آخر تحديث للموقع :

الأثنين 10 ربيع الأول 1442هـ الموافق:26 أكتوبر 2020م 10:10:42 بتوقيت مكة

جديد الموقع..

إبراهيم الجعفري.. فقيه بجبّة إيرانية وربطة عنق أميركية!

تاريخ الإضافة 2012/11/28م

حين عاد زعيم حزب الدعوة الإسلامية إبراهيم الجعفري إلى العراق في نهاية شهر أبريل 2003 بعد 3 أسابيع من انهيار نظام صدام حسين الذي كان قد أرغمه على المنفى طيلة عشرين عاما، كان أول تصريح نُقل عنه قوله: "إن العراق تغيّر كثيرا.. وأنا أيضا تغيّرت بنفس القدر"!

كان واضحا في حينه أن أوضاع العراق تبدّلت جذريا. ولكن ما لم يكن ظاهرا للعيان آنذاك شخصية الجعفري، كانت بالفعل تتجه نحو تسجيل تغيير على نفس القدر من الراديكالية، بما خوّله لأن يصبح أول رئيس لمجلس الحكم الانتقالي العراقي، في نهاية شهر يوليو 2003 رغم أنه كان حتى اللحظة الأخيرة شديد التحفظ على مبدأ التعامل مع الاحتلال الأمريكي، حيث كان الوحيد الذي رفض المشاركة في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عُقد تحت إشراف الإدارة الأمريكية بلندن، في نهاية شهر ديسمبر 2002 تحضيرا لشن الحرب وإطاحة نظام صدام حسين.

وبعد الإطاحة، جدّد نفس الموقف الرافض، واعتذر عن المشاركة في اجتماع الأحزاب المعارضة العراقية الذي عقدته سلطات الاحتلال الأمريكية في الناصرية، بتاريخ 16 أبريل 2003 بعد أسبوع من سقوط صدام، في محاولة لترتيب الأوضاع العراقية، تمهيداً للإعلان الرسمي عن "نهاية الحرب" من قبل القوات الأمريكية، بعد ذلك التاريخ بأسبوعين.

رغم انقلاب الجعفري بشكل جذري من مواقع المقاطع والرافض للوجود الأمريكي إلى رئاسة أول مجلس حكم تم إنشاؤه في ظل الاحتلال، إلا أن البعض انتقصوا من أهمية ذلك الحدث، من منطلق أن تعيين الجعفري كأول رئيس لمجلس الحكم الانتقالي جاء بمحض المصادفة، لأن رئاسة المجلس تقرّر تداولها دوريا بين مختلف  زعماء الأحزاب السياسية العراقية، وفقا للتسلسل الأبجدي لأسمائهم، فحلّ الجعفري في المنزلة الأولى لأن اسمه يبدأ بحرف "الألف"!

الطريق مفتوح

لكن تطورات الأحداث لاحقا برهنت أن السياسة لا تعرف شيئا اسمه المصادفة، بل شيء فيها مدروس بدقة ومخطط له سلفا فبعد حلّ مجلس الحكم الانتقالي، في يونيو 2004 والاستعاضة عنه بالرئاسة والحكومة المؤقتتين، أحدث إبراهيم الجعفري المفاجأة مجددا، حين أسند له منصب نائب رئيس الجمهورية. وعلى إثر الانتصار الذي حققته لائحة "الائتلاف" التي تزعمها في انتخابات يناير الماضي، حيث أحرزت 140 مقعداً نيابيا من مجموع 275، أصبح الطريق مفتوحا أمامه لتولي رئاسة أول حكومة عراقية منتخبة في عهد ما بعد صدام حسين.

وبذلك استكمل إبراهيم الجعفري التحوّل الجذري في شخصيته، كما وعد أو تنبأ به غداة عودته إلى العراق، فأصبح حالياً الحليف الرئيسي للسلطات الأمريكية في بلاده، بعد أن كان ضمن أبرز معارضيها في بداية الاحتلال.

الذين يعرفون جيدا المسار السياسي الذي سلكه الجعفري منذ انتمائه إلى حركة "الدعوة الإسلامية" الشيعية، في منتصف الستينات، يدركون أثر حجم هذا التحوّل ومدى غرابته. فهو لم يكن مجرد معارض أو متحفظ فقط على مسألة التعامل مع الإدارة الأمريكية على الصعيد السياسي، بل كان اسمه مدرجا طيلة عقد الثمانينات على اللوائح الأمريكية للمنظمات والشخصيات الإرهابية!

كيف تحوّل الجعفري في أعين الإدارة الأمريكية من "عدو إرهابي" إلى حليف استراتيجي في عراق ما بعد الاحتلال؟ وما سر الانقلاب الغريب في مساره وشخصيته، من النقيض إلى النقيض؟

للوقوف على ذلك، لا بد من استرجاع تسلسل الأحداث منذ بداياته السياسية الأولى كناشط إسلامي معارض، ورصد مختلف المحطات التي مر بها مساره، والمكانة التي يحظى بها لدى الطائفة الشيعية العراقية بحكم دوره ضمن حركة "الدعوة" وأيضاً بفضل أصوله العائلية المرموقة. فهو يتحدر من بيت شيعي عريق هم "آل الأشيقر" الذين يمتد نسبهم إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم، سابع الأئمة الشيعة التاريخيين. ومن أبرز أعيان هذه العائلة في العصر الحديث، الإمام مهدي علي باقر الأشيقر الذي قاد تمردا شيعياً شهيرا ضد الحكم العثماني سنة 1876 عُرف بـ "ثورة الأشيقر".

رغم اشتهار رئيس الحكومة العراقية الجديد بلقب إبراهيم الجعفري، إلى أن اسمه الأصلي الكامل إبراهيم عبد الكريم حمزة الأشيقر. خلال فترة نشاطه السري في صفوف حركة "الدعوة" في النصف الثاني من السبعينات، اختار لنفسه اسما حركيا هو "أبو احمد الجعفري". وبعد انتقاله إلى المنفى في بداية الثمانينات، اختار لقبا جديدا مزج فيه بين اسمه الأصلي والحركي، فأصبح يعرف بإبراهيم الجعفري.

وهو من مواليد مدينة كربلاء، عام 1947. تربى في مسقط رأسه حتى سن التاسعة عشرة، حيث تشبع بالفكر الديني الشيعي. ويذكر رفاقه في الدراسة أنه كان مولعا أيضاً بالآداب، وكان ينظم الشعر في شبابه. وكان أكبر منعطف في حياته السياسية سنة 1966، حين تعرَف إلى القيادي الشيعي الكبير صالح الأديب، الذي كان من أبرز الرموز الدينية في كربلاء آنذاك. وهو أحد المؤسسين الثمانية لحركة "الدعوة الإسلامية"، التي تعد أقدم حزب شيعي تم إنشاؤه في العراق، سنة 1957.

الهروب إلى إيران

اقتراب إبراهيم الجعفري من صالح الأديب وتأثره بشخصيته في شبابه بكربلاء، مهّد لانخراطه رسميا في حركة "الدعوة" حين التحق بجامعة الموصل لدراسة الطب، حيث كان ينشط سرا طيلة فترة دراسته ضمن التنظيم الطلابي للحركة، تحت إشراف القيادي عبد الصاحب الدخيل. وبعد تخرجه بدكتوراه في الطب، سنة 1974، تدرج الجعفري بسرعة في المناصب القيادية ضمن حركة "الدعوة" وخاصة بعد الفراغ التنظيمي الذي تركته حملات الإعدام التي تعرض لها الجيل الأول من كوادر الحركة على يد النظام البعثي، خلال النصف الثاني من السبعينات، حيث تمت تصفية كل قيادات الحركة التي نجحت أجهزة المخابرات في تصيّدها وكشفها، ومن بينها الأب الروحي للجعفري، صالح الأديب، ومسؤوله التنظيمي في الجامعة، عبد الصاحب الدخيل، وكوادر أخرى كثيرة من أبرزها عارف البصري ونوري طعمة، وغيرهم.

بلغت تلك الملاحقات أوجها في شهر مارس 1980، حين أصدر صدام حسين قرارا رئاسيا يأمر بإعدام كل من ينتمي أو يتعاطف مع حركة "الدعوة" أو يروّج لأفكارها. وكان ذلك مقدمة لتصفيات ومذابح طالت أبرز رموز الشيعة العراقيين، بمن فيهم الإمام الأكبر محمد باقر الصدر.

تمكن الجعفري من الفرار إلى إيران، للإفلات من المطاردة البعثية، واستقر بمدينة قم حيث أبرز المراجع الشيعية الإيرانية. ارتبط هناك بعلاقات وثيقة مع العديد من رموز نظام الملالي الخميني، وبالأخص المرشد الأعلى للنظام حاليا علي خامنئي. وكان ذلك مقدمة لانتهاج خط أكثر راديكالية من قبل حركة "الدعوة"، بعد أن أصبح الجعفري يديرها من منفاه في "قم" ،فمع نشوب الحرب الإيرانية العراقية، أصبحت "الدعوة" تتبنى أسلوب العمل الإرهابي المسلح، وصارت إحدى القنوات المستخدمة من قبل النظام الإيراني ضمن خطته لـ "تصدير الثورة".

الهروب إلى لندن

من أشهر عمليات "الدعوة" في تلك الفترة تفجير مقر السفارة العراقية في بيروت، سنة 1981، ومقري السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت، سنة 1983، انتقاما من هاتين الدولتين بسبب دعمهما العسكري لنظام صدام حسين في الحرب ضد إيران. أما في داخل العراق فقد ذكر الأخ غير الشقيق لصدام حسين، برزان التكريتي، في كتابه "محاولات اغتيال الرئيس صدام حسين" أن حركة "الدعوة" دبّرت خمس محاولات فاشلة لاغتيال الرئيس العراقي السابق، خلال فترة تولي برزان منصب مدير الاستخبارات العامة العراقية في الثمانينات. وقبلها كانت "الدعوة" قد حاولت أيضاً اغتيال وزير الخارجية طارق عزيز، سنة 1979.

تلك النشاطات الإرهابية أدت إلى إدراج حركة "الدعوة" وزعيمها الجعفري في لوائح الإرهاب الأمريكية، طيلة عقد الثمانينات. لكن الاهتمام الإيراني بالحركة بدأ يتراجع بعد نهاية الحرب ضد العراق، وبداية ظهور التيار الإصلاحي الخاتمي الذي بدأ يقوّض نفوذ التيار الأرثوذكسي المؤيد لنظرية "تصدير الثورة". الشيء الذي دفع بالجعفري إلى مغادرة إيران في أواخر العام 1989، ليستقر في العاصمة البريطانية لندن برفقة زوجته، وهي طبيبة أمراض نسوية مع أبنائه الخمسة.

سقوط اللاءات

بالرغم من راديكالية مواقفه المعارضة لنظام صدام حسين، إلا أن الجعفري سلك خطا مغايرا لبقية تشكيلات المعارضة العراقية في الخارج، حيث كان الوحيد الذي رفض- في العلن على الأقل- الارتماء في أحضان الوصاية الأمريكية، فقاطع مؤتمرات واجتماعات المعارضة العراقية التي نظمت برعاية واشنطن في ديسمبر 2002 بلندن، ثم في مارس 2003 بأنقرة، وأخيرا في منتصف أبريل 2003 بالناصرية، بعد إطاحة صدام حسين. إلا أن تلك اللاءات جميعا سقطت فجأة، حين قرر الجعفري العودة إلى العراق بعد ثلاثة أسابيع من بدء الاحتلال، مشهرا شعاره الجديد: إن العراق تغيّر كثيرا، وأنا أيضاً تغيرت...

ويعتقد خبراء الشأن الشيعي العراقي أن المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني هو الذي كان مهندس ذلك التحول في موقف الجعفري من رفض التعامل مع الاحتلال الأمريكي إلى التعاطي مع هذا الاحتلال بشكل براغماتي بعد أن أصبح بمثابة الأمر الواقع.

تربط الجعفري بالسيستاني علاقة قرابة عن طريق المصاهرة، لكن هذه القرابة لا تكفي وحدها لتفسير اختيار الجعفري دونا عن غيره، ليكون حصان الرهان الذي يعوّل عليه آية الله العظمى، والأرجح أن خيار الجعفري لم يكن ليبرز ويكتسب دوره المركزي الحالي بالنسبة للطائفة الشيعية في العراق لولا حادثة اغتيال آية الله محمد باقر الحكيم، في أغسطس 2003 حيث خشي السيستاني وهو الحريص دوما على البقاء في الظل منذ نصف قرن أن تخلو الساحة الشيعية لمتطرفي حركة "جيش المهدي" بزعامة مقتدى الصدر. لذا سعى للزج بالجعفري في المعترك السياسي كصوت سياسي مغاير يتوخى البراغماتية والاعتدال، لتحييد ومواجهة الانعكاسات السلبية التي يمكن أن تنجر على الطائفة الشيعية وعلى مكانتها السياسية بسبب ما كان يقوم به أنصار مقتدى الصدر من نشاطات مسلحة معادية للاحتلال الأمريكي.

مع تصاعد واتساع رقعة المقاومة المسلحة ذات المرجعية السنية في العراق، أدرك آية الله السيستاني أن أمام الطائفة الشيعية، التي تحظى بالأغلبية العددية بين سكان العراق [1]، ورقة ضغط أقوى من أية قنابل أو تفجيرات. ففي ظل مقاطعة الانتخابات من قبل غالبية السنة، سواء بشكل طوعي أو بفعل تهديدات المتطرفين، فإن كل المفاتيح تجمعت بيد الشيعة لإنجاح أو إسقاط الامتحان الانتخابي. علما بأن هذا الامتحان يشكل معطى استراتيجيا بالغ الأهمية بالنسبة للإدارة الأمريكية التي تريد أن تجعل من نجاح الانتخابات مكسبا ديموقراطيا يمحو من الأذهان نهائيا الجدل المتعلق بالأكاذيب التي اتخذت كحجج لشن الحرب واحتلال العراق.

سار الجعفري على الخط المرسوم له من قبل آية الله العظمى، ولعب الدور المطلوب منه كجسر تواصل لإقامة تحالف ضمني وغير معلن بين المرجعية الشيعية العليا وبين الإدارة الأمريكية. وتمثل ذلك في الإلقاء بكل الثقل الشيعي في المعترك لإنجاح التحدي الانتخابي، عبر إصدار توجيه لآية الله العظمى يعتبر المشاركة في الاقتراع بمثابة "واجب شرعي" وأما المقابل من الطرف الآخر، فيمثل في تعاطي الإدارة الأمريكية إيجابيا مع المعطى الجيوسياسي المستجد، الذي لم يكن ليخطر في ذهن أحد، قبل عامين، عندما تم التخطيط لشن الحرب ضد العراق، والمتمثل في تحوّل الشيعة إلى أبرز حليف استراتيجي للوجود الأمريكي في العراق.

بالطبع، لم يكن قيام مثل هذا التحالف الشيعي الأمريكي بالأمر السهل، بل تطلب سلسلة طويلة من التنازلات والمجاملات والإغراءات من الجانبين. فالجميع يذكر كيف خابت تلك التنظيرات الأمريكية التي كانت تتوقع عشية الشروع بشن الحرب ضد العراق بأن سكان هذا البلد، خاصة في الأقاليم الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، سيستقبلون الجنود الأمريكان بالورود، بسبب ما عانوه من ويلات في ظل النظام البعثي. لكن عمليات المقاومة العراقية خلال الأشهر الستة الأولى من الاحتلال أثبتت العكس بأن الجماعات الشيعية كانت الأكثر شراسة في محاربة الاحتلال [2]، إلى أن دخلت التنظيمات الجهادية العالمية المرتبطة بـ "القاعدة" على الخط، فرجحت كفة العنف لصالح الجماعات السنية،عبر تدعيم صفوفها بكوادر وخبرات قتالية من مختلف الجنسيات.

ويجمع المحللون بأن التفجيرين الضخمين اللذين استهدفا مقر الأمم المتحدة والسفارة الأردنية ببغداد، في أغسطس 2003 شكلا منعطف رجحان الكفة للجماعات السنية في ساحة العنف العراقية. لكن جذوة العنف الشيعي لم تنطفئ تماما سوى في ربيع السنة الموالية. ولقد لعب إبراهيم الجعفري دوراً بارزاً في تحقيق ذلك، لا بوصفه بديلا شيعياً معتدلاً من الطبيعي أن يؤدي بروزه إلى إضعاف حجة المتطرّفين من أبناء طائفته وحسب، بل كان له دور آخر أهم أداه من وراء الكواليس. فالخبراء في الشأن الشيعي يقولون بوجود صلة سرية بين قبول مقاتلي "جيش المهدي" من أنصار مقتدى الصدر بالتهدئة وطرح خيار السلاح جانبا- ولو إلى حين- وبين زيارة سرية قام بها إبراهيم الجعفري، في مطلع أبريل 2004 إلى مقر منفاه الأول في "قم" الإيرانية.

وبالرغم من أن تلك الزيارة اندرجت في الظاهر ضمن زيارات دورية تعوّد الجعفري القيام بها إلى تلك المدينة لقضاء أيام معدودة برفقة زوجته وأبنائه الذين قرروا التريث وعدم استعجال العودة إلى العراق في ظل التوتر الأمني الحالي، وما زالوا يعيشون متنقلين، كسابق عهدهم، بين لندن وقم، إلا أن العارفين بخفايا الأمور رصدوا لقاء سريا بين الجعفري وصديقه القديم علي خامنئي، لالتماس تدخل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، بوصفه مرجعا مسموع الكلمة لدى الشباب الشيعة، لضبط العنف ولجم حماس أنصار مقتدى الصدر. وكذلك كان..

تلك الوساطة كان لها وقع حاسم في إقناع الأمريكيين بأنهم وجدوا في الجعفري حليفاً من المصاف الأول. مما يفسر التصريحات المتعددة التي وردت على لسان أبرز المسؤولين الأمريكيين، من دونالد رامسفيلد إلى كوندوليزا رايس إلى الرئيس بوش ذاته، وكلها تشيد بالجعفري بوصفه سياسياً "عملياً" و "معتدلاً" و "جاداً"

وقد بادل الجعفري تلك المجاملات الأمريكية بجملة من الإغراءات والتنازلات السياسية والمذهبية الهادفة لطمأنة المترددين في الإدارة الأمريكية بأن التحالف معه ليس ضربا من اللعب بالنار أو التحالف مع الشيطان. وترجم ذلك أساسا من خلال الـ U-TURN، أو الاستدارة الكاملة في مواقف الجعفري الفكرية، خاصة المتعلق منها بتأييد مبدأ "ولاية الفقيه"، الذي يشكل حجر الأساس في المذهب الجعفري الاثنى عشري الذي ينتسب إليه.

غداة توليه رئاسة المجلس الانتقالي العراقي، في يوليو 2003 صرّح الجعفري بأنه وإن كان يطالب بأن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد، لكنه قال إنه لا يؤيد فكرة ولاية الفقيه على الصعيد العراقي، لأن الوضع يختلف عن إيران بسبب تركيبة المجتمع العراقي المغايرة والمتعددة عرقياً ومذهبياً.

وكان من المستغرب أن يتنكر الجعفري لمبدأ ولاية الفقيه، وهو الذي تخلى عن لقب عائلته -على عراقته- واختار أن يحمل لقب "الجعفري" بالذات، للتأكيد على تمسكه بمذهب الاثنى عشري!

وحين أصبح نائبا لرئيس الجمهورية في ظل الحكومة المؤقتة، في يونيو 2004، خطا الجعفري خطوة إضافية على درب هذه التنازلات المتدرجة، حيث لعب دور الوساطة في إقناع العناصر الإسلامية في تلك الحكومة بالتخلي -تحت الضغط الأمريكي- عن اعتماد الشريعة مصدراً وحيداً للتشريع عند صياغة الدستور العراقي المؤقت، وكذا سحب قانون أحوال المرأة الذي تم إعداده وفقا لأحكام الشريعة.

عشية تشكيل حكومته الحالية، جدد الجعفري هذا الموقف المتفتح، حيث قال في حوار للشقيقة "الشرق الأوسط" ردا على سؤال حول مصادر التشريع التي سيتم اعتمادها في الدستور النهائي للعراق، الذي ستتولى حكومته الإشراف على صياغته قبل 15 أغسطس المقبل، ليطرح للمصادقة عليه عن طريق الاستفتاء الشعبي قبل منتصف شهر أكتوبر،: "نحن نريد أن ننفتح على الخارج وفق دستور يضم كافة القيم والمبادئ المشتركة لدى شعوب العالم من أجل صناعة عراق جديد يسوده العدل والحرية واحترام عقائد العراقيين.

تحفظات وتحديات

ويتطلع المتتبعون للشأن العراقي الآن لمعرفة إلى أي مدى سيلتزم الجعفري فعليا بهذه الأفكار بعد اعتلائه كرسي رئاسة الحكومة،وبعد أن أصبح رجل البلاد القوي، حيث يحظى "الائتلاف" الموالي له بأغلبية مقاعد البرلمان. وستشكل معركة صياغة الدستور أحد امتحانين بارزين ستواجههما حكومته في الأسابيع المقبلة، إلى جانب تحدي ضبط الأمن.

وسيتوقف إنجاح هذين التحديين على مدى قدرة الجعفري على السمو بأداء حكومته عن الرؤى الحزبية والعرقية والمذهبية الضيقة. وهو أمر ليس سهل المنال بالنسبة إلى تشكيلة توفيقية متعددة الانتماءات والولاءات.

لذا، لا تقتصر التحفظات والرؤى المتشائمة التي تتوقع فشل هذه الحكومة فقط في خصوم الجعفري الذين يرون فيه أصوليا متطرفا يتخفى بلبوس الاعتدال لاعتبارات تكتيكية، ويحذرون بأن ربطة العنق الأمريكية التي يرتديها الآن لا تعدو أن تكون "تقية" يستعملها لإخفاء جبّة الفقيه المفصلة له من إيران.

العديد من المراقبين المحايدين يتقاسمون بدورهم هذه التوقعات المتشائمة، ولكن لأسباب أخرى مناقضة تماماً، حيث يعتبرون أن الجعفري شخصية زئبقية ورخوة غير مؤهلة للإمساك بالوضع الأمني والسياسي العراقي المنفلت. وفي هذا الصدد تقول روز ماري هوليس، مديرة أبحاث الشرق الأوسط بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، التي تعرف بشكل وثيق مختلف الفرقاء العراقيين الحاليين، بحكم إقامتهم مطولا في لندن، بأن الجعفري ليس الرجل المناسب لمعالجة الوضع الحالي في العراق، وتبرر رأيها هذا قائلة: مشكلة الجعفري أنه ليس شريراً بما فيه الكفاية؟!

_________________________________

المجلة (العدد  1317)

 8 / 5/ 2005

[1] -نبهنا عدة مرات إلى عدم صحة أن الشيعة يشكلون الأكثرية أو الأغلبية في العراق ،لكن تلك الأكذوبة للأسف صارت في نظر الكثيرين حقيقة مسلما بها. انظر فاتحة القول في هذا العدد من الراصد.

[2] - لا يخفى على القارئ الكريم ما يحتويه هذا الكلام من مبالغة حول دور الشيعة في مقاومة الاحتلال في العراق.

موقع فيصل نور

عدد مرات القراءة:
503
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :