آخر تحديث للموقع :

الجمعة 25 رمضان 1442هـ الموافق:7 مايو 2021م 04:05:42 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مجموعة «الرابطة» تعرفت على «أبو عمار الإيراني» في دمشق قبل توجهها إلى معسكرات الحرس الثوري في إيران ..
الكاتب : محمد مقدم

بعد سنوات طويلة من اتهام السلطات الجزائرية للنظام الإيراني بالوقوف وراء دعم الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تحاول قلب نظام الحكم في الجزائر عبر «عنف الجماعات» جاءت قضية الطلبة الجزائريين الذين تلقوا تكويناً سياسياً وعسكرياً في طهران لتضع العلاقات بين البلدين سنة 2000 فوق فوهة بركان. ويكشف الملف الذي تنشره «الحياة» اليوم إحدى حلقات الصلة بين «الجماعة» و»الحرس الثوري» الإيراني في نهاية التسعينات من خلال قضية وفد «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» الذي تلقى تكوين «حرب العصابات» في ثكنة عسكرية تابعة للحرس الثوري في طهران.

تلقت مصالح الأمن الجزائري في الجزائر خلال العام 2000 معلومات مفادها أن مجموعة من الجزائريين عادوا من الخارج إثر تلقيهم تكويناً عسكرياً متقدماً في دول أجنبية بطلب من المدعو شابي عبد الرحمن «أمير» التنظيم المسلح «الجبهة الإسلامية للدعوة والجهاد» والتي تخصص منذ نشأته في اغتيال المثقفين والصحافيين.
وكان مقرراً بحسب المعلومات الأولية أن يتم إرسال المجندين إلى مرتفعات جبال المدية (90 كلم جنوب) للالتحاق بتنظيم «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» التي يترأسها علي بن حجر الذي تخلى عن العمل المسلح في 11 كانون الثاني (يناير) من العام2000 للاستفادة من حق «العفو الرئاسي» الذي تضمنه قانون الوئام المدني الذي أعلنت عنه السلطات مقابل التخلي عن العمل المسلح.
وتبين من التحقيقات الأمنية أن المجموعة تتشكل من سبعة عناصر هم «ش بن دحمان» المدعو عبد الرحمن، «ب محمد» المدعو يوسف، «م خالد» المدعو هشام، «ب رضا» المدعو عادل، «ح نور الدين» المدعو عبدالله، «ب شريف الدين بوعلام» المدعو علي، «ح باشا سمير» المدعو سيف الدين. وقد تمكنت الأجهزة الأمنية المختصة من اعتقال عناصر المجموعة قبل التحاقها بمرتفعات جبال المدية حيث كان يفترض أن تباشر اعتداءاتها.
واعترف «عبد الرحمن» في التحقيق معه أنه بمجرد خروجه في كانون الاول (ديسمبر) 1995 من الكمائن التي نصبتها السلطات للإسلاميين المتشددين في الصحراء وعودته إلى بلدته في عين الدفلى (150 كلم غرب) تلقى، عبر شخص تعرف عليه في المعسكر، رسالة من عبد القادر صوان الذي كان في تلك الفترة «أمير» الجماعة الإسلامية المسلحة لمنطقة «جبل اللوح» طلب منه فيها الالتحاق بالجماعة لكنه رفض.
وبعد سلسلة طلبات تقدمت بها قيادات محلية في «الجماعة» وافق «عبد الرحمن» على أن يندمج في أنشطة دعم التنظيم المسلح وبمزاولة أنشطة تجارية بأموال تسلمها له على أن تحول بعض أرباحها إلى عائلات المعتقلين والمفقودين أو المسجونين من نشطاء الجماعات الإسلامية المسلحة.
وتولى «عبد الرحمن» في وقت لاحق دعم جهود المدعو مصطفى بلعيدي وهو من العاصمة الجزائر، في الوساطة والتنسيق بين مختلف الفصائل والكتائب المنشقة عن «الجماعة» مثل «جماعة جبل اللوح»، و»جماعة كرطالي»، و»جماعة بن حجر»، بهدف توحيدها تحت راية تنظيم سلفي, لكن هذه المساعي تعثرت فقرر سيد علي بن حجر تأسيس تنظيم مسلح جديد يدعى «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» والذي تشكل أساساً من ناشطين سابقاً في تيار «الجزأرة» بزعامة الشيخ محمد السعيد الذي تعرض إلى التصفية الجسدية من طرف أمير «الجماعة» جمال زيتوني المدعو أبو عبد الرحمن أمين».
وبعد أشهر تقرر معاودة ربط الصلة مع تنظيم «الجبهة الإسلامية للجهاد في الجزائر» التي تعرف اختصاراً باللغة الفرنسية باسم «الفيدا» والذي تشكل سنة 1993 من تيار «الجزأرة»، واختص في قتل المثقفين والصحافيين بالعاصمة والضواحي. وقد عقد أول لقاء تنسيقي بين ممثلين عن «الرابطة» و «الفيدا» في أحد مساجد حي باب الوادي الشعبي بالعاصمة في أيلول (سبتمبر) 1997، وشارك فيه كل من المدعو «رحماني» والمدعو «بوبراس».
وبسبب مخاوفه من التعرض إلى التصفية الجسدية اضطر «عبد الرحمن» في العام 1998 إلى اتخاذ قرار الرحيل من بلدته خوفاً من بطش «الجماعة» وناشطين في تنظيم «الهجرة والتكفير» الناشطين في بلدة خميس مليانة في ولاية عين الدفلى حيث استقر بمدينة زرالدة السياحية (20 كلم غرب).
وبعد أشهر تلقى «عبد الرحمن» اتصالاً من المدعو «أمين» وهو ناشط بارز في تنظيم «الفيدا» طلب منه المساعدة في إيجاد طلبة جامعيين بقصد إرسالهم إلى الخارج لمواصلة دراستهم مع تحديد التخصصات المطلوبة وهي الإلكترونيك والميكانيك. وقد تولى «عبد الرحمن» الاتصال مع «ب بوعلام» المدعو علي الذي كان تعرف عليه في جامعة البليدة (50 كلم جنوب) والذي اختار له طالبين هما «يوسف» و «عبد الله».
يقول «ب محمد» المدعو «يوسف» خلال التحقيقات القضائية أنه تلقى الاقتراح في نهاية 1997 عندما اتصل به صديقه في الجامعة «ب بوعلام» المدعو علي بحضور «ح نور الدين» المدعو عبدالله وعرض عليه فكرة التكوين في الميدان السياسي في الخارج لمصلحة «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» بزعامة علي بن حجر بما أنهم، كما قال، يتقاسمون فكرة الجهاد وأهمية مباشرة العمل السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة بعد انتهاء الهدنة. وقال «علي» خلال اللقاء أنه «عضو مؤسس» في الرابطة وزعم أن له اتصالات مع أجهزة الأمن في إطار الهدنة وأن الهدف من التكوين في الخارج هو التحضير للمستقبل.
أما «م خالد» المدعو هشام فقد ذكر في إفادته أنه بدأ منذ منتصف التسعينات بالنشاط لمصلحة «الجماعة الإسلامية المسلحة» برفقة زميله «ب رضا» المدعو عادل من خلال تسليم المناشير وبيانات التنظيم المسلح ورصد تحركات قوات الأمن قبل أن يتصل بهم «ط محمد» المدعو بشير أحد منسقي «الرابطة» والمدعو فؤاد الذي أخبرهم في لقاء عقد بالبليدة أنه بصدد البحث عن شباب لتلقي تدريب على القتال في ثلاث بلدان ولمح له «بشير لاحقاً أن «الرابطة» قررت إرسالهما إلى منطقة الشرق الأوسط للتدرب في ميدان القتال والأسلحة.
وفي أواخر كانون الاول 1997 عقد لقاء بين الثلاثة وهم «يوسف» و «عبد الله» و «علي» مع المدعو «الحاج» الذي قدم نفسه بصفته مؤسس «الرابطة» وعضو مجلس الشورى في «جبهة الإنقاذ». وأوضح «علي» في إفادته أن «الحاج» هو «ش بن دحمان» المدعو عبد الرحمن وهو رئيس سابق لبلدية خميس مليانة (110 كلم غرب) في فترة حكم «جبهة الإنقاذ».
وتم خلال اللقاء الحديث عن أهمية التكوين في الخارج وشدد على أهمية ذلك في «مرحلة ما بعد الهدنة» وبادر «الحاج» إلى ربط «يوسف» بأمير الرابطة سيد علي بن حجر الذي التقى به للمرة الأولى في مطلع العام الجديد وعرض عليه شغل منصب «المكلف بالاتصال»، ووافق على ذلك مما جعله لاحقاً «حلقة الربط» بين معقل «الرابطة» في تمزغيدة بأعالي مرتفعات المدية الجبلية مع ناشطي تنظيم «الفيدا» في العاصمة وهي المهمة التي أوكلت اليه حتى سفره.
وقبل أيام من مغادرة الجزائر اتصل «علي» بكل من «يوسف» و «عبد الله» للقيام بالإجراءات الضرورية واستلما معاً، عشية السفر، من المدعو «عبد الرحمن» مبلغاً من المال وتوجها في الخامس من تشرين الاول (أكتوبر) 1998 إلى سورية حيث كان في استقبالهم كل من «سيف الدين» و»هشام»، وتعرفوا على المدعو «أبو عمار الإيراني» الذي تبين لاحقاً أنه المكلف بالتكوين.
وبعد 23 يوماً من الإقامة في حي يدعى «مزة» في جبل دمشق (في إفادة أخرى قال أن الحي يدعى بزة) قرر «علي» العودة إلى الجزائر بينما انتقل بعد ذلك «يوسف» و»عبدالله» إلى سكن محاذي لبناية تابعة للسفارة الإيرانية في العاصمة السورية لمدة أشهر أخرى. وأكد «عبدالله» في إفادته انه سلم إلى «هشام» خلال إحدى اللقاءات مع «أبو عمار» جواز سفره. وجاء في أكثر من إفادة خلال التحقيق أن «أبو عمار» هو على الأرجح مسؤول في سفارة إيران في دمشق.
وبمجرد عودته بدأ «علي» في البحث عن شخصين لأن العدد المطلوب كان خمسة نشطاء، وهو ما اضطره إلى عرض المسألة على المدعو «عمار» الموجود في سويسرا لمساءلته في الأمر. ولتجنب شكوك مصالح الأمن أو رقابتها أسند هذه المهمة إلى المدعو «زكريا» والذي يكنى أيضاً باسم «سيد علي» لأسباب عدة أبرزها أنه كان معتاداً على الاتصال به عبر البريد الإلكتروني وطرح عليه أسئلة عدة عن أهمية التدريب العسكري في وقت الهدنة؟ وحاول أن يتجنب الحديث عن قصة إرسال الطلبة إلى إيران وطلب زيادة العدد وكان رد «عمار» هو تأكيد «الحاجة إلى التدريب العسكري سواء في السلم أو في الحرب»، وأن المصلحة هي التي اضطرته إلى ذلك وأن العدد تم تحديده مسبقاً ورفض البحث عن طلبة جدد، وترك المهمة بين يدي «زكريا» و «علي» وتم التوافق بعد ذلك على إرسال كل من «هشام» و «عادل».
ويذكر «يوسف» في إفادته أن «أبو عمار الإيراني» انفرد في مطار دمشق خلال السفر إلى طهران في الثامن من آذار (مارس) 1999 بكل من «سيف الدين» و «هشام» وقام بتمريرهم مباشرة إلى قاعة الركوب من دون الخضوع إلى المراقبة، وحاول «يوسف»، كما أضاف في إفادته خلال التحقيقات، لفت انتباه الضابط السوري باستعمال جواز سفره وبأنه جزائري الجنسية إلا أن «أبو عمار» تدخل وتكلم مع الضابط السوري.
وبمجرد الوصول إلى طهران توجهوا إلى بيت المدعو «الهاشمي» وتلقوا عنده تمريناً في كيفية إنشاء المنظمات السياسية والجمعيات وطرق ومناهج تسيير الجمعيات وكيفية تأطير الجماهير وفن الخطابة والتحقيق والتحقيق المضاد والمطاردة والمطاردة المضادة والتصوير والاتصالات.
وبعد استكمال التكوين السياسي حولت المجموعة إلى ثكنة عسكرية على بعد 160 كلم جنوب طهران حيث تلقت بحضور مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني، تدريبات على أسلحة الكلاشنيكوف والمسدسات وركب مركب وقذف صاروخ «ريج» وتمرين على كيفية وضع الحواجز والخروج من الكمائن والاستدراج وتفتيش السيارات وتكوين مبدئي حول الأسلحة. وشمل التمرين أيضاً فن الاتصالات السرية.
وبعد انتهاء التدريب السياسي والعسكري الذي استمر نحو شهرين التحق بهم مجدداً «سيف الدين» و «هشام» قبل أن يغادروا طهران إلى تركيا ومنها إلى الجزائر بعد أن تسلم كل واحد منهم مبلغ 300 دولار أميركي.
وفضل «سيف الدين» الذي كان يقيم أصلاً في الولايات المتحدة الأميركية البقاء في سورية وأرسل صوره الشمسية إلى «زكريا» ليصدر له بطاقة هوية ورخصة قيادة سيارة مزورة باسم مالك بوعكوير تحت رقم 456826 الصادرة بتاريخ 16 سبتمبر 1998 عن دائرة الشراقة ولاية الجزائر (7 كلم غرب), وتمكنت قوات الأمن من حجزها لاحقاً.
وعاد «سيف الدين» إلى الجزائر في كانون الاول 1999 للاستفادة من تدابير قانون الوئام المدني الذي يمنح عفواً جزئياً أو كلياً عن عناصر الجماعات المسلحة مقابل التخلي عن العمل المسلح، لكنه اعتقل بعد أيام بسبب قصة «طائرة الجماعة» التي اتهم بشرائها في سويسرا بقصد وضعها تحت تصرف الجماعات الإسلامية المسلحة.
وقال «سيف الدين» في إفادته أنه انتقل إلى إيران بطلب من القيادي البارز في «جبهة الإنقاذ» المحظورة أحمد الزاوي «لكي لا يترك الشخصين اللذين كانا يتدربان في إيران وحدهما خوفاً من ان يقتربا من رجال الدين الإيرانيين وحتى لا يتأثروا بالفكر الشيعي».
وبمجرد عودتهم أبلغ أمير «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» بالأمر وطلب منهم، بحسب إفادات المتهمين، الالتحاق بمركز قيادة التنظيم المسلح بمرتفعات جبال المدية لكن «زكريا» رفض الطلب على اعتبار أن هؤلاء غير معروفين لدى مصالح الأمن ولا أفراد الجماعات الإسلامية المسلحة وأن بقاءهم في العاصمة «سيكون أجدى وأنفع للجهاد» وبعد أخذ ورد قرر الموافقة على طلب بقائهم لكنه اشترط منهم تحرير تقرير مفصل عن المهمة في الخارج، وهو ما تم وسلم له التقرير كاملاً. وقد نظم لهم «علي» لقاء بالجزائر العاصمة مع «عبدالرحمن» بصفته موفد قيادة التنظيم المسلح وقدموا له التقرير عن التكوين الذي استفادوا منه في إيران.
وقد طلب أمير «الرابطة» من «علي» مساءلة «عمار» المقيم في سويسرا عن مصير «البضاعة» التي أرسلها مع المدعو «عبدالحميد»، وتبين لاحقاً أن المدعو «أمين» وهو قيادي في تنظيم «الفيدا» تولى استلام «البضاعة» في مسجد الإمام الشافعي بالحراش (10 كلم جنوب)، وتبين أنها كانت عبارة عن كمية من الذخيرة الحية وأسلحة وأجهزة اتصال لا سلكي نقلت في مرحلة أولى من سويسرا إلى مدينة سطيف (300 كلم شرق) ومنها إلى الجزائر العاصمة ثم مرتفعات المدية.
وبقي وضع المجموعة التي تلقت التكوين العسكري في إيران على هذا النحو إلى أن تم اعتقال كل أفرادها خلال عمليات متزامنة جرت في 15 تشرين الاول 2000 بمناطق مختلفة بعد تحريات دقيقة حول أماكن وجود عناصر المجموعة التي كانت ترغب في النشاط في «الظل» بعيداً من ضغط «الجماعات المسلحة» وبمعزل عن رقابة قوات الأمن.
عدد مرات القراءة:
5416
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :