه وولايته تأويلاً، مستدلين على ذلك التأويل بروايات تدلل على نزولها فيه وفي إمامته رضي الله عنه.
والروايات هذه لا تخلو من كونها إما موضوعة لا يصح منها شيء، أو صحيحة ولكن لا تخدم غرضهم، وليس فيها الدلالة المذكورة.
من هذه الآيات:
قولـه تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3].
وقولـه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55].
وقولـه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67].
وقولـه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، وغيرها.
وهذه الدلائل -بزعم القوم- لا يكاد يخلو منها كتاب، وهي عمدة القوم في إثبات مسألة الإمامة من القرآن الكريم.
وأنت ترى للوهلة الأولى خلوها تماماً من اسم الأمير والأئمة أو ما يفيد نزولها فيهم، لذا اضطر القوم -كما ذكرنا- إلى الاستدلال بها عن طريق الأحاديث والروايات، أو ادعاء حذف اسم الأمير رضي الله عنه من بعضها كما يعتقد أصحاب الاتجاه الثاني.
وحيث إن أصحاب هذا الاتجاه قد اعتمدوا في إثبات نزول هذه الآيات في الإمام والإمامة على السنة، لذا فإننا سنرجئ الكلام فيها إلى الباب الآتي.
وختاماً: أود أن أنبه القارئ العزيز إلى أن الاتجاهات الثلاثة هذه، لا تعني بالضرورة أن كل واحد منها له من يمثله، بل إن كثيراً من العلماء -إن لم يكن أكثرهم- يمثلون هذه الاتجاهات جميعها، وإن كان ذلك يتفاوت بين عالم وآخر.
 
خلاصة الباب:
لاشك -عزيزي القاري- أنك وقفت على حقيقة أن أعظم أركان الدين عند الشيعة ليس لها نصيب في القرآن الكريم، ولا أدل على هذا من بطلان هذا المعتقد، ونحن نعلم يقيناً أن الله عز وجل لم يدع من شئون المسلم شيئاً إلا بينه، حتى بين حكم المحيض، حيث قال عز من قائل: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)) [البقرة:222]، وهذا مصداق قوله عز وجل: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل:89].
فهل أن أذى المحيض أشد عند الله من أذى المسلمين بالفتن والحروب والتناحر والاختلاف لعشرات السنين بسبب الإمامة حتى يغفل ذكرها ويبين أذى المحيض؟!

 

الباب الثالث
الإمامة والسنة

 
نبذة عن الوضع والوضاعين في الحديث:
لا يختلف اثنان في أن هناك الألوف من الأحاديث تحتويها مصادر المسلمين في شتى العلوم، كلها موضوعة على لسان رسول الله ومنسوبة إليه صلى الله عليه وسلم وإلى صحابته وإلى الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد تعددت أسباب هؤلاء الوضاعين بين زنادقة أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ووضعوا الأحاديث؛ استخفافاً بالدين، وتلبيساً على المسلمين، وبين أصحاب أهواء وعصبيات ومذاهب، يضعون ما ينتصرون به لمذاهبهم، وبين من وضع ذلك ترغيباً عن فضائل الأعمال وترهيباً من النار.. إلى غير ذلك من أسباب ذكرها وحاول استقصاءها الذين تكلموا في هذا الباب.
وكان لانتشار هذه الروايات في كتب الفقه والتفسير والتاريخ والسير والمغازي وغيرها أثر سيء في نشوء عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، أدَّت بدورها إلى ظهور فرق ومذاهب باطلة، جُلُّ بنيانها على هذه الموضوعات، ولم يكن يتورع أصحابها في أن يصيِّروا كل ما هوته قلوبهم حديثاً مكذوباً.
وكان المسلمون الأوائل لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما، فلما وقعت صاروا يسألون عن الرجل، فإن كان من أهل السنة أخذوا حديثه، وإن كان من أهل البدعة ردوه.
فصار الإسناد المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو السبيل إلى معرفة الشرائع والأحكام، فتشددوا في معرفة حال كل من وقع في إسناد حديث، حتى قيل لهم: أتريدون أن تزوجوه؟ وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (إن هذا العلم دِيْنٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم) وكان من هدي الرعيل الأول أن يأتوا بالإسناد قبل الحديث، ويقولون: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة، وقالوا: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد، وإنما يعلم صحة الحديث من الإسناد، وإن الإسناد سلاح المؤمن؛ فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل، وإن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرقى السطح بلا سلم، ومثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري، وغيرها من أقوال بينوا فيها أهمية الإسناد.
ولذلك ظهر علم الرجال الذي يبحث في أحوال رجال الأسانيد المنتهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو الأئمة رضي الله عنهم؛ لمعرفة صحة نسبة هذا الحديث أو ذاك إليهم من حيث خلو إسنادها من وضاعين إلى غيرها من علل وشذوذ.
وقد أورد القوم من طرقهم حثَّ الأئمة على التثبت في نقل الأخبار، فعن الصادق قال: إن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا محمد، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ([904]).
وقال أيضاً: إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس([905]).
وعن يونس بن عبدالرحمن قال: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، ووجدت أصحاب أبي عبدالله متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبدالله، قال: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبدالله، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن([906])، وغيرها.
ولهذا كله وضع القوم شروطاً لقبول الحديث، وهو ما اتصل سنده إلى الإمام المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، وزاد البعض: أن يكون العدل ضابطاً، وأن لا يعتريه شذوذ، وأن لا يكون معللاً([907]).
ووضعوا معايير علمية تثبت بها الوثاقة أو الحسن، منها: نص أحد أئمتهم المعصومين، أو نص أحد أعلامهم المتقدمين، كالبرقي، وابن قولويه، والكشي، والصدوق، والمفيد، والنجاشي، والطوسي، وأضرابهم، أو نص أحد أعلامهم المتأخرين، كمنتجب الدين، وابن شهرآشوب، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين([908]).
وقد اتفق القوم مع أهل السنة على حرمة نقل الحديث إذا كان موضوعاً لكونها إعانة على الإثم، وإشاعة للفاحشة، وإضلالاً للمسلمين، وأن من أراد أن يروي حديثاً ضعيفاً أو مشكوكاً في صحته بغير إسناد، يقول: رُوي، أو بلغنا، أو ورد، أو جاء، أو نقل، ونحوه من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم، كقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال، لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار([909]).
ولا شك أن قولهم: إن الإتيان بالخبر مع الإسناد يغني عن بيان الحال، صحيح على نحوٍ ما، فإن كثيراً من كتب المسلمين مليئة بالروايات الموضوعة بأسانيدها، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن علماءنا الأوائل كانوا يمرون بمراحل في التأليف، بدءاً بالجمع والذكر لكل ما سمعوه في المقام، وانتهاءً بتحقيق الروايات لتمييز الغث من السمين، كما فعل البخاري ومسلم، على خلاف في بعض الروايات، وقد يقتصر أكثرهم على الأول، أي: الجمع والذكر لكل ما سمعوه، معتقدين براءة ذمتهم ما داموا قد ذكروا الإسناد الذي يمكن من خلاله معرفة صدق الخبر من كذبه، وذلك لاستحالة تحقيق كل خبر في حينه لاعتبارات، منها: أنه ربما يكون للحديث المذكور طرق أخرى ينجبر بها، أو أن ضعف بعض الرواة لم يثبت عنده.. وغيرها، أضف إلى ذلك عدم اشتراطهم في ذكر الحديث أن يكون صحيحاً، كما صرحوا بذلك في مقدمة مصنفاتهم.
ومع هذا فلم يجز العلماء رواية أمثال هذه الموضوعات دون بيان وضعها، وعدوا من فعل ذلك مذنباً عليه التوبة.
ومن هنا جاء استغلال القوم لأمثال هذه الروايات المذكورة في كتب أهل السنة لإثبات معتقداتهم، رغم ما مرَّ بك من ذمهم لهذا السلوك، فعمدوا إلى الاحتجاج بها موهمين أتباعهم أن أمثال هذه الروايات متفق عليها بين الفريقين، وأن هذه العقائد من المسلّمات بين المسلمين، ملبسين بذلك الأمر على أكثر القراء الذين لا يميزون بين الإيعاز الذي هو مجرد ذكر الكتب التي ورد فيها هذا الحديث، وبين التحقيق الذي هو بيان صحة الحديث من ضعفه، أو ذكر من تكلم فيه من العلماء، وبيان عدم حجية تحقيق من عرف بتساهله في التصحيح، أو من لا يعتد بتصحيحه أصلاً.
والأمر في المسألة فيه طول، ونحن في هذا الباب -إن شاء الله- لن نتطرق إلى روايات أهل السنة أو نتكلم في أسانيدها، فإن هذا الأمر قد حسم بما ذكرناه، وللقوم ما شاءوا من الوقت ليدلونا على رواية من روايات الباب الآتية وردت بطرق صحيحة عند أهل السنة لا يشوبها ضعف أو شذوذ أو علة، أو تصحيح من عرف بتساهله، ولكننا سنورد جميع روايات الباب من طرق القوم، ثم ننظر في أسانيدها وهل يصح منها شيء باعتبارات الصحة التي مرَّت بك آنفاً، هذا ناهيك عن وجوب التواتر الذي يوجبه القوم في مرويات عقائدهم.
 
الدليل الأول: الاستدلال بحديث بدء العشيرة ذكر الروايات ودراسة الأسانيد والرد على هذا الاستدلال:
نبدأ كلامنا بحديث بدء الدعوة أو يوم الدار، وسنأخذ في الاعتبار التسلسل الزمني والتاريخي لروايات الباب، وسنورد أولاً جميع الروايات المسندة من كتب القوم وندرس أسانيدها، ومن ثمَّ نتكلم في متونها.
الرواية الأولى: وهي أقدمها، رواها سليم بن قيس، عن أبان، عن سليم وعمر بن أبي سلمة، قالا في حديثٍ طويلٍ ذكرا فيه أن قيس بن سعد بن عبادة عدد على معاوية مناقب الأمير وأهل البيت، منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب وأبو لهب وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه علي عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر عمه أبي طالب، فقال: أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي؟ فأمسك القوم حتى أعادها ثلاثاً، فقال علي: أنا يا رسول الله، فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه، وقال: اللهم املأ جوفه علماً وفهماً وحكماً، ثم قال لأبي طالب: يا أبا طالب، اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى، وآخى صلى الله عليه وسلم بين علي وبين نفسه([910]).
أقول: أبان بن أبي عياش تابعي ضعيف كما قال الطوسي، وقال فيه ابن الغضائري: ضعيف لا يلتفت إليه، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه([911]).
وسليم نفسه اضطربت أقوال القوم فيه وفي كتابه الذي حوى مسائل تخالف التاريخ وما عليه القوم، مثل: جعله الأئمة ثلاثة عشر، وقصة وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند موته، مع أن عمر محمد وقتئذٍ كان أقل من ثلاث سنين، وهذه المخالفات تداركها علماء الشيعة وتمَّ حذفها من النسخ المطبوعة. وقد نسب البعض وضع الكتاب إلى أبان بن أبي عياش كما مرَّ بك، أو القول أنه لا يُعرف، ولا ذكِرَ في خبر، أو أن كتابه هذا موضوع لا مرية فيه، وأن تاريخ وضعه ربما يكون في أواخر الدولة الأموية.. إلى آخر ما قيل فيه([912]).
الرواية الثانية: روى الصدوق، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله، قال: حدثني عبدالعزيز بن يحيى الجلودي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا أبوعباية، عن عمرو بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، أن رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين، بما ورثت ابن عمك دون عمك؟
فقال: يا معشر الناس، فافتحوا آذانكم واستمعوا، فقال: جمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب في بيت رجلٍ منا -أو قال: أكبرنا- فدعا بمد ونصف من طعام، وقدح يقال له: الغمر، فأكلنا وشربنا وبقي الطعام كما هو، والشراب كما هو، وفينا من يأكل الجذعة ويشرب الفَرَق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قد ترون هذه فأيكم يبايعني على أنه أخي ووارثي ووصيي؟ فقمت إليه وكنت أصغر القوم، فقلت: أنا، قال: اجلس، ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي([913]).
أقول: هذه الرواية آفتها شيخ الصدوق، الطالقاني، قال فيه الخوئي بعد أن ذكر رواية عنه: هذه الرواية دلالة واضحة على تشيع محمد بن إبراهيم، وحسن عقيدته، وأما وثاقته فهي لم تثبت، وليس في ترضي الصدوق [قده] عليه دلالة على الحسن فضلاً عن الوثاقة([914]).
وقال فيه الأردبيلي: لا أعلم حاله([915]).
وربيعة مجهول عند الشيعة، ومختلف فيه عند أهل السنة، قال عنه الذهبي: لا يكاد يعرف.
ومحمد بن زكريا هو ابن دينار الجوهري الغلابي البصري المتوفى سنة (298) هجرية([916])، ولا أظنه يروي عن ابن غياث الذي توفي قبله بحوالي (60) عاماً، والذي يبدو لي أن في السند انقطاعاً وتصحيفاً، فالمشهور الذي ورد من طرق أهل السنة، كما في مسند ابن حنبل رحمه الله [1/159]، عن القطيعي، قال: حدثنا عبدالله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبوعوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن علي رضي الله عنه قال... وذكر القصة، وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي، وليس في الحديث ذكر للوصاية والخلافة، وكذا لفظة (ووارثي) التي وردت من طريق الطبري [2/321]، والتي عزاها الأميني في غديره إلى مسند الإمام أحمد، دون أن يبين أن هذه الزيادة إنما هي عند الطبري، وكذا عدم ذكره أن رواية المسند إنما هي من زيادات القطيعي، عن عبدالله بن حنبل عن أبيه([917]).
الرواية الثالثة: روى الصدوق، قال: حدثنا الطالقاني، قال: حدثنا عبدالعزيز، قال: حدثنا المغيرة بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن الأزدي، قال: حدثنا قيس بن الربيع وشريك بن عبدالله، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك المخلصين، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً كلهم يأبى ذلك، حتى أتى علَيَّ، فقلتُ: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب، هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام([918]).
أقول: قد عرفت حال الطالقاني من الرواية السابقة، أما المغيرة بن محمد فلم أقف على من ترجم له، ولا يعرف من هو في الناس، وكذا حال إبراهيم الأزدي، وقيس بن الربيع من البترية وهو مجهول([919]).
وشريك بن عبدالله وإن كان صدوقاً إلا أنه يخطئ كثيراً، وقد تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وقد ورد في ذمه عن الصادق من طرق القوم رواية فيها قولـه لما علم بأنه يرد شهادة شيعته -كما يذكر القوم-: لا تذلوا أنفسكم([920]).
والأعمش ثقة لكنه يدلس، وكذا منهال، صدوق ربما وهم، وهو مجهول عند الرجاليين الشيعة([921]).
الرواية الرابعة: روى الطوسي، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري سنة ثمانٍ وثلاثمائة، قال: حدثنا محمد بن حيد الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل الأبرش قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، قال أبو المفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثني سلمة بن سالم الجعفي، عن سليمان الأعمش وأبي مريم جميعاً، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن عبدالله بن عباس، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت على ذلك، وجاءني جبرئيل صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك عز وجل، فاصنع لنا يا علي صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عساً من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا له صلى الله عليه وسلم دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمَّا وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذمة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى صدروا مالهم بشيء من الطعام حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم.
وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعاً.
وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لي من الغد: يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي، قال: ففعلت ثم جمعتهم، فدعاني بالطعام، فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا ما لهم به من حاجة، ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بني عبد المطلب، أنا والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟
قال: فأمسك القوم وأحجموا عنها جميعاً، فقمت وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأخمشهم ساقاً، فقلت: أنا -يا نبي الله- أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع([922]).
أقول: أبو المفضل وإن كان كثير الرواية إلا أن الأكثر على تضعيفه، فقد كان ثبتاً ثم خلط، وترك البعض الرواية عنه.
وقال آخرون: إنه وضاع، كثير المناكير([923]).
وبقية السند من طرق أهل السنة، فالطبري هو صاحب التاريخ، وقد أورده في تاريخه [1/319] بالسند المذكور.
والرازي إنما هو محمد بن حميد الرازي، وليس [حيد] كما في الأمالي والبحار، ولم يترجم له أحد من القوم، بل كل من جاء باسم [محمد بن حميد] في كتب الرجال عند الشيعة فهو مجهول الحال، ولكني وجدت الخوئي في معرض كلامه عن شريك ذكره وقال عنه: ليس بثقة([924]).
أما أهل السنة فقد أسهبوا في ترجمته، وهو خلاف ما أوهم صاحب الغدير قراءه من أنه ثقة، وهذا ديدنه في كتابه جله، حيث ملأه بالأكاذيب والمغالطات، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في كتابنا [التقية والوجه الآخر] فصاحب الغدير هذا يغالط نفسه بنفسه، ومن ذلك: أنه نفى القول بتحريف القرآن في موضع وأثبته في آخر، فصاحبنا الرازي هذا قال فيه البخاري: في حديثه نظر.
وقال النسائي: ليس بثقة، وفي موضع آخر قال: كذاب.
وقال الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة.
وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفاً لا أحدث عنه بحرف.
وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضه على بعض.
وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني ومحمد بن حميد.
وقال جعفر بن محمد بن حماد: سمعت محمد بن عيسى الدامغاني يقول: لما مات هارون بن المغيرة سألت محمد بن حميد أن يخرج إليَّ جميع ما سمع، فأخرج إليَّ جزازات، فأحصيت جميع ما فيه ثلاثمائة ونيفاً وستين حديثاً، قال جعفر: وأخرج ابن حميد عن هارون بعدُ بضعة عشر ألف حديث.
وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد؟ فأومأ بإصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم، فقلت له: كان قد شاخ لعله كان يُعمل عليه ويُدلس عليه، فقال: لا يا بني، كان يتعمد.
قال أبو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزلـه وعنده ابن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً، وأنه يحدث بما لم يسمعه.
وقال البيهقي: كان إمام الأئمة -يعني: ابن خزيمة- لا يروي عنه.
وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، لو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً.
وكذا الأبرش سلمة بن الفضل، فالأميني في غديره وهو يقول عن رجال سند حديثنا هذا: بأنهم ثقات، لم يذكر أن الأبرش هذا لم يترجم له أحد من أضرابه، وأنه ورد من أقوال أهل السنة فيه قول البخاري: عنده مناكير.
وقول علي بن المديني: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه.
وقول البرذعي عن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه من سوء رأيه وظلم فيه.
وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب.
وقول النسائي: إنه ضعيف.
وقول ابن حبان: يخطئ ويخالف.
وقول الترمذي: كان إسحاق يتكلم فيه.
وقال ابن عدي عن البخاري أيضاً: ضعفه إسحاق.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
ومحمد بن إسحاق وإن كان صدوقاً إلا أنه يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، ومن طريق القوم لم يرد فيه تعديل بحسب اعتبار طرقه عندهم([925])، بل إن السيد التفريشي ذكر في [أبي عبدالله المغازي] بعدما قال: غال، ويحتمل أن يكون اسمه محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وهو غريب كما قال الخوئي([926]).
أما أبو مريم عبد الغفار بن القاسم: فقال فيه أبو داود: أنا أشهد أن أبا مريم كذاب.
وقال شعبة: سمعت سماك الحنفي يقول لأبي مريم في شيء ذكره: كذبت والله.
وقال يحيى: ليس بثقة.
وقال ابن حنبل: كان يحدث بلايا في عثمان، وكان يشرب حتى يبول في ثيابه.
وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم.
وقال ابن المديني: كان يضع الحديث.
وقال ابن حبان: كان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان، ويشرب الخمر حتى يسكر، ومع ذلك يقلب الأخبار، لا يجوز الاحتجاج به، وتركه أبو حاتم والنسائي والدارقطني، وضعفه الساجي وابن الجارود وابن شاهين.
هذا ما كان من شأن سند الطبري المذكور، وقد أسهبنا بعض الشيء في بيانه وبالأخص من طرق أهل السنة، لأن الأميني -كما ذكرنا- عندما استشهد برواية الطبري هذه في غديره، قال: ورجال السند كلهم ثقات إلا أبا مريم عبد الغفار بن القاسم، فقد ضعفه القوم وليس ذلك إلا لتشيعه، فقد أثنى عليه ابن عقدة وأطراه وبالغ في مدحه، ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز لمكان أبي مريم في إسناده...
إلى أن قال: وليس من العجيب ما هملج به ابن تيمية من الحكم بوضع الحديث فهو ذاك المتعصب العنيد، وإن من عادته إنكار المسلّمات، ورفض الضروريات، وتحكماته معروفة، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هو تضمنه فضائل العترة الطاهرة.
أقول: لسنا بصدد رد افتراءاته على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذه وغيرها وهي كثيرة، وحسبك قولـه في إسناد روايتنا هذه، وقد عرفت حقيقتها.
ثم قال -وكأنه أخرج إلينا خبيئة أو وقف على حقيقة- تحت: جنايات على الحديث -وهو يتحدث عن روايتنا هذه- قال: منها: ما ارتكبها الطبري في تفسيره، فإنه بعد روايته له في تاريخه كما سمعت قلب عليه ظهر المجن في تفسيره، فأثبته برمته حرفياً متناً وإسناداً، غير أنه أجمل القول فيما لهج به رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل من يبادر إلى تلقي الدعوة بالقبول، قال: فقال: فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟ وقال في كلمته صلى الله عليه وسلم الأخيرة: ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا، وتبعه على هذا التقلب ابن كثير في البداية والنهاية، وفي تفسيره فعل ابن كثير هذا وثقل عليه ذكر الكلمتين.
ومنها: خزاية تحملها محمد حسين هيكل؛ حيث أثبت الحديث كما أوعزنا إليه في الطبعة الأولى من كتابه [حياة محمد] وأسقطها من الطبعة الثانية([927]).
وكرر مغنية هذا القول في تفسيره، حيث قال: وذكر هذا الحديث محمد حسين هيكل في كتابه [حياة محمد] في الطبعة الأولى، وحذفه في الطبعة الثانية([928]).
وجاء آخر وكان أكثر دقة، فحدد الثمن الذي قبضه هيكل لقاء حذف كلمة [خليفتي]، وهو خمسمائة جنيه.
وادعى آخر أنه رفض التحريف أولاً، وبعد أن ساوموه على شراء ألف نسخة من الكتاب وافق على ذلك، ورواه في الطبعة الثانية وما بعدها بدون كلمة [خليفتي من بعدي]([929]).
ولعله أن يأتينا آخر ويخبرنا كم قبض الطبري وابن كثير أيضاً لقاء كلمتي: كذا وكذا، وكذا فعل آخر دون أن يبين أن الأميني سبقه إلى ذلك، وسود ثلاث صفحات من كتابه بما ذكره الأميني عن الطبري وابن كثير وهيكل، وقال كلاماً شبيهاً بكلامه، وأوهم قراءه بأنه صاحب هذا الكشف العظيم([930])، وكذا فعل غيره وهم كثر([931]).
أقول: لا ينقضي تعجبي من هؤلاء وهم من هم، وفيهم من له باع طويل في علم الرجال كهذا الأخير، كيف يتبجحون بكل هذا دون أن يبينوا حقيقة ما ذكروه، وهم لا شك لم يغب عنهم أسانيد أمثال هذه الروايات، رغم هذا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، لا لشيء سوى أن الطبري أو ابن كثير جعلوا: كذا وكذا، بدلاً من: وصيي وخليفتي فيكم.
ولسائل أن يسأل عن قولـه صلى الله عليه وسلم: وصيي وخليفتي فيكم، ماذا يعني من كلمة فيكم؟
لا شك أن هذا الأمر إنما هو في عشيرته، إذ كيف يلزموننا بالخلافة العامة، لكن إذا علمت أن شيئاً من هذه الأحاديث لم يصح، أرحت نفسك من أمثال هذه التأويلات.
وعلى أي حال، سنأتي على بيان بعض ذلك عند كلامنا على متون هذه الروايات، وسترى أنك تتمنى لو أن الطبري وابن كثير فعلوا تماماً كما فعل هيكل، أو كما فعل محقق الأنوار النعمانية عندما حذف باباً بأكمله وهو نور القرآن من الكتاب، كما مرَّ بك في الباب الثاني، وليس ثلاث كلمات استوجبت هذه الضجة وادعاء كل واحد منهم نسبة هذا الكشف إلى نفسه، ولا أجد أفضل من أن أنهي تعليقي هنا بالآية التي اختتم بها الأميني تعليقه السابق وهي قوله عز وجل: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) [الكهف:103-104].
نعود إلى روايتنا السابقة ونواصل مناقشة سندها، قال أبو المفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثني سلمة بن صباح الجعفي... السند.
فأبو المفضل قد عرفت حاله من السند السابق، أما الباغندي وكذا الجعفي فلم أجد من ترجم لهم من الفريقين، وحسب السند هذا، أما بقية رجال السند فقد تكلمنا فيهم.
الرواية الخامسة: روى محمد بن العباس الماهيار، قال: حدثني عبدالله بن يزيد، عن إسماعيل بن إسحاق الراشدي وعلي بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن هاشم السماوي، عن محمد بن عبدالله بن علي بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبيه، عن جده أبي رافع، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بني عبد المطلب في الشعب، وهم يومئذ ولد عبد المطلب لصلبه وأولادهم أربعون رجلاً، فصنع لهم رجل شاة ثم ثرد لهم وصبَّ عليها ذلك المرق واللحم، ثم قدمها إليهم فأكلوا منها حتى تضلعوا، ثم سقاهم عساً واحداً فشربوا كلهم من ذلك العس حتى رووا منه، فقال أبو لهب: والله إن منا لنفراً يأكل أحدهم الجفنة وما يصلحها ولا تكاد تشبعه، ويشرب الظرف من النبيذ فما يرويه، وإن ابن أبي كبشة دعانا على رجل شاة وعس من شرب فشبعنا وروينا منها، وإن هذا لهو السحر المبين، قال: ثم دعاهم، فقال لهم: إن الله عز وجل قد أمرني أن أَنْذِر عشيرتك الأقربين، ورهطك المخلصين، وأنتم عشيرتي الأقربون، ورهطي المخلصون، وإن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له من أهله أخاً ووارثاً ووزيراً ووصياً، فأيكم يقوم يبايعني على أنه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ فسكت القوم، فقال: والله ليقومن من قائمكم أو ليكونن في غيركم ثم لتندمن، قال: فقام علي أمير المؤمنين وهم ينظرون إليه كلهم، فبايعه وأجابه إلى ما دعاه إليه، فقال له: ادن مني، فدنا منه، فقال: افتح فاك، ففتحه فنفث فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه وبين ثدييه، فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك، أجابك لما دعوته إليه، فملأت فاه ووجهه بزاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ملأته علماً وحكماً وفقهاً([932]).
أقول: عبدالله بن يزيد، أو زيدان كما في رواية صاحب الكنز والبحار، لم يترجم له أحد، وكذا حال إسماعيل بن إسحاق الراشدي، وعلي بن محمد بن خالد أو مخلد كما في رواية صاحب الكنز والبحار، والحسن بن علي بن عفان، فلا أدري من هؤلاء، ولم أقف على من ترجم لهما من الفريقين، أما السماوي فإنما هو السمسار، كما في الكنز والبحار، وهو أيضاً لم أجد له ترجمة عند القوم، وقد ورد فيه جرح من طرق أهل السنة.
قال العقيلي: كان يضع الحديث على الثقات.
وكذَّبه ابن معين.
وقال النسائي وغيره: متروك.
وجرحه ابن حبان.
وقال ابن عدي: كان يضع الحديث.
أما محمد بن عبدالله بن علي بن أبي رافع فهو مجهول الحال عند الفريقين([933]).
الرواية السادسة: عنه أيضاً، قال: حدثنا حسين بن الحكم الخيبري، عن محمد بن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عفان بن سلمان، قال: وحدثنا محمد بن أحمد الكاتب، عن جده، عن عفان، وحدثنا عبدالعزيز بن يحيى، عن موسى بن زكريا، عن عبد الواحد ابن غياث، قالا: حدثنا أبوعوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن أبي ربيعة بن ناجذ، أن رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ورثت ابن عمك دون عمك؟ فذكر تمام الرواية الأولى مع اختلافات يسيرة، ليس فيها ذكر: ووصيي([934]).
أقول: الخيبري، لا يعرف من هو، وقد ورد اثنان باسم الحسين بن الحكم، وكلاهما مجهول الحال([935]).
ومحمد بن جرير، إنما هو الطبري صاحب التاريخ، وقد أورد الرواية في تاريخه [2/321] قال: حدثني زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبوعوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد.
والضرير هذا مجهول الحال، وقد تكلمنا عن بعض رجال السند.
وعلى أي حال، روايتنا هذه -وكما ذكرنا- خالية من كلمة: [ووصيي] ولا نرى لزاماً التكلف في إثبات ضعف سندها، إلا بالمقدار الذي يثبت عدم صحة شيء في الباب يفيد القوم في الاحتجاج.
أما الطريق الآخر فقد تكلمنا عن رجاله، وموسى بن يحيى إنما هو محمد بن يحيى، كما في رواية الصدوق، ومحمد بن أحمد الكاتب لم أقف على ذكر له ولا لجده.
الرواية السابعة: عنه أيضاً، عن محمد الباهلي، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عمار بن حماد الأنصاري، عن عمرو بن شمر، عن مبارك بن فضالة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:..بعد أن ذكر قصة إعداد الطعام ودعوة بني عبد المطلب وعرض النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة عليهم كما في بقية الروايات.. قال: يا بني عبد المطلب، إني نذير لكم من الله عز وجل، إني أتيتكم بما لم يأتِ به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا وتفلحوا وتنجحوا، إن هذه مائدة أمرني الله بها فصنعتها كما صنع عيسى بن مريم عليه السلام لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم فإن الله يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، واتقوا الله واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب أن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له أخاً ووزيراً ووصياً ووارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي.
وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي: (وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك المخلصين) وقد والله أنبأني به وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله ويؤازرني في الله عز وجل، ومع ذلك يكون لي يداً على جميع من خالفني فأتخذه وصياً وولياً ووزيراً، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعداتي، مع أشياء أشترطها، فسكتوا، فأعادها ثلاث مرات كلها يسكتون، ويثبت فيها علي... القصة([936]).
أقول: الباهلي مجهول([937])، وعمار بن حماد الأنصاري ليست له ترجمة، والظاهر أنه تصحيف، والصحيح أنه عبدالله بن حماد الأنصاري لوروده هكذا في جميع أسانيد رواية النهاوندي عنه، أو روايته عن ابن شمر.
وعلى أي حال، فالرجل مختلف فيه([938])، والنهاوندي ضعفه واتهمه في دينه كل من ترجم له([939])، وكذا عمرو بن شمر([940]).
الرواية الثامنة: روى فرات بن إبراهيم الكوفي، قال: حدثني جعفر بن محمد بن أحمد بن يوسف الأودي -وفي نسخة الأزدي- معنعناً، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر القصة([941]).
أقول: فرات نفسه كما قال عنه المجلسي: لم يتعرض الأصحاب له بمدح أو قدح، وقال محقق التفسير: إن صفحات التاريخ لم تنقل إلينا من حياته شيئاً، ولم تفرد الكتب الرجالية التي بأيدينا له ترجمة لا بقليل ولا كثير، ولم تذكره حتى في خلال التراجم، أما اسمه واسم أبيه وجده فقد تردد كثيراً في أسانيد هذا الكتاب [أي: التفسير] وشواهد التنزيل، وكتب الشيخ الصدوق، والمجموعة التفسيرية المعروفة بتفسير القمي، وفضل زيارة الحسين لابن الشجري، وأما كنيته فلم تذكر إلا في [فضل زيارة الحسين] لابن الشجري الكوفي.. إلى أن قال: ولو أن هذه الكتب الآنفة الذكر لم تذكر فراتاً في ثنايا الأسانيد لأمكن التشكيك في وجود شخص بهذا الاسم والقول بأن هذا الاسم مستعار.
وقال: وربما كان من الناحية الفكرية والعقائدية زيدياً أو كان متعاطفاً معهم أو مخالطاً إياهم ومتمايلاً إليهم على الأقل؛ كما يبدو واضحاً لمن يلاحظ في الكتاب مشايخه وأسانيده وأحاديثه، فهو أشبه ما يكون بكتب الزيدية وليس فيه نص على الأئمة الاثني عشر.
وقال: وربما كان السبب في عدم ذكره في الكتب الرجالية هو أنه لم يكن إمامياً حتى تهتم الإمامية به، ولم يكن سنياً حتى تهتم السنة به، بل من الوسط الزيدي في الكوفة، والتفسير الموجود بين أيدينا هو براوية أبي الخير مقداد بن علي الحجازي المدني، عن أبي القاسم عبدالرحمن بن محمد بن عبدالرحمن العلوي الحسني أو الحسيني، عن فرات كما نلاحظ ذلك في بداية الكتاب ونهايته، والكتاب محذوف الأسانيد، وأكثر الرواة فيه غير مترجمين في الأصول الرجالية، كحال راوي التفسير عن فرات، وحسب هذه الرواية بل التفسير كله هذا([942]).
الرواية التاسعة: عنه أيضاً قال: حدثني الحسين بن محمد بن مصعب البجلي معنعناً، عن علي بي أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214]، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر القصة([943]).
أقول: قد عرفت قيمة الكتاب وأسانيده، وحسبك عنعنة روايتنا هذه، أما البجلي فلا يعرف من هو.
ولم أقف على غير هذه الروايات التي وردت بأسانيدها من طرق القوم، أما غيرها -وهي كثيرة- فقد أرسلت إرسال المسلمات، دون إسنادها إلى أحد، وهي كما عرفت من مقدمة هذا الباب ليس لها أي قيمة فيما نحن بصدده الآن، وقد عرفت أنه لم يصح من روايات حديث العشيرة في بدء الدعوة من طرق القوم الآنفة الذكر شيء، وكذا حال طرق أهل السنة.
هذا ما كان من شأن أسانيد القصة، أما شأن المتون فإليك بياناً موجزاً عنها:
فألفاظ الروايات مختلفة ومضطربة، ففي غير الروايات المذكورة وردت أخرى غير مسندة، منها اختلاف ألفاظها:
ففي إحداها: من يقم [يقوم] منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أهلي؟
وفي أخرى: أيكم يؤازرني على أمري على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
وأخرى: من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم بعدي؟
وأخرى: فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي؟
وأخرى: من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري وخليفتي من بعدي؟
وأخرى: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي؟
وأخرى: من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟
وأخرى: من يكون وصيي ووزيري وخليفتي؟
وأخرى: أيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟
وأخرى: أيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله ويؤازرني في الله عز وجل، ومع ذلك يكون لي يداً على جميع من خالفني فأتخذه وصياً وولياً ووزيراً يؤدي عني ويبلغ رسالتي ويقضي ديني من بعدي وعداتي؟
وأخرى: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون خليفتي ويكون في الجنة؟وغيرها.([944])
وكذا الاختلاف في عدد مرات الدعوة، بين مرة واحدة، ومرتين، وثلاث([945]).
والاختلاف في مكان القصة، بين الشعب([946]) وبين بيت أكبرهم -أي: الحارث([947])- وبين بيت أبي طالب([948]).
وكذا الاختلاف في عدد بني عبد المطلب، بين أربعين رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً([949])، أو ثلاثين([950]).
والغريب أن بني عبد المطلب لم يبلغوا هذا العدد لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فبنو عبد المطلب هم: الحارث، والزبير، وأبو طالب، والغيداق، والضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة، وعبدالله، فعبد الله قد مات قبل أن يولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أما الحارث، والزبير، والغيداق، والضرار، والمقوم، فقد هلكوا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، ولم يعقب من أعمامه سوى أربعة: الحارث، وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب، فأما الحارث فهو أكبرهم وولده أبو سفيان، والمغيرة، ونوفل، وربيعة، وعبد شمس، وأما أبو طالب فله أربعة أولاد ذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وطالب مات قبل البعثة، وأما أبو لهب فأولاده ثلاثة: عتبة، وعتيبة، ومعتب، وأما العباس فكان له من الولد تسعة: عبدالله، وعبيد الله، والفضل، وقثم، ومعبد، وعبدالرحمن، وتمام، وكثير، والحارث، وهؤلاء جميعهم ولدوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، سوى الفضل، وعبدالله، وعبيد الله، أما عبدالله فولد -كما ذكرنا في الباب الأول- في شعب أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، وعبيد الله ولد بعده، أي: أنهم ولدوا بعد نزول قول الله عز وجل: ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) [الشعراء:214] ([951]).
فإذا علمت هذا. فقد تحصل لديك أن عدد بني عبد المطلب عند نزول الآية لا يتجاوز العشرين، فأين هذا من الأربعين؟
والغريب من جعلهم خمسة وأربعين رجلاً وامرأتين([952])، ولا أدري ما شأن المرأتين والإمامة!
هذا ما كان من شأن الاضطراب في المتون واختلافها، وقد تركنا الكثير منها، وقد ردَّ العلماء على هذا الحديث من وجوه:
1- منها: أن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله، فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى ذلك وأعانوه على هذا الأمر بما فيهم حمزة وجعفر وغيرهم من بني عبد المطلب المدعوين إلى الوليمة، وأيضاً فإن كان عَرَض هذا الأمرَ على أربعين رجلاً أمكن أن يجيبوه أو أكثرهم أو عدد منهم، فلو أجابه منهم عدد، فمن سيكون الخليفة؟ لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بأن ينذرهم جميعاً، وكان يرغب في أن يكونوا جميعاً من أهل الاستجابة لهذه الدعوة، وهي لا تتسع إلا لواحد، فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم جمعهم ليختار خليفة له ويبقي سائرهم كفاراً أم إن الخلافة أو الوصاية لم تكن ذات موضوع، وإنما كان المطلوب دخولهم جميعاً في الإسلام؟
2- ومنها: أن بني هاشم لم يكونوا معروفين بكثرة الأكل، بل ولا أحد منهم يحفظ عنه هذا.
3- ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا بني عبد المطلب ليسلموا، فما شأن علي رضي الله عنه حتى يتصدى للإجابة، ألم يكن مسلماً حينها؟!
4- ومنها: أن القوم رفضوا الإسلام وخرجوا يتضاحكون من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، فكيف يقول لهم: هذا خليفتي فيكم، ويأمرهم بالسمع والطاعة، وهم كفار لم يقبلوا الإسلام حتى يقبلوا خلافة علي؟
5- ومنها: الاضطراب بين ما حصل في هذه القصة، وبين قولـه صلى الله عليه وسلم لما عرض الإسلام على بني كلاب، فقالوا: نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك؟ فقال: الأمر لله، فإن شاء كان فيكم أو في غيركم، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكم علينا غيرك([953]).
فأنت ترى أن هذا الأمر إلى الله وليس لاختيار يقع في أحد بيوتات بني عبد المطلب في مكة.
وتكررت القصة -نفسها- بعد ذلك بسنين طويلة، وذلك لما جاءه عامر بن الطفيل في وفد بني عامر بن صعصعة في السنة العاشرة من الهجرة، وقال له: مالي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء([954]).
ناهيك أن قولـه صلى الله عليه وسلم هذا يتعارض مع رواياتنا هذه، والتي حسمت فيها مسألة الخلافة بزعم القوم.
6- ومنها: أن صيغة الأمر في الآية تأمر بالإنذار، لا بتعين الوصاية والخلافة.
7- ومنها: أن صيغ معظم الروايات إنما كانت في الخلافة والوصاية في بني عبد المطلب دون غيرهم، لا أقل من كون الدعوة وجهت إليهم دون سائر الناس كما تفيد الروايات، وهذا من أعظم الدلائل التي يتمسك بها من يرى أن وصاية الأمير رضي الله عنه على فرضها، إنما هي خاصة في الأهل دون عامة الناس.
ويؤيد هذا الرأي عشرات الروايات التي أوردها القوم، نذكر منها:
أ- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ألا أرضيك يا علي؟ قال: نعم يا رسول الله، فأخذ بيده فقال: أنت أخي ووزيري وخليفتي بعدي في أهلي، تقضي ديني وتبرئ ذمتي.
ب- وقولـه صلى الله عليه وسلم: أعطيت في علي تسعاً: ثلاثة في الدنيا، وثلاثة في الآخرة، واثنتان أرجوهما له، وواحدة أخافها عليه، فأما الثلاثة في الدنيا: ساتر عورتي، والقائم بأمر أهلي، ووصيي فيهم... الرواية.
ج- وعن علي رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الوزير، والوصي، والخليفة في الأهل والمال.
د- وقال صلى الله عليه وسلم: يا علي، إن الله عز وجل أمرني أن أتخذك أخاً ووصياً، فأنت أخي ووصيي وخليفتي على أهلي في حياتي وبعد موتي.
هـ- وقولـه صلى الله عليه وسلم في مرض موته: يا علي، اقبل وصيتي، وأنجز مواعيدي، وأد ديني. يا علي، اخلفني في أهلي.
ز- وفي رواية: إن أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب، يقضي ديني، وينجز موعدي.
يا بني هاشم.. يا بني عبد المطلب، لا تبغضوا علياً ولا تخالفوا عن أمره فتضلوا، ولا تحسدوه وترغبوا عنه فتكفروا.
ح- وفي أخرى: يا أخي، تقبل وصيتي، وتنجز عدتي، وتقضي عني ديني، وتقوم بأمر أهلي من بعدي.
ط- وأخرى: يا علي، أنت وصيي على أهل بيتي، حيهم وميتهم.
ي- وأخرى: يا علي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، ووصيي وخليفتي في أهلي.
ك- وأخرى: إن أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخير من أترك بعدي يقضي ديني، وينجز موعدي علي بن أبي طالب.
ل- وأخرى: ألا أوصيك يا علي، قال: بلى، قال: أنت أخي، ووزيري، وخليفتي في أهلي.
م- وأخرى: أخي ووزيري ووصيي وخليفتي على أهلي علي بن أبي طالب.
ن- وأخرى: يا علي، اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي. قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: يا علي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، ووصيي وخليفتي في أهلي([955]).
س- ويؤكدون هذا بما رووه من أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعلي: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك وصيه ووارثه وخليفته في أهله ونسائه ولم يخبرنا بأنك خليفته من بعده([956]).
فهذه الأمثلة القليلة التي أوردناها واضحة الدلالة ولا تحتاج إلى تأويل، وكلها تدلك على هذا الحصر، وعلة تكراره صلى الله عليه وسلم في كل هذه المواضع، حتى كانت من أواخر كلماته، ولا يخفى عليك -وأنت جد عليم- أن الأهل داخلون في الأمة، والأمة ليسوا داخلين في الأهل، فتدبر!
وعلى ذكر هذه الروايات، هناك إشكال آخر لا يخلو من طرافة، وذلك أن أهل البيت عند القوم محصورون في أهل الكساء دون غيرهم، فهل يعني هذا أن نصوص التأمير والاستخلاف محمولة على بقية أهل الكساء فقط.
نعود إلى الردود:
8- ومنها: الإشكال في إيمان أبي طالب، فالرجل عند القوم من المؤمنين، وعونه ومؤازرته ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم من المسلمات، والروايات المذكورة أخرجته من ذلك كله، وأمر آخر: هو عدم استدراكه على النبي صلى الله عليه وسلم من أن أمر الوصاية محسومة منذ سنين، رغم أنه على علم بذلك عند القوم، وأوردوا في ذلك روايات ذكرناها في الباب الأول، كقولـه لفاطمة بنت أسد لما جاءت إليه تبشره بمولد النبي صلى الله عليه وسلم: اصبري سبتاً آتيك بمثله إلا النبوة.
وفي رواية: إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره.
وفي أخرى: أما إنك ستلدين مولوداً يكون وصيه.
وفي أخرى: هو إنما يكون نبياً وأنت تلدين له وزيراً([957]).
9- ومن الردود أيضاً: ما جاء في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهما والصادق رحمه الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين، ورهطك منهم المخلصين)([958]).
وهذه القراءة وردت من طرق الفريقين، ويلزم على ثبوتها إشكال وهو: أن الإخلاص صفة المسلمين دون الكفار، وقد أورد القوم عن الباقر في قولـه عز وجل: ورهطك منهم المخلصين، قال: علي، وحمزة، وجعفر، والحسن، والحسين، وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين([959]).
وهذا يسقط الاستدلال بالرواية من وجوه؛ فإن كانت الدعوة للمؤمنين أو من ذكرنا آنفاً بطل قول الرسول صلى الله عليه وسلم من أصله، فإيمانهم يستلزم منه المؤازرة والمناصرة والمبايعة، وإن كان غير ذلك فابحث لك عن مخرج، فعدم إيمان جميع الحضور لا يقول به مؤمن.. فتدبر!
ثم إن حمزة وجعفراً لم يقل القوم بإمامتهم رغم رواية الباقر السابقة التي أقحم فيها بقية الأئمة في بيت الأكبر أو أبي طالب أو الشعب، فتدبر!
وعلى أي حال، فالشبهات والردود كثيرة، ونكتفي بما أوردناه، ونختم حديثنا في بيان ما صح في نزول هذه الآية:
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا جميعاً؟ فأنزل الله تعالى: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) [المسد:1]... إلى آخر السورة([960]).
وهذه الرواية صحت من طرق أهل السنة أيضاً.
 
الدليل الثاني: الاستدلال بروايات: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ذكر الروايات ودراسة الأسانيد والرد على هذا الاستدلال:
الاستدلال الثاني: هو نزول قولـه تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] الآيات، في شأن علي رضي الله عنه، وسنذكر أولاً الروايات من طرق القوم وندرس أسانيدها، ثم نتكلم في القصة:
الرواية الأولى: الصدوق، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا بكر بن عبدالله، قال: حدثنا الحسن بن زياد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحكم، قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه قال: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي قبضه الله فيه اجتمع إليه أهل بيته وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟ فلم يجبهم جواباً وسكت عنهم، فلما كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول فلم يجبهم عن شيء مما سألوه، فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟ قال لهم: إذا كان غداً هبط نجم من السماء في دار رجل من أصحابي فانظروا من هو فهو خليفتي عليكم بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي، فلما كان اليوم الرابع جلس كل رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النجم إذ انقض نجم من السماء قد غلب ضوؤه على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة علي، فهاج القوم، وقالوا: والله لقد ضل هذا الرجل وغوى، وما ينطق في ابن عمه إلا بالهوى، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:1-4] إلى آخر السورة([961]).
أقول: القطان، قال فيه الخوئي: هو من مشايخ الصدوق، وتوهم بعضهم حسن الرجل من ترحم الصدوق عليه، وهو عجيب! كيف وقد ترحم الأئمة لعموم الزائرين لقبر الحسين؟ بل أفرط بعضهم فذكر أن الصدوق وصفه بالعدل، وهذا أعجب! فإن الصدوق لم يصفه بالعدل، إنما ذكر أنه كان معروفاً بأبي علي بن عبدربه [عبدويه] العدل، ومعنى أن هذا العدل كان لقباً له -وكلمة العدل، وكلمة الحافظ والمقرئ ونحوهما من الألقاب- وأين هذا من وصفه بالعدالة؟ ولا يبعد أن يكون الرجل من العامة، كما استظهر بعضهم([962]).
وأحمد بن يحيى هو ابن زكريا القطان أبو العباس، وهو مجهول الحال([963])، وكذا بكر بن عبدالله بن حبيب المزني عند القوم([964]).
أما الحسن بن زياد فلم أجد من ترجم له، ولا أظنه الصيقل أو العطار الكوفي، فإنهما من أصحاب الصادق، وصاحبنا يروي عن الصادق بواسطتين([965]).
الرواية الثانية: الصدوق، حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن علي الهمداني، قال: حدثني الحسين بن علي، قال: حدثني عبدالله بن سعيد الهاشمي، قال: حدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا عاصم بن سليمان، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: صلينا العشاء الآخرة ذات ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلَّم أقبل علينا بوجهه، ثم قال: أما إنه سينقض كوكب من السماء مع طلوع الفجر، فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيي وخليفتي والإمام بعدي، فلما كان قرب الفجر جلس كل واحد منا في داره ينتظر سقوط الكوكب في داره، وكان أطمع القوم في ذلك أبي، العباسُ بن عبد المطلب، فلما طلع الفجر انقض الكوكب من الهواء فسقط في دار علي بن أبي طالب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي، والذي بعثني بالنبوة لقد وجبت لك الوصية والخلافة والإمامة بعدي، فقال المنافقون عبدالله بن أبي وأصحابه: لقد ضل محمد في محبة ابن عمه وغوى، وما ينطق في شأنه إلا بالهوى، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([966]).
أقول: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي لم يرد فيه سوى القول بأنه من مشايخ الصدوق، وقد ذكرنا لك قول الخوئي في هؤلاء([967])، وأضيف هنا -أيضاً- قول الصدوق نفسه في أحد مشايخه وهو أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضّبي المرواني: ما لقيت أحداً أنصب منه، وبلغ من نصبه أنه كان يقول: اللهم صل على محمد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله.([968])
وعلى هذا فأي حجة لمن يقول بتوثيق مشايخ الصدوق إذا كان يروي عن أمثال هذا الناصبي الكافر النجس عندهم؟!
أما فرات بن إبراهيم الكوفي، فهو صاحب التفسير، وقد مرَّ الكلام فيه.
والهمداني والحسين بن علي والهاشمي. لم أقف على ذكرهم في كتب الرجال، وجويبر ضعيف جداً، والضحاك صدوق كثير الإرسال.
الرواية الثالثة: الصدوق، حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر العدل، قال: حدثنا محمد بن العباس بن بسام، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن أبي الهيثم السعدي، قال: حدثني أحمد بن أبي الخطاب [أحمد بن الخطاب]، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عباس، بمثل الرواية السابقة إلا أنه قال في حديثه: يهوي كوكب من السماء مع طلوع الشمس فيسقط في دار أحدكم([969]).
أقول: أحمد بن محمد بن الصقر لم يرد فيه سوى كونه من مشايخ الصدوق([970])، وقد عرفت آنفاً أن ذلك لا يدل على وثاقة الرجل وعلى ذكر مشايخ الصدوق، فالصدوق نفسه لم يسلم من الطعن فيه، والخلاف في توثيقه، حتى توقف البعض فيه بحجة أنه لم يصرح بتوثيقه أحد من علماء الرجال، ونعته البعض بالكذب، حيث قال: الصدوق كذوب، وذكر آخر وهو أسد الله الكاظمي في (كشف القناع) أن الصدوق يقوم بالتغيير في الأحاديث مما يورث سوء الظن به، وخلص إلى القول بأن أمره مضطرب جداً([971])، أما ابن بسام والسعدي والخطاب فلم أجد من ترجم لهم عند القوم.
الرواية الرابعة: الصدوق، حدثنا أحمد بن الحسن القطان المعروف بأبي علي بن عبدالله عبدربه [عبدويه] العدل، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الكوفي الجعفي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبدالله السنجري [السحري] أبو إسحاق، عن يحيى بن الحسين المشهدي، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]؟
قال: هو النجم الذي هوى مع طلوع الفجر فسقط في حجرة علي بن أبي طالب، وكان أبي العباسُ يحب أن يسقط ذلك النجم في داره، فيحوز الوصية والخلافة والإمامة، ولكن أبى الله أن يكون ذلك غير علي بن أبي طالب([972]).
أقول: أما أحمد بن الحسن، وأبو العباس القطان، وابن حبيب، فقد مرت ترجمتهم في تخريج الرواية الأولى، والسنجري أو السحري والمشهدي غير معروفين، والعبدي مجهول الحال عند القوم([973])، كذاب ومتروك الحديث عند أهل السنة، وكذا السعدي عند القوم([974])، ولم يرد في حقهما توثيق إلا ما قيل عن وثاقة كل من ورد في أسانيد تفسير القمي، وقد بينا بطلان هذه الدعوى فيما سبق، فراجعها.
الرواية الخامسة: فرات بن إبراهيم، حدثني جعفر بن أحمد معنعناً، عن عائشة قالت: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس إذ قال له بعض أصحابه: من أخير الناس بعدك يا رسول الله؟ فأشار إلى نجم في السماء، فقال: من سقط هذا النجم في داره، فقال القوم: فما برحنا حتى سقط النجم في دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال بعض أصحابه ما قالوا: ما أشد ما رفع بضبع ابن عمه، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([975]).
أقول: حسب الرواية هذه أنها من روايات تفسير فرات، فضلاً عن كونها معنعنة.
الرواية السادسة: فرات، حدثنا أبو الحسن أحمد بن صالح الهمداني معنعناً، عن عبدالله بن بريدة الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: انقض نجم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من وقع هذا النجم في داره فهو الخليفة، فوقع النجم في دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالت قريش: ضل محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([976]).
الرواية السابعة: فرات، حدثنا علي بن أحمد بن خلف الشيباني معنعناً، عن نوف البكالي، عن علي بن أبي طالب قال: جاءت جماعة من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، انصب لنا علماً يكون لنا من بعدك لنهتدي ولا نضل كما ضلت بنو إسرائيل بعد موسى بن عمران، فقد قال ربك: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30]، ولسنا نطمع أن تعمر فينا ما عمر نوح في قومه، وقد عرفت منتهى أجلك ونريد أن نهتدي ولا نضل، قال: إنكم قريبو عهد بالجاهلية، وفي قلوب أقوام أضغان، وعسيت إن فعلت أن لا تقبلوا، ولكن من كان في منزلـه الليلة آية من غير ضير فهو صاحب الحق، قال: فلمَّا صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء وانصرف إلى منزلـه سقط في منزلي نجم أضاءت له المدينة وما حولها، وانفلق بأربع فلق انشعبت في كل شعبة فلقة من غير ضير، قال نوف: قال لي جابر بن عبدالله: إن القوم أصروا على ذلك وأمسكوا، فلمَّا أوحى الله إلى نبيه أن ارفع ضبع ابن عمك، قال: ياجبرئيل، أخاف من تشتت قلوب القوم، فأوحى الله تعالى إليه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67] قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار، فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر قريش، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم قال: يا معشر العرب، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم قال: يا معشر الموالي، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم دعا بدواة وقرطاس فأمر فكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: شهدتم؟ قالوا: نعم، قال: أفتعلمون أن الله مولاكم؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فقبض على ضبع علي بن أبي طالب، فرفعه للناس حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([977]).
الرواية الثامنة: فرات، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم معنعناً، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ انقض كوكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من انقض هذا النجم في منزلـه فهو الوصي من بعدي، فقام فتية من بني هاشم، فإذا الكوكب قد انقض في منزل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قالوا: يا رسول الله، كل هذا رويت في علي، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([978]).
الرواية التاسعة: فرات، حدثنا محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً، عن جعفر بن محمد قال: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم غدير خم، فذكر كلاماً، فأنزل الله تعالى على لسان جبرئيل عليه السلام، فقال له: يا محمد، إني منزل غداً ضحوة نجماً من السماء يغلب ضوؤه على ضوء الشمس، فأعلم أصحابك من سقط النجم في داره فهو الخليفة من بعدك، فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غداً يسقط من السماء نجم يغلب ضوؤه ضوء الشمس، فمن سقط ذلك النجم في داره فهو الخليفة من بعدي، فجلسوا كلهم كل في منزلـه يتوقع أن يسقط النجم في منزلـه، فما لبثوا أن سقط النجم في منزل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة عليهما السلام، واجتمع القوم وقالوا: والله ما تكلم فيه إلا بالهوى، فأنزل الله تعالى على نبيه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([979]).
جميع الروايات السابقة من تفسير فرات بن إبراهيم، وقد أوقفناك على قيمة تفسيره هذا، وكذا حال فرات نفسه، ومعظم رجال الأسانيد السابقة -رغم أنها مبتورة ومعنعنة- مجاهيل عند القوم([980]).
الرواية العاشرة: الماهيار، عن جعفر بن محمد العلوي، عن عبدالله بن محمد الزيات، عن جندل بن والق، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد الناس ولا فخر، وعلي سيد المؤمنين، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فقال رجل من قريش: والله ما يألو يطري ابن عمه، فأنزل الله سبحانه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([981]).
فالزيات ليس له ذكر في كتب الرجال، وابن والق لم يترجم له القوم، وعند أهل السنة هو صدوق يغلط.
الرواية الحادية عشرة: الماهيار، حدثنا أحمد بن القاسم، عن منصور بن العباس، عن الحصين، عن العباس القصباني، عن داود بن الحصين، عن فضل بن عبد الملك، عن أبي عبدالله قال: لما أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين يوم غدير خم افترق الناس ثلاث فرق، قالت فرقة: ضل محمد، وفرقة قالت: غوى، وفرقة قالت: بهواه يقول في أهل بيته وابن عمه، فأنزل الله سبحانه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([982]).
أقول: ابن القاسم مجهول([983])، ومنصور بن العباس لم يوثقه أحد، وقال البعض باضطرابه([984]).
ولا تغتر بقول الخوئي بوثاقة الرجل؛ لأنه وقع في إسناد كامل الزيارات لابن قولويه، لأن مبعث هذا القول عنده هو ما ذكره ابن قولويه في مقدمة كتابه المذكور من أنه لا يذكر فيه إلا ما ورد من طرق الثقات([985]).
وقد استظهر البعض فساد هذا القول باعتبارات عدة، منها: أن قولـه -أي: ابن قولويه- إنما هو محمول على مشايخه الذين صدر بهم سند أحاديث كتابه، لا كل من ورد في إسناد الروايات([986]).
وعلى أي حال، يذكر البعض أن الخوئي قد تراجع عن توثيقه لكل من وقع في أسانيد الكتاب المذكور.
والحصين اختلفت نسخ المصادر في ذكره، بين: الحصين، كما مرَّ عن البرهان وبعض نسخ تأويل الآيات، وبين: منصور بن العباس الحصين، كما في بعض نسخ التأويل، وبين: داود بن الحصين، كما في البحار والكنز والتأويل، ولا أظنه داود بن الحصين الأسدي الكوفي الوارد في السند نفسه، وهو رغم الاختلاف فيه يروي عن الصادق، أما صاحبنا فروايته عن الصادق بثلاث وسائط([987])، ولا يبعد أن يكون الحصين الأول إنما هو من سهو النساخ.
وعلى أي حال، فهذا السند كله ظلمات.
هذه كل الروايات التي جاءت بأسانيدها من طرق القوم في نزول قولـه عز وجل: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]، في شأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأيت أنه لم يصح منها شيء، ولعلك رأيت أيضاً خلو مصادر القوم المعتبرة منها، واقتصارها على كتب الصدوق وتفسير فرات والماهيار.. فتأمل!
أما المتون فإليك التعليق عليها:
لن نتكلم بطبيعة الحال عن اختلاف الألفاظ، لأنك لن تجد روايتين متشابهتين، سواء التي ذكرناها أو تلك التي أعرضنا عنها لعدم ورودها بأسانيدها، وهذا بيّن.
وإنما حسبك الاضطراب في وقت نزول النجم.
ففي رواية: مع طلوع الفجر.
وفي رواية: بعد طلوع الفجر.
وفي رواية: أن وقت نزوله ضحوة حتى غلب على ضوء الشمس كما في الرواية التاسعة.
وأيضاً: الاضطراب بين كون القصة في أوائل العهد المكي -باعتبار أن سورة النجم من أوائل ما نزل من القرآن- وبين كونها في المدينة بعد الهجرة.
وأيضاً: الاضطراب بين كونها في فتح مكة، أو عند عودته من الفتح ونزوله صلى الله عليه وسلم غدير خم، أو في مرض موته صلى الله عليه وسلم، وهذا الأخير كما في الرواية الأولى -وهي أن نزولها كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم- لا أظن أن القوم يسرهم ثبوتها؛ ذلك أنه على فرض ثبوتها يسقط كل ما يورده القوم من استدلالات في إثبات الإمامة قبل هذا النص بما في ذلك روايات غدير خم، وقد تحدثنا بعض الشيء عن هذه الرواية في الباب الأول وأوردنا هناك بعض الشبهات.
وإذا عرفت -أيضاً- أن سورة النجم من أوائل ما نزل من القرآن في مكة، حيث نزل بعدها [63] سورة مكية، و[28] سورة مدنية، كما يعرف ذلك من تسلسل نزول القرآن الكريم؛ عرفت استحالة رواية عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لهذه القصة، فابن عباس رضي الله عنهما كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وعلى هذا فإما أنه لم يكن قد ولد بعد عند نزول هذه الآية، أو أن روايته لهذه القصة كانت في إحدى هذه السنين الثلاث في مكة، وهذا لا يقول به أحد.
كما لم يختلف أحد من المسلمين شيعة كانوا أم سنة في أن سورة النجم من السور المكية إلا الآية [32] على خلاف؛ وهي قولـه: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ)) [النجم:32]، وإذا عرفت هذا أيضاً -أي: من شأن نزول هذه السورة في أوائل العهد المكي- فاعلم بأن الاستدلال بهذه القصة مخالف لادعاء القوم أن الإمامة آخر ما نزل من الأركان، وأن ذلك كان بعد فريضة الحج، حيث أنزل الله فيها بزعمهم: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3]، أما في قصتنا هذه فلم تكن الزكاة والصوم والحج قد فرضت بعد.
وإذا تأملت هذا الاختلاف الشديد بين الروايات علمت أنها قد وضعت ونسبت إلى الأئمة، وكل ذلك لمحاولة إثبات هذه العقيدة المنحرفة؛ وقد قال سبحانه: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].
ومن الردود أيضاً: أن من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: غويت، فهو كافر، والكفار لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام.
وبعيداً عن هذا كله: فمن المعلوم -حتى لدى الصغير- أن النجم عبارة عن كتلة مستديرة من غازات شديدة الحرارة، وأن هناك فرقاً بين الكواكب والنجوم، حيث إن النجوم ذات إضاءة ذاتية، بينما الكواكب تعكس ضوء النجوم، ولا ينبغي أن يكون النازل في أو على دار علي رضي الله عنه والذي غلب ضوؤه ضوء الدنيا أو الشمس لا ينبغي أن يكون كوكباً كما في بعض الروايات السابقة، لأنه كتلة حجرية غير مضيئة، إنما المضيء هو النجم، ولو افترضنا أن أصغر نجم هو بحجم الأرض، فأين تكون دار أمير المؤمنين رضي الله عنه في مكة أو المدينة من ذلك.
فضلاً عن أن النجوم والكواكب لا تزول عن مستقرها ومداراتها، وإنما قيل بانفصال شهب من الكواكب تكون رجوماً للشياطين، وليست فضيلة أو كرامة لأحد.
ولأجل كل هذا وغيره، فقد نزه الكثير من علماء القوم مصنفاتهم -رغم احتوائها على الكثير من المآخذ- عن إيراد مثل هذه السفاسف([988]).
بل ذهب بعضهم إلى التهكم بهذه الرواية قائلاً: إن أصغر النجوم هو أكبر من الأرض..فكيف يعقل استيعاب دار علي لنجم لا تستوعبه الأرض بأكملها([989])؟!
ومن الطرائف في قصتنا هذه، تحديد البعض لهذا النجم، فقد ذكر صاحب المناقب أن النجم كان الزهرة، وقيل: الثريا([990]).
ومن الروايات الطريفة في موضوعنا، رواية ذكرها صاحب إرشاد القلوب، عن الباقر قال: اجتمع التسعة المفسدون في الأرض في دار الأقرع بن حابس التميمي وكان يسكنها في ذلك الوقت صهيب الرومي، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأيضاً ابن عوف الزهري، وأبوعبيدة بن الجراح([991])، فقالوا: لقد أكثر محمد في حق علي حباً حتى لو أمكنه أن يقول لنا: اعبدوه لقال، فقال سعد بن أبي وقاص: ليت محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما آتاه الله في نفسه من الآيات مثل انشقاق القمر وغيره، وباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين معلقاً يضيء في سائر المدينة، حتى دخل ضياؤه في البيوت وفي الآثار وفي المغارات وفي المواضع المظلمة من بيوت الناس، فذعر أهل المدينة ذعراً شديداً، وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل ولا هو متعلق، لكن يرونه على بعض منازل رسول الله، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجيج الناس خرج إلى المسجد ونادى في الناس: ما الذي أرعبكم وأخافكم، هذا النجم على دار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي وقالوا فِيَّ وفي أخي علي بن أبي طالب ما قالوا؟
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر مغلساً بها، وأقبل الناس يقولون: ما بقي نجم في السماء، وهذا النجم معلق، فقال لهم رسول الله: هذا حبيبي جبرئيل عليه السلام قد أنزل علي النجم قرآناً تسمعونه، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] الآيات، ثم ارتفع النجم وهم ينظرون إليه والشمس قد بزغت وغاب النجم في السماء، فقال بعض المنافقين: لو شاء لأمر هذه الشمس فنادت باسم علي، وقالت: هذا ربكم فاعبدوه، فهبط جبرئيل عليه السلام وأخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فاستدعى علياً وقال له: يا أبا الحسن، إن قوماً من منافقي أمتي ما قنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم علي وتقول: هذا ربكم فاعبدوه، وأمره أن يخرج إلى بقيع الغرقد في الغد ليخاطب الشمس وتخاطبه، فسمع الناس ما قال رسول الله وسمع التسعة المفسدون في الأرض، فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمداً بأن يظهر في ابن عمه كل آية ولبئس ما قال محمد في هذا اليوم، فقال اثنان منهم، وأقسما بالله جهد أيمانهما -وهما أبو بكر وعمر-: لا بد أن نحضر البقيع حتى ننظر ونسمع ما يكون من علي والشمس، فذكر خروجه ومخاطبته للشمس قائلاً: السلام عليك يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، فقالت: السلام عليك يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد بأنك الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنك عبدالله وأخو رسوله حقاً... والقصة طويلة([992]).
أما الروايات الصحيحة في تفسير هذه الآية فإليك ما يلي:
ذكر الطبرسي أن هناك أقوالاً في قوله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]، منها: أن الله أقسم بالقرآن إذ أنزل نجوماً متفرقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، فسمي القرآن نجماً لتفرقه في النزول.
ومنها: أنه أراد الثريا، أقسم بها إذا سقطت مع الفجر، والعرب تطلق اسم النجمة على الثريا خاصة.
ومنها: أن المراد به جماعة النجوم إذا هوت، أي: سقطت وغابت وخفيت عن الحس وأراد به الخنس.
ومنها: أنه يعني به الرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع([993]).
ويقول الطباطبائي: إن المراد بالنجم هو مطلق الجرم السماوي المضيء، وقد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه.
ومنها: عدة من الأجرام السماوية كالشمس والقمر وسائر السيارات، وعلى هذا فالمراد بهويّ النجم سقوطه للغروب([994]).
ويقول مغنية: المراد بالنجم كل نجم؛ لأن الألف واللام للجنس، وأن معنى هوت النجوم أنها تسقط وتتناثر في الفضاء يوم القيامة بدليل قوله: ((وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)) [الانفطار:2]([995]). وغيرها.
وكلها تدل دلالة واضحة على بُعد ما جاء في الروايات التي في موضوع الباب.
وعلى أي حال، ما كان أغنانا عن كل هذا لو لا أننا لازلنا نرى البعض يسود كتبه بأمثال هذه التخرصات التي لم يحتج بها الأمير نفسه في مواطن الاحتجاج في إثبات إمامته بزعم القوم.
وأخيراً فهذا الاستدلال يسقط الاستدلال السابق -أعني: حديث بدء الدعوة- لأن فيه أن الأمر الأول لم يكن أصلاً.. فتدبر!
 
الدليل الثالث: حديث تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخاتم ونزول قولـه عز وجل:
((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55].
سنذكر أولاً جميع الروايات التي وردت مسندة من طرق القوم في هذا الشأن، ونتكلم في أسانيدها ثم ننظر في متونها:
الرواية الأولى: الصدوق، أخبرني علي بن حاتم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعد [سعيد] الهمداني، قال: حدثنا جعفر بن عبدالله المحمدي، قال: حدثنا كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر في قول الله عز وجل: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55]، قال: إن رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبدالله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن خيامين، وابن صوريا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، إن موسى عليه السلام أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيك يا رسول الله؟ ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا، فقاموا فأتوا المسجد، فإذا سائل خارج، فقال: يا سائل، أما أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم هذا الخاتم، قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي، قال: على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبر أهل المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب وليكم بعدي، قالوا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبعلي بن أبي طالب ولياً، فأنزل الله عز وجل: ((وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ)) [المائدة:56]([996]).
أقول: كثير بن عياش، ضعيف([997]).
أما أبو الجارود زياد بن المنذر، فهو زيدي المذهب، والاختلاف فيه بيّن عند القوم، والأكثر على ذمه، والخوئي بعد أن أورد الروايات الذامة فيه على لسان الباقر والصادق ضعّف بعضها واضطرب في أخرى، وخلص إلى القول بأنه ثقة فقط لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات، وقد شهد ابن قولويه بوثاقة جميع رواتها، ولشهادة علي بن إبراهيم في تفسيره بوثاقة كل من وقع في إسناده([998]).
أما وثاقة كل من وقع في أسانيد كامل الزيارات فقد أوقفناك على بطلان ذلك، وذكرنا استظهار البعض من أن قول ابن قولويه هذا إنما هو محمول على مشايخه الذين صدر بهم أسانيد روايات كتابه، لا كل من ورد في إسناد الروايات، ويكفيك دليلاً على ذلك روايتنا هذه، فعلي بن حاتم من شيوخ ابن قولويه، وهو وإن كان ثقة في نفسه إلا أنه يروي عن الضعفاء كما ذكرنا، وأما القول في وثاقة كل من وقع في أسانيد تفسير القمي فستقف عليه قريباً إن شاء الله.
الرواية الثانية: الصدوق، حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبدالرحمن بن محمد الحسني، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثني أحمد بن التغلبي، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدثني حفص بن منصور العطار، قال: حدثنا أبو سعيد الوراق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال:...وذكر حديثاً طويلاً فيه قول علي بن أبي طالب لأبي بكر رضي الله عنه قال: أنشدك بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك؟ قال: بل لك([999]).
أقول: سند هذه الرواية ظلمات بعضها فوق بعض، وحسبنا قول محقق الكتاب فيه: الظاهر هو -أي: التغلبي- أحمد بن عبدالله بن ميمون التغلبي، قال ابن حجر: ثقة زاهد، وأما بقية رجال السند فمهملون أو مجاهيل([1000])، وهو كما قال.
الرواية الثالثة: الصدوق، حدثنا أحمد بن الحسن القطان، ومحمد بن أحمد السناني، وعلي بن موسى الدقاق، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هاشم المكتب، وعلي بن عبدالله الوراق، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثنا تميم بن بهلول: قال: حدثنا سليمان بن حكيم، عن ثور بن يزيد، عن مكحول قال:...وذكر حديثاً طويلاً جداً في احتجاج الأمير على الصديق رضي الله عنهما، قال فيه: كنت أصلي في المسجد، فجاء سائل فسأل وأنا راكع، فناولته خاتمي من إصبعي، فأنزل الله تبارك وتعالى فِيّ: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] ([1001]).
أقول: سند هذه الرواية كسابقتها، فالسناني([1002])، والوراق، والمكتب، وتميم بن بهلول، وابن زكريا القطان، وثور بن يزيد جميعهم مجهولون([1003])، والبقية تقدمت تراجمهم.
الرواية الرابعة: الكليني، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محمد الهاشمي، عن أبيه، عن أحمد بن عيسى، عن أبي عبدالله في قول الله عز وجل: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55]، قال: إنما يعني أولى بكم، أي: أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم (الله ورسوله والذين آمنوا) يعني: علياً وأولاده الأئمة إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عز وجل، فقال: ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55] وكان أمير المؤمنين في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كساه إياها، وكان النجاشي أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين، فطرح الحلة إليه، وأومأ بيده إليه أن احملها: فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية وصير نعمة أولاده بنعمته، فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدقون وهم راكعون، والسائل الذي سأل أمير المؤمنين من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة([1004]).
أقول: حسب الرواية هذه أن في سندها ضعفاء ومجاهيل، فمعلى بن محمد مضطرب الحديث والمذهب، ويروي عن الضعفاء([1005])، ورغم هذا يقول عنه الخوئي: الظاهر أن الرجل ثقة يعتمد على رواياته، وأما قول النجاشي من اضطرابه في الحديث والمذهب فلا يكون مانعاً من وثاقته، وأما اضطرابه في المذهب فلم يثبت كما ذكره بعضهم، وعلى تقدير الثبوت فهو لا ينافي الوثاقة، وأما اضطرابه في الحديث فمعناه أنه قد يروي ما يعرف، وقد يروي ما ينكر، وهذا أيضاً لا ينافي الوثاقة، وأن روايته عن الضعفاء على ما ذكره ابن الغضائري، فهي على تقدير ثبوتها لا تضر بالعمل بما يرويه عن الثقات، فالظاهر أن الرجل معتمد عليه، والله أعلم.
 
أقول: والظاهر أن الخوئي اضطر إلى كل هذا؛ لأن صاحبنا وقع في أسانيد كتاب كامل الزيارات لابن قولويه، وقد عرفت رأيه في ذلك.
والحسن بن محمد الهاشمي ضعيف([1006])، وأبوه([1007]) وأحمد بن عيسى مجهولان([1008]).
الرواية الخامسة: الطبرسي، حدثنا أبو الحمد مهدي بن نزار الحسني القايني، قال: حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد الشعراني، قال: حدثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني، قال: حدثني المظفر بن الحسين الأنصاري، قال: حدثنا السدي بن علي الوراق، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، قال: بينا عبدالله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله إلا قال الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين وإلا فَصُمَّتَا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي راكعاً، فأومأ بخنصره اليمنى إليه وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) [طه:32]^ فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: ((قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا)) [القصص:35]، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً اشدد به ظهري، قال أبوذر: فوالله ما استتم رسول الله الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال: يا محمد، اقرأ، قال: ما أقرأ؟ قال: اقرأ: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55].([1009])
أقول: آفة هذه الرواية عباية بن ربعي، فهو مجهول عند القوم([1010])، وغالٍ وملحد ومتروك الحديث عند أهل السنة، وابن الربيع مجهول الحال عند القوم وهو من البترية([1011])، والحماني قال فيه الخوئي: إنه لم تثبت وثاقته([1012])، وكذا قال فيه البعض من أهل السنة واتهموه بسرقة الحديث، وبقية السند لم أقف لهم على ترجمة.
الرواية السادسة: القمي، حدثني أبي، عن صفوان، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبدالله بن سلام، إذ نزلت عليه هذه الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فاستقبله سائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، ذاك المصلي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو علي أمير المؤمنين([1013]).
قلت: أما والد القمي إبراهيم بن هاشم رغم كل ما قيل فيه، إلا أنه لم يصرح أحد بوثاقته، حتى قال الحلي في ذلك: لم أقف لأحدٍ من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا تعديل بالتنصيص والروايات عنه كثيرة، والأرجح قبول روايته([1014]).
وقد استمات الخوئي وغيره([1015]) في إثبات وثاقته ضاربين عرض الحائط كل الأمور التي تثبت بها الوثاقة أو الحسن، كنص أحد المعصومين، أو نص أحد الأعلام المتقدمين، أو نص أحد الأعلام المتأخرين، أو دعوى الإجماع من قبل الأقدمين، وغيرها من الأصول التي وضعوها في ذلك، وجاءوا بأمور لا تخلو من إشكال، منها: قول القمي نفسه بصحة كل ما ورد في تفسيره، ومنها: وقوعه في إسناد كامل الزيارات.
ولا شك أن الخوئي وغيره معذورون في ذلك؛ لأن رواياته تبلغ ستة آلاف ومائتين وأربعة عشر مورداً، فعزَّ عليهم إسقاط كل ذلك، ولكن الذي ينبغي أن لا نعذر فيه الخوئي ولا غيره على اجتهادهم في إثبات صحة هذا التفسير، هو تلك المصائب التي ملأ بها القمي تفسيره؛ كالقول بتحريف القرآن([1016])، والطعن في الصحابة، وقذف أمهات المؤمنين بالفاحشة.. وغيرها، والروايات في ذلك كثيرة لا يسعنا ذكر شيء منها لعدم مناسبة المقام لذلك.
ولكن لا بأس من ذكر مثال على هذا الأخير -وهو قذف أمهات المؤمنين بالفاحشة رضي الله عنهن وأرضاهن- روى القمي في تفسير قوله عز وجل: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)) [التحريم:10]، عن أبي الحسن قال: والله ما عنى بقوله: فخانتاهما، إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان([1017]).
ولا شك أنك عرفت من هو فلان، وفي بعض النسخ جاء التصريح باسمه، وهو طلحة([1018]).
ولأمثال هذه الرواية وغيرها طعن بعض المحققين([1019]) من القوم في نسبة التفسير إلى القمي، أو القول أن التفسير ليس للقمي وحده، وإنما هو ملفق مما أملاه القمي على تلميذه أبي الفضل العباس، وما رواه التلميذ بسنده الخاص، عن أبي الجارود، عن الإمام الباقر، وأبوالفضل العباس هذا ليس له ذكر في الأصول الرجالية ولا يعرف من هو، وأبوالجارود مرت ترجمته.
ومن الذين فصلوا القول في هذا الشيخ جعفر السبحاني، حيث خلص إلى القول: بأنه كيف يمكن الاعتماد على ما ذكر في ديباجة الكتاب([1020]) لو ثبت كون الديباجة لعلي بن إبراهيم نفسه؟
وقال: ثم إن الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جداً، خصوصاً مع ما فيه من الشذوذ في المتون([1021]).
ونختم تعليقنا بإيراد هذه الرواية: روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: استأذن على أبي جعفر قوم من أهل النواحي من الشيعة، فأذن لهم فدخلوا، فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة، فأجاب وله عشر سنين.([1022])
فهذه الرواية مردودة عقلاً، وإسنادها مكون من علي بن إبراهيم وأبيه فقط، فواضع الرواية أحدهما لا محالة، وهما من تصدرا إسناد روايتنا السابقة.
الرواية السابعة: العياشي، عن خالد بن يزيد، عن المعمر بن المكي، عن إسحاق بن عبدالله بن محمد بن علي بن الحسن، عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن جده، قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه بذلك، فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه([1023]).
أقول: العياشي نفسه وإن كان ثقة إلا أنه يروي عن الضعفاء كثيراً([1024])، أما تفسيره فجل رواياته محذوفة الأسانيد([1025])، وبقية رجال السند غير معروفين وليس لهم ذكر في كتب الرجال، والحسن بن زيد وردت فيه ذموم كثيرة([1026]).
الرواية الثامنة: فرات، حدثني الحسين بن سعيد معنعناً، عن أبي جعفر قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ذات يوم في مسجد، فمر مسكين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تُصُدِّقَ عليك بشيء؟
قال: نعم، مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه، وأشار بيده فإذا هو علي بن أبي طالب، فنزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو وليكم من بعدي([1027]).
الرواية التاسعة: فرات، حدثني جعفر بن أحمد [محمد] معنعناً، عن عبدالله بن عطاء، عن أبي جعفر: نزلت في علي بن أبي طالب: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] ([1028]).
الرواية العاشرة: فرات، حدثني الحسين بن سعيد معنعناً، عن جعفر: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، نزلت في علي بن أبي طالب([1029]).
الرواية الحادية عشرة: فرات، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن الحسين [الحسن] بن أبي الخطاب، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن سليمان بن طريف، عن محمد بن مسلم، أن سلاماً الجعفي قال لأبي جعفر: يا ابن رسول الله، حدثني عنك خيثمة عن قول الله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب، قال: صدق خيثمة([1030]).
الرواية الثانية عشرة: فرات، حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً، عن أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية قال: أقبل سائل فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل سألت أحداً من أصحابي؟ قال: لا، قال: فأت المسجد فاسألهم ثم عد إليَّ فأخبرني، فأتى المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، قال: فمر بعلي وهو راكع فناوله يده فأخذ خاتمه، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: لا، فأرسل معه فإذا هو علي بن أبي طالب، قال: ونزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] ([1031]).
الرواية الثالثة عشرة: فرات، حدثنا الحسين بن الحكم الحبري، قال: حدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قولـه تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، نزلت في علي بن أبي طالب خاصة([1032]).
الرواية الرابعة عشرة: فرات، حدثني عبيد بن كثير معنعناً، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قولـه تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55]، أتى عبدالله بن سلام ورهط معه من مسلمي أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية ولا متحدث لنا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا لنا العداوة، وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يجالسونا ولا يكلمونا فشق علينا، فبينا هم يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] فتلا عليهم، فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين، وأذن بلال بالصلاة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقاعد، وإذا مسكين يسأل فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: من أعطاك؟ قال: ذاك الرجل القائم، فإذا هو علي بن أبي طالب، قال: أنى أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكع، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر عند ذلك يقول: ((وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ)) [المائدة:56]([1033]).
الرواية الخامسة عشرة: فرات، حدثني أبو علي أحمد بن الحسين الحضرمي معنعناً، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا سائل فدعاه، فقال: من أعطاك من هذا المسجد؟ قال: ما أعطاني إلا هذا الراكع الساجد -يعني: علياً- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعلها فِيَّ وفي أهل بيتي، قال: وكان في خاتم علي الذي أعطاه السائل: سبحان من فخري بأني له عبد([1034]).
الرواية السادسة عشرة: فرات، حدثنا جعفر بن أحمد معنعناً، عن علي، قال: نزلت هذه الآية على نبي الله وهو في بيته: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) [المائدة:55] إلى قولـه: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55]، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد، ثم نادى سائل فسأل، فقال له: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا. إلا ذاك الراكع أعطاني خاتمه يعني: علياً([1035]).
أقول: المرويات السابقة جميعها من تفسير فرات، وقد أوقفناك على قيمته، وحال مؤلفه، هذا فضلاً عن المجاهيل والمهملين فيها، ناهيك عن عنعنتها وانقطاعها.
فالحسين بن سعيد لا أظنه الأهوازي الثقة كما توهم محقق التفسير في ذكر مشايخه، بل المؤكد أنه ليس هو، فالأهوازي يروي عن الرضا وأبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالث، فهو في طبقة إبراهيم بن هاشم.
وفرات من أعلام الغيبة الصغرى، ومن معاصري الكليني صاحب الكافي، فكيف يروي عن الأهوازي وهو لم يدركه؟
وابن عطاء وابن طريف والجعفي والحبري مجاهيل عند القوم([1036]).
وإسماعيل بن إبراهيم والأحمسي والحضرمي لم أقف لهم على ترجمة.
وأبو هاشم لم يرد ذكره في الأصول الرجالية، وقال فيه صاحب المناقب: كان ثقة جليلاً، ولكن ليس في المناقب المطبوع من هذا شيء، كما ذكر الخوئي([1037])، والكلبي متروك الحديث.
وعبيد كذبه كل من ترجم له من الفريقين([1038]).
الرواية السابعة عشرة: الطوسي المفيد، عن علي بن محمد الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن علي، عن العباس بن عبدالله العنبري، عن عبدالرحمن بن الأسود اليشكري، عن عون بن عبيدالله، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو نائم وحية في جانب البيت، فكرهت أن أقتلها فأوقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فظننت أنه يوحى إليه، فاضطجعت بينه وبين الحية، فقلت: إن كان منها سوء كان إلي دونه، فمكثت هنيئة، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [المائدة:55]، حتى أتى على آخر الآية، ثم قال: الحمد لله الذي أتم لعلي نعمته، وهنيئاً له بفضل الله الذي آتاه([1039]).
أقول: أما الكاتب فقد مرَّ الكلام عنه، والزعفراني مهمل([1040])، وكذا حال الثقفي([1041])، والعنبري لم أجد من ترجم له عند القوم، وابن الأسود مجهول الحال أيضاً([1042]).
الرواية الثامنة عشرة: الطوسي، أخبرنا جماعة، عن أبي المفضل قال: حدثنا الحسن بن علي بن زكريا العاصمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيدالله العدلي، قال: حدثنا الربيع بن يسار، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه في حديث طويل قال فيه الأمير رضي الله عنه: هل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع ونزلت فيه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55] غيري؟... الرواية([1043]).
أقول: أبو المفضل مرَّ الكلام عنه، وكذا الأعمش، ولم أجد ترجمة للعاصمي أو العدلي، وكذا ابن يسار.
الرواية التاسعة عشرة: النجاشي، محمد بن جعفر، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن أحمد بن يوسف، عن علي بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن إسماعيل بن محمد بن عبدالله بن علي بن الحسين، عن إسماعيل بن الحكم، عن عبدالله بن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبي رافع قال: وذكر تمام القصة السابقة([1044]).
أقول: أحمد بن يوسف إن كان القصباني فلم يرد فيه توثيق صريح، وإن كان مولى بني تيم الله فمحال أن يرويَ عنه ابن عقدة المولود سنة (249 هـ)، والذي ذكر النجاشي روايته عنه سنة (209هـ)([1045])، وإسماعيل بن محمد وابن الحكم مجهولان([1046]).
الرواية العشرون: محمد بن سليمان الكوفي، قال: أجاز لي أبو أحمد عبدالرحمن بن أحمد الهمداني، قال: حدثني إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا حبان بن علي، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ)) [المائدة:55] فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: من أعطاك؟ قال: ذاك الرجل القائم، قال: على أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، وإذا هو علي بن أبي طالب، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ([1047]).
أقول: الهمداني مجهول، وإبراهيم بن الحسن مشترك بين عدة مجاهيل عند الشيعة.
الرواية الحادية والعشرون: محمد بن سليمان الكوفي [بالسند المتقدم عن عبدالله بن محمد بن إبراهيم] حدثنا عبد ربه بن عبدالله بن عبد ربه العبدي البصري، قال: حدثنا أبو اليسع أيوب بن سليمان الحبطي، قال: حدثنا محمد بن مروان السدي، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس رضي الله عنهما.. فذكر رواية شبيهة بالرواية الرابعة عشرة([1048]).
أقول: حسب السند أن فيه مجاهيل، بل إن الإسناد الذي فيه السدي عن السائب الكلبي معدود في سلاسل الكذب الشهيرة!!
الرواية الثانية والعشرون: محمد بن سليمان الكوفي، قال: حدثنا عبيدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا قيس بن حفص وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا حسين بن حسن، قال: حدثنا أبو مريم، عن المنهال، عن عبيدالله بن محمد بن الحنفية، عن أبيه قال:...فذكر رواية شبيهة بالرواية الثانية عشرة([1049]).
أقول: محمد بن الحنفية نفسه ليس له توثيق خاص في كتب الشيعة، وابنه عبيدالله مجهول، والمنهال بن عمرو ضعيف عند أهل السنة، مجهول عند الشيعة.
الرواية الثالثة والعشرون: الطبري الشيعي قال: حدثني أبو الفرج المعافا، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي، قال: حدثنا القاسم بن هاشم بن يونس النهشلي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، قال: حدثنا معاذ بن مسلم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عامر.. فذكر الرواية الرابعة عشرة([1050]).
أقول: عطاء بن السائب مجهول عند الشيعة، ثقة عند السنة، اختلط في آخر عمره، والقاسم النهشلي مجهول، والحسن بن الحسين مشترك بين كثيرين.
وبعد.. فهذه حال كل الروايات المسندة التي وقفنا عليها من كتب القوم المعتبرة وغير المعتبرة في شأن هذه القصة، وقد رأيت أنه لم يصح منها شيء أصلاً من طرق الشيعة فضلاً عن طرق أهل السنة، رغم كل التهويلات التي استخدمها القوم عند الكلام في هذا الاستدلال من تواتر وصحة القصة في طرق أهل السنة ومن عدم خلو كتبهم منها، ضاربين عرض الحائط بيان الفرق بين الإيعاز وبين التخريج والتحقيق كما ذكرنا، مما يلبس الأمر على القارئ البسيط، مع أن مجرد عزو الحديث إلى كتاب ليس دليلاً على صحته باتفاق المسلمين شيعتهم وسنتهم.
ولا شك أن الروايات في شأن نزول هذه الآية في تصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه بخاتمه في الصلاة قد أوردها الكثير من علماء أهل السنة، إما لبيان ضعفها، أو من باب إيراد كل ما له شأن بنزول الآية دون اشتراط الصحة، أو إيرادها بأسانيدها مبرئين الذمة بذلك، ولكن لم يصح منها شيء.
حتى الأميني الذي كان ديدنه الاستماتة في إثبات أحاديث الإمامة حتى لو كانت واهية، كحديث بدء الدعوة الذي مرَّ بك مثلاً، لم يورد في هذه القصة ولا رواية واحدة مناقشاً فيها سندها؛ لعلمه التام بعدم صحة شيء في ذلك، وإنما اكتفى بإيراد من ذكرها من علماء أهل السنة، موهماً قارئه بأن صحة القصة هذه من المسلمات عندهم، دون أن يبين حقيقة قول الكثير ممن ذكرهم في هذه الروايات في بيان عدم صحة شيء منها، وهذه هي الأمانة التي يتبجح بها ويطالبنا بها.
وعلى أي حال، لا نطيل الكلام في أسانيد روايات هذه القصة، فالمحك أن يدلنا القوم على سند صحيح للقصة من كتب أي من الفريقين، ولننتقل إلى الكلام في متونها.
 
الكلام في متون روايات تصدق علي رضي الله عنه بخاتمه وهو راكع:
من دلائل ضعف هذه القصة والاضطراب البين فيها الاختلاف في رواياتها، ففي روايات: أن نزول هذه الآية إنما كان في بيته صلى الله عليه وسلم.
وفي أخرى: في مجلسه صلى الله عليه وسلم مع اليهود.
وأخرى: في مسجده صلى الله عليه وسلم، بل ذكرت بعض الروايات أن نزولها إنما كان في المسجد الحرام، حيث دخل الأمير رضي الله عنه يوماً إلى الكعبة يصلي، فلما ركع أتاه سائل فتصدق عليه بحلقة خاتمه، فأنزل الله الآية([1051]).
وكذا الاختلاف في المتصدق به، بين خاتم كما في أكثر الروايات، وبين حلة كما في رواية الكافي، ولم يتردد البعض في القول بأن القصة ربما تكررت، فمرة تصدق بخاتم وأخرى بحلة([1052]).
والاختلاف أيضاً في الخاتم، بين كونه من فضة كما في بعض الروايات، وذهب كما في أخرى([1053]).
والاختلاف في نقشه أيضاً، بين الملك لله([1054])، وبين سبحان من فخري بأني له عبد([1055]).
وكذا الاختلاف في الصلاة، بين تطوع الظهر أو فريضته خلف النبي صلى الله عليه وسلم ([1056]).
وكذا دعاء السائل، بين السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين، هكذا ابتداءً، وبين اللهم أشهدك أني سألت في مسجد رسول الله، كما في أكثر الروايات.
والاختلاف في وقت نزول الآية، ففي بعض الروايات: أنها نزلت قبل القصة.
وأخرى: بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم.
والاختلاف في كيفية التصدق بالخاتم، بين نزع علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخاتم بنفسه، وبين نزع السائل له.
وكذا الاختلاف في وقت تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم لقومه، بين إخبارهم فور نزول الآية، وبين إرجاء ذلك إلى يوم الغدير([1057]).
والاختلاف في سؤال السائل، ففي بعض الروايات: أن السائل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم التصدق عليه أولاً.
وفي أخرى: أن السائل سأل أولاً في مسجد النبي ثم مرَّ به صلى الله عليه وسلم، وسؤال النبي له: هل تصدق عليك بشيء؟([1058])
والتضارب في الروايات كثير ونجتزئ بما أوردناه.
ونذكر الآن بعض الردود على هذا الاستدلال:
1) منها: إن دلت هذه الآية على نفي إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، كذلك تدل على سلب الإمامة عن بقية الأئمة الاثني عشر بعين ذلك التقرير، فالدليل يضر الشيعة أكثر من أهل السنة، فهؤلاء لم يؤت أحدهم الزكاة وهو راكع لو كان ذلك شرطاً فيمن يتولى أمر المسلمين.
2) ومنها: أن صيغة الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون صيغة جمع، فكيف يصدق على علي رضي الله عنه وحده، حتى وإن كان ذلك جائزاً في اللغة، وعلى ذلك شواهد من القرآن، ولكن حمله على المفرد دون دليل هو الخلاف، والأميني الذي يبدو أنه لم يجد له مخرجاً أمام ضعف أسانيد هذه الروايات وتهافت الاستدلال بها؛ فقد أسهب في بيان أن في القرآن آيات عدة نزلت بصيغة الجمع وكان المراد بها المفرد([1059])، ولا شك أن ما ذكره صحيح ولكن لا يفيد فيما نحن فيه، حيث إن الأمثلة التي أوردها إنما وردت فيها روايات صحيحة خلاف رواياتنا هذه.
3) ومنها: أن الله تعالى لا يثني على المرء إلا بمحمود، وفعل ذلك في الصلاة ليس بمستحب، ولو كان مستحباً لفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولحض عليه ولكرر علي رضي الله عنه فعله، وإن في الصلاة لشغلاً.
والغريب أن القوم يرون بطلان صلاة أهل السنة بالتكفير [أي: وضع اليمنى على اليسرى في حال القيام]، ويعدون ذلك عملاً يستوجب البطلان([1060])، ولا يعدون عمل الأمير رضي الله عنه من انشغاله بالسائل والاستماع إليه والإشارة إليه ونزع الحلة أو الخاتم من يده وإلقائه إليه.. إلى آخر ما ذكرته الروايات، حركات مبطلة للصلاة، رغم أن ذلك أيضاً يتعارض مع ما ذكره القوم في ذلك عنه وعن الأئمة كما في هذه الأمثلة، فضلاً عن معارضته لقولـه عز وجل: ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ)) [الأنفال:3].
فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى مصلياً يعبث بلحيته، فقال: أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه([1061]).
وذكروا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان إذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل، فقيل له: مالك؟ فقال: جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وأنا في ضعفي فلا أدري أحسن أداء ما حملت أو لا([1062]).
وهو القائل رضي الله عنه كما يروي القوم: طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشتغل قلبه بما تراه عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه([1063]). وهذا في غير الصلاة، فكيف لو كان في الصلاة، وكأن القوم يريدون أن يقولوا: إنه رضي الله عنه من الذين يقولون ما لا يفعلون.
وعن الصادق قال: إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع والإقبال على صلاتك، فإن الله يقول: ((الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)) [المؤمنون:2]([1064]).
وعنه أيضاً قال: إذا استقبلت القبلة فانس الدنيا وما فيها، والخلق وماهم فيه، واستفرغ قلبك عن كل شاغل يشغلك عن الله([1065]).
وقد أورد القوم عن الإمام زين العابدين رحمه الله روايات كثيرة عن صلاته وخشوعه فيها، نذكر منها:
أنه كان قائماً يصلي حتى وقف ابنه الباقر وهو طفل إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر، فسقط فيها فنظرت إليه أمه فصرخت وأقبلت نحو البئر تستغيث وتقول: يا ابن رسول الله، غرق ولدك محمد، وهو لا ينثني عن صلاته وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما طال عليها ذلك قالت حزناً على ولدها: ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله! فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها وكانت لا تنال إلا برشا طويل، فأخرج ابنه محمداً على يديه يناغي ويضحك لم يبتل به ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاك ضعيفة الإيمان بالله، فضحكت لسلامة ولدها وبكت لقولـه: يا ضعيفة اليقين بالله، فقال: لا تثريب عليك اليوم، لو علمت أني كنت بين يدي جبار لو ملت بوجهي عنه لمال بوجهه عني، أفمن يرى راحم بعده([1066]).
وعن الثمالي قال: رأيت علي بن الحسين يصلي فسقط رداؤه عن أحد منكبيه، فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، فسألته عن ذلك؟ فقال: ويحك بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه([1067]).
وعن الصادق قال: كان أبي يقول: كان علي زين العابدين إذا قام إلى الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء إلا ما حركت الريح منه([1068]).
وفي رواية: إن إبليس تمثل لعلي بن الحسين وهو في صلاته في صورة أفعى لها عشرة رؤوس محددة الأنياب منقلبة الأعين، وطلع عليه من الأرض من موضع سجوده، ثم تطاول في قبلته فلم يرعه ذلك، فانخفض إلى الأرض، وقبض على عشر أنامل رجلي علي بن الحسين فجعل يكدمها بأنيابه، فكان لا يكسر طرفه إليه، ولا يحول قدميه عن مقامه([1069]).
وعن الجعفي قال: صلى أبو جعفر ذات يوم فوقع على رأسه شيء فلم ينزعه من رأسه حتى قام إليه جعفر فنزعه من رأسه([1070]).
والروايات في الباب كثيرة جداً، وما أوردناه أقل القليل([1071]).
ولكن انظر كيف توفق بينها وبين فعل علي بن طالب رضي الله عنه من استماعه إلى السائل وانشغاله به؛ حتى لفت نظره إليه من دون بقية المصلين، وفي بعض الروايات أنه كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ([1072])، ولا شك أنه في الصف الأول، ونزع الخاتم من إصبعه وألقاه إليه، أو نزع الحلة كما في الكافي، وهذا أشد، وطرحها إليه و.. و..
والكاظم لما سئل: عن الرجل يكون في الصلاة فيستمع الكلام أو غيره فينصت ليسمعه، ما عليه إن فعل ذلك؟
قال: هو نقص([1073]). فكيف بمن فعل كل ما فعل الأمير رضي الله عنه، وهو القائل بزعم القوم: إن وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل([1074]).
على أي حال، نعود إلى ما كنا فيه من ذكر الردود:
4) ومنها: أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة لم يختص بالركوع، بل يكون في القيام والقعود أولى منه في الركوع، فلو تصدق المتصدق في حال القيام والقعود أما كان يستحق هذه الموالاة.
5) ومنها: أن علياً رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان فقيراً، والزكاة إنما تجب على من ملك النصاب حولاً، وهو لم يكن من هؤلاء، وفقر أهل البيت غير خافٍ.
فقد روى القوم: أن علياً رضي الله عنه قال يوماً لفاطمة رضي الله عنها: يا فاطمة، هل عندك شيء تطعميني؟ قالت: والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح عندي شيء يطعمه بشر، وما كان من شيء أطعمك منذ يومين إلا شيء أؤثرك به على نفسي وعلى الحسن والحسين، قال: أعلى الصبيين ألا أعلمتني فآتيكم بشيء؟ قالت: يا أبا الحسن، إني لأستحيي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر، فخرج فاستقرض ديناراً... الرواية([1075]).
وفي رواية أخرى: دخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة ووجدها صفراء من الجوع، فقال: مالي أرى وجهك أصفر؟ قالت: يا رسول الله، الجوع([1076]).
فلا غرابة إذاً أن يقترض صلى الله عليه وسلم من شدة الفاقة ليؤمن قوت نفسه وعياله، وله في ذلك حكايات رواها القوم، منها:
ما رواه علي رضي الله عنه من أن يهودياً كان له على رسول الله دنانير فتقاضاه، فقال له: يا يهودي، ما عندي ما أعطيك، قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال: إذاً أجلس معك، فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة، والغداة([1077]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله توفي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعاً من شعير، أخذها رزقاً لعياله([1078]).
وعن الصادق: مات رسول الله وعليه دين([1079]).
كل هذا رغم تشدده في أمر الدين حتى ثبت عنه صلى الله عليه وسلم تركه للصلاة على من كان عليه دين حتى لو كان قليلاً، فهذا رجل مات على عهده صلى الله عليه وسلم وعليه ديناران، فأخبر بذلك فأبى أن يصلي عليه([1080]).
ورجل آخر من الأنصار مات وعليه دين فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لا تصلوا على صاحبكم حتى يقضي دينه([1081]).
ورووا أنه جعل الدَّيْن قرين الكفر في الاستعاذة منهما، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أعوذ بالله من الكفر والدين، قيل: يا رسول الله، أيعدل الدين بالكفر؟ فقال: نعم([1082]).
ورووا عن الصادق: قال صلى الله عليه وسلم: الدين راية الله عز وجل في الأرض، فإذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه([1083]).
وعن الباقر: كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله، إلا الدين فإنه لا كفارة له إلا أداؤه([1084]). وغيرها.
فما الذي اضطره صلى الله عليه وسلم إلى التدين وموته وهو عليه، رغم كل ما أورده القوم عنه في ذلك؟ فهل من كانت هذه حالهم تجب عليهم الزكاة؟
وكذا كان حال علي رضي الله عنه إلى وفاته، فيوم أن تزوج الزهراء رضي الله عنها عيرتها نساء قريش بفقره، فجاءت أباها صلى الله عليه وسلم شاكية: إنك زوجتني فقيراً لا مال له.
وفي أخرى: قلن: زوجك رسول الله من عائل لا مال له([1085]).
وهكذا عاش رضي الله عنه، ففي إحدى خطبه قال: والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها([1086]
حتى اضطر أن يبيع متاعه ليوفر ثمن قوت يومه، فعنه رضي الله عنه أنه قال: من يشتري سيفي هذا؟ فوالله لو كان عندي ثمن إزار ما بعته([1087]).
وكان لا يزال رضي الله عنه يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين إلى أن مات مديوناً([1088]).
فعن الباقر قال: قبض علي وعليه دين ثمانمائة ألف درهم([1089]).
وهكذا كان حال أبنائه رضي الله عنهم، فعن الصادق قال: مات الحسن وعليه دين، ومات الحسين وعليه دين([1090]).
بل إن الحسين رضي الله عنه أتعب من جاء بعده، فقد أصيب وعليه دين بضعة وسبعون ألف دينار، فاهتم علي بن الحسين بدين أبيه حتى امتنع من الطعام والشراب والنوم في أكثر أيامه ولياليه([1091]).
ولا نطيل المسألة، ولكن هل ترى على هؤلاء زكاة لمالٍ يبلغ النصاب ويحول عليه الحول، ويفيض عن الحاجة، ويسلم من الدين؟
ونختم هذا برواية وضعها القوم في قصتنا هذه، تبين أن فقر علي رضي الله عنه من المسلمات، مختصرها قول البعض: وأي مال لعلي حتى يؤدي منه الزكاة([1092]
6) ومنها: أن الروايات التي ذكرت أن خاتمه رضي الله عنه كان من ذهب([1093])، خلاف ما ورد في النهي عن ذلك.
فعن الرضا قال: لا تصل في خاتم ذهب([1094]).
وعن الباقر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبع: ذكر منها: التختم بالذهب([1095]).
وعن الصادق قال: قال النبي لعلي: إياك أن تتختم بالذهب([1096]).
وعن علي رضي الله عنه قال: نهاني رسول الله -ولا أقول: نهاكم- عن التختم بالذهب([1097])، فكيف توفق بينها؟
7) ومنها: أن إعطاء الخاتم لا يجزئ في الزكاة عند الإمامية، فهم لا يرون زكاة الحلي، وعلى هذا أيضاً الكثير من فقهاء المسلمين([1098]).
8) ومنها: أن الزكاة تؤدى فور وجوبها ولا ينتظر فيها السؤال.
وعليه لا يمتدح من لم يخرج الزكاة إلا بعد أن تطلب منه، وإنما يمتدح من أخرجها ابتداء فور وجوبها.
9) ومنها: أن هذه الآية بمنزلة قولـه: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)) [البقرة:43]، وهي تحث على صلاة الجماعة؛ لأن المصلي في الجماعة إنما يكون مدركاً للركعة بإدراك ركوعها، بخلاف الذي لم يدرك إلا السجود فإنه قد فاتته الركعة، أما القيام فلا يشترط فيه الإدراك.
10) ومنها: أن الركوع يطلق ويراد به الخضوع، وذلك مثل قوله سبحانه: ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) [آل عمران:43] فالمراد بالركوع الخضوع، إذ إن المرأة لا يطلب منها صلاة الجماعة، فالمراد بقوله: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55] أي: خاضعون لله، وليس المراد أنهم يؤتون الزكاة حال الركوع، فتأمل!
11) ومنها: أن هذه الآيات إنما نزلت في النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين، وأن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبر، وهو قولـه تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:51-55].
فالآيات واضحة كل الوضوح أنها في النهي عن موالاة اليهود والنصارى، وقد وصف الله الذين في قلوبهم مرض بأنهم يوالون الكفار والمنافقين والمرتدين، وبيَّن أنهم لن يضروا الله شيئاً، ثم وصف المؤمنين بما وصفهم به، فهذا السياق العام يوجب لمن قرأه علماً يقينياً لا يمكنه دفعه عن نفسه، وهو أن الآية عامة في كل المؤمنين المتصفين بهذه الصفات لا تختص بواحد بعينه، وهل هؤلاء يرون -أيضاً- أن الولاية عند أهل الكتاب تكون بالمعنى نفسه [الوصاية] فتفسر بها على ذلك في هذه الآيات؟ أي: أن بعضهم وصي على بعض؟ كيف يكون ذلك؟
نعوذ بالله من صدأ الأذهان، ورين البهتان، والضلال بعد الإيمان.
12) ومنها: أن غاية ما في الآية أن المؤمنين عليهم موالاة الله ورسوله والمؤمنين، فيوالون علياً، ولا ريب أن موالاة علي واجبة على كل مؤمن، كما يجب على كل مؤمن موالاة أمثاله من المؤمنين.
قال تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)) [التحريم:4] فبيَّن الله أن كل صالح من المؤمنين مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الله مولاه وجبرئيل مولاه لا أن يكون صالح المؤمنين متولياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا متصرفاً فيه.
قال تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [التوبة:71] ([1099]) فجعل كل مؤمن ولياً لكل مؤمن، وذلك لا يوجب أن يكون أميراً عليه معصوماً لا يتولى عليه إلا هو، فكل مؤمن تقي فهو ولي لله والله وليه، كما قال تعالى: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)) [البقرة:257]، وقال: ((وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)) [الأحزاب:6].
فهذه النصوص كلها ثبتت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأن هذا ولي هذا، وهذا ولي هذا، وأنهم أولياء الله، وأن الله وملائكته والمؤمنين أولياء رسوله، كما أن الله ورسوله والملائكة أولياء المؤمنين، وليس في شيء من هذه النصوص أن من كان ولياً للآخر كان أميراً عليه دون غيره وأنه يتصرف فيه دون الناس.
13) ومنها: أن الفرق بين الوَلاية [بالفتح]، والوِلاية [بالكسر] معروف، فالوَلاية [بالفتح] ضد العداوة وهي المذكورة في الآية، وليست هي الوِلاية [بالكسر] التي هي الإمارة(