آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الخلاف (الشيعي - الشيعي) في شأن مهديهم المنتظر ..
الكاتب : أحمد الكاتب ..
تطور الفكر السياسي الشيعي

رسالة من أحمد الكاتب إلى السيد محمد الشيرازي حول المهدي وصلاة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة المرجع الديني الكبير الامام السيد محمد الشيرازي دام ظله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأبقاكم لنصرة دينه الحنيف
سيدي الكريم
لا شك أنكم تدركون أهمية موضوع التاريخ ، والتاريخ الاسلامي الشيعي بالذات ، وتشكيله جزءا من عقيدتنا حول أهل البيت (ع) وان هذه العقيدة التاريخية وما تحمله من نظرة الى أئمة أهل البيت تشكل مقدمة او قاعدة أساسية للفقه ، وان الاجتهاد في الفقه لا يمكن ان يتم بصورة صحيحة الا بعد الاجتهاد في العقيدة التاريخ وخاصة فيما يتعلق بنظرية الامامة الالهية لأهل البيت ووجود او عدم وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري).
وكما تعرفون فقد تربينا على أيديكم منذ الصغر وآمنا بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري ، وقد قمنا منذ  عدة سنوات بقراءة التاريخ الشيعي وأحاديث أهل البيت (ع) بدقة ووجدنا نوعا من الخلط بين تراثهم العظيم وبين أفكار الفلاسفة والمتكلمين والغلاة الذين كانوا يدعون تأييد الأئمة لهم أو  ينسبون أقوالهم الباطلة إليهم (عليهم السلام) من خلال اصطناع الأحاديث الكاذبة ووضعها على لسانهم.
وبالرغم من سهولة التمييز بين أحاديث أهل البيت (ع) وبين الأحاديث الموضوعة المنسوبة إليهم كذبا ، وذلك من خلال عرضها على القرآن الكريم وعلى الأحاديث الصحيحة الثابتة ، والتأكد منها من خلال دراسة سندها ومعرفة رجالها وامكانية التعرف على الكذابين والوضاعين والغلاة وإسقاط رواياتهم.. وكذلك من خلال المقارنة التاريخية. بالرغم من  ذلك فانه مع الأسف الشديد غلب التقليد على بعض علمائنا الذين تأثروا بالمتكلمين وآمنوا بأفكارهم الباطلة ، فاستساغوا الروايات الضعيفة الكاذبة ولم يأبهوا لضعف سندها وانحراف رواتها ، ولم يتعبوا أنفسهم كثيرا في دراسة تلك الروايات من جوانبها المختلفة تحت حجة انها ضرورية وبديهية ومسلمة، كما أغمضوا أعينهم عن قراءة التاريخ ، وراحوا يشيحون بوجوههم عن الحقائق البارزة ويحاولون إنكارها او تأويلها او إهمالها.. وراحوا يصرون على التشبث بنظرياتهم الفلسفية البعيدة عن أهل البيت.
ودأب بعض العلماء المجتهدين في الفقه والأصول والمقلدين في موضوع العقيدة والتاريخ على ادعاء" الاجتهاد المطلق" ومعرفة أسرار الدين ، فضلوا وأضلوا .
وكانت ثقتي بكم – ولا تزال -  كبيرة في ان تولوا التاريخ الشيعي العقائدي أهمية كبرى في مسيرتكم الاجتهادية وتقوموا بدراسة الروايات وتصفيتها من  الدخيلة والضعيفة والموضوعة ، ثم تقارنوا بين الأحداث التاريخية وتفسروها تفسيرا علميا صحيحا ، بلا تأويل تعسفي ولا إنكار أولي..
واعتقد ان المشكلة الكبرى التي تحول دون التوصل الى اجتهاد سليم واستنتاجات دقيقة هو التشبث بالنظرية التقليدية الموروثة منذ تكون الفرقة الاثني عشرية في القرن الرابع الهجري ، والتصديق بالأحاديث التي وضعت ذلك الحين على لسان الرسول الأعظم والأئمة من أهل البيت في أن الأئمة اثنا عشر وهم فلان وفلان ، كما ورد مثلا في: ( سليم بن قيس الهلالي) الموضوع ، الذي ظهر في ذلك العصر.. ولو قمنا أولا بدراسة أحاديث " الاثني عشرية" وتحققنا منها  واحدا واحدا ، وهي تبلغ حوالي مائتي رواية  ، ذكرها الخزاز في (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر ) لوجدنا انها جميعا روايات ضعيفة ومكذوبة ولم يكن لها أثر قبل ذلك الحين ،   ولأدركنا عدم صحة ذكر النبي للأئمة القادمين من بعده بأسمائهم وصفاتهم واحدا بعد الآخر ..
ولو راجعنا كتب الكلام الشيعية المؤلفة في القرنين الثاني والثالث الهجريين لوجدنا انها لم تكن تعرف نظرية تحديد الامامة في اثني عشر اماما فقط ، بل كانت تعتقد باستمرار الامامة الى يوم القيامة ،وكذلك لو راجعنا الروايات الكثيرة السابقة المروية عن الشيعة الامامية في القرون الثلاثة الأولى لوجدنا انها ايضا تؤكد استمرار الامامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب الى يوم القيامة ، و هذا ما يتنافى مع تحديدهم من  قبل في اثني عشر واحدا فقط..
وان ما يؤكد هذه الحقيقة: ( حقيقة عدم تحديد أسماء الأئمة من قبل ) وتكوين النظرية الاثني عشرية في القرن الرابع ، هو عدم معرفة الأئمة بالضبط لأسماء خلفائهم ، كما حدث مع الامام الصادق (ع) الذي أوصى في البداية الى ابنه إسماعيل ، ثم أحجم عن الوصية بالإمامة الى أي أحد من أولاده وترك الأمر  غامضا ولحين الوفاة ، مما أدى الى تفرق الشيعة الامامية وقول معظمهم – ما عدا الإسماعيلية  والناووسية – بإمامة ابنه الأكبر عبد الله الأفطح ، وربما لو كان يكتب لعبد الله الحياة الطويلة من بعد الصادق او كان له أولاد ، لسارت النظرية الامامية في أعقابه وأعقاب أعقابه الى يوم القيامة بعيدا عن الامام موسى بن جعفر ، كما سارت في إسماعيل وابنائه .
وقد أدى عدم معرفة الأئمة لخلفائهم من قبل  ، الى ظهور نظرية (البداء) – حتى على حسب التفسير القائل : بالظهور من الله – وذلك لتفسير ظاهرة الوصية لرجل ثم العدول عنه بعد موته ، وقد تكررت الظاهرة مع الامام الهادي (ع) الذي أوصى الى ابنه السيد محمد ، ثم عدل عنه الى ابنه الحسن العسكري ، بعد وفاة أخيه مبكر ، ولو كان ثمة قائمة مسبقة بأسماء الأئمة  معروفة من قبل ومنذ أيام الرسول  الأعظم (ص) لصعب جدا على أبناء الأئمة وإخوانهم ادعاء الامامة دون المعينين المعروفين ، ولبعد جدا اختلاف الشيعة يمينا وشمالا ، ووقوعهم في حيرة وغموض.. ولما كان هناك أي داع للسؤال من أي إمام عن الخليفة من بعده والإلحاح عليه بشدة في طلب الجواب ،  ورفض الأئمة الجواب عادة الا بالعلامات والإشارات  والمواصفات كقولهم: انها في الأكبر  ، مثلا ، ولما مات تلامذة عظام للأئمة كزرارة بن أعين ، وهم لا يعلمون من هو إمام الزمان.
ولا يمكن ان نفسر ادعاء محمد بن الحنفية وزيد ومحمد بن عبد الله بن الحسن ،  وأحمد بن موسى بن جعفر ، وجميع أبناء الأئمة وإخوانهم وأبناء عمومتهم للإمامة في القرون الثلاثة الأولى ،  بالعناد واتباع الهوى والشهوات ومخالفة أوامر الله والرسول وإهمال القائمة المحددة من قبل بأسماء الأئمة الاثني عشر .. وهم كانوا على درجة كبيرة من التقوى والورع والصلاح والجهاد في سبيل الله.
واخيرا فان عدم ظهور الامام الثاني عشر وعدم وجود أدلة كافية وقوية وصحيحة عليه ينسف حكاية "الاثني عشرية" ويعيدنا الى الوراء للتساؤل في ما  اذا كانت نظرية الامامة الالهية هي حقا نظرية الأئمة من أهل البيت عليهم السلام؟ أم هي من صنع الفلاسفة والغلاة والمتكلمين؟
ومن المعروف ان نظرية الامامة الالهية ترتكز على فلسفة (العصمة) وضرورة اشتراطها في الامام ، أي الحاكم والرئيس والمنفذ للشريعة الاسلامية ، وذلك بناء على القول في الإطلاق لولاة الأمر في الخير والشر والحق والباطل ، حسبما يقول المتكلمون ، وخاصة هشام بن الحكم الذي ابتدأ القول بالعصمة .
وهذا ما يسميه المتكلمون : بالدليل العقلي ، وهو في الحقيقة ليس دليلا عقليا بحتا وليس دليلا فطريا ، وانما يقوم على تأويل نص معين ، والقول بالإطلاق ورفض النسبية في الطاعة الواردة في الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وعلى  أية حال فقد قال المتكلمون الذين آمنوا باشتراط العصمة في الامام بضرورة تعيينه من قبل الله بعد ان قالوا بعجز الأمة عن اكتشاف الامام المعصوم وعدم إمكانية الشورى لأن تكون طريقا شرعيا لانتخاب الامام ، وضرورة حصر الامامة في أهل البيت وانتقالها بالوراثة في ذرية علي والحسين الى يوم القيامة.
وقد أول المتكلمون واختلقوا روايات تفيد النصب من الرسول للامام علي بن ابي طالب (ع) ثم حصروا الامامة في أولاد الحسين دون أولاد الحسن ، بلا أي دليل مقنع..
ثم وقعوا في مشكلة التعرف على الامام بعد الامام  ، خاصة اذا لم يكن يوجد عليه نص واضح ، كما لم يكن يوجد أي نص من الحسين على ابنه علي زين العابدين ، فاخترعوا نظرية (المعجزة)  كطريق لاثبات إمامة هذا او ذاك ، وادعى الغلاة نزول الوحي والملائكة على الأئمة والتحدث معهم ، وقالوا بنظرية (الجفر والنكت والنقر  وعمود النور والإلهام ) وما الى ذلك ، وبالرغم من تناقض ذلك مع القرآن الكريم في أكثر من موضع ، من حيث ادعاء علم الغيب الذي لا يعلمه الله ولم يعلمه الا بعض رسله ، وفي بعض الأمور فقط ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير).
واذا ابتعدنا عن نظريات الفلاسفة والمتكلمين  والغلاة  ، واستطعنا ان نكشف كذب رواياتهم وزيفها ، وعدنا الى أهل البيت (ع) والى أحاديثهم المتواترة الثابتة في أمهات كتبنا ، والتي تنفي العصمة عنهم وترفض الغلو وتحذر المتكلمين من  (الكلام) ولم نؤولها تعسفا وعنادا ، لوجدنا انهم أقرب الى نظرية الشورى القرآنية العقلائية وانهم كانوا يؤكدون على ضرورة انتخاب الامام من قبل الأمة ويلعنون من يقوم باغتصاب الامة أمرها ويتولونها من غير مشورة ..
ويكفي لترجيح نظرية الشورى والايمان بوهمية نظرية النص مرور أكثر  من الف عام من تاريخ الأمة الاسلامية مع عدم وجود إمام ظاهر  معين من قبل الله  وعدم وجود حل آخر سوى نظرية الشورى ، عمليا ، وربما ستمضي مئات او آلاف  او ملايين السنين الى يوم القيامة مع عدم ظهور مصداق واحد من مصاديق نظرية النص .. وهذا ما يدعونا الى التفكير بجدية واعادة النظر مرة اخرى في عقائدنا الموروثة  التقليدية ويدفعنا للاجتهاد في قراءة التاريخ  والعقائد على أساس القرآن الكريم والعقل والأحاديث الصحيحة الثابتة.
ومن هنا فاني اعتقد أنكم تتفقون معي في الرأي على ضرورة إطلاق لقب ( المجتهد) على من يجتهد في العقائد والتاريخ ، قبل ان يجتهد في اللغة والأصول والفقه ، دون  من يقتصر على الاجتهاد في المراحل السطحية الأخيرة التي تتأثر سلبا أو إيجابيا بالمراحل الاولى الأساسية ، وان إعادة بناء الحضارة الاسلامية من جديد يتطلب القيام بعملية اجتهاد كبرى أساسية وجذرية في العقائد والأصول الأساسية.
كما أرى ان سماحتكم الكريمة بما  عرف عنكم من جد واجتهاد وذكاء ، أقدر الناس على القيام بذلك.
وفقكم الله وعاكم وأسألكم الدعاء
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ولدكم : أحمد الكاتب
لندن في 3  رجب 1414

رسالة من الأستاذ أحمد الكاتب إلى السيد مرتضى القزويني

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ولد الجيل المسلم المعاصر وهو مثقل بتبعات الماضي وأثقال التاريخ البعيد ومخلفات المعارك القديمة المنقرضة.. وبينما يحاول بعض أبنائه التطلع نحو المستقبل وبناء حضارة اسلامية جديدة يتشبث البعض الآخر بكل ما هو قديم وبائد ويحسبه جزءا من الدين وركنا من أركان الإيمان.وتعتبر قضية التشيع لأهل البيت والاعتقاد بأحقيتهم في الخلافة قبل أكثر من ألف عام واحدة من القضايا العبثية العقيمة التي مضى عليها الزمان ولكن لا يزال بعض المسلمين يخوضها بحماس شديد أكثر من حماسته لبناء نظام سياسي معاصر يتمتع بأدنى شروط العدل والمساواة والحرية والديموقراطية والشورى.
وتكمن المشكلة في ان بعض المسلمين يتشبث بروايات وأحاديث يعتقد انها صادرة عن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) دون ان يقوم بدراستها او يتوقف لحظة لكي يبحث عن سندها ، وهذا ما يسبب له المشاكل مع الآخرين ، ويؤدي به الى التأخر عن ركب الحضارة الانسانية والاسلامية.فيما يلي رسالة من أحمد الكاتب الذي يؤمن بنظرية الشورى  ويقدم قراءة جديدة لفكر أهل البيت عليهم السلام تقوم على حق الأمة في اختيار الأئمة ،
في إحدى سفراتكم العابرة والخاطفة الى لندن وانتم في طريقكم من الشرق الى الغرب أعطيتكم ملزمة تحتوي على مناقشة في سند بضع عشرة رواية يذكرها الكليني في (الكافي) وهي تدور حول عدد الأئمة الاثني عشر وأسمائهم ، وقد تفضلتم مشكورين بمراجعتها والتعليق عليها. وبالرغم من اني قدمتها الى عدد كبير من الأساتذة والعلماء والمختصين بعلم الرجال فاني لم استلم أي جواب او مناقشة منهم لما توصلت اليه في بحثي من ضعف تلك الروايات التي ذكرها الكليني والتي تعتبر من أوثق الروايات وأقدمها في هذا المجال ، وقد أضفت اليها فيما بعد مناقشة في سند بضع وثلاثين رواية اخرى يذكرها الصدوق في عدد من كتبه ، وسند روايات اخرى يذكرها الخزاز في (كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر) وكنت أتمنى ان أحظى منكم بلقاءات مطولة لمناقشة تلك الروايات بعمق أكبر ، ولكني لم أحظ برؤيتكم منذ ذلك الحين ، وهذا ما دفعني للكتابة إليكم حول ردكم على البحت الرجالي الذي قمت به حول تلك الروايات.
وقد راعني في البداية التقاطكم لصورة غير صحيحة عني من خلال ذلك البحث ، واتهامي بالضلال بعد الهدى  وكيل التهم الباطلة والمغرضة الى بعض الرواة والافتراء والجحود والزلل وسوء العاقبة ، في حين اني كنت وما أزال افتخر بحبي لأهل البيت عليهم السلام وانتمائي للمذهب الجعفري ودفاعي عن التشيع ، وقد تعلمت حب أهل البيت من والدتي التي غذتنيه باللبن ، وفتحت عيني على الحياة ووجدتها تترنم بالأبيات المعروفة: لو فتشوا قلبي رأوا وسطه سطرين قد خطا بلا كاتب ، العدل والتوحيد في جانب وحب أهل البيت في جانب. ثم تتلمذت على مدرستكم الحسينية ومدارس الخطباء العظام الآخرين ، ودرست تراث أهل البيت ودعوت اليه ، ولكنني عندما تعمقت فيه أكثر وجدت ان تراث أهل البيت الذي هو تراث الاسلام الأصيل لا يصل إلينا نقيا صافيا ، وانما يختلط او تختلط به جداول دخيلة تحمل أفكار الفلاسفة والمتكلمين والمبدعين والغلاة والوضاعين ، ووجدت ان بعض الأفكار التي نؤمن بها حاليا وبعض التصورات التي نحملها عن أهل البيت هي ليست من أقوالهم ولا صادرة عنهم وانما هي مكذوبة عليهم ومنسوبة إليهم ، وقد كان أهل البيت (ع) يئنون في حياتهم من عمليات الدس والافتراء عليهم ، كما كان رسول الله (ص) يشكو من ذلك في حياته .
وقد اعتمدت في دراستي تلك على مصادرنا الرئيسية في علم الرجال وهي كتب الكشي والنجاشي وابن الغضائري والطوسي والعلامة الحلي فوجدتهم يجمعون على تضعيف بعض الرواة ، أو يتفق بعضهم على ذلك على الأقل ، كما قمت بدراسة بعض الرجال الذين يهملونهم او يمدحه بعضهم ، كعلي بن إبراهيم القمي وأبى هاشم الجعفري ، وذلك من خلال رواياتهم وآرائهم وعلاقاتهم ، فاستنتجت ضعفهم ، وقدمت أدلتي على ، وكان منها قولهم بتحريف القرآن بكل صراحة وقوة ،  أو روايتهم لأحاديث الغلاة المنكرة .
وكانت مناقشتي لتلك الروايات التي بلغت حوالي المائتين ، جزءا   من دراسة واسعة تعتمد على روايات أهل البيت الأخرى المتواترة والمذكورة في أمهات مصادرنا الحديثية ، وعلى كتب التاريخ الشيعية ككتاب (فرق الشيعة) للنوبختي وكتاب (المقالات والفرق) لسعد بن عبد الله الأشعري القمي ، وكتب الشيخ الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من أعلام القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة.
والخلاصة التي استنتجتها من خلال معارضة تلك الروايات بالقرآن الكريم وبالروايات الأخرى المتواترة ومقارنتها بالأحداث التاريخية الثابتة ودراسة سندها والتأمل في متنها هي:
1-  قيام المتكلمين الشيعة كهشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي ومؤمن الطاق في منتصف القرن الثاني الهجري وما بعده باختراع نظرية العصمة وكونها شرطا من شروط الحاكم (الامام) الذي يأمر الله بطاعته ، وذلك خلافا لمدرسة أهل البيت التي لا تشترط العصمة ولم يرد فيها أي نص صحيح عنهم بذلك.
2-اختراع المتكلمين بعد ذلك لنظرية النص وتسلسل الامامة  وراثيا وبصورة عمودية في أبناء علي والحسين الى يوم القيامة ، وإمامة الأكبر وعدم جواز انتقالها الى أخ أو ابن أخ ، وقيام المتكلمين باختلاق كثير من النصوص وتأويل نصوص اخرى حول الموضوع.
3- اضطرار المتكلمين الى اعتماد الوصايا العادية من الرسول الأعظم للامام علي بن ابي طالب ، وبعض الأئمة لأولادهم ، كمؤشر خفي وبديل عن النص لدى افتقاده.
4- اختراعهم لنظرية المعجزة ، واختلاق المعاجز للأئمة كبديل عن وجود الوصية العادية في بعض  الحالات ، كعدم  الوصية من الامام الحسين لابنه زين العابدين ، من أجل إثبات الامامة له.
5-اضطرارهم لاختراع شخصية وهمية لا وجود لها مطلقا وهي شخصية ( محمد بن الحسن العسكري) لإنقاذ نظرية الامامة الالهية التي وصلت الى طريق مسدود بعد وفاة الامام العسكري دون ان يتحدث عن مصير الامامة ولا عن وجود ولد  له ، مما سبب في حدوث الحيرة والتفرق ومبادرة بعض أصحاب العسكري الى ادعاء وجود ولد مخفي له ووجود علاقة خاصة بينهم وبينه ، ومطالبة الشيعة بتسليم الأموال إليهم بدعوى إيصالها اليه.
6-   قيام مجموعة من الغلاة والكذابين والوضاعين والضعفاء في فترة (الخيرة والغيبة) باختراع مجموعة أحاديث لم يكن لها وجود من قبل ، وقد ذكر الكليني بضعة عشر حديثا بعد حوالي نصف قرن من وفاة الامام العسكري ، وجاء الصدوق بعده  ليضاعف عددها الى بضعة وثلاثين ، ثم جاء الخزاز من بعده لينهيها الى مائتين.
7-  وهذه الأحاديث والروايات تتحدث عن عدد الأئمة الاثني عشر من آل البيت وتعد (محمد بن الحسن العسكري) الثاني عشر منهم ، وتدعي ان الرسول الأعظم (ص) قد أعلن  أسماءهم يوم غدير خم وان قائمة أسمائهم كانت معروفة ومحددة من قبل.
سيدي الكريم.. انني لا أشك في حديث الغدير ، بغض النظر عن الإضافات والتأويلات المختلفة ، وكذلك لا اشك في حديث الثقلين او الطائر المشوي او المباهلة او التصدق بالخاتم او غيرها من الأحاديث التي تتحدث عن فضل أهل البيت ، ولكني لا أجد فيها حديثا عن الامامة الالهية او القائمة المسبقة او المهدي  محمد بن الحسن العسكري ، وانما أجد فيها أحاديث عامة وغير محددة ، وبعيدة عن أفكار الفلاسفة والمتكلمين والغلاة. وان حبي لأهل البيت واعترافي بفضلهم وقبولي لتلك الروايات لا يلزمني بقبول أية رواية أخرى ، حتى لو كانت ضعيفة السند ، وهو ما حاولتم في ردكم على دراستي ان تقوموا به ، حيث قلتم في تعليقكم على عدد من الروايات التي أثبت ضعف سندها ما يلي: ( هذا حديث مقبول لا إشكال فيه حتى لو كان سنده ضعيفا . الرواية صحيحة في المعنى وان ضعف سندها . ضعفها منجبر ومؤيد بالصحاح المتواترة في نفس المعنى . يكفي في قوتها آلاف الأدلة والبراهين القطعية . مضمون الرواية صحيح قطعا وضعف السند ادعاء يجب إثباته. بغض النظر عن المناقشة في السند فقد اتضح  متن الحديث) وقد فهمت من خلال تعليقاتكم تلك : ان قبولكم بتلك الروايات بغض النظر عن مناقشة سندها مبني على أدلة وبراهين خارجية وعلى روايات اخرى. ولكن اذا كانت تلك الروايات التي ناقشتها وأثبت ضعف سندها جميعا هي أقوى الروايات الواردة بهذا الشأن وأقدمها ، وكذلك روايات الصدوق والخزاز  ، فما هي تلك الروايات الأخرى الصحاح المتواترة؟ وما هي وأين تلك الأدلة والبراهين القطعية التي ثبتت صحتها وتجبر ضعفها؟
لقد قلتم في نهاية تعليقكم:" الحق ان النصوص على الأئمة بلغت من الكثرة والتواتر في عهد الأئمة حدا كان يعرفها المخالفون ورواها المعاندون بطرقهم لا من طرق الشيعة كابن حجر في الصواعق وأبى نعيم ووفيات الأعيان والخطيب البغدادي ومروج الذهب والعقد الفريد وأعاظم المحدثين والمؤرخين من العامة وكذلك سلاطين الجور والغاصبون) وضربتم أمثلة على أشهر المتواترات بحديث الثقلين وحديث (سفينة نوح) وحديث الغدير وحديث الطائر المشوي والمباهلة والتصدق بالخاتم ويوم الدار ونزول آية التطهير.
ولكنكم ألقيتم بالحديث على عواهنه وانتقلتم من الحديث عن الاثني عشر الى الحديث عن فضل أهل البيت ، في حين ان متكلمي الامامية ومشايخ الطائفة يعترفون بعدم وجود النص او الوصية على كل واحد واحد من الأئمة الاثني عشر ويثبتون إمامة بعضهم بدعاوى المعاجز وعلم الغيب فقط.
ومن هنا .. اعتقد ان المشكلة في تصحيحكم لجميع الروايات بغض النظر عن مناقشة السند تكمن في الخلط بين عدد من المفاهيم العامة والمبادئ الأولية ، وبين عدد من التفصيلات الجزئية موضع المناقشة ، ولا بد من التفريق بين ذلك. كما اعتقد ان من الضروري وضعكم بنظر الاعتبار مسألة الزمن والتطور التاريخي الذي حدث في بعض النظريات الشيعية التي انتقلت من حب أهل البيت الى القول بعصمتهم الى القول بالنص عليهم او الوصية المتسلسلة الى يوم القيامة فيهم ثم الوقوف على سبعة منهم والوقوف بعد ذلك على اثني عشر منهم. كذلك تطور النظرية المهدوية من  فكرة عامة بخروج مصلح (مهدي) في آخر الزمان الى تحديد هويته انه من قريش او من أمة الرسول او من أهل بيته او من أبناء علي او من أبناء فاطمة أو من أبناء الحسين او من أبناء الباقر والصادق وانه أخيرا (محمد بن الحسن العسكري) بالتحديد الدقيق ، وانه ولد  في منتصف القرن الثالث الهجري وانه باق على قيد الحياة الى ان يأذن له الله في الظهور.
سيدي الكريم.. ان النظرية (الاثني عشرية) ولدت في القرن الرابع الهجري ، وكانت تطورا حدث في صفوف (الامامية) الفرقة التي نشأت في القرن الثاني الهجري في صفوف الشيعة الذين كانوا يوالون عليا وأهل البيت ويحبونهم ببساطة في القرن الأول الهجري ، ولذلك لم يكن هنالك ذكر للأثني عشرية او الامامية في بداية التاريخ الاسلامي. ولكن المؤسف هو ان كثيرا من علمائنا لا يأخذون البعد الزمني في تطور الأفكار بنظر الاعتبار ، ويحسبون الطبعة الأخيرة التي وصلتهم بعد قرون هي الطبعة الاولى للأفكار ، وهذا ما يدفعنا الى التحقيق والتأكد من مختلف الأفكار والنظريات ، والتمييز بين الأصيل منها والدخيل ، والصحيح والسقيم.
ولا يمكننا القيام بذلك والوصول الى جوهر الدين وحقيقة مذهب أهل البيت (ع) الا بمراجعة علم الرجال ، والاجتهاد فيه ، وعدم التقليد او توثيق كل من روى عنه مشايخ الطائفة كالشيخ الكليني كما قلتم في ردكم على دراستنا ، فانهم كانوا يروون عن الضعاف والغلاة والوضاعين والكذابين ، وأفضل مثل على ذلك روايتهم أحاديث تحريف القرآن ، ولذلك وضع المتقدمون علم الرجال للتحقق من الرواة والتأكد من الروايات.
ولا بد بعد ذلك من دراسة المتن والمعنى وملاحظة مدى انسجامه مع العقل والقرآن والأحاديث الصحيحة المتواترة.
وقد استغربت من ردكم على مناقشتي لرواية عودة النبي الى الحياة بعد وفاته والتقائه بأبي بكر في أحد المساجد وأمره بتسليم الخلافة الى الامام علي ، ورفضكم لتعليقي عليها بأنها من أساطير الغلاة ، وقولكم بأنها معجزة وكرامة للامام علي!
وأريد ان أسألكم عن مقياسكم في التمييز بين المعاجز والأساطير؟ وعن طبيعة المعجزة والهدف منها وطريق إثباتها والحاجة اليها ، كما أريد ان أسألكم فيما اذا كنتم تعتقدون بصحة تلك الرواية:
1- متى حدثت القصة بالضبط
2- هل كان هناك شهود؟ أم لا ؟    
3-  لماذا جرت القصة خفية بين علي وأبى بكر؟ ولماذا لم يخرج الرسول أمام جميع الأصحاب ليكون أبلغ في الإنذار؟
4- اذا كان ممكنا ان يعود الرسول الى الحياة فلماذا لا يعود دائما  وفي كل زمان ومكان ليبلغ الرسالة من جديد
5-  اذا كان جائزا ان يخرق الرسول القانون الطبيعي للموت والحياة فلماذا توفاه الله؟ ولما ذا لم يظل على قيد الحياة حتى ينشر الدين الاسلامي في العالم كله؟
وكنت اعتقد اني في غنى عن مناقشة هكذا رواية تنضح بالخرافة والأسطورية ، ولكن بعد تشبثك بها وإصرارك على اعتبارها معجزة وكرامة فاعتقد اننا بحاجة ماسة للاتفاق أولا على أسس التفكير المنطقي وتوضيح الفوارق الأساسية بين المعاجز والأساطير.
واعتقد ان أسلوبكم في تقبل الروايات بهذه الصورة ينطوي على منهجية أخبارية بدائية خطيرة ،وهي تعني تقبل التراث بكل ما فيه من غث وسمين وصحيح وسقيم ، وهنا تكمن مصيبتنا العظمى وأزمتنا الكبرى ،وهي الثغرة التي تسللت من خلالها الأفكار المنحرفة والروايات الكاذبة والبدع والخرافات الى ثقافتنا الاسلامية باسم أهل البيت ، ولذلك أدعوك حقا لمراجعة التراث الهائل الذي تحفظه ، والتحقق من كل مفرداته ، والقيام بعملية تصفية وتنقية له من كل غريب ودخيل ، خاصة وانك  تحتل موقعا إرشاديا عاليا وتقوم بإمامة المسلمين في بقعة  خطيرة من بقاع العالم تواجه الحضارة الغربية المسلحة بآخر فنون العلم.
كما أدعوك سيدي الكريم بناء على ذلك الى القبول باحتمال ان تكون على ضلال ومتأثرا بأفكار الفرق الضالة المغالية الملعونة على لسان أهل البيت عليهم السلام والبعيدة عنهم كل البعد.
وأدعوك بكل تواضع واخلاص الى ان تبحث بدقة عن مذهب أهل البيت الحقيقي من بين ذلك الركام الهائل من الروايات المزورة والكاذبة والتي تعتقد انها من الروايات الصحيحة والمتواترة.
ودعني اضرب لك مثلا بسيطا اقتبسه من تلك المجموعة من الروايات التي أوردها الكليني في  الكافي عن (الاثني عشرية) والتي كان بعضها مرويا عن رجال متهمين بالغلو والضعف والوقف كمحمد بن الحسن بن شمعون وعبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي (كرام) وقد استبعدت انا صحة الرواية عن هؤلاء الواقفية الذين لم يكونوا يعترفون بإمامة علي بن موسى الرضا ولا الأئمة    من بعده ، واحتملت وضع الرواية على لسانهم من قبل بعض الرواة الضعفاء كسهل بن زياد الآدمي ومحمد بن الحسين الصائغ ، وذلك من  أجل الإيحاء بأن روايات (الاثني عشرية) واردة على لسان الخصوم ، ولكنك أكدت صحة الرواية واحتملت الوجه الآخر وقلت: " ان أصحابنا يروون عن الواقفة الأحاديث التي رووها قبل قولهم بالوقف" وفي الحقيقة ان هذا احتمال وارد . ولكن أنى لك ان تثبت صحة رواية الضعفاء عن الواقفية؟ وكيف تثبت ان روايتهم كانت قبل قولهم بالوقف؟ واذا كان الواقفية أنفسهم لا يلتزمون بروايات (الاثني عشرية) على فرض صحة قولهم بها في البداية فكيف نطمئن نحن بالرواية عنهم؟وقد   قمت أنا برفض رواياتهم لأنها مروية عن ضعفاء جدا ، وقد قبلتها أنت وأولتها من دون النظر الى سندها ، فكيف يجوز هذا؟
لقد اتهمتني بالجحود والتعصب والاتهام بالباطل ، وتسرعت  في الحكم علي والرد علي من دون تحقيق ومن دون السؤال والاطلاع على أدلتي ، وحكمت أحيانا قبل ان تقرأ الأسطر التالية ، ومن ذلك مثال  تضعيفي لـ : ( كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي أوردت أقوال بعض مشايخ الطائفة الأقدمين (كالمفيد) حول ضعفه واختلاقه وقولهم :" ان الكتاب موضوع لا ريب فيه" فحسبت ان هذا قولي ورددت علي بعجالة قائلا:" بل الكتاب صحيح لا مرية فيه وكل من شكك فيه فهو ضعيف ، وان وجود بعض الأخبار الضعيفة كخبر (ان الأئمة ثلاثة عشر) فيه لا يطعن في أصل الكتاب" ولما انتقلت الى الصفحة الثانية حيث أوردت المصادر والنصوص والأسماء ونقلت قول ابن الغضائري والشيخ المفيد في الكتاب وتحريم الأخير للعمل على أكثر الكتاب ، وسلب الثقة منه ووصفه بالوضع والتدليس والتخليط وضرورة تجنب العلم بكل ما فيه وعدم التعويل على جملته والتقليد لروايته ، تراجعت عن حكمك المتسرع وقلت:" نعم هذا دليل على ان الكتاب يتضمن الضعيف والصحيح"!
ان هذا دليل على السرعة والعجلة والانفعال في عملية نقد الروايات التي ذكرتها ، ومن هنا فاني لا اعتبر ردكم كافيا ولا شافيا لأنه لم يقم على دراسة علمية ولم تستطيعوا ان تثبتوا صحة رواية واحدة من روايات الكليني حول (الاثني عشرية) او تؤكدوا عكس ما قلت ، ولذا فاني أرجو منكم ان تبذلوا وقتا أطول في البحث والمراجعة والتدقيق ، وان تتجنبوا المناقشة بصورة خطابية انفعالية مختصرة وعمومية ، وأرجو ان توضحوا في البداية نظرياتكم الرجالية والأصولية ثم تقوموا بدراسة موضوع (الامامة الالهية لأهل البيت) و (وجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) من جديد ، وانا على استعداد ان أواصل معكم الحوار على أمل التعرف على مذهب أهل البيت السياسي الحقيقي ، والتأكد فيما اذا كان: (الامامة بالنص والتعيين من قبل الله والوراثة العمودية الى يوم القيامة) أم  (الشورى وانتخاب الامة للامام)؟
أحمد الكاتب لندن 2 رمضان 1414

رسالة من أحمد الكاتب إلى لطف الله الصافي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد.. فقد كنت بعثت إليكم برسالة قبل أكثر من عام دعوتكم فيها لمناقشة كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) والذي أقول فيه : ان نظرية المهدي عند  أهل البيت كانت عامة وغامضة وغير محددة من قبل ، وان تحديدها في (محمد بن الحسن العسكري) قد حدث بعد وفاة الامام العسكري ، افتراضا واجتهادا من قسم من أربعة عشر قسما من الشيعة الامامية أتباع الامام العسكري ، وذلك في محاولة منهم للخروج من الحيرة والأزمة الفكرية التي وجدوا أنفسهم فيها عندما توفي العسكري ولم يوص الى أحد من بعده ولم يتحدث عن مصير الامامة ولم يكن له ولد ظاهر ، فاضطر ذلك الفريق من الشيعة الى افتراض وجود ولد له قالوا انه الامام من بعده ثم قالوا انه المهدي المنتظر. وزعموا: ان أباه قد أخفاه تقية وخوفا عليه وانه حي موجود وانه يتصل ببعض النواب الخاصين (السفراء الأربعة)
وكانت هذه الخلاصة التي توصلت اليها بعد دراسة طويلة وعميقة ، قد أقلقتني وأقضت مضجعي لأنها كانت مخالفة لكثير مما نشأت عليه وكنت اعتقد به من قبل .. ولكنني لم أحب التسرع في الالتزام بهذه الخلاصة والتبشير بها خوفا من ان أكون مخطئا في منهجية البحث او غافلا عن بعض الأدلة والبراهين التي ربما لم أتوصل اليها بالرغم من بحثي عن كل شيء.. وقد لجأت إليكم باعتباركم الأكثر  علما والأغزر كتابة وبحثا عن موضوع (الامام المهدي) في الوقت المعاصر ، ولكم عدة كتب حول ذلك ، كما توسلت الى كثير من المراجع والعلماء والأساتذة المختصين ان يناقشوا رسالتي ، وتمنيت من أعماق قلبي ان أكون مخطئا او مشتبها حتى لا انحرف عن خط أهل البيت (ع) الذين رضعت حبهم منذ طفولتي ولا زلت أؤمن بهم وأجلهم أعظم إجلال – والحمد لله – ولكني مع الأسف الشديد لم ألقَ إجابة مناسبة من معظم أولئك العلماء الذين رفض بعضهم بشدة مجرد الاطلاع على الدراسة ، وكنتم واجدا من الذين طلبوا الاطلاع عليها ، وقد أرسلتها لكم بواسطة الشيخ العالمي إمام المجمع الإسلامي في لندن ، وقد أخبرني سماحة الشيخ العالمي بعد ذلك: إنكم ألفتم لجنة من العلماء في قم لدراسة الكتاب والرد عليه ، وقد سررت بذلك وانتظرت النتيجة طويلا ، وسمعت أنكم قد أعددتم جوابا شفهيا ، وطلبتم سفري الى قم لعرض ردكم علي ، وقد اعتذرت عن السفر لأسباب عديدة وطلبت من سماحتكم عبر السيد جواد الكلبايكاني ان تكتبوا ملاحظاتكم وترسلوها الي لأني أحب ان انشر ردكم علي بقلمكم سواء اقتنعت به او لم اقتنع  ، ولكنني لم استلم منكم أي جواب مكتوب حتى الآن.
وقد نقل لي بعض الأخوة عنكم أنكم توصون بعدم طبع الكتاب وصرف النظر عنه ، ولكن ذلك يصعب علي حيث بت معتقدا باختلاق نظرية وجود المهدي (محمد بن الحسن العسكري) وإدخالها في تراث أهل البيت (ع) وإلصاقها بهم ، بيد اني لا زلت مستعدا لتغيير قناعتي فيما إذا رددتم على كتابي واقنعتموني بخطأ معلوماتي او منهجيتي في البحث ، وصدق الأدلة على وجود المهدي ابن الحسن العسكري وقوتها ، خاصة وان المسألة لم تعد تقتصر على شخصي وانما أضحت فكرة مطروحة في الأوساط الثقافية الشيعية وتبحث عن جواب.. ولذا اطلب منكم مرة أخرى ان تولوا الموضوع أهمية قصوى وان تشكلوا لجنة أخرى قادرة على الرد او تطلبوا من اخوتكم وزملائكن العلماء في قم ان يقوموا بذلك ،وانا مستعد للاستماع إليهم في ندوة حوار ومناقشتهم في الأدلة الجديدة.
هذا وكنت قد اطلعت على مجموعة من كتبكم حول المهدي وبالأخص كتاب (منتخب الأثر في النص على الامام الثاني عشر) الذي يحتوي على كثير مما كتبه الأولون منذ ألف عام ، ولكنني لم استفد منه شيئا إضافيا أكثر مما كتبه مشايخ الطائفة بعد وفاة الامام العسكري ، وقد وجدته يهمل بعض أهم الأدلة التي ذكرها أولئك ويكتفي ببعض.
وكانت لدي بعض الملاحظات الأساسية على طريقة تناولكم للبحث في هذا الموضوع ، أرجو ان يسعها صدركم الكريم ، كما أرجو ان تكون مناسبة لبدء حوار فعلي معكم شخصيا ، وهي كما يلي:
1- لقد لاحظت أنكم تتبعون منهجا أخباريا متطرفا مرفوضا من أقدم الإخباريين ، وهو قبول الروايات بدون أدنى تمحيص في المتن أو السند ، وذلك اعتمادا على رواية مشايخ الطائفة لها او وجودها في كتبهم "المعتبرة". ومن المعروف ان المدرسة الأخبارية الحشوية كانت تفعل ذلك في قديم الزمان ولذلك قبلت الروايات التي تتحدث عن تحريف القرآن ، ولكنها تطورت بعد ذلك على يدي الشيخ علي بن بابويه الصدوق وغيره من الرواة والمحدثين الذين قاموا بتمحيص السند وإسقاط الروايات الضعيفة والترجيح فيما بينها ، وذلك قبل ان تولد المدرسة الأصولية الاجتهادية على يدي الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي ومن بعدهم من العلماء.
وقد كان موضوع (الامام المهدي)ووجوده وولادته موضوعا شائكا محيرا وغامضا عند الشيعة الامامية بعد وفاة الامام العسكري ، لذلك أطلقوا على تلك الفترة اسم (الحيرة) ثم قام بعض المحدثين كابن ابي زينب النعماني صاحب (الغيبة) وتلميذ الكليني ، في القرن الرابع الهجري ، بالاجتهاد والنظر في الأخبار القديمة والجمع بين عدد منها وإسقاط البعض الآخر والاستنتاج منها: صحة وجود المهدي وغيبته ، كما يقول هو في كتابه ، ولكنكم أخذتم الأمر وكأنه من المسلمات والبديهيات الثابتة المفروغ منها التي لا تحتاج الى مناقشة.
2- لقد استعرضتم في كتابكم نظرية وجود المهدي وحاولتم الإتيان بالأدلة والبراهين (الأحاديث) على صحتها ولم تشيروا الى وجود اختلاف بين الشيعة ، ولا الى الحيرة التي عصفت بالامامية وفرقتهم الى أربعة عشر فرقة حول موضوع الخلف ،  وبالتالي لم تناقشوا النظريات المهدوية الأخرى التي كان يقول بها الشيعة ذلك الحين والتي بلغت أكثر من عشرين نظرية.
3- لم تناقشوا الأدلة التي سقتموها على صحة النظرية المهدوية للامام الثاني عشر ، من المعاجز التي ادعاها او نسبت الى (النواب الأربعة الخاصين) او القصص التاريخية التي تحدثت عن ولادة المهدي ومشاهدته في حياة أبيه ، وبعد ذلك بالرغم من وجود علامات استفهام كثيرة حولها؟
4- لقد أغفلتم الرواية التاريخية التفصيلية لظروف وفاة الامام العسكري ومسألة الوصية بأمواله وأملاكه لأمه المسماة بـ:"حديث" وادعاء أخيه جعفر بالإمامة وإقبال عامة الشيعة عليه في البداية ثم اختلافهم وتفرقهم ، كما أغفلتم مسألة الخلاف داخل البيت العلوي بين أبناء الامام الهادي وحدوث البداء في إمامة السيد محمد بن علي الهادي ، وشك الشيعة في إمامة الحسن العسكري ، وما الى ذلك من القضايا التاريخية التي شكلت المقدمة والمدخل للقول بفرضية وجود ولد للامام العسكري ، مع ما في ذلك من أهمية قصوى للوصول الى النتيجة المفترضة.
5- لقد قمتم بالخلط بين مجموعة من المقدمات العامة والخاصة بصورة غير علمية ولا منطقية فأشرتم الى اتفاق المسلمين واجماعهم حول ظهور مصلح (مهددي) في آخر الزمان ، وقلتم: ان الأحاديث الواردة حول ذلك هي متواترة.. ثم قفزتم بعد ذلك لتؤكدوا صحة النظرية الاثني عشرية الخاصة بالمهدي ، وذلك بالرغم من اختلاف الشيعة والإمامة وحتى اتباع الامام العسكري حول حقيقة المهدي او الامام من بعده ، مما ينفي وجود أي اجماع او شهرة او تواتر حول المهدي (محمد بن الحسن العسكري).
6- لقد أشرتم بصورة خاطفة في كتابكم الفارسي (نويد أمن وأمان) الى الدليل العقلي حول وجود المهدي ابن الحسن ، ولكنكم لم تذكروا الدليل بدقة وبصورة كاملة وانما اكتفيتم ببعض مقدماته وهي : ( ضرورة الامامة الإلهية ووجوب كون الامام المعصوم في جميع الأعصار وعدم جواز خلو الأرض من وجود الحجة خوفا من سيخانها بأهلها) وقلتم: ان ذلك يدل على وجود صاحب الزمان وإمامته ، كما قلتم: انا إذا أخذنا في الاستدلال بالبراهين العامة على الامامة فإنها تكفي لإثبات وجود إمام العصر وغيبته (ص 51)
ولكن علماء الكلام لا يكتفون بتلك المقدمات لإثبات وجود المهدي وانما يضيفون اليها مقدمة مهمة جدا وهي: ( عدم جواز الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين ، وضرورة انتقال الامامة في الأعقاب واعقاب الأعقاب بشكل وراثي عمودي الى يوم القيامة) و ( عدم كون الامام العسكري هو المهدي الغائب واثبات وفاته وعدم عودته الى الحياة مرة أخرى) ثم الاستنتاج من كل ذلك: ضرورة وجود ولد له لكي تستمر الامامة في عقبه ، بالرغم من عدم إشارته الى ذلك او  الوصية الى أحد من  بعده بالإمامة.
وان موضوع (عدم جواز إمامة الأخوين) مبدأ لم يكن يجمع عليه الشيعة الامامية في ذلك الوقت فقد كان الشيعة الامامية (الفطحية) يجيزون انتقال الامامة الى أخوين عند عدم إنجاب الامام السابق لولد ، كما فعلوا عندما توفي الامام عبد الله الأفطح حيث انتقلوا الى القول بإمامة أخيه الامام موسى بن جعفر الكاظم ، واذا أخذنا بقولهم لا تعود هناك اية ضرورة لافتراض وجود ولد للامام العسكري والادعاء انه المهدي ، كما رفض عامة الشيعة افتراض بعض الفطحية بوجود ولد لعبد الله الأفطح والقول ان اسمه (محمد بن عبد الله) وانه المهدي المنتظر الغائب.
7- ما هو مفهومكم للتواتر؟ هل تعنون به الشهرة والتواتر في القرون المتأخرة؟ وهذا – كما تعلمون- لا ينفع في توثيق الأخبار التي قد تكون مختلقة في مرحلة زمنية سابقة وغير موجودة بالمرة في مرحلة زمنية أسبق..
وقد استغربت جدا من دعواكم التواتر في أحاديث (المهدي محمد بن الحسن العسكري) بالرغم من اختلاقها جميعا في عصر الحيرة او بعد مائة عام من وفاة الامام العسكري ، ولست أدري لماذا لم  تتوقفوا لحظة واحدة لتسألوا أنفسكم: إذا كانت القضية متواترة وثابتة وبديهية ومجمع عليها فلماذا وقع الشيعة في الحيرة؟ ولماذا افترقوا الى أربعة عشر فرقة أو أكثر من ذلك؟
8- ادعيتم في اكثر من مكان: ان أحاديث المهدي (محمد بن الحسن العسكري) كانت مسجلة في الأصول القديمة للشيعة منذ عصر الامام أمير المؤمنين (ع) وقبل ولادة أبيه ، ولكنكم لم تذكروا أسماء تلك الكتب والأصول ولا أصحابها ، ولم تتحدثوا عن مدى صحتها وصدقها.
وفي الحقيقة لا يوجد كتاب واحد يشير الى ذلك ما عدا كتاب (سليم بن قيس الهلالي) وهو كتاب مختلق  اشتهر في فترة الحيرة ، ويقول عنه ابن الغضائري والشيخ المفيد في (شرح عقائد الصدوق): انه كتاب موضوع ومختلق ولا يجوز الاعتماد عليه ، فأين هي المصادر المعتبرة والموثوقة من السنة والشيعة والمؤلفة في القرن الأول الهجري؟
9-  اعترفتم ضمنا بضعف سند بعض الأخبار الواردة حول المهدي وغرابة بعضها واستبعاد وقوع بعضها الآخر ، وقلتم:" ان ضعف السند في بعضها لا يضر بغيره مما هو في غاية الصحة والمتانة سندا ومتنا ، ولا يلزم رفع اليد عن جميع الأحاديث الصحيحة لمكان الأخبار الضعيفة مع اشتهار مفادها بين كافة المسلمين وكون أكثر مخرجيها من أئمة الإسلام وكابر العلماء وأساتذة فن الحديث موجب للقطع بمضمونها. هذا مضافا الى ان ضعف السند إنما يكون قادحا إذا لم يكن الخبر متواترا ، واما في المتواتر منه فليس ذلك شرطا في اعتباره"(ص 2 منتخب الأثر) ولكنكم لم تميزوا بين الأخبار الضعيفة والصحيحة ، ولم تبينوا ما هي الأخبار التي هي في غاية الصحة والمتانة سندا ومتنا ، في حين لا يوجد في الحقيقة خبر واحد صحيح سندا حول ولادة او وجود شخص اسمه (محمد بن الحسن العسكري) وفي هذه الحالة ألا يلزم التوقف ورفع اليد عن تلك الأخبار الموضوعة في الزمن المتأخر؟
ثم ما هي الأخبار الصحيحة التي اشتهر مفادها بين كافة المسلمين؟ هل تقصدون أخبار المهدي العام غير المحدد؟ وهذه لا تفيد أية دلالة على وجود المهدي (محمد بن الحسن العسكري).
ثم من تقصدون بأئمة الإسلام وأكابر العلماء والأساتذة في فن الحديث؟ هل تقصدون عامة علماء المسلمين؟ أم عامة علماء الشيعة؟ أم علماء الفرقة الاثني عشرية الأوائل؟ وهؤلاء بين متهم باختلاق تلك الأحاديث وبين متهم بالضعف والتسامح في نقل الروايات عن الضعفاء والكذابين والغلاة وعدم التدقيق والضبط.
ان علماء الرجال الشيعة الاثني عشرية يؤكدون ضعف مجموعة من الرجال تنتهي إليهم كل الروايات الواردة حول المهدي (محمد بن الحسن العسكري) والقائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر ، ويمكنكم مراجعة البحث الرجالي المفصل الذي أجريته حول كل رواية رواية  من تلك الروايات ، والموجود لديكم.
ولست أدري من أين استوردتم القاعدة التي تتسامح في شرط صحة السند إذا كان الخبر متواترا؟ وكيف يحصل التواتر وتحصل الثقة إذا كان الرواة جميعا ضعافا وكذابين؟ .. وقد قلنا: ان تلك الأخبار لم يكن لها وجود في حياة الأئمة من أهل البيت (ع) وانها اختلقت فيما بعد واشتهرت بين من آمن بالنظرية الاثني عشرية ، فهي ليست متواترة أبدا ولا يوجد بينها خبر واحد صحيح!
ويبدو ان هذه الشبهة قد أوقعت الكثير من الباحثين في موضوع المهدي وصرفتهم عن بحث السند ودفعتهم للتصديق بالروايات الموضوعة والخلط بينها وبين الروايات الصحيحة العامة حول خروج مصلح (مهدي) عند انحطاط المجتمع الإسلامي.
10- وقد استبعدتم احتمال وضع تلك الأحاديث بعد ولادة المهدي في زمن (الغيبة الصغرى او الكبرى) وقلتم: " انه غير معقول بصورة قاطعة ، وذلك لأن الكتب التي تضمنت تلك الأخبار مؤلفة من قبل رجال لا يحتمل فيهم جعل كلمة واحدة ، وكانوا معروفين بالوثاقة والصدق والأمانة ، انهم أخذوا تلك الأحاديث عن شيوخهم وعن الاصول المكتوبة قبل ولادة الامام المهدي وعبر وسائط معتمدة مائة بالمائة من قبل مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة والتابعين والصحابة" واستنتجتم:" ان من  يراجع تلك الأحاديث لا يبقى لديه مجال الشك والشبهة في ان المهدي هو ابن الحسن العسكري" (ص 6 منتخب الأثر).
ولو قمتم بمراجعة سند تلك الروايات بدقة لأدركتم: ان احتمال وضعها ليس معقولا وواردا فحسب وانما هو ثابت بصورة قاطعة وأكيدة.. وذلك لأن الرجال الذين يروون تلك الأخبار ، وخاصة الذين ادعوا النيابة الخاصة والسفارة كانوا موضع تهمة لأنهم كانوا يجرون النار الى قرصهم وكانوا يحصلون على منافع مادية ، وكانوا متهمين بوضع الروايات التي تؤيد ما ذهبوا اليه من افترض وجود ولد للحسن العسكري ، ولم يكونوا معروفين بالوثاقة والصدق والأمانة ، وان كتب الرجال الشيعية تشهد بذلك ، وانهم لم يرووا تلك الأخبار عن أي أصل مكتوب قبل ولادة المهدي المزعومة ، ولا عبر أية واسطة معتمدة من مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة.. ومن هنا فان من يراجع سند تلك الأحاديث لا يبقى لديه مجال للشك والشبهة في عدم صدق وجود أي ولد للامام العسكري.
شيخنا الكريم..
لما ذا لا تتحدثون بدقة وتضعوا النقاط على الحروف وتبينوا رواية واحدة – كمثل –مروية عن رجل موثوق عن أصل مكتوب او واسطة معتمدة مائة بالمائة من قبل مشايخ الرواة المعاصرين للأئمة؟ حتى تقطعوا الشك وتستبدلوه باليقين؟
وقد قلتم في كتاب (نويد أمن وأمان) ص 34: " يكفي حديث معتبر واحد" وادعيتم وجود مئات بل أكثر من ألف حديث في مئات الكتب المعتبرة الجامعة للأخبار والتاريخ والرجال ، فما هي تلك الكتب المصدرية التي تعد بالمئات؟ ولا يوجد لدينا من الكتب المعتبرة أكثر من أربعة والبقية غير مسندة ولا نستطيع القطع على صحة نسبة جميع ما فيها الى مؤلفيها فضلا عن التصديق بروايتهم عن غيرهم.
11- ولقد أشرتم في أحد كتبكم (نويد أمن وأمان)ص 34: الى ان الإيمان بالمهدي (محمد بن الحسن العسكري) جزء من الإيمان بالغيب الذي يجب على كل مؤمن ان يعتقد به.
ولكن إذا سقطت تلك الروايات الواردة حول الموضوع لا يبقى مجال لربط الإيمان بقضية لا دليل عليها بمسألة الإيمان بالغيب الواردة في القرآن الكريم والمقصود منها: الإيمان بالآخرة والملائكة والجن وما شابه من الأمور المذكورة في القرآن والسنة الثابتة ، ولا أحسبكم تعتقدون بأننا يجب ان نؤمن بوجود المهدي غيبيا أي بلا دليل ، كما يقول يعض من يدعي العلم ، فان ذلك يفتح بابا للإيمان بأية خرافة او أسطورة غيبيا ودون دليل.
12- واخيرا.. أود ان أناقش النتيجة العملية التي تهمنا والمبنية على الإيمان بنظرية وجود الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) وهي الموقف العملي من اقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة ، فقد طرحتم نظرية (النيابة العامة للفقهاء) واعتبرتم حكومتهم هي الحكومة الشرعية الوحيدة ، وحكمتم على الحكومات الأخرى المنتخبة من الشعب او غيرها بالحرمة والبطلان (الجواب عن عشرة أسئلة ص 16)
وهذه نظرية حادثة وجديدة ، وقد كانت النظرية الاولى السابقة هي نظرية (التقية والانتظار) وحرمة اقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة ،ولا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم في فتاوى الفقهاء المعاصرين الذين يحرمون او يهملون كثيرا من الجوانب الحيوية في الإسلام بالرغم من قولهم بنظرية ولاية الفقيه.
وكانت تلك النظرية تشكل الوجه الآخر الملازم للإيمان بوجود الامام المعصوم الغائب وحرمة اقامة الدولة لغير الامام المعصوم ، ومن هنا فقد تحتم الالتزام بالتقية والانتظار ، ولذلك كان العلماء الأوائل كالشيخ الصدوق يرفضون نظرية ولاية الفقيه بشدة.
وفي الحقيقة: ان اضطرار الشيعة الامامية الاثني عشرية للإيمان بنظرية ولاية الفقيه كان انقلابا في الفكر الشيعي الإمامي وتخليا عن أهم أركان النظرية الامامية وهي (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الامام ، أي الحاكم) وهذا ما يشكل تناقضا صارخا مع المقدمات الكلامية التي قادت الى افتراض وجود ولد للامام العسكري ، واذا أجزنا قيام إمام فقيه عادل غير معصوم ولامعين من قبل الله لا تبقى هناك اية حاجة لافتراض إمام معصوم لا تراه الأبصار منذ اكثر من الف عام ، وهو ما يتناقض مع فلسفة الامامة وضرورة وجود الامام في الأرض.
ان وجوب وجود الامام هو للقيام بمهمات الامامة وليس للقيام بمهمة إدارة الكون حسبما يعتقد بعض الغلاة ، وان الغيبة تتناقض ببساطة مع مهمة الامامة. وقد أتعب المتكلمون الاماميون أنفسهم كثيرا في فلسفة الغيبة وحاولوا الخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه بلا طائل.
ثم ان نظرية ولاية الفقيه المبنية على نظرية النيابة العامة المحدثة نظرية تحمل في طياتها مخاطر اقامة حكم ديكتاتوري مطلق يستحوذ على صلاحيات رسول الله باسم النيابة العامة عن الامام المهدي ، ويؤدي بالتالي الى إلغاء دور الأمة في تعيين الامام او تحديد صلاحياته، وهو ما يشكل خطورة توازي الخطورة الناجمة عن الانسحاب  عن المسرح السياسي باسم التقية والانتظار.
سماحة الشيخ الصافي:
ان كل ذلك يدعونا – على الأقل – الى إعادة النظر في مسألة وجود الامام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) والتأكد مما إذا كان القول بولادته واستمرار حياته حتى الآن مسألة حقيقية؟ أم فرضية فلسفية وهمية اجتهادية؟ ان الإجابة الصحيحة عن ذلك كفيلة بهدايتنا الى الطريق الإسلامي السياسي الصحيح.. طريق أهل البيت الواقعي .. طريق الشورى والتوازن بين الحاكم والمحكوم.
هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
احمد الكاتب
10 شوال 1414هـ/1994

رسالة من أحمد الكاتب إلى السيد محمد الصدر

سماحة  السيد محمد الصدر حفظه الله
الحوزة العلمية – النجف الأشرف العراق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد.. فقد اطلعت على كتابيكم عن تاريخ الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى ، ودرستهما بدقة ، وكان البحث بصورة عامة يدور حول (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) مع مقدمة في البداية عن تاريخ الإمامين الهادي والعسكري ، ومؤخرة عن تاريخ (النواب الأربعة) وغيرهم.
وقد تركز الكتاب حول تاريخ ولادة (الامام المهدي) وقصص مشاهدة بعض خواص الشيعة له في حياة أبيه ثم مشاهدته بعد وفاته خلال ما عرف باسم الغيبة الصغرى. وقد اعتمد الكتاب على استعراض الروايات التاريخية حول ولادة الامام المهدي ووجوده وتجنب الخوض في الأبحاث الكلامية التي تثبت وجوده وولادته بالأدلة الفلسفية او (العقلية) او (الاعتبارية) كما تجنب الخوض في الأدلة الروائية (الأخبارية) التي تثبت وجوده ، وذلك خلافا لما كان مشايخ الطائفة الاثني عشرية يفعلون في كتاباتهم القديمة حول الموضوع ، حيث كانوا يعتمدون على الأدلة الفلسفية والروائية أكثر من الاعتماد على الروايات التاريخية..
وقد أشرتم في مقدمة الكتاب الى ضعف كثير من الروايات التاريخية الخاصة بالموضوع وجهل سندها (ص 44) وإهمال علماء الرجال لذكر أسماء الرواة والتحقيق في شخصياتهم على العكس من تحقيقهم في أسناد روايات المسائل الفقهية ، مما  أدى الى حدوث بعض المشاكل والصعاب في عملية البحث والتحقيق في موضوع المهدي.
وذكرتم اعتمادكم على الروايات "المتواترة" والمشهورة والتي لا يوجد لها معارض  ، وافتراض صحة الروايات التي ذكرها علماؤنا الأوائل ، واقتصرتم في بحثكم التاريخي الذي وصفتموه بالعميق والجديد على مصادرنا الامامية الاثني عشرية باعتبار ان اهل البيت أدرى بما فيه ولم تبالوا بالطعن الصادر من غير الموالين لأهل البيت (ع) (ص 443)
واعتبرتم مسألة وجود الامام المهدي من الضروريات في المذهب الاثني عشري ، التي لا حاجة لبحثها ولا بد من تجاوزها.. كما اعتبرتم مسألة ضبط (السفراء الأربعة) والايمان بصحة دعواهم من بين أدعياء النيابة الكاذبين الآخرين من المسائل الضرورية الواضحة في المذهب، ولذلك فلا حاجة لتجشم العناء في إثبات ذلك . (ص 395)
وبناء على ذلك فقد بنيتم منهجكم في البحث والتحليل على الإيمان بالنظرية المهدوية (الاثني عشرية) كما هي مذكورة في كتب مشايخ الطائفة (الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي والنعماني) وغيرهم من محدثي الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى ، باعتبار النظرية بكل تفاصيلها من المسائل الضرورية الواضحة ، ولم تجدوا حاجة للتحقيق في الرواية التاريخية التفصيلية عن ولادة الامام المهدي ومشاهدته واللقاء به في حياة أبيه او في أيام النواب الأربعة. وقد انصب جهدكم على تحليل الروايات والتعليق عليها وتفسير المعضل منها وتأويل المتعارض والمخالف للقرآن الكريم والعقل والروايات الصحيحة الأخرى.
وبالرغم من الجهود التي بذلتموها في صياغة الموضوع وتحليل الأحداث فاني اعتقد ان موضوعا خطيرا كموضوع وجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) تترتب عليه أمور كثيرة في الفقه والفكر السياسي والعقائدي ، ويقوم عليه كيان الطائفة الاثني عشرية بحاجة الى بحث أعمق وأدق و أشمل ، ولا يجوز التقليد والاعتماد على آراء العلماء السابقين بدعوى الضرورة او التواتر او الشهرة سواء في أساس الموضوع او في الأمور التفصيلية منه.. خاصة مع وجود التهمة من قبل عامة المسلمين وعامة الشيعة وعامة الامامية – ماعدا الفرقة الاثني عشرية- باختلاق موضوع وجود الامام المهدي وابتداع القول به بعد وفاة الامام العسكري وحدوث الحيرة من بعده.وقد استغربت من قولكم في المقدمة  (ص 46):"ان منهجنا يقوم على الأخذ بالروايات المشهورة".
ان الأمانة العلمية تقتضي استعراض الصورة التاريخية الدقيقة والشاملة كما رواها مؤرخو الامامية الأوائل كسعد بن عبد الله الأشعري القمي في (المقالات والفرق) والنوبختي في (فرق الشيعة) والمفيد في (الإرشاد) وغيرهم ، وعدم الاكتفاء باستعراض الرأي القائل بوجود المهدي ، وحده من بين مجموعة الأقوال التي قال بها شيعة الامام الحسن العسكري في أيام الحيرة.
ان الإجماع او التواتر او الشهرة او الضرورة التي تتحدثون عنها في موضوع المهدي لم يكن أي منها موجودا في حياة أهل البيت (ع) ولا بعد وفاة الامام العسكري ، ولذلك حدثت الحيرة في موضوع خليفة الامام ، وانقسم الشيعة الامامية الى أربعة عشر فرقة حول الموضوع.. وانما حدث ذلك بعد فيما بعد حين قال فريق من الامامية بوجود ولد للامام العسكري هو الامام من بعده ، ثم قالوا بعد حين انه الامام المهدي ، واستندوا في قولهم هذا على مجموعة أقوال نظرية (فلسفية) واستعانوا ببعض الأحاديث العامة والغامضة وربطوا بعضها ببعض ثم اجتهدوا فيها واستنتجوا منها حتمية وجود الولد للامام العسكري. ولم يكن للقصص الأسطورية أي وجود في البداية.. وانما بدأ بعض الغلاة يحبك تلك القصص الأسطورية لكي يدعم القول الافتراضي بوجود الامام (الثاني عشر) ولذلك جاءت تلك القصص التاريخية التي تتحدث عن ولادته واللقاء به في أيام أبيه وفي أيام الغيبة خالية من السند الصحيح ومروية عن اشهر الكذابين والوضاعين كجعفر بن مالك الفزاري وآدم البلخي وأحمد الرازي.
واذا كان بعض العلماء السابقين قد ذكر تلك الروايات الضعيفة فليس لكي يقدمها دليلا على وجود المهدي وانما ليتخذها دليلا مساعدا يعضد به الدليل الأول والأقوى لديه وهو الدليل الفلسفي (الاعتباري) ولكنكم أتيتم فيما بعد وأهملتم الدليل الفلسفي (الكلامي) واكتفيتم بتلك الروايات الأسطورية التي لا أساس لها من الصحة.
ومن هنا فان الروايات التاريخية التي اعتمدتم عليها في تأليف كتابكم لا علاقة لها بأهل البيت ولا بالمذهب الشيعي الإمامي ولا تعتبر من الضروريات ، بل هي موضع شك عميق ، وان من مقدمات البحث الموضوعي دراستها من كل جانب والتأكد من سندها بدقة وعد الاكتفاء بوجدانها في كتب العلماء السابقين ، حتى إذا كانت خالية من المعارض ، وذلك لأن احتمال الوضع والتلفيق قائم حولها.
كما ان احتمال قيام (النواب الأربعة) الذين ادعوا السفارة عن المهدي بتلفيق تلك القصص وترويجها أملا بدعم دعاواهم الفارغة قائم أيضا ، وقد كان الشيعة الأوائل يشكون في صدق ادعائهم ، وقد حدث صراع بين أدعياء النيابة المختلفين وكذب بعضهم بعضا ، ولا يجوز ان  نعتمد على توثيق السابقين لهم ونقلدهم في ذلك، بل لا بد من بذل الجهد للاجتهاد في ذلك وتجشم عناء البحث من أجل كشف حقيقتهم..
إذن فان الحاجة الى إعادة النظر في الموضوع برمته ملحة جدا ولا بد أيضا من إعادة النظر في منهج البحث والتمييز بين الروايات الصحيحة والمزورة وذلك باعتماد علم الرجال ومبادئ الرواية ورفض اية رواية ضعيفة او مجهولة او مقطوعة السند حتى لو كانت مذكورة في كتب العلماء السابقين الذين كانوا يحاولون ان يدعموا نظريتهم بأية إشاعة ، خاصة مع وجود الشك والتهمة باختلاق نظرية (الاثني عشرية) في عصر الحيرة بعد وفاة الامام العسكري بعقود من الزمن.
ويسرني في هذه المناسبة ان اقدم لكم جهدي المتواضع الذي يثبت اختلاق النظرية المهدوية (الاثني عشرية) وافتراض وجود (الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري) الذي لا وجود له في الواقع ، أتمنى منكم ان تلقوا بنظرة فاحصة على الكتاب وتوافوني بما لديكم من ردود.. وانا على استعداد لأن أغير وجهة نظري او أعدلها إذا قدمتم لي اية أدلة علمية تثبت موضوع الولادة والوجود للمهدي (محمد بن الحسن العسكري)
وشكرا والسلام عليكم  ورحمة الله وبركاته
احمد الكاتب
لندن 1413هـ

رسالة من أحمد الكاتب إلى ناصر مكارم الشيرازي حول المهدي

بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المحترم
الحوزة العلمية – قم ، الجمهورية الإسلامية الإيرانية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فقد قرأت كتابكم باللغة الفارسية ( المهدي الثورة الكبرى) الذي تتحدثون فيه عن فوائد نظرية الإيمان بوجود مصلح عالمي وتردون الاتهامات القائلة بسلبية الانتظار ، وذلك بتفسيركم لمعنى الانتظار بصورة إيجابية لا سلبية كما يسيء فهمها البعض حسب قولكم ، وعن هوية المهدي وبعض الأسئلة التي تحيط به.
وقد قلتم في مقدمة الكتاب بأنكم ترحبون بأية وجهة نظر أخرى ، ولذا فأرجو ان تسمحوا لي بتقديم بعض الملاحظات السريعة التي أرجو ان تأخذوا بها بنظر الاعتبار.
لقد كان كتابكم يحاول شرح وتفسير ظاهرة المهدي العامة والخاصة قبل ان يكون محاولة للغوص في بحث تحديد هوية المهدي ، وقد أحلتم القراء الى مراجعة كتاب الشيخ لطف الله الصافي (منتخب الأثر في النص على الامام الثاني عشر) ونقلتم منه بعض الفقرات والأحاديث ، واعتقد ان من المهم جدا القيام بصورة دقيقة ببحث موضوع وجود المهدي (محمد بن الحسن العسكري) الذي يعتقد به الشيعة الامامية الاثنا عشرية ، والذي يختلفون حوله مع سائر المسلمين.
وكما تعرفون فان المتكلمين الشيعة الأوائل استدلوا على وجوده بعدة انواع من الأدلة : أولها الدليل العقلي وثانيها التاريخي وثالثها النقلي ورابعها المعاجز وخامسها الإجماع ، ولكنكم لم تشيروا الا الى الدليل النقلي الروائي وأعرضتم صفحا عن الإشارة الى الدليل العقلي الذي كان يعتبر الأول والأساس في بداية تكون النظرية المهدوية الاثني عشرية كما أعرضتم عن الإشارة الى الدليل التاريخي فضلا عن الأدلة الأخرى.
وكان الدليل العقلي يعتمد على النظرية الامامية التي تقول : (بضرورة وجود إمام في الأرض وان ذلك الامام لا بد ان يكون معصوما وان المعصوم لا يعرفه الا الله وبالتالي فلا طريق لمعرفة الامام من قبل الأمة ، ومن هنا فان على الله ان يعرف المسلمين بالإمام المعصوم عن طريق النص ، وان الله قد عين الامام عليا خليفة من بعد الرسول وان الامامة استمرت في ذريته الى يوم القيامة وانها لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين وانها وصلت الى الامام الحسن بن علي العسكري وانه قد مات وان أخاه جعفر ليس بإمام فلا بد من افتراض وجود ولد له وان لم نر أثرا له ، وانه الامام بعد أبيه وانه المهدي المنتظر) ويبدو أنكم لا تؤمنون بهذا الدليل العقلي حيث قلتم في كتابكم:" ان الأدلة العقلية لا يمكن أبدا ان تضع إصبعا على شخص معين ، وان نتائجها كلية" (ص 213)
أما الدليل النقلي فيعتمد على روايات عامة بخروج مهدي في آخر الزمان ويضيف اليها بعض الروايات الخاصة التي تحدد اسمه ، كما يعتمد على رواية الاثني عشرية وان الثاني عشر الغائب هو المهدي المنتظر.
أما الدليل التاريخي فيتحدث عن قصة ولادة  (محمد بن الحسن العسكري) ومشاهدة بعض الشيعة له في حياة أبيه وعند وفاته وبعد ذلك ، واعتقد إنكم تعرفون قيمة الروايات التاريخية التي تشبه الأساطير والتي لا يوجد لها أي سند.
أما الدليل النقلي الذي لم  تبحثوا فيه بعمق واعتمدتم على ما نقل الشيخ الصافي ، فانه يقول في مقدمة كتابه: "انه لم يبحثه بدقة اعتمادا على شهرة الروايات" ولو بحثتموه لوجدتم انه ليس الا روايات مختلقة او عامة لا تفيد تحديد شخص المهدي ، وقد قدمت قبل حوالي سنتين بحثا مفصلا في تلك الروايات الى سماحة الشيخ الصافي واعتقد انه شكل لجنة لدراستها ولم يعطني اية إجابة مكتوبة حتى الآن ، ويكفي في الرد على تلك الروايات عدم استطاعة أحد ان يثبت بالأدلة التاريخية العلمية وجود شخص (محمد بن الحسن العسكري) وولادته. ومن هنا فإنها قابلة للتأويل والتفسير والرد.
أما الدليل العقلي الذي يعتمد على نظرية العصمة والنص ويحتاج الى مناقشة في كل جزء من تفاصيله الكثيرة والطويلة فهو في الحقيقة ليس دليلا عقليا ويرجع الى النقل في أهم فقراته ، وبالإضافة الى ذلك فانه يشكل السبب الرئيسي في تخلف الشيعة قرونا من الزمان ، واذا قلتم لي كيف؟ فاني احيلكم على كتب الفقه التي كتبها الأولون والمشحونة بنظرية التقية والانتظار التي تحرم الثورة والجهاد واقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصالة الجمعة وكل ما يتعلق بالدولة في عصر الغيبة بدعوى حرمة اقامة الدولة  لغير الامام المعصوم ، وان ذلك الامام المعصوم المعين من قبل الله موجود وهو يراقب الأحداث والتطورات ويستعد للثورة والخروج في اللحظة المناسبة.
واذا كان انتظار خروج مصلح ما لا يحمل معنى سلبيا ، فان الإيمان بإمام مسؤول ومكلف من الله حي موجود مراقب ، وعدم جواز التصدي او اتباع إمام غير معصوم كان بالتأكيد يحمل معنى سلبيا مدمرا ومخدرا ، ويمكنك مراجعة كتاب (جواهر الكلام) للشيخ حسن النجفي ، باب القضاء ، حيث يبحث نظرية ولاية الفقيه ، إذ يقول بعدم شمول الولاية لاقامة الدولة واتخاذ الأمراء والسلاطين ، وذلك لاستحالة فعل ذلك في عصر الغيبة والتقية والخوف ، واذا ارتفع الخوف وجب على الامام المهدي الظهور إذ لا سبب للغيبة الا الخوف ، ولما كان غائبا عرفنا انه خائف وان الظروف لا تسمح بإقامة الدولة.
وبالرغم  من محاولة بعض العلماء للالتفاف على نظرية التقية والانتظار باختراع نظرية (النيابة العامة) والتخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في (الامام) المعاصر ، وهو ما سمح لهم بإقامة الدولة الإسلامية الحديثة على أساس نظرية (ولاية الفقيه) فان المشكلة الكبرى التي تكمن في الإيمان بفرضية (وجود محمد بن الحسن العسكري) هي إعطاء الحاكم البشري صفات وصلاحيات الحاكم الإلهي (المعصوم) المطلقة ، بما فيها الولاية التكوينية ، وهو ما ينتج أسوء نوع من الحكم الديكتاتوري عرفته البشرية خ=حتى الآن.
ولذا أدعوك بإخلاص الى ان تعيد النظر في هذه المسألة المهمة جدا وتبحث بدقة وموضوعية في أساس وجود المهدي (ابن العسكري) وما تخلفه من سلبيات ، وليس (المهدي العام) الذي لا يضر الإيمان به ولا ينفع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
احمد الكاتب
7 ربيع الأول 1415 / 1995

مدى الموضوعية التاريخية في تحقيق السيد مرتضى العسكري

لقد أنفق محقق كبير مثل السيد مرتضى العسكري سنوات طويلة من عمره، لكي يثبت في مجلدين أو ثلاثة أن عبد الله ابن سبأ اسطورة وهمية اختلقها بعض المؤرخين لكي يتهموا الشيعة بأخذ نظرية الوصية في الإمامة من الإسرائيليين، وبذل السيد العسكري جهودا مضنية ودرس عشرات الكتب التاريخية لكي ينفي قصة وجود عبد الله بن سبأ ودوره في الفكر الشيعي، ولكنه لم يبذل واحدا بالمائة أو بالألف من تلك الجهود ليبحث حقيقة (وجود الإمام الثاني عشر) أو يدرس تلك الروايات التي تتحدث عن ولادته، ولم يتوقف عندها في كتاب من كتبه، وهو الذي اكتشف وجود (مائة وخمسين صحابي مختلق)
أحمد الكاتب «تطور الفكر الشيعي السياسي: من الشورى إلى ولاية الفقيه».  ص 205

الفقهاء المتأخرون: الامام الغائب لا يقوم بمهام الامامة ولا بد لنا في عصر الغيبة من إمام

على العكس من المتكلمين القدماء الذين كانوا يبررون الغيبة بأن الامام موجود كالشمس وراء السحاب ، شعر العلماء المتأخرون بحاجة الامة الى امام حي ظاهر متفاعل يقود الشيعة ويطبق أحكام الدين ، ولذلك قاموا بثورة كبرى في التخلي عن الشروط المثالية المستحيلة وقالوا بولاية الفقيه العادل ، تلك النظرية التي أدت الى قيام الجمهورية الاسلامية في ايران وتغيير التاريخ الشيعي
كيف ولماذا قال الفقهاء بنظرية ولاية الفقيه؟
بعد تطوير المحقق الشيخ علي عبد العالي الكركي لنظرية (النيابة العامة) إلى مرحلة سياسية متقدمة في القرن العاشر الهجري ، واعطائه الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي وكالة للحكم باسم (نائب الإمام : الفقيه العادل). استمرت نظرية (نيابة الفقهاء العامة) في أداء دورها السياسي إلى جانب الملوك الصفويين ، ونظريتهم الخاصة (النيابة الملكية) بصورة عامة.. وان كانت في بعض الاحيان تشهد تراجعا لدى العلماء الذين ينكفئون إلى نظرية (التقية والانتظار) أو الملوك الذين يتمردون على هيمنة العلماء.. وانتقلت إلى العهد القاجاري..
ومع ان انهيار الدولة الصفوية في القرن الثاني عشر الهجري أدى إلى استفحال المد الاخباري ، وانتشار القول بنظرية الانتظار وحرمة الاجتهاد والتقليد وإقامة صلاة الجمعة ، فان القرن الثالث عشر الهجري شهد انتعاش المد الأصولي وقيام العلماء هنا وهناك بتطبيق الحدود وممارسة القضاء والإفتاء وتولي أمور الرعية والتصرف في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء وتقسيم الخمس والزكوات وممارسة مهمات الحكومة الأخرى. 1
وهذا ما دل على تطور نظرية (النيابة العامة) من إجازة الملوك إلى تصدي الفقهاء بأنفسهم للحكم ، وتجاوز نظرية (الانتظار) والتخلي عنها تماما.. الأمر الذي دفع الشيخ احمد بن محمد مهدي النراقي (توفي 1245ه ) إلى تأليف كتاب عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام) وطرح النظرية في إطار جديد وشامل اكثر تطورا ، تحت عنوان ولاية الفقيه) وليس تحت العنوان السابق النيابة العامة) القائمة على قاعدة نظرية (الغيبة والانتظار) ، حيث نظر النراقي إلى واقع قيام الفقهاء بتشكيل حكومات لا مركزية في بلاد شيعية واسعة مما ينفي أدنى مبرر لاستمرار نظرية (التقية والانتظار) أو القول المحدود الاستثنائي بقيام الفقهاء بتغطية بعض الجوانب الجزئية من الحياة ، وبحث مشكلة الإمامة أو السلطة و الولاية العامة وضرورتها في (عصر الغيبة) وذلك على نفس الأسس الفلسفية والمبادئ التي توجب (الإمامة ) للأئمة المعصومين . 2
ولم يتوقف النراقي وهو يؤسس لشرعية (ولاية الفقيه الكبرى) التي تضاهي الإمامة العامة الكبرى ، عند شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) التي أدت بالأجيال الشيعية الامامية الأولى ، وخاصة بعد الحيرة التي أعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر ، إلى القول بفرضية وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ثم أدت بهم إلى القول بنظرية (التقية والانتظار) التي كانت تحرم الثورة والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة وتبيح الخمس والزكاة والأنفال وما إلى ذلك في (عصر الغيبة) .
وقام النراقي بإعطاء الفقهاء منصب (الإمامة الكبرى) ومسئولياتها العامة ، وقال بصراحة :· كلما كان للنبي والإمام فيه الولاية ، وكان لهم ، فللفقيه أيضا ذلك ، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما وقال:· ان كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به ولا مفر منه ، اما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور العباد والمعاش لواحد أو جماعة عليه ، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به ، أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم ، أو دليل آخر.. أو ورود الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعينٍ واحد أو جماعة ولا لغير معين ، أي واحد لا بعينه ، بل عُلمَ لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه ، ولم يُعلم المأمور ولا المأذون فيه .. فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به . 3
وقال:· انه مما لا شك فيه: ان كل أمر كان كذلك لا بد وان ينصب الشارع الرءوف الحكيم عليه والياً وقيّماً ومتولياً.. والمفروض عدم دليل على نصب معين أو واحد لا بعينه أو جماعة غير الفقيه ، واما الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا الجليلة وهي كافية في دلالتها على كونه منصوبا منه .
وان بعد ثبوت جواز التولي منه وعدم إمكان القول بأنه يمكن ان لا يكون لهذا الأمر من يقوم له ولا متولٍ له نقول: ان كل من يمكن ان يكون وليا متوليا لذلك ويحتمل ثبوت الولاية له يدخل فيه الفقيه قطعا من المسلمين أو العدول أو الثقاة ، ولا عكس .
وأيضا.. كل من يجوز ان يقال بولايته يتضمن الفقيه ، وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمنا لثبوت ولاية الغير سيما بعد كونه خير خلق الله بعد النبيين وافضلهم والأمين والخليفة والمرجع فيكون جواز توليته يقينيا والباقون مشكوك فيهم ، فينفي ولايتهم وجواز تصرفهم . 4
واستدل النراقي على جواز الولاية للفقهاء وحصرها فيهم بالأخبار والإجماع والضرورة والعقل ، وقدم أولا شطرا من الأخبار الواردة في حق العلماء من قبيل  العلماء ورثة الأنبياء) و ( اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي) وحديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا الذي ذكره الصدوق في (علل الشرائع) حول أهمية الإمامة (الرئاسة) وضرورتها ، وان الإمام هو القيّم والأمين والرئيس وولي الأمر . 5
كما ذكر الأحاديث التي تؤكد على عدم ترك الله للأرض خالية إلا وفيها عالم يعرف الناس حلالهم وحرامهم ولئلا يلتبس عليهم أمورهم . ونفى ان يكون المقصود منها (الإمام المهدي) وقال:· ان الحجة والعالم الواردة في الروايات لا يحملان على الإمام المعصوم الغائب ، لأنه لا يعرّف الناس مسائلهم ولا يدعوهم إلى سبيل الله ولا يبيّن لهم أمورهم . 6
واستنبط النراقي من تلك الأخبار: بديهة أن للفقيه كل ما كان للنبي في أمور الرعية وما يتعلق بأمته ، وقال: ان اكثر النصوص الواردة في حق الأوصياء المعصومين المستدل بها في مقام إثبات الولاية والإمامة المتضمنين لولاية جميع ما للنبي فيه الولاية ، ليس متضمنا لأكثر من ذلك.. . 7
وذكر اختلاف الفقهاء حول ثبوت ولاية الحدود والتعزيرات للفقيه في زمن الغيبة ، وقال : ·ان الحق ثبوتها .. وان الفقهاء هم الحكام في زمان الغيبة والنواب من الأئمة (المصدر)
واستدل على ذلك بما مضى من الروايات والقواعد ، وأضاف إليها الاطلاقات المستفادة من مثل قوله تعالى (فاقطعوا) أو قوله  فاجلدوا) ونحوها ، مع إمكانية الخدشة فيها بعدم معلومية شمول تلك الخطابات لمثل الفقهاء .
وكذلك استدل بـ : (الإجماع المركب) : من عدم جواز ترك الحدود وإهمالها ، ومسئولية الأمة في تنفيذها ، على ثبوت هذه الولاية للفقهاء أيضا.
وادعى النراقي ثبوت ولاية الفقيه على أموال اليتامى بالضرورة والإجماع والأخبار المستفيضة الدالة على ان الشارع لم يدع شيئا مما يحتاج إليه الأمة إلا بينه لهم ، ومنه الولاية على أموال الأيتام. 8
تطوير نظرية الإمامة
لقد كانت نظرية الشيخ النراقي تتألف من قسمين هما: أولا : ضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وثانيا: حصر الإمامة في الفقهاء.. وبغض النظر عن مناقشة القسم الثاني ، فان القسم الأول من نظريته يرفض القبول بنظرية (الغيبة) وفائدة الإمام الغائب كإمام ، ويحتم استمرار الإمامة .. ويؤكد الحاجة الملحة لوجود الإمام الحجة العالم المعلم الهادي والداعي إلى سبيل الله بصورة ظاهرةٍ حيويةٍ متفاعلة مع الأمة .
ولما كانت نظرية (الإمامة) أو (وجود الإمام الثاني عشر الغائب) تعجز عن تلبية حاجة الأمة المستمرة للإمام فان النراقي يتخلى مضطرا عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية في الإمام ، ويأتي بكل أدلة ضرورة الإمامة التي كان يستخدمها المتكلمون الاماميون الأوائل ومن ضمنها حديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا ، الذي يتحدث عن ضرورة الإمامة والعصمة ، فيأخذ النراقي الشطر الأول ويلغي (العصمة) ويكتفي بشرط الفقاهة والعدالة.
ويعتمد النراقي كثيرا على الأدلة العقلية و الاطلاقات العامة التي تحتم إقامة الدولة بصورة مستقلة ، وليس بالضرورة : بالنيابة العامة عن الإمام المهدي.. إذ ان قيام الفقهاء بمهام الإمامة الكبرى - ولو بالنيابة - يتناقض مع اشتراط العصمة والنص في الإمام ، خاصة مع انتفاء ظروف التقية والخوف التي تجبر الإمام على الاختباء .
ومن هنا تعتبر نظرية النراقي حول (ولاية الفقيه) تطورا جذريا في الفكر الشيعي السياسي نحو التحرر من نظرية (الإمامة الإلهية ) اكثر من التحرر من نظرية التقية والانتظار) .. وإذا كانت نظرية ولاية الفقيه) قد تعرضت منذ ذلك الحين إلى مناقشات حامية من قبل عدد من العلماء والمحققين ، فأنها نجحت في طرح موضوع (الإمامة ) على بساط البحث ، وجاء العلماء من بعد ذلك ليبحثوا المسألة في ضوء الحاجة الماسة والمستمرة إلى الإمامة والقيادة العامة في (عصر غيبة الإمام الذي لا يقوم بمهام الإمامة ) . ومع ان الشيخ محمد حسن النجفي ( توفي سنة 1266ه ) ، صاحب (جواهر الكلام) لم يقل بنظرية (ولاية الفقيه) إلى حد تأسيس الدولة وتجييش الجيوش ، إلا انه اعترف بحاجة الشيعة في هذا العصر إلى (ولي للأمر ) وقال: · ان المراد من قولهم  اني قد جعلته عليكم حاكما) ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم ، ولذا جزم فيما سمعته من (المراسم) بتفويضهم (ع) لهم في ذلك وقال بصراحة:· ان إطلاق أدلة حكومته خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (ع) يصيره (الفقيه) من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم ... . 9
وقال الشيخ رضا الهمداني ( - 1310) في مصباح الفقيه) في معرض تأييده لنظرية ولاية الفقيه التي أسماها بـ القائمقامية ) :· ان الذي يظهر بالتدبر في (التوقيع) المروي عن امام العصر (عج) الذي هو عمدة دليل النصب: إنما هو إقامة الفقيه المتمسك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كل ما يكون مرجعا فيه كي لا يبقى شيعته متحيرين في أزمنة الغيبة . ومن تدبر في هذا (التوقيع) الشريف يرى انه (ع) قد أراد بهذا التوقيع إتمام الحجة على شيعته في زمان غيبته بجعل الرواة حجة عليهم لا يسع لأحد ان يتخطى عما فرضه إليه معتذرا بغيبة الإمام ، لا مجرد حجية قولهم في نقل الرواية أو الفتوى ... وملخص الكلام : دلالة هذا التوقيع على ثبوت منصب الرياسة والولاية للفقيه ، وكون الفقيه في زمان الغيبة بمنزلة الولاة المنصوبين من قبل السلاطين على رعاياهم في الرجوع إليه ، وإطاعته فيما شأنه الرجوع فيه إلى الرئيس ... . 10
وهكذا بنى الشيخ محمد حسن النائيني نظريته في (المشروطية ) على أساس استحالة التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر الغائب و عدم وجود الأئمة المعصومين ، وحاجة الأمة إلى قيادة مشروطة بمجلس منتخب منها .
اما الإمام الخميني فقد مهد للقول بنظرية ولاية الفقيه) بضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وقال :· ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين، والعلم عنده تعالى وقال : · أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة)مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟
الخميني ينقد نظرية الانتظار
لقد رفض الإمام الخميني في البداية نظرية (الانتظار للإمام المهدي ) التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب ، رفضا مطلقا ، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تعتبر · متواترة والتي كانت توصي بذلك ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :· بديهي .. ان ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: ان الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما ان تنفيذ الأحكام بعد الرسول (ص) والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج... فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا.
ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي اكثر من ألف عام ، وقد تمر عليه ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر ، وفي طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام ؟ هل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟
ان الذهاب إلى هذا الرأي اسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ ، فلا يستطيع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يقول: انه لا يجب الدفاع عن ثغور الإسلام والوطن ، أو انه يجوز الامتناع عن دفع الزكاة والخمس وغيرهما ، أو يقول بتعطيل القانون الجزائي في الإسلام وتجميد الأخذ بالقصاص والديات ، إذن فان كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام ، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها ، وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف . وخاطب الإمام الخميني الملتزمين بنظرية (الانتظار) قائلا :· لا تقولوا ندع إقامة الحدود والدفاع عن الثغور وجمع حقوق الفقراء حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي) فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟! . 1
ضرورة الإمامة في عصر الغيبة
وقال أيضا:· ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين ، والعلم عنده تعالى . 2
وقال : · وما ذكرناه وان كان من واضحات العقل...ومع ذلك فقد دل الدليل الشرعي أيضا عليه ... وأية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة) مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟ . 3
واستشهد بقول السيدة فاطمة الزهراء (ع) في خطبتها المعروفة  والطاعة نظاما للملة والإمامة لماً من الفرقة) كدليل على لزوم بقاء الولاية والرياسة العامة ، وقال : · أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة ، وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك ، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي,.. والعلة متحققة في زمن الغيبة ، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها . 4
وقد انطلق السيد محمد رضا ال***ايكاني في إرساء قواعد (ولاية الفقيه) من الأدلة الفلسفية التي تحتم وجوب
الإمامة ) ، والواردة في رواية الفضل بن شاذان المنسوبة إلى الإمام علي بن موسى الرضا (ع) والتي تقول:· انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا إلا بقيّم ورئيس لما لا بد منه في أمر الدين والدنيا .. وقال: · الظاهر منها ان عدة من الأمور مما لا بد منها في قوام الملة ونظم الرعية ، بحيث لولاها لاختل النظام وفسدت معيشة الأنام وكثرت الفتنة وازدادت الحيرة وانجذم حبل الدين والدنيا ، إذ ليست تلك الأمور مما يمكن صدوره من أي شخص وفرد ، بل لا بد في إجرائها من وجود الزعيم وحكم القيّم الذي له الولاية على الرعية والزعامة للامة ، ولهذا نرى في كل مجتمع ان طبقات الناس في منازعاتهم يرجعون في بدو الأمر إلى زعيمهم . 12
ولما كانت تلك الرواية تتحدث بعد ذلك عن ضرورة النص والتعيين من قبل الله تعالى للإمام ، فقد قال ال***ايكاني :· الرواية وان كانت وردت في علل الاحتياج إلى الإمام المنصوب من الله تعالى ، لكنه يستفاد منها حكم عام بملاك واحد ومناط جامع وهو ان الطبيعة البشرية والغرائز الحيوانية تقتضي وقوع الاختلاف والتزاحم والجدال والتنازع والتشاح ، وكذا تقتضي سلسلة من الأمور ، وتحققها في بقاء نظمهم وصيانتهم وحفظهم من النفاق والافتراق والشقاق وإلا لفسدت عيشتهم وضاقت معيشتهم . ولما كانت تلك الأمور مما لا يمكن تحققها ولا يصح صدورها من أي شخص وأي فرد فلا بد لهم من زعيم ورئيس وقيّم وحاكم وان لم يكن نبيا أو وصيا . 13
ومع تشكيك السيد ال***ايكاني بشمول (ولاية الفقيه) للحدود وقوله بعدم الولاية التامة المطلقة ، إلا انه قال في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والتعزيرات :· ان ذلك مما لا ينبغي صدوره من كل شخص وفرد ولا يصح وقوعه من كل آمر وناهٍ ، ولا يصلح كل فرد من المسلمين ان يتصداه ويقدم عليه ، وإلا يزداد الفساد ويكثر النفاق والعناد ، فحينئذ لو قلنا بعدم الوجوب في تلك الأمور لاضمحلت آثار الدين واختلت أمور المسلمين واندرست الشريعة وضاقت المعيشة ، وان قلنا بجواز التصدي لكل فرد يلزم منه الفساد ، بل لا يوجد مرتدع ولا مزدجر ، فلا مناص من القول بأن المجتمع في هذا القسم من الأمور يحتاج إلى زعيم وقيّم له العظمة بين الناس والمهابة عندهم والشهامة لديهم . 14
وقد رفض ال***ايكاني بذلك نظرية (التقية والانتظار) وتخلى أيضا عن الشروط المثالية في الإمامة كالعصمة والنص ، وأكد ضرورة إقامة الدولة في ( عصر الغيبة ) . ومع انه حصر الحق في إقامة الدولة في (الفقهاء ) فقط ، إلا انه طرح نظرية (ولاية الفقيه) بصورة مستقلة واعتمادا على الأدلة العقلية العامة التي توجب إقامة الدولة وتطبيق أحكام الدين والأدلة النقلية التي تعتبر العلماء ورثة الأنبياء ، ولم يلتزم بنظرية (النيابة العامة) التي بنى كثير من الفقهاء نظريتهم السياسية عليها .

دعوة لإعادة النظر في حكم صلاة الجمعة

سماحة الامام السيد محمد الشيرازي حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد فقد تسنى لي خلال السنوات الماضية ان أقوم بإلقاء نظرة على معظم أمهات كتب الفقه الشيعية خلال ألف عام ، وان أقارن بين آراء العلماء الأعلام فيما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية .. وقد وجدت أثناء البحث سيادة نظرية " التقية والانتظار" في القرون الأولى من (عصر الغيبة).. وان تلك النظرية كانت تحرم وتعطل كل ما يتعلق بالدولة في (عصر الغيبة). كما وجدت كثيرا من العلماء المتقدمين والمتأخرين يحاولون التملص من  تلك النظرية اللامعقولة والمخالفة للقرآن الكريم والفطرة والواقع . وقد توجت محاولاتهم الجريئة بالقول في القرون الأخيرة.. بنظرية ولاية الفقيه ، واستطاعوا بذلك ان يعيدوا الحياة للجوانب المجمدة من القوانين الاسلامية كقانون الثورة والدولة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود والخمس وما شابه.
وقد لاحظت ان القول بولاية الفقيه تطور تدريجيا مسألة مسألة ومن عالم الى عالم .ز وقد أثار انتباهي قولكم لأول مرة في تاريخ  الفقه الشيعي الجديد ، بقدرة الفقيه الولي على إعلان الجهاد الابتدائي ، خلافا لإجماع العلماء الممتد منذ أكثر من ألف عام ، والمبني على قاعدة نظرية "التقية والانتظار".
وقد عززتم بذلك نظرية "ولاية الفقيه" وتقدمتم بها خطوة الى الامام.
واعتقد ان هناك خطوة مشابهة اخرى تحتاج الى التنفيذ ، وهي صلاة الجمعة ، وهي كما قلتم في كتاب (الفقه ) ثابتة بصريح القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة ، ولكن الذي أدى الى تحريمها او نفي الوجوب عنها هو القول بنظرية (التقية والانتظار) واشتراط حضور الامام العادل ، أي الامام المعصوم ، او إذن نائبه الخاص.
وقد ظهر هذا الشرط في القرن الخامس الهجري أيام السيد المرتضى والطوسي ، واعتمد على الإجماع (اجماع المسلمين) في اشتراط إذن الامام في صلاة الجمعة ،  وكان عامة المسلمين يقصدون بذلك الحاكم بصورة عامة.
وقد استورد أصحاب مدرسة التقية شرط الإجماع هذا من (العامة) ثم أضافوا اليه شرط العدالة ثم فسروا العدالة و(الامام العادل) بالإمام المعصوم ، ولما كان الامام العادل (المعصوم) غائبا ، حسب النظرية الاثني عشرية / فقد قالوا بتعطيل صلاة الجمعة في (عصر الغيبة).
وكان عملهم هذا جزءا من أعمالهم الأخرى التي عطلوا فيها الجوانب السياسية المهمة لعدم وجود او ظهور الامام المعصوم (المهدي المنتظر).
وبالرغم من ان نظرية (التقية والانتظار) كانت نظرية اجتهادية ظنية وقائمة على تأويلات لأحاديث ضعيفة ، فان أصحابها قد اعتمدوا عليها لكي يقوموا باجتهاد جديد في مقابل النص القرآني الصريح والأحاديث الصحيحة ( كصحيحة زرارة )  ويقولوا بتحريم صلاة الجمعة او سقوط وجوبها.
ولكن نحمد الله الذي قيض من المجتهدين العظام ، أمثالكم ، من الذين رفضوا نظرية (التقية والانتظار) وقالوا بنظرية (ولاية الفقيه) وذلك من أجل إحياء الدين وتجديد ما طمس من معالمه. ، وحسبما أعلم أنكم تقولون بولاية الفقيه المطلقة ، وهذا ما يعني أنكم تقولون بضرورة الامامة في عصر الغيبة ولا تشترطون العصمة في الامام المعاصر ،  ومن هنا فقد تخليتم عن الإجماع السابق وقلتم بجواز تصدي الفقيه العادل لمهمة إعلان الجهاد الابتدائي ، فلماذا تترددون او تتوقفون في ربط صلاة الجمعة بالفقيه (الامام العادل) ,لا تقولون بوجوبها بقوة؟
ألا تتفقون معي في الرأي : بأن الموقف السلبي الموروث من صلاة الجمعة  ناتج عن نظرية التقية والانتظار الخاطئة والمرفوضة بقوة من قبلكم؟ وألا تعتقدون ان هذه المسالة بحاجة الى مراجعة جديدة ؟ والى مراجعة في أصول الاجتهاد فيها ، وذلك بالعودة للتمسك بالنصوص الصريحة والصحيحة ، ونبذ القياس والاجتهاد بالرأي ، والاعتماد على الاحتمالات التعسفية والتأويلات الباطلة ، أسوة ببقية المسائل التي عطلتها نظرية التقية والانتظار السلبية ؟
احمد الكاتب
لندن 25 محرم الحرام 1414هـ

لماذا يرفض علماء الشيعة الحوار حول شخصية مهدي الشيعة محمد العسكري - بقلم أحمد الكاتب

يتساءل كثير من الناس باستغراب شديد عن أسباب الحملة الشعواء التي شنها بعض رجال الدين وأساتذة الحوزة في قم ضدي ، ورفضهم للبحث في موضوع وجودالامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) برغم أهمية البحث على صعيدالفكر السياسي الداخلي والعلاقات الشيعية السنية ، وإغلاقهم لباب الاجتهادفي أمر أساسي يشكل القاعدة لكثير من الأحكام الفقهية ويؤثر سلبا او إيجابافي الحياة العامة ، في حين يفترض بالعلماء والمجتهدين ومراجع الدينالمبادرة الى بحث هكذا مواضيع او الاستماع لرأي مجتهد جديد او مناقشته علىالأقل و رد أدلته ، والمحافظة على عقائد الناس ، أما ان يفضلوا الصمتالمطلق والتهرب من المناقشة فهو لا يليق بخلق العلماء والمجتهدين ، الااذا كان في الأمر سر لا يريدون البوح به ، وهنا علينا ان نعرف ماهو ذلكالسر؟لقد كتبت الى أحد أساتذة الحوزة العلمية في قم ، من الذين يعدون أنفسهمللمرجعية العليا في المستقبل ، أتوسل اليه ان يلقي نظرة على كتابي (تطورالفكر السياسي الشيعي) قبل الطبع بسنوات ،وقلت له بصراحة: اني سوف اعتبرسكوته وعدم رده دليلا على موافقته على ما جاء في الكتاب من آراء ، ثمالتقيت به في المسجد الحرام عند بيت الله المعظم وسألته اذا كان يملك أيدليل مضاد لما توصلت اليه او أي شيء يثبت ولادة ووجود (الامام المهدي) فلميقل شيئا. وبعد ذلك سمعته يهاجمني شخصيا في خطاب له ويتهرب من مناقشةالموضوع ويكتفي بالتأكيد على ان المهدي المنتظر يجمع على ظهوره السنةوالشيعة ،ويأتي بأحاديث من كتب أهل السنة تثبت ظهوره في المستقبل ، ولايرد على النقطة الأساسية التي اطرحها وهي ولادة (محمد بن الحسن العسكري)في القرن الثالث الهجري واستمرار حياته الى اليوم والى المستقبل ، وهذهقضية اخرى غير قضية ظهور المهدي العامة التي توجد حتى لدى الأديان الأخرىمن غير المسلمين.
ونظرا لحواراتي الطويلة مع هذا الأستاذ الحوزوي المرشح للمرجعية الدينيةفي المستقبل ، أكاد اجزم بأنه لا يؤمن شخصيا بوجود وولادة (الامام محمد بنالحسن العسكري) لقصور الأدلة الشرعية العقلية والنقلية والتاريخية ، وهويعرف ذلك جيدا ، ومع ذلك فانه يخالف نفسه في الظاهر ويجاري الناس والأجواءالمحيطة به الى حد الهجوم الشخصي عليَ والتشكيك في إيماني وديني ، وحسابهعلى الله.
وقفت كثيرا أتأمل أفكر في اللغز الذي يكمن في شخصية"رجل الدين" هذا ، الذييحلم بالتجديد والإصلاح ، لماذا يحارب التجديد والإصلاح؟ او على الأقل :لماذا يرفض سلوك طريق التجديد والإصلاح؟ لماذا يتخلى هكذا عن روح العلموالاجتهاد؟ هل هو الخوف؟ أم الطمع؟ أم ماذا؟يوجد في الحوزات العلمية أساتذة وفقهاء كثيرون ، ولكن ليس كل واحد منهميصبح مرجعا دينيا ، ويموت الكثير منهم دون ان يسمع بهم أحد.. وذلك لأنالمرجعية تشبه الزعامة السياسية لا يصل اليها من لا يسلك طريقها ويمتلكأدواتها – عادة – وفيها نوع من التنافس والصراع الذي يحتدم أحيانا ويخفأحيانا اخرى ، وكل أستاذ او فقيه يفكر بأن يصبح مرجعا او مرجعا أعلى لا بدان يؤسس مدارس ويجمع طلبة خاصين ويؤلف حاشية من المريدين ويوزع رواتبشهرية ، وهذا يقتضي منه ان يحصل أموال من الناس ، والناس لا يعطون المالالا بصعوبة ولمن ينسجم معهم ومع أفكارهم ، وهذا يتطلب من المرجع الديني اوالعامل من اجل المرجعية ان ينسجم مع الناس ويتخلى عن أفكاره الإصلاحيةويتجنب توجيه النقد الحاد لأفكارهم وممارساتهم و "عقائدهم" وعاداتهموالخرافات الشائعة بينهم ، الا بالقدر الذي يجلب له المصلحة والشعبيةوالمال.وكلما تقدم الأستاذ في طريق المرجعية أصبحت له حاشية ووكلاء وطلبة ، وخدموحشم ومنافسون ألداء ، كلما تخلى الأستاذ - المرجع عن أفكاره الإصلاحيةوآرائه الخاصة وتجنب لغة الحق والباطل والصواب والخطأ ، ليتحدث بلغةالمصلحة العامة والممكن و " مالا يدرك كله لا يترك جله" الى ان يصبح تابعاومقلدا لعوام الناس في أساطيرهم وحكاياتهم الشعبية وخرافاتهم المغلفة باسمالدين ، ولا يجرؤ على محاربة بدعة او نقد أي انحراف في الامة ، مع انهالمسؤول الأول عن هداية الناس وتعليمهم أحكام الله.. فترى مثلا أحدالمراجع يدافع بشدة عن عادة نقل الموتى من أقاصي بلاد فارس الى مقبرةالسلام بالنجف او يشجع على ضرب الرؤوس بالسيوف في عاشوراء وما شابه منالأمور التي يحرمها العلماء المحققون ، وذلك مراعاة لعواطف الجماهير وكسبالودهم.وقد عانى السيد هبة الدين الشهرستاني أحد أبرز علماء العراق المصلحين فيبداية هذا القرن ، من انقلاب دور رجال الدين وتقاعسهم عن أداء أدوارهمالإرشادية والتوعوية وقيامهم بمحاربة الحركة الإصلاحية ، وتحدث في مجلة(العلم) عن تخلي بعض العلماء عن علمهم وتقليدهم للعوام والجهال طمعابمالهم.ومن المعروف ان المؤسسة الدينية السنية – عادة ما - تكون تابعة ماليالأجهزة الحكومات ، وهو ما يفقدها في الغالب استقلاليتها أمام الحكام ، معوجود علماء أحرار يجاهرون بكلمة الحق من دون هيبة او طمع ، كما ان منالمعروف ان المؤسسات الدينية الشيعية نمت بعيدا عن الحكم وفي أوساط الشعبوقدمت علماء أحرارا كثيرين يخلصون لدينهم ولا يراعون اية مصلحة خاصة ،ولكن الارتباط العام بالجماهير والاعتماد عليهم في الرزق أدى الى نشوء نوعمن التبعية والتقليد لهم.وعندما كان العلماء او "رجال الدين" يتحلون بالزهد في الدنيا ويرضونبالكفاف ويعيشون على الخبز والملح ولا يفكرون بالزعامة او كانوا يعملونبأيديهم ويكسبون قوتهم بعرق جبينهم كانوا أكثر حرية في قول الحق ومحاربةالباطل ، ولكنهم عندما انهمكوا او ينهمكون في ملذات الدنيا وشراء الدوروالقصور والسيارات الفخمة ويحلمون ويعملون من اجل الزعامة السياسيةوالدينية فانهم يضطرون الى استخراج أموال طائلة من الشعب لكي تدير عجلةمرجعيتهم ، ويضطرون مرة اخرى الى مداهنة الناس ومجاراتهم وتجنب ما يزعجهم، وقد يلعب الشيطان في عبهم –كما يقولون – فيصور لهم تنازلاتهم ومداهناتهمتلك في خدمة الاسلام والمسلمين ، لأنهم يريدون ان يرتقوا ويمتلكوا القوةويصبحوا مراجع أعلين حتى يقوموا بالإصلاح المطلوب بعد ذلك ، او يبرر لهمالشيطان إحجامهم عن قول الحق بأنه يضر بالمصلحة العامة وقد يقطع بعضالأموال الشعبية عنهم ، وهذا ما يؤدي الى جوع بعض العوائل الفقيرة التيينفقون عليها ، او تعطيل بعض المؤسسات الاسلامية العاملة ، او صعودمنافسيهم "الأشرار" او "غير الأكفاء" على سدة المرجعية والهيمنة علىالمجتمع.. وما الى ذلك من التبريرات التي يحلو لهم قبولها او اختراعهاوإقناع الشيطان بها.أعود الى ذلك الأستاذ الفقيه الحالم بالمرجعية العليا فأجده يأخذ الخمس منجماعات من الناس استطاع ان يقنعها عبر تلامذته الذين بثهم في البلاد وجعلمنهم وكلاء يدعون الى تقليده واعطاء الخمس والزكاة له على اعتبار انه نائباو وكيل عن (الامام المهدي) وهو يأخذ قسما من المال (الخمس) ويعطي قسمامنه لتلامذته (الوكلاء) ويقوم بتوزيع المال على مؤسساته الخيرية ومشاريعهالإعلامية وطبع كتبه وصوره المباركة.ان الصحفيين واصحاب الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون – عادة - يسعون الىكسب القراء والمشاهدين من أجل الحصول على أكبر قدر من الإعلانات لتغطيةنفقاتهم وربما يقومون بالدعاية لمصلحة زعيم او حزب سياسي او دولة أجنبيةولا يلتزمون بالحق والباطل بقدر ما يلتزمون بتحقيق رضا المشاهدين والقراءوعدم إزعاجهم ، ولكن الصحفيين والإعلاميين لا يقولون انهم يمارسون عملادينيا بل يعلنون انهم يقومون بعمل تجاري إعلامي ، ومع انهم مسؤولون أمامالله لو قاموا بخيانة مبادئهم او ساهموا في تضليل الناس ، الا انهم ليسواكرجال الدين الذين يدعون حراسة الدين والمحافظة عليه والدعوة الى الله ثميخونون الناس والله في عملهم فيبيعونهم خرافات وأساطير باسم الدين ، وهذامن أشد انواع الغش والتدليس.تحدثت مرة مع أحد "رجال الدين" بإسهاب عن موضوع وجود المهدي وشرحت لهبالتفصيل كل الأدلة المتوافرة وناقشتها بدقة.. فسكت طويلا وبدأ يتأملني ،فتوقعت منه ان يعلن موقفه المؤيد او يرد علي بشيء ، ولكنه قال بشيء منالعتاب والحسرة:نحن نجلس على سفرة صاحب الزمان (الامام المهدي) ونأكل من (خمسه) فهل تريدان تطوي هذه السفرة؟عندها عرفت ما هو السر الذي يكمن وراء محاربة بعض رجال الدين ورفضهم لبحثموضوع الامام المهدي بالمرة ، او طرحه للنقاش في وسائل الإعلام العامة .فهل عرفتم السر؟
_______________________________
نشرت في جريد (الزمان) الصادرة في لندن بتاريخ 26/11/1999

"الأمانة العلمية لأحمد الكاتب" في بحثه عن وجود المهدي

سؤال؟ وجواب!
في معرض الرد على كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) دأب بعض الاخوة المتحاورين على إثارة موضوع (الأمانة العلمية ) التي هي أبسط وأول الشروط المتطلب توفرها في أي باحث ، واتهامي بأني أحاول زعزعة الثقة في عقائد بعض الأفراد محدودي الثقافة ،ووجد بعضهم في عدد من النقاط التي أثارها مبررا كافيا للعزوف عن مناقشة المؤلف في "خزعبلاته وترهاته"  ، محتجا بقوله تعالى ( واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).
وقبل ان أشير الى النقاط التي اتخذ منها ذلك البعض دليلا على خيانة المؤلف للأمانة العلمية والتعمد الى التضليل والتدليس ، والرد عليها ، أود ان أضع القارئ الكريم في أجواء الظروف النفسية والدوافع السياسية والعقائدية التي دفعتني لبحث موضوع الفكر السياسي بما يشتمل عليه من فقرات  ثلاث هي : نظرية الامامة الالهية لأهل البيت وفرضية ولادة ووجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ونظرية ولاية الفقيه ، وهي الظروف التي لا تسمح لمن يريد التغيير والإصلاح ان يلجأ الى التدليس او الخيانة العلمية .
فقد شاءت ارادة الله تعالى ان أولد في قلب العالم الشيعي وهي مدينة كربلاء في العراق ، وان أنمو في الحوزة العلمية فيها ، وان انتمي في مطلع شبابي الى حركة دينية سياسية هي (منظمة العمل الاسلامي) التي كانت تتبع مرجعية الامام السيد محمد الشيرازي وتدعو الى اقامة حكومة اسلامية في العراق تحت قيادة المرجعية الدينية او ولاية الفقيه . وقبل ان تتاح الفرصة للحركة بتحقيق برنامجها في العراق انتصرت حركة شبيهة لها في ايران هي حركة المرجع الديني الامام الخميني الذي نجح في نهاية السبعينات بإشعال ثورة ضد شاه ايران واقامة حكومة اسلامية  وفقا لنظرية ولاية الفقيه.
وكان من الطبيعي ان يحظى النظام الإيراني الاسلامي الجديد بدعم الحركة المرجعية في العراق ، وان أكون شخصيا في طليعة المؤيدين لهذا النظام والداعين الى تكرار تجربته في العراق واقامة حكم إسلامي فيه تحت قيادة الولي الفقيه (الامام الخميني او غيره من المراجع).
وبالرغم من ان الامام الخميني وسائر المراجع وقادة الثورة لم يكونوا يمتلكون  في البداية تصورا واضحا ومفصلا عن طبيعة نظام ولاية الفقيه ، وعلاقة المرجع القائد ببقية المراجع او بعامة الشعب ، فان الشعور السائد يومئذ كان يوحي بالتفاؤل بتطوير النظام الاسلامي نحو الأفضل ونحو حل بعض الإشكاليات التي ظهرت أثناء التطبيق. وكنت حريصا على دراسة التجربة الإيرانية الاسلامية من  منطلق الاستفادة منها في المشروع القادم الذي كنا ، كعراقيين نعيش في ايران خلال الثمانينات ، نعمل على إنجازه في العراق بكل عزم وإصرار.
وكان إيماننا وحبنا واعتزازنا وانبهارنا بالتجربة الإيرانية المظفرة وبقيادة الامام الخميني ، يمنعنا من النظر الى نقاط الضعف ، او التصديق بسهولة بالملاحظات التي كان يبديها بعض المراجع في قم من ان الثورة قد انحرفت عن طريقها وانها أصبحت ديكتاتورية وابتعدت عن خط أهل البيت وعن مبادئ الاسلام ، الا ان تراكم السلبيات والأخطاء في ايران وتفجر الصراع بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور عام 1988 والرسالة التي بعث بها الامام الخميني الى رئيس الجمهورية يوم ذاك المرشد الحالي الخامنئي والتي اتهمه فيها بأنه يجهل نظرية ولاية الفقيه ، كل ذلك دفعني الى مراجعة النظرية السياسية الحاكمة والبحث عن جذور الأزمة الديموقراطية ونقاط الخلل في الأمر ، فوجدت  أثناء البحث ان المشكلة تكمن في نظرية النيابة العامة التي يدعي الفقهاء أنها لهم عن الامام الغائب (محمد بن الحسن العسكري) والتي تعطي الفقهاء الشيعة الحاكمين وغير الحاكمين سلطات دستورية مطلقة ، وشرعية إلهية مقدسة ، تعلو بهم فوق الامة وتسمح لهم بممارسة الديكتاتورية والاستبداد  باسم الدين ،وتحولهم الى باباوات جدد في إطار إسلامي شيعي ، وتؤدي بهم في النهاية الى قتل التجربة الاسلامية الوليدة وتحطيمها قبل ان تشتد وتمتد الى سائر أنحاء العالم الاسلامي. واذا كانت ايران تعيش مواجهة مع الاستكبار العالمي فان النظام الاسلامي الجديد كان يحمل بذور الانقلاب والردة عبر نظرية ولاية الفقيه التي كانت ولا تزال محل  جدال في الدوائر العلمية الشيعية ولم تحض يوما بإجماع العلماء ، بل لم تكن معروفة لديهم قبل قرون.
وبالرغم من ان نظرية ولاية الفقيه شكلت خطوة متقدمة في الفكر السياسي الشيعي بالنسبة لنظرية الانتظار السلبية التي شلت الشيعة طوال قرون  وأخرجتهم من التاريخ وألقت بهم في كهوف الغيبة والتقية والجمود ، فان نظرية ولاية الفقيه شكلت ايضا ، بإعطائها الصلاحيات المطلقة للفقهاء وادعاء الشرعية الالهية والتعالي على ارادة الامة .. شكلت  خطرا كبيرا على الاسلام والشيعة والتشيع والتجربة الثورية الإيرانية.
ولم يكن من  السهل بالطبع إيقاف عجلة نظام ولاية الفقيه الذي اصبح الآن كيانا سياسيا هائلا يمتلك القوة والمال والإعلام ، وتداخلت مصالح القائمين عليه والتابعين له بشكل وثيق ، او تحويل مسيرة النظام الى وجهة أخرى ، ولكن الأمل كان كبيرا في استيعاب الشعوب الأخرى وخاصة الشعب العراقي والحركة الاسلامية العراقية والشيعية لدروس التجربة الإيرانية ومحاولة تلافي الأخطاء التي وقعت فيها تلك التجربة ، ولا شك في ان الملامح الطائفية الشيعية الخاصة لنظرية ولاية الفقيه كانت تشكل عاملا من عوامل إخفاق الحركة الاسلامية العراقية في إحداث تغيير سياسي يذكر في العراق خلال السنوات العشرين   الماضية ، وهو ما يحتم عليها إعادة النظر في مشروعها السياسي وفكرها الديني وصياغة فكر إسلامي سياسي جديد أكثر تقدمية وديموقراطية وقبولا لدى الجماهير من مختلف الطوائف والأحزاب.
عندما كنت أقوم ببحثي عن تطور الفكر السياسي الشيعي كنت أضع ايران خلفي والعراق أمامي وانظر الى المستقبل ، واعتقدت اني عثرت على مفتاح كثير من المشاكل والعقد التي تعيق تقدم الحركة الاسلامية والشيعة والمسلمين بصورة عامة ، ويتمثل المفتاح في اسطورة حكاية وجود الامام الغائب (محمد بن الحسن العسكري) التي تشكل صلب النظرية الامامية القاعدة الفكرية الرئيسية لنظام ولاية الفقيه وعلة الديكتاتورية التي صبغت التجربة الإيرانية الاسلامية ، ولم أكن من الغباء الى درجة كبيرة لا أشعر فيها ان طرح هكذا فكرة في هكذا ظروف ستؤلب علي جماهير الثورة الاسلامية الإيرانية وأجهزتها المختلفة العلمية والإعلامية فضلا عن المؤسسات المرجعية الدينية والمنظمات والجمعيات والأحزاب والشخصيات الطائفية ، ولم يكن من الصعب علي إدراك حجم ردود الفعل الهائلة التي ستثور دفاعا عن فكر تقليدي موروث من مئات السنين واصبح نظاما سياسيا حاكما. وقبل ذلك كنت اعرف جيدا انني أتعامل مع قضية دينية شديدة الخطورة كانت الى وقت قريب تشكل لي عقيدة مقدسة ، وقد تربيت عليها وضحيت من أجلها بالكثير ، ولم أكن أريد ان أثير زوبعة في فنجان لا اجني منها سوى اللعنات في الدنيا والآخرة ، ولذلك كنت اشعر بضرورة بذل أقصى ما لدي من جهد لدراسة الفكر السياسي الشيعي بما يشتمل عليه من نظرية امامية وفرضية بوجود إمام غائب وولاية الفقيه ، وجاءت نصائح بعض الأصدقاء والأساتذة بضرورة الصبر وعمل المزيد من البحوث لتأخذ منى سنوات اخرى من البحث والتحقيق. وعندما انتهيت من كتابة دراستي لم استعجل بنشرها خوفا من ان تسبب في تغيير قناعة شخص يصعب علي إقناعه فيما بعد لو تغيرت قناعتي ، ولذلك فضلت مناقشتها مع أبرز العلماء والمراجع والمثقفين الشيعة ، والتقيت بعدد كبير منهم شخصيا وأرسلت مئات الرسائل الى آخرين عارضا عليهم الكتاب وطالبا منهم التفضل بمراجعته والرد عليه اذا كان لهم أي رد ، ومبديا  في نفس الوقت استعدادي للتراجع عنه وإحراقه لو قدموا لي الأدلة الكافية على صحة فرضية وجود الامام الثاني عشر ، خاصة واني لم انشره بعد على عامة الناس.
حدث ذلك في نهاية عام 1992
وكان من أبرز الذين طلبوا الكتاب لإلقاء نظرة عليه هو الشيخ لطف الله الصافي والشيخ جعفر السبحاني والشيخ ناصر مكارم الشيرازي والسيد سامي البدري والشيخ علي الكوراني (العاملي) والسيد محمد تقي المدرسي وأخوه السيد هادي المدرسي ، وبعث لي السيد مرتضى العسكري برسالة يبلغني فيها بأنه عازم على القدوم الى لندن عما قريب وسوف يلتقي بي ويستمع لما عندي ويقول ما عنده.
والغريب ان جميع هؤلاء الذين قرءوا الكتاب قبل الطبع والنشر رفضوا التعليق عليه او الإشارة الى ضعف مصادره او خطأ استنتاجاته ، وعندما ألححت على بعضهم بالجواب رد بأنه سوف ينشر رده عندما اطبع الكتاب لأنه لا يرد على كتاب غير منشور ، فقلت له: ان رده المسبق واقتناعي به سيكون سببا لعدم نشري للكتاب ن ولكنه أصر على موقفه الرافض للمناقشة والحوار.
نشرت الكتاب بعد ذلك بخمس سنين ، وكان يتألف من ثلاثة أجزاء ويقع في الف صفحة ، فاختصرته الى حوالي النصف ، وقد ضم أكثر من ثمانمائة وسبع وعشرين إحالة الى مصدر ، توخيت الدقة فيها والأمانة واعتمدت في كتابته في لندن على قصاصات ورقية سجلت فيها ملاحظاتي ومصادري أثناء إجراء البحث في قم ومشهد وطهران ، وكان الكتاب يتركز حول فرضية وجود الامام الغائب (محمد بن الحسن العسكري) حيث عرضت في القسم الأول منه الأدلة الفلسفية العقلية والأدلة الروائية والتاريخية ، وناقشتها في قسم آخر لأخلص الى ضعف جميع الأدلة ، وان القول بوجود ولد في السر للامام الحسن العسكري كان افتراضا فلسفيا أكثر منه حقيقة تاريخية ثابتة ومجمع عليها بين الشيعة ، وان الدافع الرئيسي لذلك الافتراض كان يرتكز على نظرية الامامة الالهية لأهل البيت الذين استعرضت أقوالهم وتاريخهم ووصاياهم وتجربتهم السياسية وقلت انهم كانوا يؤمنون بنظرية الشورى ، وان نظرية الامامة الالهية التي تقوم على العصمة والنص والوراثة العمودية كانت نظرية سرية باطنية تتستر بالتقية من اختلاق المتكلمين ويرفضها اهل البيت في الظاهر ، وقد واجهت منذ نشوئها في أواسط القرن الثاني الهجري تحديات كثيرة وانقسامات عديدة وتطورات مختلفة الى ان وصلت طريق مسدود بوفاة الامام الحسن العسكري في منتصف القرن الثالث الهجري دون ان يشير الى وجود ولد له في السر يرثه في الامامة او يكون خليفة له. وان عامة الشيعة في القرون الثلاثة الاولى لم يكونوا يؤمنون بنظرية الامامة ومن آمن منهم بها اضطر للتخلي عنها بعد وفاة الامام العسكري وانقطاع سلسلة الأئمة من أهل البيت.
وفي معرض حديثي عن بعض الحوادث التاريخية المؤيدة لنظرية أهل البيت في الشورى ، ذكرت محاولة العباس بن عبد المطلب لسؤال النبي عند الوفاة عن القائم بالأمر من بعده ، ودعوته الامام علي بن ابي طالب للبيعة بعد وفاته ، ورفض الامام لها وكذلك رفضه الاستجابة لطلب  ابي سفيان بمعارضة ابي بكر والتأليب عليه ، وعدم وصية النبي بالإمامة الى أحد ، وقلت في كتابي ان الشيعة الامامية ينقلون تلك الروايات والنصوص المناقضة لنظرية الامامة ولكنهم يؤولونها بالتقية او يفسرونها تفسيرات اخرى ، واستشهدت بالشريف المرتضى الذي يذكر بعض تلك الحوادث والنصوص في كتابه السجالي (الشافي) دون ان ينكرها او يردها لضعف في السند ولكنه يؤولها يما يتفق مع عقيدته في الامامة ، حيث يقول عن سؤال العباس رحمه الله للنبي:" يحتمل ان يكون سؤاله للنبي عن حصول الأمر لهم وثبوته في أيديهم ، لا عن استحقاقه  ووجوبه ، يجري ذلك مجرى رجل نحل بعض أقاربه نحلا وأفرده بعطية بعد وفاته ثم حضرته الوفاة ، فقد يجوز لصاحب النحلة ان يقول له: أترى ما نحلتنية وافرد تني به يحصل لي من بعدك؟ ويصير الي؟ أم يحال بيني وبينه؟  ويمنع من وصوله الي ورثتك؟
ولا يكون هذا السؤال دليلا على شكه في الاستحقاق بل يكون دالا على شكه في حصول الشيء الموهوب به الى قبضته ، والذي يبني صحة تأويلنا وبطلان ما توهموه قول النبي في جواب العباس ، على ما وردت به الرواية: إنكم المقهورون ، وفي رواية اخرى: إنكم المظلومون" (الشافي ج4 ص 153)
وأما الخبر الذي رواه (صاحب المغني) عن العباس من انه قال لأمي المؤمنين: لو سالت النبي عن القائم بالأمر بعده ، فقد تقدم في كتابنا الكلام عليه وبينا انه لو كان صحيحا لم يدل على بطلان النص" (المصدر ص 101)
وقال المرتضى عن  بيعة العباس :" يقال عن هذا جوابان : أحدهما : ان العباس لما بلغه فعل أهل السقيفة وقصدهم الأمر من جهة الأخبار ، أراد ان يحتج عليهم بمثل حجتهم فسأل أمير المؤمنين بسط يده للبيعة ليبايعه فيكون آخذا للحجة من جميع جهاتها ومضيعا لعذرهم فيما صنعوه ، والجواب الآخر: ان البيعة لا تناقض النص ولا تدل على بطلانه. واما امتناعه (أي الامام علي ) عما بذله العباس من البيعة فلأنه كان يعرف الباطن ، وكلام العباس على الظاهر ، وليس يمتنع ان يغلب في ظنه ما لا يغلب في طن العباس فلا يكون امتناعه دلالة على صواب ما جرى" (الشافي ج 4 ص 252)
ويقول المرتضى عن قصة ابي سفيان وعرض دعمه للامام علي :" هو خبر متى صح لم يكن فيه دلالة على أكثر من تهمة أميرالمؤمنين لأبي سفيان وقطعه على خبث باطنه وقلة دينه وبعده عن النصح فيما يشير به ولا حجة فيه ولا دلالة على إمامة ابي بكر".
ان الشريف المرتضى يعرب عن طريقته التأويلية في رفض الروايات والنصوص المخالفة لعقيدته في الامامة إذ يقول : لا بد ان نطرح كل خبر ناف ما دلت عليه هذه الأدلة القطعية ، ان كان غير محتمل التأويل ، ونحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها اذا ساغ ذلك فيه". ومن هنا فانه لا يرد الروايات التاريخية التي قدمها له القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني في (المغني) ولا يرفضها لعيب في السند ، وانما يحاول تأويلها بصورة تعسفية لأنها لا تنسجم مع عقيدته.
وهذا شأنه ولا دخل لنا فيه.
وما يهمنا من الحديث هو موضوع الامامة العلمية التي أثارها بعض المنتقدين الذين ادعوا بأني أهدف من وراء نقلي لتلك الأخبار عن الشريف المرتضى زعزعة الثقة والتشكيك في عقائد بعض الأفراد محدودي الثقافة وتضليلهم.
فأقول:
أولا : ان الشريف المرتضى رحمه الله ذكر فعلا تلك الروايات ولم يردها ، وانما أولها ، وهذا اعتراف منه بصحتها .
ثانيا: حتى اذا لم يعترف المرتضى بتلك الروايات فانه لن يغير من التاريخ شيئا ، ولن يؤثر على مجموع الروايات الأخرى الواردة في أصح الكتب الشيعية كنهج البلاغة والكافي.
ثالثا: ان من يحاول تضليل الناس والتشكيك في عقائد محدودي الثقافة لا يرسل كتابه أولا الى المراجع والعلماء وأساتذة الحوزة وينتظر سبع سنين ويطلب منهم الرد عليه ومناقشته وتنبيهه الى نقاط الضعف في بحثه قبل ان يقوم بنشره.
رابعا: ان سقوط بعض الكلمات او الإشارات  ، فرضا ، لا يدل بالضرورة على النية السيئة او الخيانة العلمية ، ولا يؤثر على أساس البحث ، خاصة اذا كان يتعلق بموضوع هامشي جدا لا يقدم ولا يؤخر في البحث ، فسواء اعترف المرتضى بتلك الروايات او لم يعترف وذكرها او لم يذكرها او نقلها عن المغني او لم ينقلها لا يثبت ذلك ولادة ابن للامام   العسكري ولا ينقذ نظرية الامامة الالهية  ولا يسندها الى أهل البيت.
خامسا: ان تركيز النقد على بضع مصادر في الكتاب فقط ، بعد  عشر سنين ، ينطوي على اعتراف ضمني بصحة أكثر من 820 مصدر آخر يحيل اليه الكتاب ويقدم شهادة علمية من الحوزة  بقيمة الدراسة.
سادسا : ان التضليل العلمي والخيانة والتدليس يتمثل في إطلاق صفة التواتر والإجماع على حكاية سرية اختلف حولها الشيعة الامامية وكانت خلاف الظاهر وهي اسطورة ولادة ابن للامام الحسن العسكري .
سابعا : ان العجز عن مناقشة الدراسة والرد عليها او اثبات وجود الامام الثاني عشر يدفع بعض المتحاورين للبحث عن نقاط جانبية وتضخيمها للتغطية على تهربهم من الاعتراف بالحقيقة.
وفي الوقت الذي كنت ولا أزال أرحب بأي نقد علمي ولا ادعي العصمة ولا الكمال واحتمل الخطأ والسهو النسيان فاني اطلب من إخواني المؤمنين التركيز على المحاور الرئيسية في الكتاب ، واعادة قراءة فكر أهل البيت السياسي ، أملا في الوصول الى نتيجة عملية وحيوية تفيد الامة الاسلامية وتصحح التجربة السياسية المعاصرة بما يكفل لنا البعد عن الاستبداد والديكتاتورية والمشاريع الطائفية البغيضة وتحقيق الوحدة الاسلامية العريضة.

 ماذا يحدث عندما تمتزج الفلسفة الوهمية  بالأساطير؟
من أين يستقي الشيخ الوحيد الخراساني أفكاره الغريبة المتطرفة  حول (الإمام المهدي)؟
أحمد الكاتب
اختلف المسلمون ، والشيعة بالخصوص ، كثيرا حول هوية (الإمام المهدي) : من هو بالضبط؟ وهل ولد في الماضي؟ أم سيولد في المستقبل؟ وقال الاثنا عشرية من الشيعة الامامية بأنه  ولد في منتصف القرن الثالث الهجري ، وانه (محمد بن الحسن العسكري) وانه ظل حيا مختفيا الى الآن ، وسوف يظهر في المستقبل.
وبالرغم من أن مهمة الإمام في الفكر السياسي الشيعي الامامي تعني القيام بدور التشريع في الحوادث الواقعة وتنفيذ الشريعة الاسلامية وقيادة الأمة ، وان هذه المهمة قد تعطلت بغيبة الإمام ، إلا ان بعض المؤمنين بوجود هذا الامام الغائب (محمد بن الحسن العسكري ) دأب على نشر قصص عن قيام الامام  بإغاثة الملهوفين وارشاد التائهين في الصحاري والقفار وحل  المشاكل وإنقاذ المستغيثين به أينما كانوا في العالم . ولكن علماء الامامية لا يجمعون على صحة هذه القصص ولا يعطون للإمام  هذا الدور الخارق البعيد عن مهمة الإمامة الأساسية، او عملية الإعداد للظهور.
إضافة الى ذلك كان موضوع الإمامة والإمام المهدي بالذات موضوعا لتطرف بعض الغلاة المندسين في صفوف الشيعة الامامية  الذين كانوا يغالون في مرتبة (أهل البيت) ويضفون عليهم صفات ومهمات وأدوارا  من صنع خيالهم المريض ، فيشركون بهم مع الله في خلق الكون وإدارته  والقيام بعمليات الرزق والإحياء والإماتة وما الى ذلك ، واتخاذهم أربابا او محلا لحلول الله عز وجل في أجسادهم.
وقد انتبه أئمة أهل البيت لذلك فحاربوا الغلو والغلاة ولعنوهم وتبرءوا منهم ، وقاوموهم بشدة ، وفي الوقت الذي  كنا نظن أن الغلاة قد اندثروا في الزمن السحيق وذهبوا الى  غير رجعة ، خاصة  بعد انتصار المدرسة الأصولية ضد المدرسة الأخبارية التي كانت تتلقف كل حديث وارد عن أهل البيت دون تمحيص او نظر او اجتهاد ، نفاجأ بأحد أساتذة الحوزة العلمية في قم  وهو (الشيخ محمد حسين الوحيد الخراساني) أستاذ علم الأصول الشهير في الحوزة ، يقوم باجترار بعض نظريات الغلاة ويمزجها مع أوهام الفلاسفة الباطلة ويضيف عليها بعض الحكايات الأسطورية المضحكة  ليحدثنا عن إمام فاعل للوجود مشارك لله تعالى في الربوبية. في حين كنا نأمل منه أن يقوم بدراسة أساس نظرية وجود ذلك (الإمام) المفترض او المختلق الذي لا توجد أية أدلة علمية تاريخية على وجوده وولادته ، بدلا من تقليد الآباء والأجداد تقليدا أعمى.
ونعتقد انه بتبنيه لتلك النظريات المتطرفة المفعمة بروح الشرك والانحراف ، يسيء الى الإسلام والى التشيع   والى الحوزة العلمية  والى الثورة الإسلامية ، وينحرف عن أداء دوره العلمي والتبليغي  المتمثل في الدعوة الى الله  ومحاربة البدع والخرافات والأساطير.
وإننا إذ نحترم حقه في الاختلاف في الرأي والإيمان بما يشاء ، لا يسعنا إلا أن نرفض أقواله المغالية  في أئمة أهل البيت إلى حد الشرك بالله تعالى ، ونستغرب من اتباعه للمنهج الأخباري الساذج في قبول الأحاديث الضعيفة والأدعية والزيارات الموضوعة والحكايات الأسطورية ، خلافا لمبادئ المدرسة الأصولية التي يدعي الانتماء اليها ، دون أي تحقيق او اجتهاد ، ونستنكر خلطه لنظريات الفلاسفة الباطلة كنظرية الفيض ، ومزجها مع فكر أهل البيت.  ونطالب العلماء العظام ومراجع الدين الكبار ، و طلبة العلوم الدينية ، التصدي له بكل ما أوتوا من قوة ، وعدم السكوت على أفكاره المنحرفة والمغالية ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ومن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
يخاطب الوحيد الخراساني ، الإمام المهدي ، بالقول:
-  " يا فاعل " ما به الوجود" ويا من أينما كان " ما منه الوجود" ( أي الله تعالى) كنت أنت أيضا هناك ، فلا يخلو مكان – بحكم البرهان – من فاعل ما منه الوجود ، ولا يخلو مكان منك أنت أيضا ، لأن أفعاله تعالى وان كانت أفعاله ولكنها بواسطتك ، فمنه تعالى كل شيء ، لأن كل شيء منه لا اله إلا الله ، ومنك كل شيء ، لأن كل شيء يكون بواسطتك. إننا موحدون... لا نعرف شيئا منك ، بل نعرف أن كل شيء من الله تعالى ، ولكن في عين الحال التي نرى أن كل شيء منه هو ، نرى أيضا أن أنفاس صدورنا منه ولكن بك أنت ، والنظرة والرؤية التي نتمتع بها ، والخطوة التي نخطوها ، كلها منه سبحانه وتعالى ، ولكنها بك أنت... أيتها الرحمة التي وسعت كل شيء" [1]
و يقول الوحيد الخراساني بصراحة مثيرة :
-" إن إمام العصر صار عبدا ، وعندما صار عبدا صار ربا ، فـ " العبودية جوهرة كنهها الربوبية" فمن ملك هذه الجوهرة تحققت ربوبيته – بالله تعالى لا بالاستقلال – بالنسبة إلى الأشياء الأخرى.[2]
وتأييدا لأقواله  الباطلة هذه  النظرية  ،  يستورد الوحيد الخراساني حديثا من أحد أقطاب الفرقة الخطابية الملعونة والبائدة التي كانت تؤله الإمام الصادق ، وهو (المفضل بن عمر) يقول فيه كذبا وزورا وبهتانا: " انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول في قول الله تعالى (وأشرقت الأرض بنور ربها): رب الأرض إمام  الأرض. قلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزئون بنور الإمام".[3]
واستنادا إلى أقوال الغلاة هذه يعتقد الشيخ  الوحيد الخراساني: " إن إمام العصر هو صاحب مقام الإمامة المطلقة ، أي العلم المطلق والقدرة المطلقة والإرادة المطلقة والكلمة التامة والرحمة الواسعة".[4]
ويقول:" لا شك ان إمام الزمان جوال في زيارة أولياء الله ولا حجاب أمامه ، فمن هو "فاعل ما به الوجود" لا يكون محجوبا".[5]
ومع ان الله عز وجل ينهانا عن دعوى غيره ويقول:" ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة" ويقول:"ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك" و " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم"  فان الشيخ الوحيد الخراساني يوجه المسلمين وغير المسلمين إلى الاستغاثة بالإمام المهدي (الموهوم الذي لا وجود له) ، فيقول:" من الضروريات والمسلمات: إن كل من تنقطع به السبل ويتيه في صحراء قاحلة لا يهتدي فيها إلى طريق ، سواء كان يهوديا او نصرانيا ، او مسلما شيعيا او سنيا ـ لا فرق بتاتا ، إذا ما ندب في ذلك الحين وقال: ( يا أبا صالح المهدي أدركني) فان النتيجة قطعية الحصول... والسر في ذلك إن الدعاء في تلك الحالة متوجه للإمام حقيقة لأنه نابع عن اضطرار واقعي يخرق الحجب ، وفي غير تلك الحالة فان الندبة غير متوجهة اليه! والأمر سيان بين الله وبين سبيل الله ، " من منه الوجود" و من به الوجود" والحكم في الحالين واحد ، فكما إن التوجه بالدعاء إلى " من منه الوجود" يجب أن يتحقق حتى تتحقق الاستجابة ، كذلك الأمر بالنسبة إلى " من به الوجود" فهو السبيل الأعظم والصراط الأقوم ، فان التوجه اليه بالدعاء يجب أن يتحقق فتتحقق الاستجابة في ذلك الحين بالضرورة".[6]
" وإذا اضطر أحد فتوجه إلى (السبيل الأعظم) أي " من به الوجود" للنجاة من صحراء تاه فيها وبلوغ المعمورة ، فانه عليه السلام يرشده إلى الطريق ويدله على ما يجب أن يفعله حتى ينجو ... لقد اضطرته تلك الحال فلجأ إليه وتوسل به ، فينظر عليه السلام إليه نظرة يكون فيها دواؤه وشفاؤه".[7]
ويغفل الوحيد الخراساني عن حقيقة ان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وبقية الأئمة من أهل البيت كانوا في حياتهم محدودي القدرة ضمن أطر الزمان والمكان ولم يكونوا يخترقون الحجب ولا يمتلكون هذه القدرة الخارقة على نصرة أوليائهم او المستغيثين بهم ، وقد تعرضوا هم الى أشد ألوان العذاب واستغاثوا بالله تعالى وطلبوا منه النصر والعون.
وربما كانت الاستغاثة العادية من جهلة الناس بالأئمة والأولياء او بالإمام المهدي لا تحمل معنى الشرك ، ولكنها عندما تقترن بتصور أن  "الإمام رب الأرض ، وانه فاعل ما به الوجود" فإنها تعطي للإمام المفترض (الموهوم) دورا من أدوار الله تعالى ، يريد الله عز وجل أن يحصره بنفسه ويطلب من الناس أن يوحدوه ويدعوه وحده لا شريك له في السراء والضراء.
يقول الشيخ جعفر السبحاني (أحد كبار العلماء المعاصرين في قم )  في كتابه (الوهابية في الميزان ص 234): " لو أن إنسانا اعتقد بأن الله قد فوض أفعاله – من الإرزاق والإحياء وغيرهما – الى بعض مخلوقاته ، كالملائكة والأولياء ، وانهم الذين يديرون شؤون الكون ويدبرون أموره ، ولا علاقة لله سبحانه بذلك ، ودفعه هذا الاعتقاد الى الخضوع لهم ، فما من شك أن خضوعه هذا عبادة وأن عمله هذا شرك بالله سبحانه".
وعلى أي حال ، ولكي يثبت الوحيد الخراساني دعواه الأسطورية هذه ينقل قصة عن أحد الأطباء الإيرانيين ، دون أن يذكر اسمه ، يقول فيها: انه عالج رجلا من المقاومة الإيرانية  ضد الغزو الروسي لإيران في  الحرب العالمية الثانية ، وأخرج رصاصة من جسده دون مخدر ، وذلك بعد أن أخرج الرجل المقاوم روحه من جسده أثناء العملية بواسطة ترديد جملة (باسم الله النور) عدة مرات (!!!) ،  وعندما انتهى من العملية ، علم الطبيب أن الرجل على علاقة بالإمام المهدي ، وانه قال له إن الجيش الروسي سيرحل من إيران " قال هذه الكلمة فقط (ليرحلوا) ثم مضى ، وفي عصر ذلك اليوم وصلت برقية من قيادة الروس تأمر الجيوش بالعودة ، ولم يتوان العسكر عن شيء واقفل راجعا في نفس تلك الليلة".[8]
وبالطبع لم يذكر لنا  الخراساني ، اسم الدكتور الذي يقول انه كان يدرس معه ، ولا اسم ذلك الرجل المقاوم ، ولا تاريخ القصة الأسطورية ولا مكانها.
ومن أجل أن يؤكد مزاعمه في نجدة (الإمام المهدي) لمن يستغيث به ، يأتي الشيخ  بقصة أسطورية أخرى فيقول:" إن رجلا صاحب حمام عمومي في مدينة الحلة كان يطعن في قاتلي فاطمة ، فاعتقله حاكم الحلة ، و أمر بضربه وتعذيبه حتى سقطت أسنانه وقلعوا عينيه ولسانه وجدعوا أنفه ، ثم ربطوا فيه خيطا واخذوا يجولون به في الأسواق ، ثم أعادوه إلى داره والقوه فيها وذهبوا ، ولما عادوا إليه في صباح اليوم التالي وجدوه كأنه شخص آخر ، فقد نبتت أسنانه وعوفيت أسقامه وزالت جراحاته وانقلب منظره القبيح بفعل الجراحات والتعذيب إلى صورة حسنة وهيئة جميلة ، فسألوه عما حدث له ، فقال: عندما القوني هنا شاهدت الموت بأم عيني وكنت من الضعف بحيث يعجز لساني حتى عن النطق فندبته (أي الحجة بن الحسن) بقلبي وهتفت بضميري (يا صاحب الزمان) وما أن حدث ذلك حتى رأيته جالسا إلى جواري فنظر الي نظرة ، ووضع يده على جسمي وقال لي : انهض واذهب في تحصيل قوت عيالك)
ولم تكن ثمة حاجة ليمسح على جميع أعضاء ذلك الجسم المثقل بالجراحات والآلام ، فقد وضع يده على بدن الرجل ولمس جسمه لمسا وقال  له : انهض ".[9]
وهنا أيضا لم يجد الخراساني حاجة لذكر مصدر القصة الأسطورية ، ولا تاريخها وأشخاصها ورواتها ، فان الأساطير لا يمكن أن تمر الا  في أجواء من الغموض والتعتيم.
وهكذا ينقل لنا الخراساني  "قصة عجيبة " أخرى عن المحدث المجلسي ، الذي ينقلها من كتاب (السلطان المفرج عن أهل الإيمان) (؟) أنه حكي (...)  عن محي الدين الاربلي " انه حضر عند أبيه ومعه رجل  (؟) فنعس فوقعت عمامته عن رأسه ، فبدت في رأسه ضربة هائلة، فسألته عنها ، فقال: هي من صفين! فقيل له: وكيف ذلك ووقعة صفين قديمة؟! فقال : كنت مسافرا إلى مصر فصاحبني إنسان من "غزة" فلما كنا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفين ، فقال لي الرجل: لو كنت في أيام صفين لرويت سيفي من علي وأصحابه ، فقلت: لو كنت في أيام صفين لرويت سيفي من معاوية وأصحابه ، وها أنا وأنت من أصحاب علي ومعاوية لعنه الله ، فاعتركنا عركة عظيمة ، واضطربنا ، فما أحسست بنفسي إلا مرميا لما بي ... فبينما أنا كذلك ، وإذا بإنسان يوقظني بطرف رمحه ، ففتحت عيني فنزل الي ومسح الضربة فتلاءمت ، فقال: البث هنا ، ثم غاب قليلا وعاد ومعه رأس مخاصمي مقطوعا والدواب معه ، فقال لي: هذا رأس عدوك ، وأنت نصرتنا فنصرناك ، ولينصرن الله من نصره ، فقلت: من أنت؟ فقال : فلان بن فلان – يعني صاحب الأمر عليه السلام – ثم قال لي: وإذا سئلت عن هذه الضربة فقل ضربتها في صفين".[10]
ولو عرضنا هذه القصة على محكمة شرعية لحكمت على ذلك الرجل المجهول بالقتل والسرقة وربما الجنون ، ولكن الشيخ الوحيد الخراساني ،" أستاذ علم الأصول" ، يقبلها ويرويها دون نقاش وكأنها من المسلمات والحوادث التاريخية الثابتة.
ولكن .. حسنا  ، إذا كان الخراساني يصدق ذلك الرجل الذي ذهب إلى أعماق التاريخ وشارك في معركة صفين وتلقى ضربة على رأسه ثم عاد بقطيع من الدواب ، فلا تستغربوا من ذلك ، لان الشيخ الوحيد يؤكد لنا " انه سمع من أحد العظماء  الذين يعتمد على قولهم: إن هناك رياضة روحية خاصة تمكن الذين يمارسونها من رؤية الزمن الماضي ومشاهدة وقائعه ، مثل يوم عاشوراء ، ويقول : إن هذا أمر تام وممضي وفقا للقواعد العلمية (...) لأن كل هذه الأمور محفوظة ومخزونة في (الجفر) لم تتلف ولم تمسح ، ويمكن للروح بواسطة تلك الرياضة الخاصة أن تتصل بها وتراها". ويقول بناء على ذلك : " إن إمام الزمان (عليه السلام) يشهد منظر كر بلاء في كل صباح ومساء ، هذه هي حياة ولي العصر ، وهذا هو امتحانه".[11]
والغريب إن الشيخ الوحيد الخراساني ، أستاذ علم الأصول في الحوزة الدينية في قم يعرف: " إن أصول المعارف الدينية والمعتقدات لا يصح أن تؤخذ من أي أحد ، وان مبدأها والمرجع فيها  هما اثنان لا غير: القرآن والحديث " ويقول:" إنما تنشأ الانحرافات عندما نأخذ عن غير هذين المصدرين ، فان أصل هذه القضايا يجب أن يؤخذ من القرآن الكريم وتؤخذ الفروع من الروايات".[12]
ولكنه مع ذلك ينسج نظريته حول (الإمام المهدي) من الخرافات والأساطير والفلسفة الباطلة ، حتى يصل إلى القول بربوبية الإمام المهدي والشرك بالله تعالى، حيث يفتح بابا للمعرفة مناقضا لعلم الأصول ، يقوم على الذوق الخاص المتقلب ، فيقول:"إن تفقه حديث أهل العصمة يتطلب ذوقا خاصا ، وهو غير المتعارف المعهود ، انه ذوق إفاضي لا تحصيلي"[13]
ويستند إلى أحاديث ضعيفة او موضوعة مثل زيارة الجامعة والناحية ودعاء الندبة وزيارة ياسين وما إلى ذلك من تراث الغلاة. فهو مثلا يستند إلى فقرة في دعاء يرويه عثمان بن سعيد العمري (أحد أدعياء السفارة الخاصة عن الإمام الغائب) وهي:" اللهم عرفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني" ويتخذ من هذه العبارة حجر الأساس في تفكيره الأسطوري ، إذ يعلق عليها بالقول:" هذه كلمة محفوفة بالأخطار! وقبل البدء لا بد من التنويه إلى أن المسألة من الأهمية بمكان بحيث انها خارجة عن إطار قدرات وامكانية أمثالي وأمثالكم... إن الموضوع هو (معرفة الحجة) لا معرفة العبادات والمعاملات الشرعية ، ولا معرفة (الصحيح والأعم) ولا معرفة (البراءة والاشتغال) فهذه يمكننا أن نلجها بإقدام ونبحثها دون وجل. أما في هذه الأبحاث فنحن ندخل بخوف ورهبة. إذ لا أهلية لنا ولا كفاءة فلا مناص من أن نقول (اللهم عرفني حجتك) إن معرفة حجته شأن أكبر من أن نبلغه. وهذه الأبحاث - في حقيقة الأمر – لم تنقح ولم تخضع للتحقيق كما ينبغي". [14]
وهذا اعتراف من الشيخ الوحيد الخراساني بعدم امتلاك الأدلة العلمية الشرعية على وجود الإمام الثاني عشر الغائب (المهدي المنتظر) وصعوبة التعرف عليه والتأكد من حقيقته وهويته. ولو بذل الشيخ جزءا يسيرا من حياته ونشاطاته العلمية لدراسة حقيقة دعوى وجود ولد للإمام العسكري لعرف أن الأمر من بدايته إلى نهايته ليس سوى فرضية فلسفية وأسطورة خيالية لا حقيقة خارجية لها ، وأنها لم ترد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة الثابتة ، ولم يعرفها الشيعة ولا أهل البيت حتى  وفاة الإمام العسكري في منتصف القرن الثالث الهجري. خاصة لو اعتمد الشيخ الخراساني على مناهج البحث العلمية الأصولية التي يعتمدها الشيعة  والعلماء في الحوزات الدينية ، وصدق أقوال الإمام العسكري الظاهرية التي كان ينفي فيها وجود ولد له في حياته ، ورفض دعاوى  الغلاة الباطنية الذين كانوا ينسبون إلى أهل البيت ما يحلو لهم من دعاوى منكرة باسم التقية.
ولكن مشكلة الشيخ الوحيد الخراساني وأمثاله ، انه خلافا لما يوحي موقعه في الحوزة ،وتدريسه لعلم الأصول ، ينطوي على قدر كبير  من السذاجة والتقليد الأعمى والاعتماد على أقوال الفلاسفة المنحرفين والمتكلمين والغلاة الذين اختلقوا أسطورة وجود الولد للإمام العسكري ،  وانه يكون نظرياته  في معرفة الإمام او الغلو فيه  من خلال الأدعية الموضوعة والزيارات  المختلقة والروايات الضعيفة والحكايات الأسطورية التي نسجها فريق  من أصحاب الإمام العسكري بعد وفاته وادعى بعضهم النيابة الخاصة عن ذلك "الإمام الموهوم". 
يقول الوحيد الخراساني:" إن معرفة الولي الأعظم والسر الأكبر منوطة بأن يقحم العلماء ، وعندما أقول "العلماء" فلا اقصد الطبقة الدنيا منهم ، بل أولئك الذين قضوا سنين متمادية في معالجة القضايا الفكرية ، أن يقحموا مضمار التعابير التي جاءت في الأدعية والزيارات وان يوظفوا أقصى  قدراتهم وطاقاتهم العلمية لشرح وتوضيح تلك الكلمات ، وبالطبع لو كان ذلك مقترنا بقلب عامر بالتقوى فالمأمول أن تفتح نافذة على المعرفة".
وأخيرا يعترف بالعجز وانطفاء سرج العقل في السعي لمعرفة الإمام، يقول:" إن النكتة الأساسية في معرفته انه من هو؟ وماذا يكتنف ذاته؟ وعندما يبلغ البحث هذا الموضع فان سرج العقول تخبو وتنطفئ".[15]
ومع ذلك يقول:" إن الارتباط بالله سبحانه وتعالى متعذر ومحال إلا إذا تحقق الارتباط بالإمام ، إذ يجب أن يتحقق الارتباط بـ " من به الوجود" حتى يتحقق الارتباط بـ" من منه الوجود" هذه هي حقيقة الأمر".[16]
ولست أدري كيف يؤمن الوحيد الخراساني برب لا يعرفه ولم ير له أثرا في الحياة أو الخلق؟ ولا يمتلك أي دليل شرعي على وجوده وولادته؟ وكيف يشرك هذا "الرب المجهول" بخالق السماوات والأرض ؟
" فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته؟ انه لا يفلح المجرمون.
ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ،قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض؟ سبحانه وتعالى عما يشركون" 17 و18 يونس
صدق الله العظيم
وربما كان الشيخ الوحيد الخراساني غافلا عما يخالط عقيدته بالله تعالى من الشرك بسبب الغلو في الإمام المهدي ، والاعتقاد بأنه "فاعل ما به الوجود" او انه "رب الأرض" او انه يغيث المضطرين في أي مكان..ربما ظنا منه ان يقول ذلك لا بالاستقلال ولكن باستمداد القوة من الله تعالى، ولكن كلامه يوحي باختلاط الحق مع الباطل. ولعله إذا التفت الى هذه الأمور الشركية المنكرة المناقضة لعقيدة التوحيد ، لاستغفر الله من كل ذلك ، فهو يعرف ان الشرك في الناس أخفى من دبيب النمل ، و" إن الله  لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"  وان " من يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما" " ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا" و " انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة".
ولذا نطلب من الشيخ أن يبادر الى التوبة و تصحيح عقيدته ، وان يراجع خصوصا نظريته حول وجود "الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" ويدرسها بعمق ويتأكد من الروايات التاريخية التي تتحدث عن ولادته واختفائه ، وان يبتعد عن  الفلاسفة المنحرفين الذين نسجوا نظرية (الفيض) واعتقدوا بوجود مساعدين لله تعالى في خلق الكون وإدارته ، الذين يعبرون عنهم  بـ " ما بهم الوجود". الى جانب " ما منه الوجود" وهو الله  عز وجل وتعالى عما يشركون علوا كبيرا.
ونسأل الله أن يهدينا وإياه لما فيه الخير والصواب ويعرفنا على صراطه المستقيم ودينه الواضح القويم.

[1] - صفحة 41 من كتاب مقتطفات ولائية ، ترجمة عباس بن نخي ، المحاضرة الثالثة تحت عنوان (صبر الحجة) ألقاها في المسجد- الأعظم بقم بتاريخ 13 شعبان 1411 الموافق 27/2/1991
[2] - المصدر صفحة 39
[3] - المصدر صفحة 62-
[4] - المصدر صفحة 43-
[5] - المصدر صفحة 42-
[6] - المصدر صفحة50 -
[7] - المصدر صفحة 51
[8] - المصدر صفحة 55-
[9] - المصدر صفحة 68-
[10] - المصدر صفحة 31 ، المحاضرة الثانية بتاريخ 14 شعبان 1410-
[11] - المصدر صفحة 41-
[12] - المصدر صفحة 36 -
[13] - المصدر صفحة 47 -
[14] - المصدر صفحة 38-
[15] - المصدر صفحة 61- 62 -
[16] - المصدر السابق

أسئلة حول وجود المهدي وولادته في التاريخ

الى سماحة المرجع الديني الكبير الامام………………………………حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأدامكم الله ذخرا  للإسلام والمسلمين .
هل اطلعتم على كتاب أحمد الكاتب (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) الذي ينفي فيه ولادة الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) ويقول: ان الامام العسكري نفسه لم يعرف بوجود ولد له ولم يتزوج أصلا وقد مات شابا ، وانه أوصى بأمواله الى أمه أمام قاضي سامراء (ابن ابي الشوارب )، ولم يوصي الى أحد من بعده ، ولذلك ادعى أخوه جعفر الامامة واختلف مع أمه حول الإرث ، وحدثت الحيرة عند الشيعة الذين تفرقوا الى اكثر من أربعة عشر فرقة ، وان بعض وكلاء الامام العسكري الذين كانوا يقبضون الأموال بالنيابة عنه ادعوا وجود ولد له في السر وقالوا انهم على اتصال معه ليستمروا في قبض الأموال من الشيعة ، وجاءوا بدليل فلسفي افتراضي وهو : وجوب استمرار الامامة وراثيا في الأعقاب واعقاب الأعقاب الى يوم القيامة ، وحتمية وجود ولد للامام الحسن العسكري حتى تستمر الامامة في ذريته ، وعدم جواز انتقال الامامة الى أخيه جعفر.
ويقول: ان هؤلاء الوكلاء (النواب) قد استندوا في نظريتهم الى ادعاء إحدى الجواري انها حامل من الامام العسكري بعد وفاته لتأخذ نصيبا من الإرث ، وقد استبرأها الخليفة العباسي ولم يجد عليها أثر الحمل. كما ان هؤلاء الوكلاء اختلفوا فيما بينهم وكذب بعضهم بعضا ، وكان بعضهم يدعي علم الغيب واختراق المعاجز ، ولكن الشيعة كانوا يشكون في أقوالهم في تلك الأيام.
ويقول احمد الكاتب أيضا: ان الدولة العباسية كانت لها مصلحة سياسية في الترويج لولادة (محمد بن الحسن العسكري) والزعم بأنه المهدي المنتظر في مقابل المهدي الفاطمي الذي خرج في شمال أفريقيا وأقام الدولة الفاطمية الشيعية الامامية.
ويشكك في صحة الأحاديث والروايات التي تتحدث عن ولادة الامام المهدي ويقول انها ضعيفة جدا يرويها الغلاة والكذابون والضعاف ، أما الأحاديث المتواترة بين السنة والشيعة حول ظهور إمام مهدي في آخر الزمان فيقول عنها : انها أحاديث عامة غامضة غير محددة لا تنطبق على (الامام محمد بن الحسن العسكري) الذي لم تثبت ولادته أصلا.
لقد أثار حديث أحمد الكاتب في قناة (الجزيرة) الفضائية موجة من التساؤلات والشكوك حول وجود الامام الثاني عشر المهدي المنتظر وصحة العقيدة الاثني عشرية ، التي يقول انها  حدثت في القرن الرابع الهجري ، بحيث دفعت وزير الإرشاد الإيراني عطاء الله المهاجراني للطلب من علماء حوزة قم الرد عليه ، فنرجو من سماحتكم التفضل بالإجابة على الأسئلة التالية :
1- هل يعتبر الأيمان بولادة المهدي قبل الف ومائة وسبعين عاما ، واستمرار حياته الى اليوم والى ان يظهر في المستقبل بعد آلاف السنين ، ضرورة من ضرورات الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه؟ ولماذا لم يشر اليها القرآن الكريم بصراحة ويطالب الناس بالاعتقاد بها؟ وما هو حكم من لا يؤمن بذلك من فرق الشيعة كالزيدية والإسماعيلية فضلا عن سائر فرق المسلمين؟ هل يجوز ان نحكم عليهم بالكفر ونمنعهم من الصلاة في المساجد؟
2-  ما هو تعريفكم للمسلمات والبديهيات والضروريات في الدين ؟ وهل موضوع ولادة الامام الثاني عشر من تلك المسلمات والبديهيات والضروريات؟ وعلى أي أساس؟
3-  هل يجوز ان يخفي الامام العسكري ولده عن الناس ويطالبهم بالإيمان به ، لو كان حقا قد ولد له ولد في السر؟ واذا كان الشيعة في ذلك الزمان قد بحثوا ولم يجدوا أثرا – كما يقول المؤرخ الشيعي النوبختي- فكيف يمكن ان نؤمن نحن بعد مئات السنين بدون دليل علمي ثابت؟ 
4-  إذا كان موضوع الإيمان بالمهدي أصلا من أصول الدين فلماذا لا يُبحث في الحوزة بصورة علمية منهجية كما يبحث الفقه والأصول ؟  ولماذا لم يتم التحقق من صحة الروايات والقصص التاريخية التي تتهم بالوضع والاختلاق في وقت متأخر؟ وهل بحثتم بأنفسكم هذا الموضوع  ودرستموه بعمق؟ وما هو رأيكم برواته واحدا واحدا؟هل هم من الموثوقين ؟ أم من الغلاة والكذابين؟ وهل يصح الاعتماد عليهم؟
5-  إذا كان من الواضح والثابت ، لدى الشيعة من قبل ، مهدوية الامام محمد بن الحسن العسكري؟ فلماذا قال بعض الشيعة  إذن بمهدوية الامام علي ومهدوية ابنه محمد بن الحنفية ومهدوية النفس الزكية ومهدوية الصادق ومهدوية الكاظم ومهدوية السيد محمد بن علي الهادي ومهدوية الامام العسكري ؟
6-   هل كان المسلمون والشيعة والإمامية في القرون الثلاثة الأولى يعرفون ويؤمنون بالإمام (محمد بن الحسن العسكري)؟ ولماذا كان يحدث البداء إذن؟ ولماذا كان كبار أصحاب الأئمة يجهلون أسماءهم؟ ولا يعرفون من بعدهم؟
7-  هل يعتبر  الإيمان بالإمام المهدي جزء من الإيمان بالغيب ؟ علما بأن القرآن الكريم قد ذكر الملائكة والجن واليوم الآخر ولم يذكر المهدي ، فكيف يتم الإيمان به بصورة غيبية أي بدون دليل؟
8-  ماهي المشكلة في الإيمان بولادة الامام المهدي في المستقبل وعندما يأذن الله؟ لماذا الإصرار على ولادته في الماضي السحيق وبقائه على قيد الحياة بصورة غير طبيعية؟ وقد نهى الامام الرضا الشيعة الواقفية الذين قالوا بغيبة الامام الكاظم ، عن الاعتقاد بطول حياة أبيه وقال لهم: إذا كان لله في أحد حاجة ان يمد في عمره  ، لمد الله عمر رسول الله فلماذا يمد في عمر أبي؟
9-  تقول الرواية المنسوبة الى خديجة بنت الامام الهادي: ان نرجس لم تكن تعرف انها حامل ليلة الولادة المزعومة ولم يكن عليها أي أثر للحمل ، وانها لم تجد أي طفل في الصباح . فهل رأت الولادة في المنام؟ وهل الرواية صحيحة؟ وما هو سندها؟
10- ما ذا يعني التواتر والإجماع؟ وهل يوجد اجماع أو تواتر حول ولادة الامام الثاني عشر مع القول ان ذلك تم سرا وخفية واختلاف شيعة الامام الحسن العسكري حول ذلك الى أربعة عشر فرقة فضلا عن رفض بقية فرق الشيعة التي جاوزت السبعين وبقية الفرق الإسلامية التي لا تؤمن بولادته في القرن الثالث الهجري؟
11- هل يجوز الإيمان بأية عقيدة عن طريق الظن والافتراض والتخمين ؟ أم لا بد من العلم واليقين ، وقد قال الله تعالى مخاطبا النصارى: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ ان تتبعون الا الظن ،وان انتم الا تخرصون) وقال عز من قائل : (ان هي الا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ، ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) فهل توجد أدلة علمية قاطعة على ولادة الامام المهدي ؟ وما هي؟
11- هل صحيح ان الشيعة في القرون السابقة قبل اقامة الجمهورية الإسلامية في ايران ، كانوا يحرمون اقامة الدولة وتطبيق الشريعة الإسلامية في عصر (غيبة الامام المهدي) ولا يزال بعض العلماء يحرم اقامة صلاة الجمعة الا بعد ظهور الامام؟
12- لماذا لا يخرج الامام المهدي الغائب ، إذا كان موجودا ، وقد امتلأت الدنيا ظلما وجورا وأصبح المسلمون فريسة للطغاة والمستبدين الذين أهلكوا الحرث والنسل؟
13- إذا كان الامام المهدي موجودا فلماذا لا  يستفيد من التكنولوجيا المعاصرة ويستخدم المحطات التلفزيونية الفضائية وشبكة الإنترنت للاتصال بالمؤمنين والإجابة على أسئلتهم وتوجيهم وقيادتهم استعدادا ليوم الظهور؟
14-  ماهو الضير في عقد ندوة علمية لبحث موضوع ولادة المهدي ودعوة أحمد الكاتب ومناقشته أمام الملأ وفي الإذاعة والتلفزيون؟ خاصة وانه يقول انه مستعد لتغيير رأيه لو قدم له أحد أدلة تاريخية علمية على ولادة الامام (محمد بن الحسن العسكري)؟
لقد قال الرسول الأعظم (ص): إذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه وان لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . ولذا نرجو منكم ان تبينوا الحقيقة وتظهروا علمكم وتقمعوا البدع والفتن التي تضر بالدين. نريد منكم ان تقطعوا الشك باليقين ، والظن بالعلم ، فقد قال الله تعالى: (وما لهم به من علم ، ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا) 28 النجم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رسالة من أحمد الكاتب إلى الشيخ حسن الصفار حول المهدي

فضيلة الشيخ حسن الصفار حفظه الله
القطيف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت لكم في موقعكم على شبكة الانترنت كلمة عن الامام المهدي تحدثتم فيها في البداية عن ضرورة الاجتهاد والنظر في المعتقدات التي قلتم  انه لا يصح فيها التقليد والاتباع ، وذلك لأن الاسلام دين العقل وعقائده قائمة على النظر والتفكير ، وانه يرفض الخرافات والأساطير وينهى عن الأخذ بشيء قبل التأكد منه ( ولا تقف ما ليس لك به علم).
وانا اتفق معكم في ذلك.
واتفق معكم ايضا في ضرورة التسليم بالظاهر الإعجازية التي ذكرها القرآن الكريم كتحول النار التي أشعلها نمرود بإذن الله بردا وسلاما على إبراهيم (ع) أو ولادة النبي عيسى (ع) من دون أب ، أو الإسراء والمعراج او طول عمر النبي نوح عليه السلام.
وتفضلتم بأن الاعتقاد بالإمام المهدي يأتي ضمن هذا السياق وانه ثبت بالنقل الذي يقره العقل . وان الأحاديث الواردة عن النبي محمد (ص) وأهل بيته فاقت حد التواتر ، واستشهدتم على ذلك بأقوال الشيخ ابن تيميه والمحدث المعاصر الشيخ محمد بن ناصر الألباني والشيخ يوسف القرضاوي  ، كما أشرتم الى كتاب الشيخ لطف الله الصافي (منتخب الأثر في الامام الثاني عشر) الذي قلتم انه  جمع فيه 6277 حديثا حول الامام المهدي من كتب الفريقين السنة والشيعة.
وقلتم: ان خروج المهدي المنتظر في آخر الزمان مسألة ثابتة عند المسلمين على اختلاف مذاهبهم وان علماء المسلمين يتفقون على ان المهدي من عترة الرسول ومن ولد فاطمة ، لكن هناك اختلافا في تفاصيل هذه العقيدة بين المذاهب الكلامية المختلفة يأخذ كل فريق بما يصح ويثبت لديه.
وقلتم: بأن الشيعة الامامية يعتقدون بأن الامام المهدي قد ولد في 15 شعبان سنة 255 من أبيه الامام الحسن العسكري وانه لا يزال ينتظر أمر الله لممارسة دوره العالمي ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
وأضفتم : ان النص ثبت لدى الشيعة الامامية من جهة معصومة بذلك فهم ملزمون بقبوله والايمان به.
ودعمتم قولكم هذا بما قلتم من وجود أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله يتحدث فيها اثني عشر اماما أو أميرا أو خليفة لهذا الدين ، وان هذا العدد لا ينطبق الا  على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت.
ولم تجدوا في طول عمر الامام المهدي الممتد منذ منتصف القرن الثالث الهجري حتى اليوم اية استحالة عقلية وقلتم: اذا ما ثبت النص الشرعي على وجود الامام المهدي فاننا نقبله كظاهرة إعجازية ليست ممتنعة عقلا وانما هي خارقة للعادة ومخالفة للمألوف فقط.
وقد عقبتم على ذلك الحديث عن الامام المهدي بكلمة قيمة عن عصور التخلف التي عاشتها الامة الاسلامية وسادت فيها حالة التعصب المذهبي والنزاعات الطائفية ، ودعوتم الى ضرورة تجاوز المسلمين لتلك الحالة المزرية وتحمل كل فرقة مسؤولية معتقداتها أمام الله تعالى ، كما دعوتم الى ضرورة البحث عن الحقيقة عبر الدراسة الموضوعية لموارد الخلاف والحوار البناء البعيد عن التهريج والتشنج والشتم والاستهزاء.
فضيلة الشيخ الموقر
لا يسعني الا ان أشكركم واكبر فيكم روح الأخوة والمحبة وصوت العقل والاجتهاد والنظر والتفكير ، واقدر فيكم روح التسليم للآيات القرآنية الكريمة والنصوص الاسلامية الثابتة والايمان بالغيب والظواهر الإعجازية الخارقة للعادة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ، واذا كنت اختلف معكم حول هوية الامام المهدي وولادته في الماضي السحيق ، بالرغم من اتفاقي معكم حول ظهوره في المستقبل ،فاني اعتقد بأن الاختلاف حول هذا الموضوع بين الشيعة الاثني عشرية وبقية الفرق الشيعية والإسلامية لا يتخذ طابع الاختلاف العقائدي ، إذ أنه لا يتعلق بالتوحيد او النبوة او المعاد او أي اصل من أصول الدين وانما حول قضية جزئية تاريخية بسيطة وهي ولادة الامام المهدي في القرن الثالث الهجري أو قبيل ان يأذن الله له بالظهور في المستقبل. ومن هنا فاني ارفض بالطبع أي توتر او تشنج او تضخيم لهذه المسالة من هذا الطرف او ذاك ، او اعتبار قضية وجود الامام المهدي وكونه الثاني عشر من أئمة أهل البيت قضية عقائدية كبرى أو ضرورة من ضروريات الدين تدخل صاحبها الجنة او تخرجه من النار.
ولولا تفاعل هذه القضية مع سلسلة من النظريات السياسية والأحكام الفقهية وتأثيرها على العلاقات الشيعية الداخلية والخارجية ، وارتباطها خاصة بنظرية ولاية الفقيه الحاكمة في ايران ، لما كانت هنالك أية ضرورة لبحثها او إثارتها الآن.
صديقي الفاضل الشيخ الصفار
لقد لمست فيكم منذ السبعينات حيث تعرفنا على بعضنا البعض في مدرسة الرسول الأعظم في الكويت ، حب العمل للإسلام والبحث عن مصادر الثقافة الاسلامية النقية ورفض الخرافات والأساطير والتفتيش عن الحق والصواب ، وكانت محاضراتك القيمة وخاصة أيام عاشوراء نموذجا مثاليا للأحاديث الرسالة الموثقة والمنطقية والمعقولة الهادفة الى بناء جيل إسلامي جديد مؤمن بالله والحق والحرية.
 وانطلاقا من ثقتي العظيمة بكم وبنواياكم المخلصة لتوحيد الأمة الاسلامية وتجديد التراث الاسلامي وتنقيته مما علق به من خرافات وأساطير عبر القرون الطويلة ، واعادة بناء الحضارة الاسلامية على أسس علمية ثابتة.. انطلاقا من ذلك أدعوكم الى مواصلة التفكير واعادة النظر في قضية وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري وبقائه على قيد الحياة الى يوم والى ان يأذن الله بالخروج. وذلك ليس  من منطلق استحالة العمر الطويل او إنكار الظاهر الإعجازية الخارقة للعادة ولا من منطلق رفض الايمان بخروج المهدي في آخر الزمان ، وانما من منطلق التثبت من ولادة ابن للامام الحسن العسكري فعلا رغم نفي الامام العسكري لذلك ووصيته الى أمه وعدم إشارته علنا الى وجود ولد له ، والتحقق من دعاوى بعض أصحاب الامام العسكري بوجود ولد له في السر والخفاء ، والنظر في رواياتهم التاريخية التي يكتنفها التناقض والغلو والخيال الأسطوري.
عزيزي الشيخ حسن
ان الشيعة والشيعة الامامية قالوا خلال القرون الثلاثة الهجرية الاولى بنظريات عديدة حول المهدي فاعتقد بعضهم ان الامام المهدي هو علي بن ابي طالب  واعتقد بعض آخر انه محمد بن الحنفية او ابنه أبو هاشم او محمد بن عبد الله بن الحسن ذو النفس الزكية او الامام الباقر او الامام الصادق او ابنه إسماعيل او محمد بن عبد الله الأفطح او الامام الكاظم او عبد الله بن معاوية الطيار او محمد الديباج او محمد بن القاسم او يحيلا بن عمر او محمد بن علي الهادي او الامام الحسن العسكري او القائم المجهول الذي يظهر في المستقبل ، ولم يجمعوا على مهدوية شخص معين ماعدا الفرقة الاثني عشرية التي قالت بوجود ولد مخفي للامام العسكري وانه المهدي المنتظر.
ومن هنا يمكننا القول بعدم وجود نص ثابت وصريح من جهة معصومة على ولادة  (محمد بن الحسن العسكري) ولا توجد ضرورة للالتزام بالإيمان بذلك ، خصوصا وان القول بوجوده كان ملفوفا بالسرية والكتمان ومخالفة الظاهر. وان الله تعالى لا يحتج على عباده بأمر خفي كهذا ، وله الحجة البالغة.
أما ما تفضلتم به من الاستدلال بأحاديث الاثني عشرية وعدم  انطباق هذا العدد الا على أئمة اهل البيت فتوجد فيه مناقشات كثيرة من حيث صحة السند والمضمون وامكانية تطبيق العدد على عدد آخر من الأئمة كزيد بن علي او الامام عبد الله الأفطح الذي كان يقول بإمامته قسم كبير من الشيعة الامامية الفطحية بما يغنينا عن افتراض وجود ولد للامام العسكري خلافا للظاهر ولمجرد استكمال العدد.
شيخنا الكريم
قبل ان نحدد هوية الامام المهدي او نقول انه محمد بن الحسن العسكري لا بد ان نثبت أولا ولادته ووجوده في التاريخ ، إذ لا يجوز ان نفترض وجوده بناء على أحاديث عامة او نظريات كلامية فلسفية كما يفعل بعض المتكلمين.
واذا كان معظم الشيعة الامامية ومعظم شيعة الامام العسكري قد رفضوا التصديق بدعوى فريق صغير منهم بوجود ولد له في السر هو الامام من بعده وانه المهدي المنتظر ، ورفضوا القبول بحكاياتهم الغريبة والغالية والمتناقضة التي تتحدث مرة عن ولادته بصورة إعجازية بحيث  لم تعرف أمه بالحمل به حتى ساعة الولادة ولم يكن عليها أي أثر للحمل ، وان الملائكة او الطيور قد خطفته فورا ولم يعثر على أثر له بعد ذلك ، وتتحدث مرة اخرى عن رؤيته في حياة أبيه وقيامه بالصلاة على جثمانه واستقباله للوفود في سر من رأى على مقربة من الخليفة العباسي المعتمد الذي يقال انه كان يبحث عنه ويحاول قتله.. اذا كان معظم الشيعة الامامية فضلا عن عامة المسلمين قد رفضوا التصديق بتلك القصة المشكوك فيها لعدم توفر الأدلة الشرعية الكافية والحجج العلمية القاطعة في ذلك الزمان  ، فماذا يمنع شيعة أهل البيت والمحبين لهم من البحث والتحقيق ومواصلة التفكير والنظر والاجتهاد في هذه القضية التي فرقت بين الاثني عشرية وعامة الشيعة والمسلمين ,أدت الى خروج الاثني عشرية من مسرح التاريخ قرونا طويلة بعد التزامهم بانتظار الامام الغائب وتحريمهم العمل السياسي واقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة الا مع حضور الامام المعصوم .وذلك قبل ان يتوصل العلماء المجددون الى نظرية ولاية الفقيه او الشورى ويقوموا بثورة عظمى سمحت لهم بالاجتهاد وتولي الفقيه العادل.
ألا تتفقون معي بأن الشيعة الجعفرية اليوم قد تحرروا من كثير من نظريات المتكلمين السابقين الوهمية وفرضياتهم العقيمة ،وانهم باتوا اليوم يقفون في طليعة القائلين بنظرية الشورى؟ ومن هنا فانهم ليسوا بحاجة الى افتراض إمام معصوم يعيش خلف ستار الغيب ، وان من الضروري إعادة بحث موضوع وجود الامام الثاني عشر وولادته في التاريخ ، والتأكد مما اذا كان حقيقة تاريخية؟ أم فرضية فلسفية ، وذلك من أجل تعزيز الاتجاه الديموقراطي الشعبي في الفكر السياسي الشيعي وإزالة أية عقبات أمام الوحدة الاسلامية؟
شيخنا الكريم أملنا فيكم كبير وثقتنا فيكم عالية ومعرفتنا بكم قديمة ونحن متأكدون دائما أنكم تسيرون أمام الجماهير في الطليعة وأنكم من علماء هذه الأمة وروادها الذين يحملون مشعل الإصلاح والتجديد.
وتقبلوا فائق احترامي ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحمد الكاتب
لندن 22 رمضان 1420 المصادف 30/12/1999

عقيدة الشيعة في الغيبة

وهذه العقيدة الشيعية ترجع في أصولها إلى عقائد المجوس، الذين يعتقدون أن لهم إماماً مهدياً حياً لم يمت، من ولد (بشتا سف بن بهرا سف) يُدعى: (ابشا وثن)، وأنه قد اختفى وغاب في داخل حصن عظيم بين خرسان والصين.
كذلك تعتقد الشيعة الاثنا عشرية، نفس هذه العقيدة المجوسية، وهي عقيدة الغيبة، التي يقول عنها شيخهم القمي والملقب عندهم بالصدوق في كتابه إكمال الدين ما نصه: (من أنكر القائم عليه السلام في غيبته، مثل إبليس في امتناعه في السجود لآدم) انتهى كلامه.
والغيبة عند الشيعة هي: أن إمامهم الحادي عشر الحسن العسكري قد وُلد له ولد، هومحمد بن الحسن إمامهم الثاني عشر، وأن هذا الولد قد دخل سرداباً في دار أبيه بمدينة (سُرَّ من رأى) وعمره خمس سنوات، وغاب غيبتين، غيبة صغرى وغيبة كبرى.
فالغيبة الصغرى: هي الغيبة التي كانت السفراء الواسطة فيها بين هذا الإمام وبين بقية الشيعة، ولا يعلم بمكان هذا الأمام إلا خاصته من الشيعة، وقد كانت مدة هذه الغيبة أربعاً وسبعين سنة على خلاف بينهم.
أما الغيبة الكبرى: فهي التي اختفى فيها الإمام الثاني عشر عن السفراء، وعن خاصته من الشيعة بدخوله السرداب في دار أبيه، ومن أجل هذا فالشيعة يجتمعون كل ليلة بعد صلاة المغرب أمام باب السرداب، ويهتفون باسمِه ويدعونه للخروج، حتى تشتبك النجوم.
وللشيعة الإمامية أدعية عند زيارة الإمام الغائب، ذكرها علمائُهم في كتبهم المعتمدة لديهم، ككتاب بحار الأنوار للمجلسي، وكتاب كلمة المهدي للشيرازي، وكتاب المزار الكبير لمحمد المشهدي، وكتاب مصباح الزائر لعلي بن طاووس، جاء فيها ما نصه: (ثم ائت سرداب الغيبة وقف بين البابين، ماسكاً جانب الباب بيدك، ثم تنحنح كالمستأذن، وسم وانزِل، وعليك السكينةُ والوقار، وصلي ركعتين في عَرضَةِ السرداب وقل: اللهم طال الإنتظار، وشمت بنا الفجار، وصَعُبَ علينا الانتظار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون، في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة، وبين يدي صاحب هذه البقعة، الغوث الغوث الغوث يا صاحبَ الزمان، هجرت لزيارتك الأوطان، وأخفيت أمري عن أهل البلدان، لتكون شفيعاً عند ربك وربي…يا مولاي يا ابن الحسن بن علي جئتك زائراً لك) انتهى نص الدعاء.

محاولات يائسة لمصادرة حق الامة في التفكير والاجتهاد

بعض رجال الدين يشبه الجندي الذي يقف على الحدود ولا يؤدي مهمته في الدفاع عن الوطن ولا يسمح للناس العاديين  بالدفاع عنه ايضا بدعوى ان هذه مهمته الخاصة التي لا يجوز ان يشاركه فيها  أي أحد !! فان بعض رجال الدين  يحتكر الاجتهاد ولا يسمح للناس العاديين بممارسته في حين يرفض هو القيام به ، وتراه ينام على الخرافات والأساطير والبدع والأفكار المنحرفة ويحافظ عليها بكل ما أوتي من قوة ، ويجعل من نفسه وصيا على الدين وعلى حركة الفكر ويحاول ان يفرض على الناس أفكارا واجتهادات خاصة ويضع خطوطا حمراء يحرم الاقتراب منها ، وذلك حفاظا على أوضاع دستورية وسياسية وطائفية خاطئة تتيح له ممارسة الديكتاتورية والاستبداد واستغلال البسطاء والتلاعب بالأموال والقوانين.
فبالرغم من ان نظرية ولاية الفقيه  نظرية حادثة في الفكر السياسي الاسلامي الشيعي ، وهي واحدة من نظريات عدة سابقة ولاحقة ، الا ان المحافظين المهيمنين على السلطة في ايران يرفضون بشدة وضعها مثلا على طاولة البحث والحوار ، وقد وجهوا أكثر من تحذير لمجلس الشورى الجديد الإصلاحي من التعرض لنظام ولاية الفقيه او تحديد صلاحيات الولي الفقيه.
واذا كان المحافظون يرفضون المساس بهذه النظرية الحادثة التي لم يجمع عليها الفقهاء الشيعة والتي لم تتبلور بهذه الصورة الا في السنوات الأخيرة فلا بد ان نتوقع انهم يرفضون بصورة مطلقة الاقتراب من قضايا فكرية اخرى تشكل قاعدة أساسية وعقدية للنظام ، مثل نظرية الامامة الالهية لأهل البيت او وجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) الذي يستمد النظام الإيراني الراهن شرعيته الدستورية (الالهية) منه باعتبار (الولي الفقيه) نائبا عاما عن (الامام المهدي الغائب) . ومن  هنا ينبغي توقع اتخاذ النظام الإيراني موقفا سلبيا حادا من أية دعوة للحوار أو إعادة النظر في قضايا فلسفية او تاريخية اتخذت صفة "المسلمات العقدية" وربما كان يجب تفهم دوافع النظام  الى تجنب الخوض في حوارات قد تهز أسس وجوده.
وفي مقابل ذلك كان يجدر بمؤسسات علمية عريقة كالحوزة العلمية في النجف الأشرف وخاصة المرجعية الدينية التي تتصدى للبحث والتدريس ان تولي موضوع الحوار حول الامامة ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) أهمية كبرى ، بعد ان تم طرحه في الساحة الثقافية في السنوات الماضية ، وذلك لما له من علاقة وثيقة  بمستقبل الأمة الاسلامية والفكر السياسي والعلاقات الطائفية. وكان يفترض ان تبادر الحوزة  العلمية في النجف قبل الحوزة العلمية في قم الى الرد بإيجابية على دعوة الحوار ، وتخصيص لجان ودروس وندوات لمناقشة الادعاءات الجديدة التي تقول بتسرب الفكر الإمامي والايمان بوجود الامام الثاني عشر الى الفكر الشيعي وعدم تمتعه بأدلة شرعية كافية ، خاصة وان برامج الحوزة العلمية تغفل عادة دراسة مادة التاريخ الاسلامي وعلم الكلام ، بالرغم من انها تفتخر برفع لواء الاجتهاد والحياد والموضوعية.
وكان من المتوقع ان يبادر مراجع الدين الى شحذ هممهم  لدراسة الكتب التي تنفي ولادة ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) والرد عليها بصورة علمية معمقة ، او الاعتراف بالحقائق التاريخية وتعديل الأفكار الدينية المتوارثة، أو على الأقل الاعتراف بالجهل وعدم الاجتهاد في الأمور التاريخية " العقائدية" وتوضيح دائرة اجتهادهم للعامة من الناس بأنها تقتصر على الأمور الفرعية الجزئية. وذلك لأن العامة تحسب او تفترض بأن رجال الدين وخاصة المراجع مجتهدون بصورة مطلقة في كل شيء وهي لا تعلم بأن دراساتهم تقتصر على الفقه والأصول واللغة العربية ، وانهم مقلدون في أبواب كثيرة او مستويات اخرى ، وقد سألت شخصيا بعض كبار رجال الدين ممن يتصدى للمرجعية فيما اذا كان قد درس أمورا عقائدية مثل وجود الامام الثاني عشر فأجابني بصراحة بالنفي ، ولكن بصورة سرية ودون ان يعلن ذلك للعامة.
ولما كانت الأمور العقائدية والأساسية مما يجب ان يؤمن بها المرء عن طريق الاجتهاد والنظر ولا يجوز فيها التقليد والتبعية العمياء ، فان كثيرا من الشباب المؤمن المثقف بدأ منذ سنوات يبحث وينظر ويجتهد ويعيد النظر في قضايا تاريخية – عقائدية كثيرة كموضوع وجود الامام الثاني عشر ، الذي يشكل مفتاحا لعدد من المسائل الفكرية والقضايا السياسية المعاصرة ، متجاوزا بذلك المؤسسات العلمية التقليدية (المرجعية) التي فضلت المحافظة والسكون والدفاع عن التقاليد الموروثة.
وبدلا من تشجيع المؤسسات الدينية لهذه الحركة الثقافية الجماهيرية المباركة ومشاركتها في عملية الاجتهاد فان بعض المؤسسات او بعض رجال الدين المحافظين أبدى امتعاضه من ذلك وراح ينادي بإقفال باب الاجتهاد ، والهجوم على المجتهدين ، واحتكار عملية الاجتهاد ، او العودة الى المنهج الأخباري القديم ، واعتماد آليات بحث غير علمية (خطابية) في محاولة للمحافظة على بعض الأفكار الدخيلة والفرضيات الوهمية والأساطير الموروثة.
نجد هذه الدعوة الغريبة واضحة في كراس وزعه مؤخرا مركز الأبحاث العقائدية في قم ، التابع لمرجعية السيد علي السيستاني المقيم في النجف الأشرف ،  وهو يشتمل على محاضرة للشيخ محمد باقر الأيرواني ، تحت عنوان : ( الامام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال) وقد جاء فيه: " ليس من حق أي شخص ان يجتهد في مقابل النص ، فاذا كان عندنا نص صريح الدلالة وتام السند من كلتا الجهتين فلا حق لأحد ان يأتي ويقول : انا اجتهد في هذه المسالة… ليس من حق أحد ان يقول: انا اجتهد في روايات الامام المهدي ، كما يجتهد الناس في روايات اخرى، هذا لا معنى له. لأن الروايات - حسب الفرض – هي واضحة الدلالة صريحة وتامة قابلة للاجتهاد وسندها متواتر ، فالاجتهاد هنا إذن لا معنى له ايضا".
وبالرغم من ان الشيخ الأيرواني (الأستاذ في حوزة قم) يعترف بغموض ولادة ابن الحسن العسكري ، ويدعي وجود تعتيم إعلامي قوي على ذلك نتيجة الظروف الحرجة المحيطة بالإمامة في تلك الفترة – كما يقول – حتى انه لم يجز الأئمة التصريح باسم الامام المهدي ، بحيث لم يطلع جعفر بن علي الهادي على وجود ابن لأخيه الحسن ، مما دفعه للشك والإنكار ، ويقول: بأن بعض الأدعية تبالغ في كتمان هوية الامام المهدي مثل الدعاء الذي يقول: (اللهم كن لوليك فلان بن فلان ) او الحديث الذي يقول: ( إنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكر اسمه) و (محرم عليكم ان تسألوا عن الاسم ، فان الأمر عند السلطان ان أبا محمد مضى ولم يخلف ولدا وقسم ميراثه)..
وبالرغم من ان الشيخ الأيرواني يسلم ايضا بوجود تناقضات كثيرة في تفاصيل خبر ولادة الامام (محمد بن الحسن العسكري) واسم والدته وهويتها ، وضعف كثير من الروايات الواردة حول الموضوع من حيث السند ، مما يحتم ضرورة الاجتهاد والتحقيق ، الا ان الشيخ الأيرواني يحاول ان يقفز على الموضوع وعلى احتمال كون الفكرة من الأساس اسطورة مختلقة ، ويدعو الى تقبل الفكرة كما هي من دون بحث ولا اجتهاد ولا تحقيق. فيقول بعد ان يفترض وجود التواتر في أخبار الامام المهدي: "لا يلزم في الخبر المتواتر ان يكون المخبر من الثقاة ، فان اشتراط الوثاقة في المخبر يلزم في غير الخبر المتواتر… ان الخبر المتواتر – حسب الفرض – يفيد العلم  لكثرة المخبرين ، وبعدما أفاد العلم لا معنى لاشتراط الوثاقة والعدالة ، إذ المفروض ان العلم حصل ، وليس بعد العلم شيء يقصد ، فلا معنى إذن لاشتراط الوثاقة والعدالة في باب الخبر المتواتر ، وهذه قضية بديهية واضحة في سوق العلم. وعلى أساس هذه القضية ليس من  الحق وليس من الصواب ان نأتي الى الروايات الدالة على ولادة الامام المهدي (عليه السلام) او أي قضية ترتبط بالإمام المهدي ونقول: هذه الرواية ضعيفة السند ، الرواة مجاهيل ، هذا مجهول او ذاك مجهول ، هذه الرواية الاولى نطرحها ، الرواية الثانية الراوي فيها مجهول إذن نطرحها ، والثالثة كذلك ، الرابعة هكذا.. و.. ( كما فعلت في كتابي: تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه).
هذا ليس بصحيح ، فان هذا صحيح لو فرض ان الرواية كانت واحدة او اثنتين او ثلاث .. اما بعد فرض ان تكون الروايات الدالة على ولادة الامام المهدي قد بلغت حد التواتر لا معنى ان نقول : هذه الرواية الاولى ضعيفة السند والثانية ضعيفة السند لجهالة الراوي والثالثة هكذا ، فان هذه الطريقة وجيهة في الخبر غير المتواتر ، اما في الخبر المتواتر فلا معنى لها.
وان الأخبار الكثيرة اذا اتفقت من زاوية على شيء معين فان العلم يحصل بذلك الشيء وان اختلفت هذه الأخبار من الجوانب الأخرى في التفاصيل ، وبعد هذا فليس من حقنا ان نناقش في روايات الامام المهدي ونقول: هذه مختلفة في التفاصيل ، واحدة تقول بأن أم الامام المهدي اسمها نرجس والثانية تقول: ان أم الامام المهدي اسمها سوسن والثالثة تقول: شيء ثالث ، او ان  واحدة تقول : ولد في هذه الليلة والثانية تقول ولد في تلك الليلة ، او واجدة تقول في هذه السنة  والأخرى تقول في السنة الأخرى ، فعلى هذا الأساس هذه الروايات لا يمكن ان نأخذ بها وليست متواترة وليست مقبولة ، لأنها تختلف في التفاصيل ولا تنفع في إثبات التواتر وتحصيل العلم بولادة الامام (سلام الله عليه) لأنها مختلفة ومتضاربة فيما بينها ، حيث اختلفت بهذا الشكل.
انه باطل. لأن المفروض ان كل هذه الأخبار متفقة في جانب واحد وهو الإخبار بولادة الامام ، ولئن اختلفت فهي مختلفة في تفاصيل وخصوصيات اخرى ، لكن في أصل ولادة الامام فهي متفقة ، فالعلم يحصل والتواتر يثبت من هذه الناحية".
وكما هو ملاحظ فان الشيخ الأيرواني يفترض وجود تواتر في أحاديث ولادة ابن الحسن العسكري بالرغم من اعترافه بعدم معرفة جعفر بن علي الهادي لوجود ولد لابن أخيه الحسن العسكري ، ويحاول ان يبني على ذلك التواتر المدعى الذي لا وجود له قاعدة اخرى هي عدم الحاجة للتحقيق والتدقيق في الروايات الواردة حول الموضوع والتي يعترف ضمنيا بتناقضها وعدم صحة سندها. واذا كان الاختلاف في تفاصيل خبر ولادة انسان ظاهر معروف ومشاهد لا يعتبر مهما فعلا في إثبات حقيقة وجوده ، فان الاختلاف يصبح مهما جدا في الحديث عن انسان لا اثر له ولم يظهر عبر التاريخ. ولكن الشيخ الأيرواني يصادر حق الامة في الاجتهاد والتفكير واعادة النظر في هذه القضية التاريخية الغامضة والمخالفة للظاهر من حياة الامام العسكري والتي ينفيها أهل البيت ، ويحاول ان يحتكر حق الاجتهاد لنفسه دون ان يقوم بممارسة الاجتهاد بصورة علمية وحسب الأدلة الشرعية ووفقا لأصول الفقه وقواعد الاستنباط السليم المتبعة في الحوزة بخصوص الأمور الفقهية الجزئية ، ويقوم بذكر ثلاث روايات عامة وضعيفة وقابلة للتأويل والتفسير ويحاول ان يستنتج منها ويفترض ولادة ابن للامام العسكري. الروايات الثلاث هي:
1- اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
2- ان هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة.
3- من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فيستنتج من الحديث الأول ان العترة مستمرة مع الكتاب الى يوم القيامة ويقول: لا يمكن توجيه الحديث الا بافتراض : ان الامام المهدي قد ولد ، ولكنه غائب عن الأعين ، إذ لو لم يكن مولودا وسوف يولد في المستقبل لافترق الكتاب عن العترة ، وهذا تكذيب للنبي .. ولا يمكن توجيهه الا بما قلت: ان الامام المهدي قد ولد ، والا يلزم الإخبار على خلاف الواقع… لكن كما قلت : هذا الحديث لم يرد ابتداء في الامام المهدي ، وانما هو منصب على قضية ثانية (وانهما لن يفترقا ) لكن نستفيد منه ولادة الامام بالدلالة الالتزامية (…)
ويقول عن الحديث  الثاني (الاثني عشر خليفة) انه يدل بالملازمة على ولادة الامام المهدي (…) فلا بد ان نفترض : ان ولادة الامام قد تحققت ، والا هذا الحديث يعود تطبيقه غير وجيه ، فهذا الحديث يدل بالدلالة الالتزامية على ولادة الامام (…)
وهكذا يقول عن الحديث الثالث: اذا لم يكن الامام مولودا الآن فهذا معناه : نحن لا نعرف إمام زماننا فميتتنا ميتة جاهلية ، فالحديث يدل على ان كل زمان لا بد فيه من إمام ، وكل شخص مكلف بمعرفة ذلك الامام ، فلو لم يكن الامام مولودا إذن كيف نعرف إمام زماننا؟
وكما يلاحظ فان الأيرواني يبني استنتاجه هنا ايضا على عدة افتراضات ، وبدلا من ان يشكك في صحة الأحاديث او يبحث عن تفاسير اخرى معقولة لها ، يقوم بسهولة بافتراض ولادة انسان من رجل لم يتزوج قط ، وكان ينفي وجود ولد لديه ، ولم يوص الى أحد من بعده ، وهو الامام الحسن العسكري ، ويريد الشيخ الأيرواني منا ان نغلق عقولنا ونكف عن الاجتهاد ونصدق بفرضيته الوهمية ونعتبرها جزءا من الدين وركنا من أركان التشيع والولاء لأهل البيت.
وبالرغم من ان الأيرواني يؤكد غموض ولادة ابن الحسن العسكري الى درجة عدم معرفة جعفر بن علي الهادي بها ، ويفسر ذلك بالخوف من السلطة ، فانه يطلق على الأخبار التي تتحدث عن الولادة بالسر صفة التواتر ، أو بالأحرى يفترض التواتر فيها ، ويعفي نفسه من مشقة البحث في صحة تلك الأخبار وأسانيدها بدعوى انها متواترة ، وهو يعلم بأن التواتر لا ينطبق على حالة غامضة مشكوك فيها وكانت سببا لاختلاف شيعة الحسن العسكري الى أربع عشرة فرقة. ولأن الأيرواني يعلم بأن الموضوع لا يدخل في باب التواتر يعود فيتنازل ويلجأ الى دليل افتراضي آخر يسميه (حساب الاحتمال) وهو مجموع القرائن التي تدل على ولادة الامام الغائب ، وعندما يواجه مشكلة التناقض والاضطراب في تلك الروايات يقول: ان الأخبار الكثيرة اذا اتفقت من زاوية على شيء معين فالعلم يحصل بذلك الشيء وان اختلفت هذه الأخبار من الجوانب الأخرى في التفاصيل.
وربما لا يشكل الاختلاف في التفاصيل دليلا مضادا اذا كان هنالك علم بأساس الشيء ،واما اذا كان أساس الموضوع افتراضا فلسفيا وإشاعة أسطورية لا حقيقة لها ولا أثر ، فان التناقض في الروايات يكون دليلا إضافيا على خطأ الفكرة. وبالتالي فان الاختلاف الفاحش في الروايات الواردة حول ولادة ابن الحسن والمملوءة بالغلو والخرافات والأساطير تشكل دليلا على تخبط المختلقين لتلك القصة الوهمية.
ان الباحث المحايد يتوقف مثلا عند رواية الصدوق السرية عن عمة الامام العسكري التي يسميها حكيمة والتي تقول انها استغربت عندما أخبرها أخوها بأن نرجس ستلد هذه الليلة لأنها لم تر على الجارية أي  اثر للحمل وان الجارية كانت أشد استغرابا عندما حدثتها حكيمة بالموضوع لأنها لم تكن تعلم انها حامل ، مما أدى بحكيمة الى الشك والارتياب بقول أخيها الغريب ، وان نرجس  غابت عن عينها عند الولادة وان حكيمة لم تر للوليد أثرا عند الصباح ، ولكنها شاهدت بعد ذلك رجلا كبيرا لم تعرفه قيل لها انه ابن العسكري وقد نمى بسرعة قصوى. ولكن الشيخ الأيرواني يريد من الجميع إغلاق عقولهم وترك البحث والتحقيق والاجتهاد في مثل هذه الرواية ، وتصديق دعاوى "النواب الأربعة" الذين ادعوا النيابة الخاصة عن رجل اختلقوا وجوده .
وفي سبيل ذلك يلجأ الأيرواني الى المنهج الأخباري الساذج الذي يقول بحجية الخبر الواحد ، ليعلن حصوله على اليقين في مسالة وجود الامام الثاني عشر ، ويدعي حصول اتفاق لدى الشيعة من زمان الكليني والشيخ علي بن بابويه الصدوق الى يومنا هذا على فكرة الامام المهدي وغيبته وعدم التشكيك في ولادته ، واعتبار ذلك أصلا من أصول الشيعة.
ونحمد الله على ان الأيرواني لم يدع اجماع الامامية او الشيعة قبل ذلك التاريخ ، مع انه لم يشر الى اختلاف شيعة الامام الحسن العسكري الى أربع عشرة فرقة بعد وفاته ، علما بأن الإجماع والإجماع المتأخر ليس حجة عند الشيعة وخاصة اذا كان يقوم على روايات و نظريات فلسفية كلامية ، حيث يجب النظر في تلك الروايات والنظريات والاجتهاد فيها ولا يجوز تقليد الآخرين حتى لو أجمعوا ، فكيف اذا لم يكن هناك أي اجماع او اتفاق  في البين.
ان ما يدفعنا الى مراجعة موضوع ولادة ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) هو الآثار السلبية التي ترتبت عليه من نظرية الانتظار المثبطة والمكبلة للشيعة ، الى نظرية ولاية الفقيه المطلقة ذات الهالة المقدسة ، التي صادرت وتصادر حق الامة في تقرير مصيرها وتحول دون قيام نظام ديموقراطي إسلامي ، الى ما سببته وتسببه من توتر واختلاف بين الشيعة والسنة ، وابتعاد عن منطق العرف والعقل.
واذا كان من   حق أي انسان ان يجتهد في أي موضوع خلافي ، فانه لا يوجد في الحقيقة موضوع خلافي لدى الشيعة اصبح مشكلة في الفكر السياسي أكثر من موضوع وجود الامام الثاني عشر (ابن الحسن العسكري) ولذا فانه يستحق كل الاهتمام والتفكير وتركيز الاجتهاد واعادة النظر فيه ، وبالخصوص من علماء الحوزة العلمية وكبار مراجع الدين ، وفي الوقت الذي كنا ننتظر من مرجع ديني كبير كالسيد علي السيستاني ان يقوم بنفسه بدراسة الموضوع ومراجعته بدلا من ان يوعز الى حاشيته في قم بإصدار كراس هزيل يرفض اساس الاجتهاد والنظر في الموضوع ويعتمد على تقليد السابقين . واذا كان هو قد تصدى للمرجعية الدينية و جند نفسه للفتاوى في الأمور الفقهية ، فنحن لا ننتظر منه فتوى في الأمور التاريخية او العقائدية وانما ننتظر منه ان يقوم بالاجتهاد في هذا الموضوع وإبداء وجهة نظره مدعمة بالأدلة العلمية الشرعية التي استند عليها في الايمان بفرضية وجود ابن للامام العسكري ، ويقول لنا ما هي المصلحة التي أوجبت غيبته مئات السنين ، علما بأن الامام الرضا عليه السلام يقول: " لو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق اليه لمد الله في أجل رسول الله (ص)"!

كروبي: الشعب هو من انتخب النواب وليس الإمام المهدي المنتظر

طهران ـ من أحمد أمين: استأثرت خطبة صلاة الجمعة في مدينة قم، التي تعتبر ثاني مركز للدراسات الحوزوية للطائفة الشيعية في العالم، باهتمام اوساط دينية وسياسية، لما انطوت عليه من عقائد ترى هذه الاوساط انها تسيء للدين والمذهب اكثر مما تنفعه، كما انها تساهم في توليد صدمة فكرية تبعد الناس وشريحة الشباب تحديدا عن الدين.
وكان آية الله علي مشكيني، رئيس مجلس خبراء القيادة، وهو الجهاز المكلف انتخاب المرشد الاعلى ومراقبة ادائه ويمتلك صلاحية اقصائه، قال في صلاة الجمعة «ان ملائكة الرحمن وضعوا في ليلة القدر من شهر رمضان الماضي، لائحة تضم اسماء وعناوين نواب البرلمان السابع بين يدي الامام المنتظر وانه وقع عليها جميعها».
ومحمد المهدي، هو الامام الـ 12 للمسلمين الشيعة، الذين يعتقدون بأن الله سيظهره يوما ما «ليملأ الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا», 
ونظرا لمكانة مشكيني في النظام الاسلامي، فان احدا لم يجرؤ على انتقاد التصريحات التي وردت في خطبته باستثناء مهدي كروبي، رئيس البرلمان السادس الامين العام لـ «رابطة علماء الدين المناضلين» الاصلاحية التي تضم في عضويتها الرئيس محمد خاتمي، خلال لقاء اجرته وكالة الانباء الطلابية (ايسنا) معه في هذا الشأن.
كروبي وبعد الاشادة بالمكانة العلمية لمشكيني ودوره التربوي في الحوزة العلمية وزهده وورعه، قال «لو انه ادلى بمثل هذه التصريحات في شأن البرلمان السادس أو السيد خاتمي او السيد رفسنجاني وبقية القادة الكبار في النظام الاسلامي، لكنت اعترضت عليها ايضا، فنحن ورغم ان نظامنا قائم على اسس ومبادئ الاسلام، الا ان الشعب هو الذي ينتخب اركان النظام, صحيح ان انتخاب الشعب كان حتى الآن في محله، الا ان الشعب يأخذ بظاهر الاشخاص، لذلك ليس من المناسب الربط بين انتخاب الناس والقضايا السماوية والالهية».
وفي اشارة الى الهجمات التي كان بعض اقطاب اليمين المحافظ يشنها على افراد الشعب لكونهم رجحوا انتخاب مرشحي التيار الاصلاحي على فرقائهم المحافظين في البرلمان السابق، قال كروبي «ان لمن العجب حقا ان نقول في دورة برلمانية ان انتخاب الناس كان ناشىء عن غفلتهم، وفي دورة اخرى نضفي هالة من القدسية على البرلمان حتى قبل ان نختبر اداءه، ومع احترامنا لنواب البرلمان السابع وامنياتنا لهم النجاح، لكن على أي حال انهم منتخبون من قبل الشعب وليس امام الزمان».
وتساءل: «لو كان الامام المنتظر وافق على هؤلاء النواب، فلم يسع البعض حاليا للحؤول دون المصادقة على اعتماد زملاء لهم ممن كانوا اعضاء في البرلمان السادس»؟
وتحدث كروبي عن فرص تكذيب ونفي بعض الاشاعات، وقال: «ادعى البعض ان الامام الخميني كان وافق على ارسال قوات مسلحة الى جنوب لبنان، في حين ان الامام كان يرفض هذا الامر في شدة وحال دون تنفيذه، كما ان خطيب جمعة زعم ان مراجع التقليد ايدوا الاجراءات التي اتخذها مجلس الرقابة الدستورية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في فبراير الماضي، في حين ان العديد من هؤلاء المراجع فندوا تأييدهم لهذه الاجراءات، ولو ان خطيب الجمعة كشف عن اسماء المراجع الذين ايدوا مجلس الرقابة، فانني سأكشف عما قاله هؤلاء المراجع العظام عن تلك الاجراءات, اذن نحن وبقية السادة نستطيع تفنيد ما يقال عن الامام الخميني وبعض القضايا، لكن من يتكفل بتكذيب الروايات المنسوبة لامام الزمان»؟
وعبر كروبي عن اعتقاده بان «من شأن بعض التصريحات التي تفتقر للنضج ان تستغل سياسيا، وهذا ما يفضي الى ان تبتعد قطاعات من الشباب واخرون يتفقرون للمعرفة عن الثوابت الدينية التي تعد مفخرة لنا».
ورأى «ان اشخاصا ينجحوا بتمرير مثل هذه الاقاويل على بعض رجال الدين، لكن الاخفاق يكون من نصيب هذه المحاولات، حينما يكون رجل الدين شخصية استثنائية كالامام الخميني الذي طلب من المسؤولين القبض على كل من يدعي انه شاهد الامام المهدي في جبهات الحرب (الحرب السنوات الثماني بين العراق وايران)، كما ان شخصين ادعيا بانهما يحملان رسالة من الامام المهدي وقد نجحا في التأثير على بعض المسؤولين، وكان الامام الخميني يرفض استقبالهما، الا انه اذعن وجراء ضغوط هؤلاء المسؤولين للقاء بهما، وفي اللقاء طرح عليهما سؤالا فلسفيا وطلب منهما ان يعثرا له على مذكرات قديمة فقدها في مكان ما، فما كان من هذين الرجلين الا ان خرجا ومن ثم نشرا رسالة سب وشتم للامام الخميني».
وتابع كروبي: «من المؤسف له ان هذا التيار المريض عاود نشاطه من جديد واخذ باساليبه الخاصة تمرير مزاعمه الكاذبة على بعض السادة الاجلاء، وانه يقوم بالترويج لمزاعمه عن طريق هؤلاء الذين يثق المجتمع بهم», 
وعبر عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، عن اعتقاده بان هناك ايد خفية تقوم بكتابة سيناريو مثل هذه الروايات ومن ثم تمريرها على «السادة الاجلاء».
وتحدث كروبي عن الهجوم اللاذع الذي ما زال يتعرض له من قبل الراديكاليين في اليمين المحافظ واليسار الاصلاحي، وقال «ان الثمرة لم تنضج بعد، لكنها متى ما نضجت فانني ساكشف الاوراق وساتعرض بعد ذلك للمزيد من الهجمات من قبل كلا الطرفين».
هذا وقدم حسين مشكيني، نجل آية الله مشكيني ومدير مكتبه، توضيحا على تصريحات ابيه في خطبة صلاة الجمعة، جاء فيه: «وفقا لاحاديث اهل البيت، فان من ليلة القدر الى ليلة القدر في السنة التالية، تضع الملائكة بين يدي الامام المهدي قائمة بالاحداث والوقائع التي تحصل في العالم خلال عام ومن ضمنها اوامر عزل وتعيين المسؤولين، وان حضرته يوافق على البعض و يرفض الاخر، وان آية الله مشكيني ومن منطلق حسن ظنه بالنواب المنتخبين للمجلس السابع، تمنى ان يكون تعيينهم حاز على رضا امام الزمان، وان شاء الله يعمل هؤلاء على تحقق حسن الظن فيهم وليس خلاف ذلك».

الفيلسوف الإيراني والمهدوية وإفساد الفكر الديني

ألقى الفيلسوف الإيراني د.عبدالكريم سروش _غير المرغوب فيه لدى مشايخ الطائفة –محاضرة في جامعة لندن مساء الجمعة 3/12/99 بالفارسية بعنوان: المهدوية و إحياء الفكر الديني ! وتكلم عن معنى الولاية في مفهومهم الضال، و كيف أن الولي و الولاية موجودتان دائما بين البشر خلافا للنبوة، و تكلم عن تأثير المهدوية، وبرر وجود ها المزعوم تماما كما يفعل فلاسفة النصارى بالنسبة للأقانيم الثلاثة المزعومة لديهم التي اجتمعت في رب واحد -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- ، إن خرافة المهدوية وفتنتها الطويلة في تاريخ الإسلام لا نستغربها من القوم ،لكن أن يقوم فيلسوف إصلاحي درس الطب في انكلترا وبتبرير هذه الخرافات التي لا يقبلها العقل السليم، و تمجها الفطرة السوية، فهذا بعيد عن الروح العلمية والموضوعية الغربية التي تخرج من جامعاتها ، فضلا عن الإسلام و الدين المبين، لكن الخرافات إذا عششت في رأس قوم لايصلحها إلا رب العباد، ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) ،ولذا قمت بسؤاله ونقده بما يلي: إني أرجو منكم و السادة الحضور أن لا ينزعجوا من سؤالي الصريح: إن الإمامة وفرعها المهدوية كلها خرافة بل هي فكرة يهودية تسربت إلى التشيع و لا أساس لها في القرآن الكريم ، والمهدوية كانت ولم تزل أكبر فتنة في التاريخ الإسلامي،حتى المهدي في الإسلام  الذي هوغير إمام الزمان للشيعة،ورد بشأنه كما يقول مفتي قطر السابق في كتابه (لامهدي ينتظر بعد النبي خير البشر) 11 حديثا، وكل حديث منها لايرقى إلى درجة الصحة ، وفي مجموعها ترقى إلى درجة الحسن لغيره، كما أن آية الله البرقعي-الشيعي الذي اهتدى إلى التوحيد ونبذالخرافات-ألف كتابا قيما رد على ثلاث مجلدات من كتاب البحار للمجلسي التي تتعلق بالمهدي،
 ألا ينبغي لدارس مثقف مثلك أن يقوم بإصلاح هذه الخرافات، لأنه حتى لو تغير النظام في إيران مع بقاء هذه الخرافات و الموهومات فإن المشاكل والأزمات الفكرية و العقدية و آثارها المدمرة و الهدامة تبقى كما هي. ثم خيم صمت ثقيل على الجلسة، ولكن عموما وجدت شيعة الفرس أكثر أدبا وإستماعا من مرتزقيهم في خارج إيران، قال د. بعد خروج من الموضوع و لف ودوران بأن كلامي ليس منصبا على صحة الفكرة أو بطلانها، إنما أنا أتكلم عن آثارها ولكن يجب احترام عقيدة الآخرين وعدم إهانتها،وعدم إثارة الخلافات الكلامية. وطالما سمعنا هذه الذريعة المنمقة، فكرت مليا وقلت في نفسي لو أجابني شيخ من مشايخ طائفتهم الذين رفعوا السيف على رقابنا باسم الوحدة لما زاد على ذلك!! وبعد نهاية الجلسة قال لي لقد ألقيتني في بحر متلاطم ، قلت له هل قرأت كتاب (يا شيعة العالم استيقظوا) الذي أهديتك من قبل قال نعم ،قلت إذن خذ هذا الكتاب (الشيعة و التصحيح) وإقرأه و تنور، قال: إن شاء الله، كما قال في معرض جوابي من قبل إن فكرة المهدوية لدى الشيعة خطيرة جدا والشيعة لا تقبل المساومة عليها، أي إنها تقتل، والخرافات حقا دائما هكذا، لأن الولاء والبراء لدى القوم ليس ما قاله الله صريحا في القرآن الكريم و إنما ما اخترعه مراجعهم و أحبارهم و لايفهمون من الحوار إلا القتل     والدم والسجن، وما قصة وزير الداخلية السابق –نوري-عنا ببعيدة،  ليبقى الخمس و التقليد مستمرين، ليفرغوا جيوب أتباعهم السذج ثم يركبوهم باسم التقليد،(إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ليصدوا عن سبيل الله).

نص مسرحية إمام الزمان التي صنعت لإسقاط خاتمي

إن الدارس للتاريخ السياسي لهذه الطائفة والفرق والأديان يعرف جيداً أن معتقدات هذه الطائفة مسرحيات  كلها، منها مسرحية إمام الزمان، وبما أن دولة الآيات تتكلم باسم الإسلام وتعمل ضده وفي القول تدعو إلى ظهور المهدي ولو ظهر ستكون في أول صفوف أعدائه تماماً كما فعل اليهود مع المسيح ومع نبينا محمد  عليهما الصلاة والسلام حيث كانوا ينذرون قريشاً به ولما ظهر كفروا به – صلى الله عليه وآله وسلم-.
ما هي المسرحية التي كادت أن تراق بها الدماء كما في حوادث الجامعة التي زلزلت الجو السياسي الإيراني ، هذا نص المسرحية في ثلاث مشاهد: نذكر إن الامتحان لدخول الجامعات في إيران تسمي ( كنكور).   (كنكور : وقت الظهور )
المشهد الأول
المكان: منزل-  الزمان: ليلا
انتهى عباس من صلاته وهو يسجد ويلتصق بالأرض. عباس: يقول بتضرع:رباه، رباه، عجِّل في فرج السيد إمام الزمان ، نور عيوننا بجماله الذي يخطف القلب، تَعلَمْ رباه أن إلحاحي على ذلك لأكون مفيداً في دولته الكريمة لأحل مشكلة، نحن أصلاً نحيا بحبه ، ساعدني يا أرحم الراحمين!. بعد الصلاة على النبي يقوم عباس ويمسح وجهه بيده ويمسح دموعه ويقبل التربة ( تربة الصلاة) ويطوي سجادته.
المشهد الثاني
المكان: شارع    - الزمان : ليلاً
عباس يمشي في الشارع ، ويبدو من وجهه أنه تأخر وفجأة يضع أحدهم يده على كتف عباس ،يلتفت صوب رجل شاب ، عباس
(دون أن ينظر إليه) وبسرعة إذا كنت من خارج طهران وسرقوا محفظتك وليس لديك نقود وضللت طريقك؟ أقول لك ما عندي نقود ، اذهب واعمل،. لا يا عباس.. لست ضالاً طريقي أنا فقط جئت لأرشدك الطريق ينظر إليه عباس متعجبا، رجل طويل بلباس أبيض واقف أمامه… عباس: من أين تعرف اسمي؟ لست أعرف اسمك فحسب بل أعلم جميع أسرار حياتك، سواء ما قلته أم لم تقله ، يا عباس أنا إمام الزمان،.  تمزح ، الرجل يحرك رأسه نافياً ذلك ، يمكث عباس ثم يخر على أقدام الرجل كالكلب ويتمسح بأرجل الرجل ويقول ويكرر: سيدي ، سيدي ، سيدي، أين كنت يا سيدي أنا عبدك ، سيدي أموت لأجلك ، سيدي سيدي… يرفع الرجل عباس إليه، لا تبك  اليوم ليس يوم البكاء، عباس… تعرف لماذا جئت إليك؟ عباس يسأل باكياً: هل أنت ذلك الذي في عالم الغيب؟ هل تريد أن أوظفك لعمل ما يا سيد عباس. يا سيدي هل يمكن أن لا أريد؟ هل يمكن ذلك؟ أنا أحيا بعشقك… لو أمكنني لصرت 313 شخصاً – ستحلق رأسك يوم الجمعة، تذهب الساعة الثامنة صباحاً ميدان انقلاب، إذا أعلنت ظهوري ستجمع لي أصحاباً هناك، عباس الجمعة؟ ايش فيه؟ متأخر؟ عباس: آ….خ لكن…لكن الجمعة الساعة الثامنة عندنا – امتحان دخول الجامعة- ، أجِّلهُ إلى غد السبت ، لا يمكن ستتحقق الإرادة الإلهية يوم الجمعة… يمسح عباس يداً على وجهه ويمسك بلحيته وينحني برقبته… لا ، لا يمكن  غبت 1354 عاماً  و55 يوماً لأجلي ، ماذا يحدث؟ قلت لا يمكن… لأن الدنيا ملئت ظلماً وجوراً – عباس: ما هذه الورطة: سيدي العزيز: إذا قمتم بالثورة غداً أنا أعلم ما ذا سيحدث ... نحن كانت عندنا ثورة من قبل أيضاً. أنا أحرم من امتحان دخول الجامعة … ستطول ثورتكم سنة أو سنتين ثم تأتي الثورة الثقافية وستعطل الجامعة… ثم لما ُيقرر فتح الجامعات وقد مرت سنتان أو ثلاث فسيشارك   (5و1 مليون إلى 2 مليون في كل عام) والمشاركون في هذه الأعوام سيصبحون7 إلى 8 ملايين، هذا إذا لم نحسب المشاركين الأفارقة والآسيويون المضافين إليهم … وربما أكون قد نسيت ما درسته إلى ذلك اليوم، ولذا يجب أن نقرأ الفاتحة على الجامعة ودراستنا.
أنت كنت تدعو دائما بالظهور لتكون من أصحابي… عباس: وما زلت ياسيدي…  إذا أصبحت غداً والياً في دولتكم الكريمة سأصبح موظفا ملتزما دون تخصص، والحال أننا بحاجة إلى  متخصصين متدينين…. لكن أنت لم تكن لترى.. كانت هذه المجادلات في ثورتنا، سامحوني لا أريد إساءة الأدب. لكن أبي أصبح حماراً ، أصبح ثورياً ثم إلى السجن وبعد ذلك تخلف عن الجامعة ، بعد ذلك أعطوه وظيفة، سامحوني.. فقد أفسد العمل كله، ثم وضعوا متخصصاً آخر مكانه، ولكن هذا اقتلع الإسلام من جذوره! أخاف غداً أن تأتي نفس المشكلة. إن الله قدر هذا، وإذا تقبل أن تستشهد لهذه الثورة العظيمة. – عباس. إيوا… إيوا… يابا أنت أصبحت أسوأ من المشايخ – آخوند- هم مع كل وعودهم وآمالهم التي أعطونا إياها… هذه هي النتيجة… وأنت قبل أن تظهر تلبسنا الأكفان…؟ انظر سيدي تكلم  معي بهذا الشكل ولكن لأني أعشقك لا أقول لك شيئاً وإذا تكلمت مع أحد آخر بهذا الشكل سيصفعك ويقول : يا رجل عندي زوجة وأولاد. ألست تعشق الشهادة؟ عباس: أنا؟ أنا ميت للشهادة…أنا أعشق الشهادة … يا ليت كان عندي مائة نفس… لكن لست وحدي… أنا مسؤول أمام الآخرين… أنت أفضل من تعرف أن أفلاطون يقول: كل من له نصف مفقود وهو جيد لزوجه (هكذا!) وإذا استشهد الآن ، ستصبح زوجة لآخر… وبما أنه زواج غير معهود ستصير خلافات في حياتهم الزوجية بعد ذلك.. ستسيء تربية الأولاد … وبشأني سيفسد جميع ذريتهم، … كفى ، فهمت… أنا يجب أن أذهب. عباس: ليس بعد، هذا طرف واحد من القضية وبالطبع ذلك الرجل كان من المفروض أن يتزوج بأخرى وبهذا العمل… هنا يفارق الرجل عباس ليذهب … ويمسك عباس بيده، عباس: أين؟ هل أتركك تحرمني من الجامعة؟ يدخل يده في جيبه ويخرج سكيناً ، ثم يعم الظلام والأنوار تنطفىء وتشتغل…
المحفل/ ليل
الكل جالسون وقد وضعوا المصاحف على رؤوسهم . وعباس أيضا وضع مصحفاً على رأسه ويقول: بالحجة – بالحجة- بالحجة- ويضرب عباس يده على فخذه ويقول بصوت أعلى: بالحجة بالحجة بالحجة، يارب خرِّج إمام الزمان… يبكي عالياً ، يبكي عالياً ، لست أدري أين رأيت حديثاً يقول: إن الناس لو بحثوا عني كما بحثوا عن حذائهم لوجدوني…    .
وبسبب الغوغاء التي أثارها الآيات كتبت جرائد أنصار خاتمي: إن هذه المسرحية من صنع المتخصصين بالحروب النفسية من الذين رباهم فلاحيان،  و170 نائباً – خرافياً- كتبوا لخاتمي أن: كمموا الأفواه وكسروا الأقلام. وأصدرت رابطة العلماء المناضلين بياناً هاجمت فيه خاتمي بشدة ، ولما هاجم مكارم شيرازي – من أزلام السلطة المعممين- المهاجراني أجابه هذا الأخير بأنه إن كان يقصد المقابلة فعليه أن يجيب أحمد الكاتب الذي أنكر الإمامة والمهدية في كتابه ( تطور الفكر السياسي الشيعي من الشوري إلى ولاية الفقيه) وأما المعممون من جناح اليمين فقد ادعوا أن المسرحية من صنع طالبين وطالبوا بإعدامهما – وما أسهل الإعدام في هذا المذهب الدموي- وعطلوا سوق طهران ورتبوا مظاهرة مسرحية أمام جامعة طهران هي نفس مسرحية" سلمان رشدي يجب أن يعدم" وطلبوا بإقالة وزير الثقافة ووزير الإرشاد. وأما الطلاب في جامعة (أمير كبير) فقد أكدوا في اجتماع حاشد أنه لا توجد في هذه المسرحية إهانة لإمام الزمان! فإذا لم يكن لديكم دين وتتذرعون بولي العصر (!!) لهدف غير مشروع فإننا متدينون.
إيقاظ: وأي دين هذا الذي يتجاذبون فيه موهوماً خرافياً.. لكن هناك مخلصو الموهومات وهناك متجارون بها… وهناك أشياء كثيرة شركية تخرج من الملة – في هذه المسرحية- كمعرفة المهدي الغيب وما في الصدور ، وتركنا التعليق عليها لفطنة القارىء لعقيدة الإمامية وخزعبلاتهم الخرافية.

الطلاب في إيران يستهزئون بخرافة إمام الزمان وليس بالإسلام

ألقت المخابرات الإيرانية القبض على اثنين من الطلاب بتهمة الاستهزاء بالمثل الإسلامية العليا-على حد تعبير كبراء الطائفة- ولا ندري متى كانت الخرافات والأساطير والموهومات من المثل الإسلامية العليا؟! إلا عند رجال هذه الطائفة التي تركت التوحيد الخالص، وتمسكت بالأوهام والأساطير، ليرتزق كبراؤهامن أسطورة إمام الزمان الذي لم يولد أصلاً . والإمام الحسن العسكري الذي يفترون بأنه والد إمامهم الثاني عشر كان عقيماً باتفاق المؤرخين من المسلمين والكفار إلا عند هؤلاء المحرفين لدين الله تعالى. ولنر الآن ماذا كان ذنب أولئك الطلاب من أبناء الشيعة ، لقد رسموا كاريكاتوراً في نشرة داخلية تفيد بأن إمام الزمان لو ظهر سوف لا يكون هناك وقت كاف لكثرة المصائب والمشاغل – حتى نتمكن أن نكون من مساعديه-!! والعجب من دولة تدعي الديمقراطية والانتخاب وحرية الرأي والإسلام… أن أي طالب عاب ورفض ولو بطرف خفي هذه الخرافات المشينة التي جعلتهم سخرية العالم ، فمصيره أن تلقي المخابرات القبض عليهم ، فلا عجب إذا رأيناهم يحصدون – كما فعلوا- بالعشرات لأن مسلمي أهل السنة في العالم كله لا يعترفون بخرافة مولد ما يسمى بإمام الزمان ، ولذا فلا غرو إذا عمدوا إلى قتلهم في داخل إيران وخداعهم في خارجها… وأما إذا ظهر هذا الموهوم بماذا سيحكم ؟ يقول الكليني: إنه يحكم بشريعة آل داود – إذن فالفكرة في أصلها- يهودية من حيث المنشأ والمنبت والآثار. وهذا الكاريكاتور جعل آية الله –جنتي- من قادة القتل والإرهاب- يبكي في خطبة الجمعة بتاريخ 24/9/99 لأن الإسلام أهين –على حد زعمه- ولكن لسائل أن يسأل أيهما ترى يهين الإسلام؟ أمن يفتري عليه ويرتزق باسمه ويتجر باسم الموهومات ويرتزق بالخمس من اتباعه باسم هذه الأساطير والأكاذيب؟ أم من ينكرها أو بالأحرى يتجرأ أن يقول ولو تلميحاً بما أن النظام الذي قام باسم إمام الزمان هذا – الموهوم- تسبب له من المشكلات فهو لن يجد وقتاً لنصرته في حال ظهوره! وطلب بعض الدمويين-وما أكثرهم- حكم الإعدام لهؤلاء الطالبان بتهمة الإهانة لإمام الزمان!! أي دينٍ هذا و في أي زمان نحن ،حتى يصبح الباطل ديناً؟ ولهم بناءً على ذلك أن يطالبوا بإعدام ثلث سكان إيران من أهل السنة، و أكثر من مليار مسلم في العالم لأنهم لا يعتقدون بولادة خرافة كهذه إطلاقاً. الحقيقة: لو استطاعوا أن يفعلوا لما قصروا ، ومن هنا تراهم يخترعون الروايات يقولون فيها أن "مهديهم" عندما يظهر فسيقتل ويقتل حتى يصبح فرسه في الدماء إلى الركبة… فيكون بذلك يظهرون عن رغبتهم هم في القتل، ولا ندري أي دين هذا الذي تملؤه الأحقاد اليهوديه المجوسية الموجهة إلى المسلمين. كل ذلك في قالب الإسلام وادعاء التشيع لآل البيت!! وأما خاتمي فقدصرح بأن هذه مؤامرة من الجناح اليمين المحافظ لإسقاط دولته وما ذلك عنهم ببعيد .

القتل للمستهزئين بإمام الزمان

قال جنرال نقدي قائد الأمن في القوى الانتظامية:" إني أعاهد إمام الزمان –عج- إذا لم تقم المؤسسات المسئولة في النظام بواجبها تجاه كف الإهانة عن إمام الزمان سوف أنفذ حكم الله فيهم – أي القتل- وكل من يدافع عنهم سوف أنفذ حكم الله فيه أيضاً . ولا أنتظر أحداً وإذا بقي هؤلاء عشرين عاماً في السجن سوف أنفذ فيهم الحكم وفيمن وجهوا هذه الإهانة! ولما تكلم خامنئي وعرف أن اللعبة كلها من صنع اليمين المحافظ لإسقاط خاتمي قال نقدي سمعاً وطاعة.
إيقاظ: هذه هي العقلية التي تحكم الشارع الديني والاستخبارات والدوائر الحساسة في دولة الولاية، الدم والدم… دفاعاً عن ماذا؟ عن خرافة لا وجود لها أصلاً ، لكنها تفيد مراجع الطائفة في أن يرتزقوا باسمه ويأخذوا الخمس من أشباه البهائم المقلدين –أمثال نقدي- سنوياً أي يفرغون جيوبهم وعقولهم ثم يركبونهم ولذا أوجد هؤلاء إماماً للزمان ليحكموا باسمه ويرتزقوا باسمه ويأكلوا أموال الناس بالباطل ، والقصة كلها حول البطن وما حوى ثم بعد ذلك إخراج هذا البطن عبر المتعة ، أهذا دين لقوم يعقلون؟ ألا يحق لعقلاء أبناء الطائفة أن يدخلوا أفواجاً إلى العلمانية والمجوسية والنصرانية؟ أجل لكنهم لو كانوا عقلاء حقاً لبحثوا عن الإسلام الحق ولم يلتبس عليهم هذا المذهب المبتدع باسم آل البيت – رضي الله عنهم- بالإسلام!.

الهدف من إثارة أسطورة إمام الزمان إضرام النار لانتخابات القادمة

قال رضا عليجاني رئيس تحرير مجلة ( إيران فردا) ، إن أصل القصة لا يقصد إهانة إمام الزمان ،ومنذ مدة بدأ الجناح الحاكم المتشدد في إيران يبحث عن مستمسك جديد، وقد أحكمت حلقات هذه المسرحية من قبل، وكانت المافيات تقوم بردود أفعال كانت أشبه بانقلاب عسكري كبرنامج عمليات القتل، والهجوم على الجامعة … ( ولا أحد يذكر سلسلة عمليات القتل لعلماء السنة وهدم مساجدها!!) وعندما فشلوا في الوصول إلى هدفهم ، بدأوا بهذاالأسلوب  الجديد بأن يثيروا الحساسيات في عقائد عوام الناس وبتعصبهم المذهبي وعلماء الدين منهم بخاصة ووضعهم في خندق يقابل إصلاحات خاتمي وإصلاحاته الثقافية، كما أنه ليس الهدف من صيحة وا إسلاماه هي الحمية للدين وإنما الهدف هو تحقيق مكاسب سياسية.
" نيمروز  555" ولذا قال رئيس السلطة القضائية: " إن الطلاب لم يكن لهم دور في كتابة هذه المسرحية الواهنة في نشرة (موج) ومع هذا فقد أثارت بعض أئمة الجمعة كأحمد جنتي ودري نجف آبادي وزير الواواك السابق وجوادي آملى هذه القضية المفتعلة وبكى جنتي في خطبة جمعة طهران وقال : التقصير الحقيقي هو من المسؤول الثقافي للبلاد ويقصد وزير الإرشاد " إذن فالحرب سياسية بين الأجنحة كما يقول عبد الله نوري وزير الداخلية السابق في رده على بيان رابطة العلماء المناضلين " إن النزاع ليس على الأصول وإنما هو على خاتمي وحركة ثاني من خرداد " إن البعض جعلوا رغباتهم بمثابة معتقدات دينية ونحن نقول صراحة أنه علينا أن لا نستهزأ بعقيدة الأقليات  الدينية والمذهبية فضلاً عن رأي الأكثرية من الشعب".
إيقاظ: هذه أمنية عبد الله نوري-الذي طلبته المحكمة الخاصة برجال الدين- وإلا فالقوم لا يكتفون بالاستهزاء بعقيدة أهل السنة فحسب ولا يكتفون بسب الصحابة وشتمهم في مسلسلاتهم التلفزيونية كمسلسل إمام علي الذي أنفق عليه خامنئي مليار "تومان"  بل إنهم يغتالون علماء السنة في كردستان وبلوشستان لاعتراضهم على الافتراءات والأكاذيب المعروضة في المسلسل.
كتبت جريدة ( بيام آزادي 28/9/99) نقلاً عن نائب جرجان – منطقة سُنيَّة- قربانغلي قندهاري " إن بيان رابطة العلماء المناضلين وكل هذه الحركات لا تخص إمام الزمان لكنها فقط بقصد إيقاد النار استعداداً للمجلس السادس الآتي فالبعض يريد خاتمي وأنصاره عبر الاصطياد في الماء العكر ، وقال نائب آخر : إن هذه الرابطة -ذات الوزن السياسي- ورفسنجاني منهم ارتكبت خطأها التاريخي لأن الجميع يعلمون أن المحور الأساسي هو شخص خاتمي والتطورات التي أوجدت ثاني من خرداد وليس إهانة إمام الزمان أبداً.!.

السيد الجليل الاستاذ التلميذ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
علمت من بعض الأخوة المتحاورين ان السيد الفاضل الذي يسمي نفسه هنا في هذا الموقع بالتلميذ ما هو الا عالم كبير ورجل جليل , وقد وددت لو يفصح لنا السيد التلميذ عن اسمه وهويته ويدخل مواقع الحوار باسمه الصريح لأن ذلك أدعى للجدية والالتزام بآداب الحوار والتأثير في الناس وأبعد عن السخرية والاستهزاء والجدال .
واعتقد ان من أوليات أي حوار هو افتراض الطرفين انهما على الحق او الباطل ( وانا أو اياكم لعلى هدى او في ضلال مبين) وعدم ادعاء الحق المطلق لدى الذات وادعاء الباطل المطلق لدى الطرف الآخر لأن ذلك يحول دون استماع وجهة النظر الأخرى جيدا ومحاولة التعرف على مكامن القوة والانصراف الى الرد السريع والجدل ومحاولة افحام الخصم بأية وسيلة حقة او باطلة ، وربما كان بعض الخصوم لا يجيدون لغة الجدال او لا يتذكرون أدلتهم جيدا او لا يجدون الوقت الكافي للرد على هذا او ذاك خاصة اذا تكاكأ جماعة على شخص واحد كتكؤهكم على ذي جنة كل يطالب بالدليل والرد في نفس الوقت.
ومن هنا ارجو من سماحة السيد الاستاذ معلم التلاميذ ان يعيد النظر في قوله (لعلي ارفع عن ذهنك الشبهة التي علقت به واجلي عن بصرك الظلمة التي لولاها لأبصرت الحقيقة ) لأن الطرف الآخر يستطيع بسهولة ان يفترض في نفسه نفس الدور وهو يعتقد انه يقوم بذلك بالضبط ولكن آداب الحوار تمنعه من استخدام هذه العبارات الاعلامية أملا بالوصول الى نتيجة فيها لله رضا وللناس أجر وثواب.
سيدي الجليل اعتقد انك تتفق معي على ان الامام الحسن العسكري عليه السلام توفي دون ان يعلن عن وجود ولد له فقد قلت : ان نكران البعض وجود ابن للامام العسكري وولادة المهدي أمر طبيعي للتكتم والسرية والاخفاء لولادة الامام ونتيجة لما اشيع بين الناس من عدم وجود خلف للامام وذلك بهدف المحافظة على الامام من السلطات الحاكمة في ذلك الزمان ، ولم يكن أمر ولادته مشهورا بين الناس لهذا الأمر بل ان الذي علم بذلك هم خواص وثقاة الامام العسكري ومسألة خفاء ولادة الامام مما ورد ضمن الروايات الكثيرة) وذكرت رواية عن العمري انه كان ينهى عن السؤال عن اسم ابن الامام الحسن حيث لم يكن في البداية معروفا حتى اسمه. وقلت : ان اشاعة الخبر بأن الامام العسكري لم يخلف ولدا انما هي مسألة مقصودة حفاظا على الامام المهدي من السلطان العباسي.
وقلت ايضا : لقد اعترف الامام العسكري بوجود ولد له من خلال اخباره خواص شيعته بذلك وورد الخبر الصحيح الذي رواه الكليني عن ابي هاشم.
اذن فانك تتفق معي ان التاريخ الظاهري المؤيد من الامام العسكري واهل بيته وحتى امه وكثير من الشيعة وشيعة الامام العسكري ماعدا فرقة واحدة من أربعة عشر فرقة اعترفوا بالظاهر من عدم وجود ولد للامام العسكري ، وقالت الفرقة الرابعة عشرة: بأنه ولد سرا وانهم على ارتباط معه و رووا روايات كثيرة حول اخبار الامام العسكري لهم سرا ورؤيتهم لولده في حياة ابيه.
ان الرواية التاريخية الظاهرية للاحداث بعد وفاة الامام الحسن العسكري تقول : ان الامام لم يخلف ولدا لا ذكرا ولا انثى ، وانه اوصى بأمواله لأمه : (حديث) ، ولذلك فقد ادعى اخوه جعفر الامامة وتبعه قوم من الشيعة ، اما رواية (النواب ) فتقول : انه كان ثمة ولد مخفي مستور للامام العسكري ، وقد ادعوا النيابة عنه والوكالة له . وان تصديقهم يجر الى التصديق بوجود (الحجة بن الحسن) ولكن التشكيك بقولهم لا يثبت شيئا من الرواية السرية بوجود ولد للامام العسكري ، فهل كانوا صادقين حقا ؟ وهل اجمع الشيعة على وثاقتهم؟ وكيف صدقوهم ؟ وماهو الدليل على صحة كلامهم ؟ .. وهل هناك ما يدعو الى التشكيك بهم والريب في دعواهم النيابة عن (الامام المهدي) والشك في وجوده؟
قبل ان نقيّم تلك الروايات التي وردت بمدحهم وتوثيقهم ، لا بد ان نشير الى ان ظاهرة ادعاء النيابة عن (الامام المهدي) هذه لم تكن اول ظاهرة في تاريخ الشيعة ، حيث سبقتها وسبقت هؤلاء (النواب الاربعة) ظواهر اخرى ادعى فيها كثير من الاشخاص النيابة والوكالة عن الأئمة السابقين الذين ادعيت لهم المهدوية ، كالامام موسى الكاظم (ع) ، الذي ادعى كثير من اصحابه استمرار حياته وغيبته ومهدويته ، وكان منهم محمد بن بشير الذي ادعى النيابة عنه ، ثم ورّث النيابة الى ابنائه واحفاده .
وقد ادعى النيابة عن (الامام محمد بن الحسن العسكري ) بضعة وعشرون شخصا ، كان منهم الشريعي والنميري والعبرتائي والحلاج وغيرهم ، و ذلك لأن دعوى النيابة كانت تجر مصالح مادية ومكانة اجتماعية سياسية للمدعي ، خاصة وان المدعي كان يهمس بها في السر وينهى عن التحقيق في دعواه ، ويستغل علاقاته السابقة بالامام فيدعي استمرار حياته او وجوده والنيابة عنه . وكانت دعواه تنطلي على البسطاء ويرفضها الاذكياء المحققون الواعون . وقد رفض الشيعة الامامية دعوى اكثر من عشرين مدعٍ للنيابة عن (الامام المهدي ابن الحسن العسكري) واتهموهم بالكذب والتزوير ، كما شككوا بصحة دعوى اولئك (النواب الاربعة) واختلفوا حولهم ، و لم يكن في الروايات التي اوردها المؤرخون دليلا علميا قويا على صدقهم وصحة دعاواهم وهذا ما يجعل هؤلاء قسما من المدعين الكاذبين المتاجرين بقضية (الامام المهدي) .
لقد اعتمد الشيخ الطوسي في توثيق عثمان بن سعيد العمري على عدة روايات ، وكان بعضها ، كرواية احمد بن اسحاق القمي ، ينص على توثيقه من قبل الامام الهادي والامام العسكري في المحيا والممات ، وانه الوكيل والثقة المأمون على مال الله ، وليس فيها ما ينص على نيابة العمري عن الامام (المهدي) ولكن بعض الروايات كان ينص بصراحة على اعلان الامام العسكري خلافة العمري للامام المهدي ، الا ان سند هذه الرواية ضعيف جدا وذلك لاشتماله على (جعفر بن محمد بن مالك الفزاري) الذي يقول عنه النجاشي وابن الغضائري : · انه كذاب متروك الحديث وكان في مذهبه ارتفاع (غلو) ويروي عن الضعفاء والمجاهيل وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه ، وقد روى في مولد القائم اعاجيب ، وكان يضع الحديث وضعا ، وانه كان فاسد المذهب والرواية .
أما الرواية السابقة التي تتحدث عن وثاقة العمري وأمانته ووكالته فانها مجهولة ، ويوجد في سندها الغالي (الخصيبي) وهي تنطوي على دعوى علم الامام العسكري بالغيب ومعرفته بوفد اليمن قبل ان يراهم (الطوسي: الغيبة215-216) وهذه الدعوى من مفاهيم الغلاة ، وان الرواية الأولى تقول: ان العسكري أخبر باستقامة العمري في المستقبل بعد وفاته ، وهذا ما لا يعلمه الا الله ، وهو من علم الغيب ايضا.
ومن هنا ، وبعد سقوط هذه الروايات لضعفها متنا وسندا ، فانا نكاد نحصل على نتيجة واحدة ، هي: ان العمري الذي كان وكيلا للامامين الهادي والعسكري في قبض الاموال ، قد استصحب الوكالة وادعى وجود (ولد) للامام العسكري ، ليدعي الوكالة له ، دون ان يقدم دليلا واضحا وأكيدا على ما يقول . ولذلك لا يؤكد المؤرخون بصراحة على توكيل (المهدي) له ، وهذا الطبرسي الذي كان حريصا على تدوين كل ما وصل اليه لا يقول في كتابه (الاحتجاج) اكثر من : ( ان العمري قام بأمر صاحب الزمان ، وكانت توقيعاته وجوابات المسائل تخرج على يديه) بحار الأنوار ج51 ص 362
ولم يذكر المؤرخون الشيعة اية (معجزة ) له تثبت دعواه في النيابة ، بالرغم من قول السيد عبدالله شبر في حق اليقين): ان الشيعة لم تقبل قول النواب الا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر ، تدل على صدق مقالتهم وصحة نيابتهم ./المصدر ص 224/
أما (النائب الثاني : محمد بن عثمان بن سعيد العمري) فلم يذكر المؤرخون الشيعة اي نص مباشر عليه من (المهدي) بتعيينه نائبا عنه ، وقال الطوسي: : ·انه قام مقام أبيه بنص أبى محمد (الحسن العسكري) عليه ونص أبيه عثمان بأمر القائم . /الغيبة 218/
وذكر الطوسي رواية عن عبدالله بن جعفر ال****ي القمي ، انه قال: ان المهدي قد ارسل الى العمري (توقيعا) يعزيه فيه بوفاة والده عثمان بن سعيد ، ويحمد الله على قيامه مقامه ويدعو له بالتوفيق . وان الكتب أتتنا بالخط الذي كنا نكاتب به باقامة أبى جعفر مقام أبيه ، كما نقل الطوسي رواية اخرى عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار الاهوازي واخرى عن اسحاق بن يعقوب عن الامام المهدي يشهد بوثاقته ويترضى عليه. وكل هذه روايات تنقل بواسطة العمري نفسه ، وهو ما يضعف الرواية.
ولا يوجد اي طريق لاثبات دعوى ان العمري عثمان بن سعيد قد نص على ابنه محمد بأمر القائم ، ويبدو انه تخمين من قبل الطوسي ، كما لا يوجد في الحقيقة اي دليل لاثبات النص من الأب على الابن سوى الوراثة والادعاء.
ان المشكلة الكبرى تكمن في صعوبة التأكد من صحة (التواقيع) التي كانت يخرجها العمري وينسبها الى (الامام المهدي) وخاصة التوقيع الذي رواه ال****ي القمي ، حيث لم يذكر طريقه الى (الامام الغائب ) مما يحتمل قويا ان يكون العمري قد كتبه بيده ونسبه الى (المهدي) خاصة وانه يكيل المدح والثناء لنفسه فيه ، مما يلقي بظلال الشبهة عليه لو كان الامام ظاهرا ، فكيف وهو غائب؟ ولا يوجد اي راوٍ للتوقيع سوى العمري نفسه ، ولم يقل ال****ي كيف سارع الى تصديق التوقيع مع وجود الجدل في ذلك الزمان بين الشيعة حول صدق العمري في دعوى النيابة ؟ مع احتمال اختلاق ال****ي القمي نفسه للتوقيع ونسبته الى (المهدي).
واما رواية محمد بن ابراهيم بن مهزيار الاهوازي ، فهي ضعيفة لأنه يعترف بأنه كان يشك في وجود المهدي في البداية ، وقد ادعى الوكالة بعد ذلك في أعقاب لقائه بالعمري في بغداد ، وبالتالي فانه مشكوك في أمره ، ولا يقول هنا كيف خرج التوقيع اليه مباشرة او عبر العمري ؟ فان كان يدعي انه وصله مباشرة ، فكيف؟ وهل رأى المهدي بنفسه ؟ وهو لا يدعي ذلك ؟ أم عن طريق العمري ؟ وهذا ما يثير الشك ايضا .
واما الرواية الثالثة (رواية اسحق بن يعقوب) التي تصرح بأنها واردة عن طريق العمري ، فانها ضعيفة لوجود الشك باختلاق العمري لها ، ولمجهولية وضعف اسحاق بن يعقوب ، وعدم تصريحه بكيفية التعرف على خط المهدي ، علما بأن الطوسي يقول: ان الخطوط التي كانت تخرج بها التوقيعات هي نفس الخطوط التي كانت تخرج في زمان العسكري . /الغيبة 216/
واخيرا فان حكاية رؤية محمد بن عثمان العمري للمهدي في الحج ، هي دعوى مجردة عن الدليل ، وهو لم يقل كيف تعرف على المهدي الذي لم يره من قبل ؟ وربما كان قد اشتبه به مع رجل آخر .
ومن هنا فقد توقف احمد بن هلال العبرتائي (شيخ الشيعة في بغداد) – الذي نقل الفزاري عنه انه شهد مجلس عرض العسكري للمهدي وتعيين العمري خليفة له – وشكك في صحة دعوى العمري الابن في النيابة الخاصة عن المهدي ، وانكر ان يكون سمع الامام العسكري ينص عليه بالوكالة ، ورفض الاعتراف به بوكالته عن (صاحب الزمان) . /الخوئي: معجم الرجال ج2 ص 521 والطبرسي: الخاتمة ص 556 والمجاشي: الرجال/
وكان العبرتائي قد لعب دورا كبيرا في دعم دعوى عثمان بن سعيد العمري بالنيابة ، وكان يأمل ان يوصي اليه من بعده ، فلما اوصى الى ابنه محمد ، رفض ذلك وادعى هو النيابة لنفسه ، مما يكشف عن التواطؤ والمصلحية في دعاوى (النيابة الخاصة) .
ونتيجة لغياب النصوص الصحيحة والمؤكدة على نيابة محمد بن عثمان العمري ، فقد شك الشيعة في دعواه ، وروى المجلسي في بحار الأنوار) : ان الشيعة كانوا في حيرة ولم يكونوا يثقون بدعاوى النيابة الكثيرة ، وقال ان ابا العباس احمد السراج الدينوري سأل العمري عن الدليل الذي يؤكد صحة ادعاءه ، وانه لم يؤمن به الا بعد ان اخبره شخص بالغيب وقدم له (معجزة) . /المصدر ج 51/
وقد اشتهر عند الشيعة تلك الايام حديث عن أهل البيت (ع) يقول  خدامنا وقوامنا شرار خلق الله) مما دفعهم للتشكيك بصحة دعاوى النيابة الخاصة ، وقد أكد الشيخ الطوسي صحة ذلك الحديث ولكنه قال:· انه ليس على عمومه ، وانما قالوا لأن فيهم من غيّر وبدّل وخان ./الغيبة 244/
وقد ندم بعض الشيعة على اعطاء الاموال الى العمري كما شكوا بوجود المهدي والتواقيع التي كان يخرجها العمري وينسبها اليه ، وكان منهم قسم من أهل البيت (ع) وهذا ما دفع العمري الى ان يصدر كتابا على لسان المهدي يندد بالشاكين والمنكرين لوجود المهدي .
كما شك قسم آخر بصحة وكالة النوبختي وتساءل عن مصرف الاموال التي كان يقبضها باسم الامام المهدي ، وقال : ان هذه الاموال تخرج في غير حقوقها ، ويقول الصدوق والطوسي : ان النوبختي استطاع ان يقنعهم عن طريق المعاجز والاخبار بالغيب كتحديد وفاة بعض الاشخاص مسبقا ، والتقاطه لدراهم من صرة شخص على مسافة بعيدة. /الطوسي: الغيبة 192 والصدوق: اكمال الدين ص 516-519/
وفي الحقيقة ان المؤرخين الشيعة يذكرون قصصا كثيرة عن شك الناس بالمدعين للنيابة وتكذيب بعضهم للبعض الآخر ، و لكن عامة الاثني عشرية يميزون اولئك (النواب الاربعة) عن بقية المدعين المذمومين بقدرة اولئك على اجتراح المعاجز وعلمهم بالغيب . وقد ذكر الكليني والمفيد والطوسي عشرات القصص التي تتحدث عن قيام النواب الاربعة بفعل المعاجز الخارقة للعادة ، واخبارهم بالمغيبات . ونقل الطوسي عن (هبة الله ) حفيد العمري: ·ان معجزات الامام ظهرت على يديه وانه كان يخبر عن الغيب . /الغيبة 236/
وذكر الطوسي: خبرا عن علي بن احمد الدلال : ان العمري اخبره بساعة وفاته من يوم كذا وشهر كذا وسنة كذا ، فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي ذكره من السنة التي ذكرها ، وكان ذلك في آخر جمادى الأولى من سنة 305 /الغيبة 221/
ولكن هذا القول كان يخالف مباديء التشيع واحاديث أهل البيت (ع) الذين كانوا ينفون علمهم بالغيب او استخدام الطريقة الاعجازية الغيبية لاثبات امامتهم. يقول الشيخ الصدوق في إكمال الدين):· الامام لا يعلم الغيب وانما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسنة ، ومن ينحل للأئمة علم الغيب فهذا كفر بالله وخروج عن الاسلام عندنا ، وان الغيب لا يعلمه الا الله وما ادعاه لبشر الا مشرك كافر . /المصدر ص 106 و109و116/
وقد قال الامام الصادق (ع) :· يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب!.. والله لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت في اي بيوت الدار هي . /الحر العاملي : اثبات الهداة ج3 ص 748/
وجاء ابو بصير ذات مرة الى الامام الصادق وقال له :· انهم يقولون... انك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب ، فقال : سبحان الله!.. سبحان الله ! لا والله ما يعلم هذا الا الله . /المصدر ص 772/
وسأل يحيى بن عبدالله الامام موسى الكاظم (ع) فقال:· جعلت فداك انهم يزعمون انك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله! ضع يدك على رأسي ، فوالله ما بقيت شعرة فيه وفي جسدي الا قامت . لا والله ما هي الا وراثة من رسول الله . /المصدر ص 767 والمفيد : الأمالي ص 23/
وفي رواية اخرى ينقلها الحر العاملي ، يقول فيها الامام :· قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة ارجح منه... اني بريء الى الله والى رسوله ممن يقول انا نعلم الغيب . /المصدر ص 764/
إذن فلا يمكننا ان نصدق بدعوى اولئك النواب بالنيابة عن الامام المهدي ، ونعتبر قولهم دليلا على وجود الامام ، استنادا الى دعاوى المعاجز او العلم بالغيب ، ولا يمكننا ان نميز دعواهم عن دعوى أدعياء النيابة الكاذبين الذين كانوا يتجاوزون الاربعة والعشرين .
وإذا كنا نتهم أدعياء النيابة الكاذبين بجر النار الى قرصهم وكلهم من اصحاب الامام العسكري ، وبالحرص على الاموال والارتباط بالسلطة العباسية القائمة يومذاك ، فان التهمة تتوجه ايضا الى اولئك (النواب الاربعة) الذين لم يكونوا بعيدين عنها .
يقول محمد بن علي الشلمغاني الذي كان وكيلا عن الحسين بن روح النوبختي في بني بسطام ، ثم انشق عنه وادعى النيابة لنفسه :· ما دخلنا مع أبى القاسم الحسين بن روح في هذا الأمر الا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه ، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش ال**** على الجيف . /الغيبة ص 241/
وإذا لم نستطع إثبات دعاوى (النواب الاربعة) وشككنا في صحة اقوالهم ، فكيف نستطيع إثبات · وجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) ، بناء على شهادتهم باللقاء به و الوكالة عنه ؟
واضافة الى هذا الشك ، هناك دليل آخر على كذب أدعياء النيابة ، وهو عدم قيامهم بأي دور ثقافي او فكري او سياسي لخدمة الشيعة والمسلمين ما عدا جباية الاموال والادعاء بتسليمها الى (الامام المهدي) .
وكان المفترض بالنواب الذين يدعون وجود صلة خاصة بينهم وبين (الامام المهدي) ان يحلوا مشاكل الطائفة وينقلوا توجيهات الامام الى الامة ، ولكنا نرى (النائب الثالث) : الحسين بن روح النوبختي ، مثلا ، يلجأ الى علماء قم ليحلوا له مشكلة الشلمغاني الذي انشق عنه ، ويرسل كتابه (التأديب) الى قم ، ليبين علماؤها له الصحيح والسقيم ، كما يقول الشيخ الطوسي في (الغيبة). /المصدر 240/
ان في ذلك دلالة على عدم وجود اي اتصال بينه وبين (المهدي) وإلا لكان عرض الكتاب عليه وسأله عن صحته .
ومما يعزز الشك في عدم وجود (المهدي محمد بن الحسن العسكري) هو عدم قيام أدعياء النيابة بملأ الفراغ الفقهي وتوضيح كثير من الأمور الغامضة التي كان يجب عليهم تبيانها في تلك المرحلة ، ومن المعروف ان الكليني قد ألف كتاب (الكافي) في أيام النوبختي ، وقد ملأه بالاحاديث الضعيفة والموضوعة التي تتحدث عن تحريف القرآن وأمور اخرى باطلة ، ولكن النوبختي او السمري لم يعلقا على الموضوع ولم يصححا اي شيء من الكتاب ، مما تسبب في اذية الشيعة عبر التاريخ و اوقعهم في مشكلة التعرف على الأحاديث الصحيحة من الكاذبة .
ولقد أبدع السيد المرتضى نظرية (اللطف ) التي يقول فيها : ان الامام المهدي يجب ان يتدخل ليصحح اجتهادات الفقهاء في عصر الغيبة ويخرب اجماعهم على الباطل ، وبناء على ذلك كان الاجدر والاولى والأيسر ان يصحح (الامام المهدي) لو كان موجودا ، كتاب الكليني ، او يترك وراءه في (عصر الغيبة الكبرى ) كتابا جامعا يرجع اليه الشيعة . وهذا ما لم يحصل ، ولم يقدم أدعياء النيابة اي شيء يذكر في هذا المجال ، وهذا ما يدفعنا للشك في صدقهم ، وفي دعواهم بوجود (أمام غائب) من ورائهم.
وقد تعجب الشيخ حسن الفريد (زميل الامام الخميني ) في كتابه  رسالة في الخمس) واستغرب بحيرة وتساءل عن السر وراء عدم سؤال الكليني من (صاحب الزمان) عبر وكيله النوبختي عن حكم مسألة الخمس في (عصر الغيبة) . /المصدر 87/
ومن هنا فانا لا نفتري على اصحاب الامام العسكري الثقاة وانما نشك في روايتهم السرية المخالفة للظاهر ونشك بصدق الرواة من الفرقة الاثني عشرية الذين خالفوا كافة الشيعة والامامية وأهل البيت ولا يمكن ان نرفع اليد عن الظاهر الا بدليل قوي ولا يوجد هذا الدليل .
ولا نعتقد بوجود تواتر على بعض الأخبار التي ينقلونها عن الامام العسكري انهم سمعوا منه او شاهدوا ابنه سرا لأنا نحتمل تواطؤهم على الكذب في قضية حدث فيها خلاف كبير بين الشيعة انفسهم
واذا كان السيد الجليل الاستاذ ابو التلاميذ يود مناقشة كتابي (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) الذي انفي فيه ولادة ووجود الامام الثاني عشر واقول انه فرضية فلسفية قبل ان يكون حقيقة تاريخية ، فأرجو منه ان يقرأ الكتاب بتأن ويعرف اني قد ذكرت معظم القصص التي ذكرها وناقشتها بتفصيل ولا يتعب نفسه بتكرار ذكر تلك الروايات والقصص ويوافيني ولو بعد حين برد مفصل كامل شامل وينشر رده على الملأ
وشكرا جزيلا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحمد الكاتب

الامام المهدي بقلم الدكتور موسى الموسوي

بسم الله الرحمن الرحيم 
الامام المهدي (1) بقلم الدكتور موسى الموسوي .
الامام المهدي
ان فكرة ظهور رجل من آل محمد يملأ الأرض قسطا وعدلا فكرة جميلة ومليئة بالآمال الخيرة ولكن علماء الشيعة الصقوا بالامام المهدي جناحين اثقلا كامل الشيعة في كل زمان ومكان . وهذان الجناحان هما بدعة الخمس في ارباح المكاسب وبدعة ولاية الفقيه فالاولى تعني دفع ضريبة مالية ما انزل الله بها من سلطان ، والثانية تعني عبودية الانسان للانسان بلا قيد ولا شرط
الامام المهدي
الاجتهاد والتقليد
الخمس
ولاية الفقيه
تعتقد الشيعة الامامية ان الامام الحسن العسكري وهو الامام الحادي عشر للشيعة عندما توفي عام 260 هجري كان له ولدا يسمى محمدا له من العمر خمس سنوات وهو المهدي المنتظر. وهناك روايات اخرى تقول ان المهدي ولد بعد وفاة والده الامام العسكري ومهما كان الامر فان المهدي تسلم منصب الامامة بعد والده وبنص منه و بقي مختفيا عن الانظار طيلة خمس وستين عاما.
وكانت الشيعة تتصل به في هذه الفترة عن طريق نواب عينهم لهذا الغرض والنواب هم : عثمان ابن سعيد العمري وابنه محمد ابن عثمان وحسين ابن لوح وآخرهم علي ابن محمد السيمري .
وهؤلاء النواب الاربعة لقبوا بالنواب الخاص ، والفترة هذه تسمى بعصر الغيبة الصغرى . وفي عام 329 هجري وقبيل وفاة علي ابن محمد السيمري بشهور قليلة وصلت رقعة اليه بتوقيع الامام المهدي جاء فيها :
" لقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور الا بعد ان ياذن الله ، فمن ادعى رؤيتي فهو كذاب مغتر."
وهذا العام هو بداية الغيبة الكبرى. ومنذ ذلك الحين انقطع اتصال الشيعة بالامام بصورة مباشرة وغير مباشرة، وحتى اذا ادعى احد ذلك فالشيعة تكذبه بسبب النص الوارد في اخر خطاب ورد اليهم من الامام المهدي .. هذه هي خلاصة عقيدة الشيعة الامامية في المهدي المنتظر، ولا تزال الشيعة في كل عام وفي يوم الخامس عشر من شهر شعبان تحتفل بولادة المهدي احتفالا كبيرا، وهو الامام الوحيد الذي تحتفل الشيعة بيوم ولادته فقط اما الائمة (لآخرين فتكون الاحتفالات في ايام مولدهم ووفاتهم على السواء .
وفكرة المهدي وظهور قائد في اخر الزمان يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ان ملئت ظلما وجورا موجودة في كثير من الاديان . وهناك احاديث روتها كتب الصحاح عن النبي الكريم عن ظهور مهدي من ولده في اخر الزمان ولكن ليس على نحو التعيين . اما الشيعة فتستند على روايات نسبت الى ائمتها ان المهدي المنتظر الذي اخبر به الرسول الكريم ( ص ) انما هو ابن الامام الحسن العسكري
ذ كر الترمذي في صحاحه ان النبي ( ص ) قال : " لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا من اهل بيتي يواطيء اسمه اسمي . " وفي مسند احمد ابن حنبل عن النبي ( ص ): " لا تنقضي الايام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطيء اسمه اسمي . " سيرة الائمة الاثنى عشر ج 3، ص 543 - هاشم الحسيني
    ونحن هنا لا نريد ان ندخل في ذ لك الجدل البيزنطي القديم حول المهدي واعطاء تفسير عقلي لبقاءه الاف السنين في هذه الدنيا، فنحن معاشر الشيعة كسائر الفرق الاسلامية الاخرى ما دمنا نعتقد بالغيب وان الله قادر على كل شيء فلا نجد صعوبة في الاعتقاد بان انسانا ما يعيش في هذه الدنيا خارجا عن القوانين الطبيعية الاف السنين ، فالقران الكريم صريح بان نوحا عاش في قومه الفا الا خمسين عاما واصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، وان الله رفع عيسى ابن مريم اليه وهو حي في رحابه ، ولنقرأ معا هذه الايات البينات :
" ولقدارسلنا نوحا الى قومه فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما،فاخذهم الطرفان وهم ظالمون . ، العنكبوت 14 "
ولبثوا في كهفهم ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا. " الكهف 25 "
وهولهم انا قتلنا المسلع عيسى ابن مريم رسول الله ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الشين اخقلفوا فيه لفي شك منه مالهم من علم الا اتباع الظن . وما قتلره يقينا بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزأ حكيط . " النساء 157 -158
وفكرة المهدي بحد ذاتها فكرة جميلة، فهي توحي بالخير المحض والتطلع الى عالم مليء بالخيرات والفضائل والحسنات ، عالم مثالي طالما دعا اليه افلاطون في جمهوريته والفارابي الفيلسوف الاسلامي في مدينته الفاضلة مضافا الى تلك النظرية المثالية قيما اسلامية رفيعة .
ولو ان الاعتقاد بوجود المهدي بقي محصورا في الايمان بوجود امام غائب من نسل رسول الله ( ص ) يظهر في يوم ما ويملأ الارض قسطا وعدلا لكان المسلمون بخير، ولكن مع الاسف الشديد ان فقهاء المذهب الجعفري الصقوا الى المهدي جناحين شوهوا بهما صورة المهدي الرفيعة الوضاءة، وهذان المجناحان بدعتان كبيرتان الصقتا بالمذهب الشيعي في عهد ظهور الصراع بين الشيعة والتشيع وهما تتناقضان مناقضة صريحة واضحة مع نصوص القران الكريم وسيرة الرسول ( ص ) وعمل الامام علي والائمة من بعده .
البدعة الاولى هي تفسير الخمس في ارباح المكاسب والبدعة الثانية هي ولاية الفقيه في المجتهدين . ان الزعامات المذهبية التي تولت امور الشيعة الدينية بعد الغيبة الكبرى بسبب فتح باب الاجتهاد ولا زالت هي الماسكة بزمام العقيدة الشيعية حتى هذا اليوم كانت وراء هاتين البدعتين . اما ولاية الفقيه فيكاد يكون من المتفق عليه عند علماء المذهب الشيعي انها تشمل ارباح المكاسب والغنائم معا. الا ان تفسير الغنيمة بارباح المكاسب ظهر بعد الغيبة الكبرى بقرن ونصف في الكتب الشيعية .
اما ولاية الفقيه فهناك من علماء المذهب من عارضها ولكن لها انصارها. الا ان المجمع عليه عندهم ان نوعا من الولاية التي تشبه صلاحية القضاة في تعيين الوصي على المجنون والطفل القاصر تكون من صلاحيات المجتهدين . وقبل ان نتحدث عن البدعتين الملصقتين بالامام المهدي لا بد من اعطاء صورة واضحة عن الفكرة الاجتهادية عند الشيعة وعلاقة الشيعة بالامام المهدي حسب ما صوره علماء المذهب . .
الاجتهاد والتقليد :
يستند علماء الشيعة الامامية على فتح باب الاجتهاد بمرسومين صدرا عن الامام المهدي قبيل غيبته ، والمرسومان وان كانا يختلفان في المضمون الا انهما يتفقان في المفهوم وهما :
1- المرسوم الاول : " واما من الفقهاء من كان صائنا لنفسه . حافظا لدينه . مخالفا لهواه . مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه . "
2- المرسوم الثاني : " واما الحوادث الواقعة فارجعوا الى رواة احاديثنا.
على هذين المرسومين ( حيث اولهما يختص بالمجتهدين والثاني يختص بعوام الشيعة ) يعتمد علماء المذهب بفتح باب الاجتهاد وعدم الاخذ بآراء الاموات من الفقهاء وعليهما يستند المجتهدون في وجوب التقليد على عوام الشيعة.
وبعد الغيبة الكبرى تصدى لشؤون الشيعة الدينية علماء المذهب واحدا تلو الآخر ولم تنقطع القيادة المذهبية بين المجتهدين والعامة وان شئت قل بين - القاعدة والقمة حتى كتابة هذه السطور وذلك بسبب فتح باب الاجتهاد ووجوب تقليد العوام لرأي المجتهدين .
اما الفرق الاسلامية الاخرى فسدت هذا الباب لصعوبات بالغة تعترض العمل الاستنباطي ، اللهم الا السلفية حيث انهم لم - يسدوا باب الاجتهاد على انفسهم ، وفقهاء السلفية يجتهدون في الفروع الفقية التي لا نص فيها وتخضع لادلة الاستنباط من الكتاب والسنة والاجماع والقياس .
اما علماء الشيعة فاستبدلو! القياس بالدليل العقلي واتخذوه الاصل الرابع من اصول الاستنباط ومن اغرب الامور ان فقهاء الشيعة ينسبون انفسهم الى المذهب العقلي في استنباط الاحكام الشرعية ولكنهم في الحقيقة ابعد الناس عن استعمال العقل في طريقة الاستنباط .
وليت شعري ان اعرف كيف يستند علمائنا -سامحهم الله -على العقل في فهمهم للاحكام الشرعية ولاستنباطهم المسائل الفقهية وهم يسلمون بلا جدل ولا نقاش بروايات نسبت الى ائمة الشيعة وجائت في الكتب التي يعتبرونها صحيحة وموثوقة وهي تتناقض مع العقل .
نعم اذا اخذنا بعين الاعتبار ان المقصود من استخدام العقل عند فقهاء الشيعة انما هو استخدام الادلة العقلية التي اسس عليها علم اصول الفقه -في التصور الشيعي -العلم الذي لعلماء الشيعة باع طويل في تاسيسه وتأليفه وهي كيفية استخدام الادلة العقلية لفهم الاحكام الشرعية وبغض النظر عن منطوقها مثل مبحث الظن والقطع والاستصحاب والتعادل والتراجح وغيرها من الابماث الاصولية التي
ذكرها علماء اصول الفقه في كتبهم . واصول الفقه علم جميل بحد ذاته وله مزاياه العقلية ، ومع الاسف البالغ ان الفقهاء لم يستخدموها في اللباب بل استخدموها في القشور.
وقبل ان اتحدث في النظرية الاجتهادية اود ان اذكر هنا امرين لا بد من الاشارة اليهما:
الامر الاول : اود ان اشيرالى ذ لك الخفالألرهيب الذي وقع فيه كتاب وباحثون كتبوا والفرا ونشروا عن الشيعة في السنوات الاخيرة، فقد عرفوا الشيعة بالاصولية او الامامية الاصولية وفسروها بان الشيعة تريد العودة الى القهقرى لانهم ترجموا كلمة الاصول بالجذور وزعموا ان الشيعة تعود الى الجذور والماضي في العقيدة.
ولم يدركوا قط ان الاصولية لا تعني العودة الى الجذور بل تعني ان الشيعة الامامية تستخدم قواعدا عقلية اسمها اصول الفقه لاستنباط الاحكام الشرعية في العمل الاجتهادي ، ولذلك لقبوا بالاصوليين . وهناك مئات الكتب الفت في اصول الفقه وكلها تبحث عن المباحث العقلية التي ذكرت بعضها قبل قليل .
الأمر الثاني : ان هناك فئة صغيرة من الشيعة تسمي نفسها ( الاخباريين ) وهم الذين لم يستخدموا علم الاصول او بالاحرى الادلة العقلية في استنباط الاحكام الشرعية، وان العملية الاجتهادية تتم عندهم بالكتاب والسنة والاجماع . ومن اشهر علمائه الشيخ حر العاملي صاحب كتاب ( وسائل الشيعة ) الذي يعتبر من اهم المصادر الشيعية في الفقه.
ولنعد مرة اخرى الى الطريقة الاجتهادية التي تمتاز الشيعة بها عن غيرها ونود ان نضيف هنا بان الطريقة الاجتهادية بحد ذاتها امر حسن وجميل يتلائم مع التطور الاجتماعي والفكري ، فكما تسير البشرية نحو الافضل وتتحرك نحو الاكمل لا بد وانها تصادف امورا حديثة هي بحاجة الى قوانين جديدة لم تذكر في المباحث الفقهية من قبل . فالعملية الاجتهادية تسهل استباط القوانين الشرعية اذا لم تتعارض مع اصول العقيدة، فاذا كان المجتمع متحركا فلا بد وان تتحرك القوانين الاجتماعية معه عندما لا تتعارض مع الكتاب والسنة والاجماع . فلو كان علماء الشيعة يسيرون في العمل الاجتهادي كفقهاء للمذهب الجعفري يبينون حلال الله وحرامه شانهم شأن سائر فقهاء المسلمين الذين وقفوا انفسهم لله لم يتخذوا على عملهم اجرا ولم يريدوا عليه جزاء ولا شكورا لكانت الشيعة بخير ولكانت الامة الاسلامية على احسن ما يرام . ولكن مع الاسف الشديد ان فقهائنا عن عقيدة او عن جهل او ضرورة اضافوا بدعتين صريحتين الى العمل الاجتهادي ومسخرا كل معالم الاخلاص والعمل لله وهما كما قلنا الجناحان الخفاقان على رؤوس الشيعة ما دامت السماوات والارض - الخمس في ارباح المكاسب وولاية الفقيه .
المؤلف في سطور
1- هو حفيد الامام الاكبر السيد ابو الحسن الموسوي الاصبهاني ، ولد في النجف الاشرف عام 1930 واكمل الدراسات التقليدية في جامعتها الكبرى وحصل على الشهادة العليا في الفقه الاسلامي << الاجتهاد >> .
2- جصل على شهادة الدكتوراه في التشريع الاسلامي من جامعة طهران عام 1955.
3- حصل على شهادة الد كتوراه في الفلسفة من جامعة باريس "السوربون " عام 1959.
4- عمل استاذا للاقتصاد الاسلامي في جامعة طهران 0 6 - 962 1.
5- عمل استاذا للفلسفة الاسلامية في جامعة بغداد 68 - 1978.
6- انتخب رئيسا للمجلس الاسلامي الاعلى في غرب امريكا منذ 1979.
7- استاذ زائر في جامعة هاله بالمانيا الديموقراطية، واستاذ معار في جامعة طرابلس بليبيا عام 73 - 974 1، واستاذ باحث في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الامريكية عام 975 1 - 1976 ، واستاذ موفد الى جامعة لوس انجلوس في عام 1978 .
_____________________________________
المصدر:
نقلا عن كتاب الشيعة والتصحيح : الصراع بين الشيعة والتشيع (ص60 - 65) للعلامة الدكتور موسى الموسوي .

عدد مرات القراءة:
8498
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :