آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

تحقيقٌ علميّ في أحاديث المهديّ ..

بسم الله الرحمن الرحيم
 
تحقيقٌ علميّ في أحاديث المهديّ

  

ألفه بالفارسية
آية الله العلامة السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي القمي
(1908 - 1992م)
 
ترجمه إلى العربية وقدَّم له وهذَّبه وعلَّق حواشيه
سعد محمود رستم

 
 
مقدمة المترجم
بسم الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد،
ففكرة خروج مصلح في آخر الزمن يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً لا مشكلة فيها إذا اقتصرت على هذا المفهوم البسيط، لا سيما أن أكثر علماء الحديث يرون أن هناك أحاديث عديدة تثبت أصل هذه الفكرة. لكن المشكلة تنشأ عندما تتحول هذه العقيدة إلى وسيلة لتثبيط همم كل من يسعى إلى إصلاح الأوضاع الفاسدة ومحاربة الجور والطغيان ويجاهد لتحقيق العدل والمساواة...الخ، بالقول له بأن هذا ليس ممكنا وليس من مهمتك ولا سبيل إليه إلا بقدوم المهدي، فلا إصلاح ولا تحرير إلا علي يدي المهدي! عندئذٍ تتحول تلك العقيدة إلى عقيدة سلبية هادمة لكل أمل في التقدم والإصلاح. وكذا الأمر إذا تحولت فكرة المهدي المنتظر إلى عقيدة مغالية تجعل هذا المهدي مولوداً حياً لا يموت حاضراً ناظراً في كل مكان يغيث المستغيثين ويحفظ المؤمنين ويهدي الفقهاء والمتشرّعين،..الخ، عندئذٍ تصبح وسيلة للانحراف عن التوحيد الناصع والوقوع في أودية الشرك والخرافات.
هذا ولقد أحاط الموروث الشيعي الإثنا عشري الذي يعتبر أن المهدي وُلِدَ للإمام الحسن بن علي العسكري (الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الإمامية) حوالي سنة 255ه- وبعد خمس سنوات غاب غيبة صغرى مدة سبعين عاماً بقي خلالها على اتصال بأتباعه عبر أربعة سفراء متتالين، ثم غاب غيبته الكبرى التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، أحاط شخصية المهدي المنتظر هذا وموضوع ظهوره وما سيقوم به في آخر الزمن بكمٍّ هائل من الروايات والأخبار والأقوال والأحاديث الغريبة العجيبة معظمها من وضع الغلاة الكذابين والوضّاعين المفترين أو المجهولين أو المجروحين الذين رووا في هذا الصدد أخباراً تخالف القرآن وسنّة خير الأنام أو تجافي العقل والمنطق والوجدان وتناقض قواعد الإسلام أو تفسِّر آيات القرآن بمعان ما أنزل الله بها من سلطان أو تحكي أقاصيص عجيبة تثير السخرية والهزء بأهل الإيمان..
لذا قام آية الله البرقعي في كتابه هذا، الذي كتبه في آخر أيام حياته وكان من آخر ما ألفه من كتب -كما تدل على ذلك إحالاته فيه إلى سائر كتبه الأخرى وتصريحه في آخره بأنه كتبه في سن الشيخوخة والضعف – بدراسة فاحصة وناقدة لجميع الروايات المتعلقة بموضوع المهدي المنتظر، كما جاءت في الكتاب الروائي الموسوعي الجامع «بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي (1037- 1110 ه-) الذي خصص ثلاثة أجزاء منه لجمع كل ما تفرق في كتب حديث الشيعة الإمامية حول موضوع المهدي أو القائم المنتظر.
بيد أنه مما هو معروف أن كتاب «بحار الأنوار» بإجماع قاطبة الشيعة الإمامية بما في ذلك أشد الأخباريين تعصباً كتاب يجمع الغث والسمين والأصيل والدخيل والمقبول والمردود بل فيه الكثير مما يخالف عقائد الإمامية أنفسهم ومن الأساطير التي لا وزن علمي لها، حيث لم يكن هدف جامعه سوى حفظ ما تفرق من كتب الرواية والأخبار الإمامية في عصره من الضياع، بغض النظر عن صحتها وسقمها، فهو يشبه من لَمْلَمَ كُلَّ ما وجده في مكتبة قديمة من كتب جيدة وأخرى لا بأس بها مع كتب لا يعرف مصدرها وأوراق بالية وصحف مهترئة فجمعها كلها في خزانة واحدة كي لا تضيع تاركاً لمن بعده مهمة فحصها ودراستها وتمحيصها.
وعلى كل حال فقد قام البرقعي بدراسة وتمحيص متون روايات المهدي القائم التي وقعت في 3 أجزاء من «بحار الأنوار» ووَزَنَهَا بميزان القرآن الكريم ثم السنة النبوية والعقل والمنطق الصريح، ورأى أن جميع ما رُوِيَ في القائم المنتظر لا يوجد منه حديثٌ صحيحٌ واحدٌ! وأنها جميعاً مما وضعه الغلاة والوضاّعون في العصور اللاحقة على زمن الأئمة عليهم السلام.
هذا ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن المؤلف كتب كتابه هذا في آخر عمره بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة من بعض المتعصبين، ثم تعرض بعد مدة إلى فترة من السجن ثم النفي، وقد تركت مرارة تلك المضايقات والإيذاء من جهة وسن الشيخوخة وما اعترى المؤلف فيه من ضعف من الجهة الأخرى، بصماتها وأثرها على كتابه هذا أولاً في أسلوبه الذي لم يَخْلُ من توتر وهجوميَّة، أو لحن أقرب في بعض المواضع إلى المهاترة وأبعد عن البحث العلمي الهادئ الرصين، وثانياً في شيء من الخلط والتشويش وضعف الاستدلال والأخطاء في بعض المواضع والتكرار للأفكار. ولمّا لم يكن الهدف من الترجمة إثارة الخلاف وبث الفرقة والتهجُّم على العقائد أو السخرية منها، بل تقديم اجتهاد عالم مجتهد وتحقيق باحث ناقد في هذا الموضوع الهام ليطَّلع عليه الباحثون ويستفيد منه الدارسون، فقد اضطُرِرْتُ إلى تصرُّف يسيرٍ في ترجمة بعض المواضع مع الحفاظ على المعاني والأفكار والنقد العلميّ، ويمكن إجمال هذا التصرُّف اليسير بالنقاط التالية:
أولاً: خففت في بعض المواضع من حدّة اللهجة باستبعاد الأسلوب الاتهامي أو الجارح أو التهكمي، مع المحافظة على المعنى والفكرة التي يريد إيصالها أو النقد الذي يريد إبداءه سواء للأفكار أم للأعمال أم للأشخاص.
ثانياً: اختصرتُ في مواضع قليلة عندما رأيت تكراراً مملاً لنفس الأفكار التي قيلت من قبل واتضحت تماماً.
ثالثاً: بالنسبة إلى بعض الاقتباسات والشواهد التي يوردها المؤلف مجتزأة، أوردتها أحياناً بصورة أكمل - خاصة إذا كانت آية قرآنية - لما في ذلك من فائدة تعين على فهم مراده أكثر.
رابعاً: ذكرتُ بين كلام المؤلف في بعض المواضع بعض الجمل التوضيحية من عندي يقتضيها السياق وتعين على فهم المراد، ووضعت ذلك بين معقوفتين [] لتمييزها عن كلام المؤلف.
يُضاف إلى ذلك أن المؤلف اعتمد في هذا الكتاب في عملية نقده لأسانيد الروايات على حفظه وذهنه ومعلوماته المتراكمة خلال مسيرته العلمية الطويلة إلى درجة أنه استغنى في نقده الرجال عن ذكر نص عبارات الرجاليين اعتماداً على ما ذكره مراراً في كتبه السابقة، بيد أن اعتماده على ذاكرته أوقعه أحياناً في بعض الأخطاء؛ لذلك استدركتُ ذلك ببعض التعليقات في الحاشية التي أوردتُ فيها نص عبارة الرجاليين الشيعة في نقد بعض الرواة الذين أشار المؤلف إلى سوء حالهم في المتن، أو في التعليق على ما قد اشتبه المؤلف به.
وبالمناسبة فالمؤلف لم يكتب أية حواشي سفلية لكتابه هذا، لذلك كل ما في هذه الترجمة من حواشي هو للمترجِم حيث ترجمتُ لبعض الشخصيات المهمة المذكورة في المتن وبيَّنْتُ هوية بعض الكتب وخرّجتُ بعض الأحاديث وشرحتُ باختصار عقيدة بعض الفرق الذين كَثُرَتْ الإشارة إليهم في المتن كالفطحية والواقفة والخطابية...، علاوةً على بيان نص ما ذكره علماء الرجال بشأن بعض الرواة كما ذكرتُ وتصحيح بعض أخطاء المؤلف في هذا الصدد.
ومما يجدر ذكره أيضاً في هذا المقام أن منهج البرقعي في تقويم النصوص الحديثيّة اعتمد بشكل أساسي على نقد المتن، وأن معياره في معرفة الصحيح من السقيم كان القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم العقل ثم الواقع والتاريخ، فكل نص فيه ما يخالف أحد تلكم الأمور ويتنافى معها كان ذلك دليلاً واضحاً على أنه نص موضوع مكذوب، وعندما يثبت بطلان المتن لا تبقى حاجة في نظره للبحث في السند فصحّته وبطلانه سيّان، إذ ليس من الضروري أن يصح متن كل حديث صحيح السند بل قد يكون السند مقبولاً ويكون المتن مرفوضاً في نظره رفضاً تاماً للأسباب المذكورة.
ولكن ليس معنى هذا أن المؤلف أصاب في كل جزئية ذكرها، فقد يكون جانبه الصواب في بعض المواضع وأصاب في مواضع أخرى، ولكن لا ينبغي أن تكون بعض الأخطاء في النهج أو المعلومات سبباً لعدم الاستفادة من كثير مما ورد في الكتاب من تحقيقات عميقة ومطالب مفيدة ونكات هامة، قلَّ من نبَّه إليها، خاصة أنها واردة على لسان أحد من وصل إلى أعلى المراتب العلمية بين الشيعة الإمامية هي مرتبة الاجتهاد ولقب آية الله ومرجعية التقليد، وفي النهاية نذكِّر بالقواعد الذهبية التي يجب أن نجعلها نصب أعيننا في مطالعة أي كتاب وهي أنَّ كلَّ عالم وكلَّ كتاب وكلَّ إنسان يُؤخذ منه ويُردّ عليه إلا صاحب القبر الشريف، وأن الله أبى العصمة إلا لكتابه، وأن لِكُلِّ صارم نبوة وَلِكُلِّ جواد كبوة وَلِكُلِّ عالم هفوة.
كما أُذكِّر بأن المترجم وظيفته النقل بأمانة، فليس معنى ترجمة كتاب أن المترجم يتبنى مضمونه وجميع أفكاره من الألف إلى الياء، بل الترجمة ليست سوى نقل للأفكار والمعاني من لغة إلى لغة أما النقد والتمحيص ومعرفة الخطأ من الصواب فهو من وظيفة القارئ اللبيب.
بهذا أختتم هذه المقدمة سائلاً المولى أن يتقبل منا ويعفو عنا إنه أهل التقوى وأهل المغفرة والحمد لله رب العالمين.
المترجم
 
 
+            +             +
 
 
 
1rst p Tahqiq
صورة للصفحة الأولى من الكتاب
Last p Tahqiq
صورة للصفحة الأخيرة من الكتاب
 
تمهيد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ،
وبعد، فلا بد أن يستند الدين الإلهي الحقيقي إلى الدليل والحجة من نقلٍ أو عقلٍ. ولا بد من تمحيص النقل للوصول إلى نقل صحيح يُرضِي الله وإلى أدلَّةٍ صالحةٍ للاحتجاج بها. فلا يصح الاستناد إلى نقل أخبار مجهولة وإلى أحاديث تظهر فيها علامات الوضع والغرض بكل وضوح، ولا إلى أحاديث وضعها أشخاص لمصالح خاصة بهم.
إنَّ دين الله الذي كان في أساسه ديناً واحداً وطريقاً واحداً بلا ريب، تبدَّل في زماننا هذا إلى مئات المذاهب التي يستند أصحاب كلٍّ منها إلى آلاف الأحاديث والفلسفات والأدلة والمستندات التي تعجبهم هم فقط، واختلق كل فريقٍ مئات المستندات والأخبار الموضوعة لتأييد عقيدته، وتحولت تلك الأخبار الموضوعة التي كانت في أصلها أخبار آحاد فردية إلى أخبار مستفيضة ومتواترة صارت حانوتاً لكل مدّعٍ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ!
ورغم أن كتاب دين الإسلام الإلهي أي القرآن الكريم أمر المسلمين بنصٍّ صريحٍ بعدم التفرّق والتحزّب، كما جاء في سورة الروم: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (الروم/31 و32) إلا أن المسلمين تفرقوا رغم ذلك إلى فرق عديدة وأطلقت كل فرقة على نفسها اسماً مذهبياً معيَّناً فرحوا به واطمأنوا إليه. واعتبر كل واحد من تلك الفرق نفسه محقاً وحده وأتى على ذلك بآلاف الأدلة ولم يُبْدِ أحد منهم أي استعداد لدراسة دلائل الآخرين والتعامل معها بإنصاف بل لم يكونوا مستعدين حتى لمجرد التفكير بها.
ولذلك رأيتُ أنه لا بد من تحقيقٍ علميٍّ في مسألة المهدي لنتبيَّن هل تستند هذه العقيدة بوجود الإمام الثاني عشر إلى دليل عقلي أو نقلي موثوق من كتاب الله أم لا؟ أم أن هذه العقيدة تضاد العقل والكتاب السماوي؟
في الواقع إن في القرآن الكريم آيات صريحة تدل على بطلان انحصار الإمامة بعدد اثني عشر، كما توجد آيات تدل على كذب ادعاء المهدوية بالشكل الذي يدعيه بعض الناس. وسنضع أمام أنظار القراء هذه الآيات القرآنية الكريمة كما أننا سنبين للقراء الأعزاء الدلائل التي يستند إليها القائلون بالمهدوية وبانحصار الإمامة في العدد 12 ونترك الحكم النهائي لفهم القراء.
أما الذين جعلوا من المذهب حانوتاً يتكسَّبون منه ويستأكلون به، وكذلك الذين يقلِّدونهم تقليداً مبنياً على التعصب الأعمى، فلا نظن أن هناك إمكانية لاهتدائهم؛ كيف ولو أراد أحدٌ أن يغلق دكان بائع خضرواتٍ مثلاً أو أراد صاحب المحل الأصلي أن يُخرج ذلك البائع منه فإن الأخير يبذل كل ما في وسعه للاحتفاظ بدكانه وعدم تسليمه، إلى درجة استعداده لاقتلاع عيني صاحب المحل كي لا يأخذه منه! فما بالك بدكانٍ يدرُّ على صاحبه كل سنة ملايين الدنانير دون تعب بل بتبرع من الناس عن طيب خاطر وقربةً إلى الله!.
أساساً ينبغي أن نعلم أن كل بدعة وكل مذهبٍ، مهما كان باطلاً، طالما درَّ أموالاً على رؤسائه فإنه من الصعب جداً أن يزول في وقت سريع، وكلما ازدادت الأموال التي تدرّ عليهم ازداد رؤساؤه نشاطاً وعملوا على نشره أكثر، ولا يمكن زوال ذلك الباطل إلا إذا توقفت تلك العائدات المالية.
فمثلاً رغم أن الإسلام نهى عن التردُّد إلى زيارة المشاهد والقبور إلا أنه لمّا وُجدت النذور والأوقاف التي يأخذ عليها سدنة القبور مبالغ خلو رجل باهظة ولمّا وُجد التبرع بالأموال إلى الأضرحة وأُوقفت الأشياء الثمينة والأثريَّة كالسجاد واللوحات والثريات عليه وأُهديت الجواهر النفيسة وغيرها إلى القبور، راجت بدعة زيارة المشاهد هذه وزاد الاهتمام بها يوماً بعد يوم ووُضعت آلاف الروايات الكاذبة حول أهمية زيارة المشاهد ووُجد آلاف المستخدمين والسدنة والشيوخ الذين يدافعون عن عمارة تلك المشاهد وزيارتها حتى أصبح السفر لزيارة المشاهد من أهم العبادات وأصبح عدد زوّار القبور أكثر من عدد روّاد المساجد وحفّاظ القرآن، وقد اخترع أصحاب هذا الدكان -دكان المشاهد- أنواعاً عجيبة من الأجر والثواب لزوّار المشاهد لا يوجد مثله لأي عبادة أخرى رغم أنه لا توجد حتى آية واحدة في القرآن الكريم تحث على تلك الزيارات، ومن أراد أن يتأكد من كلامنا هذا فليراجع ما كتبناه في كتابنا: «خرافات وفور در زيارات قبور» (أي: الخرافات الوافرة في زيارات القبور).
إذن، لم نكتب كتابنا هذا لأصحاب الدكاكين والمتعصبين هؤلاء ولا نأمل كثيراً باهتدائهم. وإنما كتبنا هذا الكتاب لأهل الإنصاف ولطالبي الهداية والحق.
بدايةً ينبغي أن نرى هل الإمامة - طبقاً لقواعد العقل والشرع – منحصرة بعدد محدَّد لاسيما عدد قليل أم لا؟ هل في وجود المهدي أي نفع للناس أم لا؟ بالطبع هناك منافع جمة تعود على القائلين بوجوده من رؤساء المذاهب وأصحاب الدكاكين المذهبية، لكن لا نفع فيه لعامة الناس بل فيه ضرر كبير كما يدل عليه بياننا المختصر التالي:
 
هل الإمامة محصورة بعدد محدَّد؟
إن كتاب الله والعقل يشهدان بأن القول بالإمامة المنحصرة بعدد محدَّد قول باطل:
أما بالنسبة إلى الشرع فنحن نرى أن الزيدية مثلاً الذين يُعَدُّون من فرق الشيعة ولديهم علماء كبار وكتب عديدة، يدَّعون انحصار الإمامة في أربعة أشخاص أي الإمام علي وحتى الإمام زين العابدين (رغم أن الزيدية يطلقون على سائر أئمتهم الذين جاؤوا بعد أولئك الأئمة الأربعة لقب إمام أيضاً) ولا يعتبرون بقية أئمة الشيعة الإمامية أئمةً منصوصاً عليهم مِنْ قِبَل الله ويستدلون على قولهم بآلاف الأدلة والأحاديث الواردة في كتبهم. كما أن الإسماعيلية يعتقدون بأول ستة أئمة من أئمة الإمامية فقط [أي من الإمام عليّ حتى الإمام جعفر الصادق] وينكرون إمامة البقية [ويدينون بإمامة غيرهم]، ويقيمون دلائل كثيرة على قولهم، وكذلك المذاهب الأخرى التي تشعبت عن الشيعة وكلها تدعي التشيع الصحيح وربما يتجاوز عددُها السبعين. ولمن أراد الوقوف على ذلك عليه أن يرجع إلى كتاب «فرق الشيعة» للنوبختي، وكتاب «المقالات والفرق» للعالم الشيعي الكبير سعد بن عبد الله الأشعري القمي الذي كان من أصحاب حضرة الإمام الحسن العسكري. وهكذا يعتقد كثير من تلك المذاهب بأن الإمامة وعدد الأئمة منحصران بعدد معين من الأئمة الذين يرون إمامتهم. لكن القرآن الكريم لا يعتبر الإمامة، سواء كانت إمامة هداية وإرشاد أم إمامة كفر وضلال منحصرة بأفراد محدَّدين. وفيما يلي نأتي بعدد من الآيات التي تدل على هذا الأمر ثم نذكر الأدلة العقلية التي تدل عليه أيضاً:
 
بعض الآيات الكريمة التي تنفي الإمامة المنحصرة بعدد مُحدَّد!
الدليل الأول: في الآية 74 من سورة الفرقان يصف الله تعالى عباد الرحمن بأوصاف عديدة فيقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(الفرقان/74). وكلُّ ذي شعورٍ يفهم أن عباد الرحمن الذين يدعون الله تعالى أن يعينهم على حيازة مقام إمامة المتقين بسعيهم وعلمهم وعملهم ليسوا منحصرين بشخص واحد أو عشرة أو مئة شخص.
والعجب، كيف لا يرى كبار علماء الشيعة مثل هذه الآيات، ثم رغم قولهم أنْ لا أحد يمكنه أن يفهم القرآن على وجهه الصحيح، إلا أنهم يستدلون –خلافاً لقولهم ذلك- بآيات من القرآن ليثبتوا بها الإمامة المنحصرة بعدد محدد أو يثبتوا إمامة المهدي رغم أن ما يستدلون به من آيات لا يدل على ما يذهبون إليه من قريب ولا من بعيد. وينبغي أن يُقال لهم: إذا كنتم تدَّعون أن لا أحد يمكنه فهم القرآن فكيف فهمتم الآيات التي تستدلون بها على إمامة شخص معين أو أشخاص محددين؟!!
الدليل الثاني: قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ(التوبة/12). ومن الواضح أنه أياً كان معنى أئمة الكفر فإنهم لن ينحصروا بستة أشخاص أو اثني عشر شخصاً. فكيف يجوز أن يكون عدد أئمة الكفر غير منحصر في حين يكون عدد أئمة الهداية منحصر في عدد قليل؟! والحال أنه لا بد أن يكون أئمة الهداية أكثر من أئمة الضلالة، فحصر عدد الأئمة في 12 أو 6 أو أكثر أو أقل ليس إلا نوعاً من الاحتكار الذي يمارسه مخترعو المذاهب.
الدليل الثالث: قول الحق تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ (الإسراء/71). ومن المسلَّم به أن الناس في هذه الدنيا غير محصورين باثني عشر مجموعة حتى يكون لهم اثنا عشر إمام فقط وتُنادى كل مجموعة من الناس بإمامها! بل كلُّ فرد يمكنه أن يكون مأموماً بإمامٍ وكلُّ فرد يُدعى بصحيفة أعماله وصحيفة أعماله هي إمامه وبالتالي فحصر الإمامة باثني عشر شخص أو اثني عشر صحيفة أعمال باطل.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً (الأحقاف/12، وهود/17). وقد قال الإمام علي (ع) في الخطبة 145 من نهج البلاغة: «فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ... (حتى يصل إلى قوله): كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ ولَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ» إلى آخر الخطبة. كما يقول الإمام علي (ع) أيضاً في الصحيفة العلوية في دعائه بعد التسليم في الصلاة: «إن رسولك محمداً نبيي وإن الدين الذي شرعت له ديني وإن الكتاب الذي أُنزل إليه إمامي».
وقد جعل الإمام الصادق (ع) أيضاً القرآن الكريم إماماً كما جاء ذلك في رواية وردت في «وسائل الشيعة» الباب الثالث من أبواب القرآن(1). والأوضح من كل ذلك ما رُوي عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم - طبقاً لما أورده المجلسيّ في بحار الأنوار ج92، ص17- من قوله: «القرآن إمام كل مسلم».
فمخترعو الفرق والمذاهب الذين اخترعوا عدداً محدوداً للأئمة (12 أو 7 أو غير ذلك) خالفوا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلام أمير المؤمنين والإمام الصادق عليهما السلام، لذا يجب أن يدركوا أنهم غير متبعين للقرآن في هذا الأمر وأنهم قد غضوا الطرف عن مفهوم الإمام والإمامة [غير الانحصاري] كما يطرحها القرآن – [كما مر] -وأنهم يتحمسون كل هذا الحماس لأجل مفهوم مخترع للإمامة، وحتى أنهم لا يقبلون بكلام أئمتهم أنفسهم، وليت شعري كيف يعتبرون أنفسهم شيعة وأن علياً إمامهم، مع أن عليّاً اعتبر القرآنَ إمامَه أما هم فيعتبرون إمامهم أشخاصاً آخرين(2).
الدليل الخامس: بعد أن ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء قصص عدد من الأنبياء قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (الأنبياء/73). فالأنبياء إذن أئمة بجعل الله لهم في هذا المقام فالإمامة ليست منحصرة باثني عشر شخصاً.
الدليل السادس: قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(القصص/5). أي جعلنا المستضعفين من بني إسرائيل أئمةً للناس وأورثناهم أرض مصر، ومن المعلوم والمسلم به أن عدد بني إسرائيل ليس منحصراً باثني عشر شخص، فحصر الأئمة بعدد محدد باطل، وكما أن المتقين والمؤمنين والصادقين الذين ذكرهم القرآن غير منحصرين بعدد فكذلك أئمة المتقين، لا ينحصرون بعدد.
الدليل السابع: قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (القصص/41). فهل كان أئمة الظلم الذين يدعون إلى النار 12 شخصاً؟ والمقصود أن أئمة أهل النار وأئمة أهل الجنة غير منحصرين في عدد محدد. وهذا أيضاً تدل عليه الآية 24 من سورة السجدة كما تدل عليه جميع الآيات التي تفيد عدم انحصار الإمام والإمامة بعدد معين.
 
بعض الدلائل العقلية على نفي الإمامة الحصريَّة
الدليل الأول: إذا كان المقصود من الإمام رئيس المسلمين الذي بيده زمام السلطة وتدبير الأمور، فمن الواضح أن المسلمين يحتاجون منذ رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم القيامة إلى أكثر من اثني عشر رئيساً. إن مثل هذا العدد [12] يمكنه أن يؤمِّنَ أئمَّةً يقودون المسلمين لمدة مئتين وخمسين عاماً أو ثلاثمئة عام، أي فترة حياتهم، أما إمامة الأموات للأحياء فلا معنى لها، فكيف يمكن لإمام ميت أن يقود شؤون الأحياء؟ هل الأئمة من آل الرسول عليهم السلام الذين يقول الشيعة بإمامتهم يمكنهم أن يقوموا اليوم بتعبيد شارع للمسلمين أو اكتشاف دواء نافع لدفع الأمراض أو اختراع شيء لراحة الإنسان أم أنهم رحلوا عن الدنيا منذ قرون؟ وكذلك هل قام الإمام الموهوم الغائب بهداية أحد أو اختراع شيء أو صدِّ عدوان أعداء الإسلام؟!! الإجابة هي النفي طبعاً. أجل لقد قام صانعوا الفرق والمذاهب بتلفيق فلسفات مخترعة وأفكار متخيَّلة لا يقرُّها عقلٌ ولا نقلٌ. أما إذا كان معنى الإمام هو المرشد الديني فلا شك أنه لا ينحصر بعدد 6 أو 12 بل هذه الوظيفة هي وظيفة كل عالم متدين.
الدليل الثاني: كيف يمكن أن يكون للدِّيْن الذي يجب أن يهتدي به البشر مئات آلاف الأعوام اثنا عشر إماماً فقط وكيف يكون للأمة الإسلامية التي تحتاج إلى قائد ومنفذ لأحكام الله طيلة تلك المدة أيضاً اثنا عشر رئيساً وقائداً فقط، فهل يمكن أن يقول رسولٌ لأمته –خلافاً للحس وخلافاً للعقل - إن أئمتكم [أي حكامكم حتى يوم القيامة] اثنا عشر فقط؟! كلا بلا شك.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (الشورى/38). وأي أمر من أمور المسلمين أهم من مسألة الرئاسة والقيادة؟ وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يتشاورون في أمورهم، وهذا يشمل بالطبع تشاورهم في أهم الأمور أي أمر القيادة. ويؤيد ذلك ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في الرسالة السادسة من نهج البلاغة حين قال: «وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا» فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول إن جميع هذه الآيات والأخبار خطأ وقول صنّاع المذاهب هو الصحيح فقط؟! لقد أثبتنا في كتابنا «بت شكن» (أي: كسر الصنم) أو «نقد كتاب أصول الكافي» في باب «ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم» أن جميع الأخبار التي تحصر الإمامة باثني عشر شخصاً فقط أخبارٌ موضوعةٌ ومكذوبةٌ وعلامات الوضع فيها أوضح من الشمس فعلى من كان يبحث عن الهداية والتحقيق أن يرجع إلى ذلك الكتاب.
الدليل الرابع: عدم معرفة أولئك الأئمة الاثني عشر أنفسهم بأخبار انحصار الإمامة! فالإمام الصادق (ع) نصب ابنه إسماعيل إماماً من بعده، والإمام الهادي (ع) عيّن ابنه السيد محمداً إماماً من بعده لكن المنية أدركت كل واحد من هذين المنصوبين في حياة والده مما يكشف أن الإمام الصادق والإمام الهادي ما كان لهما علم بهوية الإمام التالي لكل منهما. وكذلك أصحاب الأئمة الخاصين مثل «زرارة» و«هشام بن سالم» و«هشام بن الحكم» و«المفضل» و«أبي بصير» وأمثالهم لم يكونوا يعلمون من هو الإمام بعد إمامهم الحالي، ولا كان لهم أي اطلاع على تلك الروايات التي تذكر أسماء الأئمة الاثني عشر واحداً واحداً. ولقد أوردنا في كتابنا المذكور أسماء مئة وأربعين شخصاً من أصحاب الأئمة الخاصين بأسمائهم وأوصافهم مع ذكر المصادر ممن لم يكن لهم أي خبر عن تلك الروايات الموجودة في كتب الإمامية والتي تحصر الإمامة في اثني عشر شخصاً وبيَّنَّا أنهم لم يكونوا يعتقدون بإمامة جميع هؤلاء الأئمة الاثني عشر، مما يكشف أن تلك الأخبار وُضعت بعد زمن الأئمة عليهم السلام وانتشرت واشتهرت، ومن أراد معرفة هذا الأمر بالتفصيل فليرجع إلى كتابنا «بت شكن» (أي: كسر الصنم) أو «نقد كتاب أصول الكافي» فقد أوضحنا الموضوع هنالك بشكل كافٍ.
الدليل الخامس: عدم معرفة سادات أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلمائهم الكرام شيئاً عن مثل تلك الأخبار التي تحصر الإمامة بأشخاص محددين. ولذلك نجد أن سادات أهل البيت وعلماءهم مثل زيد بن علي بن الحسين والحسين بن علي شهيد الفخ وغيرهما قاموا ونهضوا وادعوا الإمامة مما يعني أنهم لم يكن لهم علم بهذه الإمامة المنحصرة باثني عشر شخصاً والتي اشتهرت في زماننا، بل كانوا –كما تدل عليه كلماتهم بوضوح- يعتبرون الإمامة حقَّاً لمن ينهض بسيفه لاستلام زمام أمور المسلمين والعمل بوظائف الإمامة وليست حق من يجلسون في بيوتهم وراء الستار ويدعون الإمامة ويلتف حولهم عدد من الخرافيين ويكونون تحت حكم وسلطة أئمة آخرين، كما قال «زيد بن علي بن الحسين» (ع) أننا لا نعرف إماماً كذلك.
فإذا تبيَّن أن حصر عدد الأئمة باثني عشر ليس له سند موثوق صحيح بل يتعارض مع كتاب الله كما يخالف العقل والتاريخ فكيف يمكننا أن نقبل بوجود هذا العدد ونعتقد به رغم أن الله تعالى بين لنا بنص القرآن (الآية 165 من سورة النساء) أن لا حجة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورغم أن أمير المؤمنين قال في إحدى خطبه (الخطبة 90 في نهج البلاغة): «..تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) حُجَّتُهُ» وقال كذلك: «..فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ». فالقرآن الكريم وهذه النصوص تنفي أن يوجد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجَّةٌ لِلَّهِباسم المهدي بتلك المواصفات التي يقول بها صانعو المذاهب.
ذكر الله تعالى في أوائل سورة الأنفال وأوائل سورة المؤمنون وفي مواضع أخرى من القرآن الكريم صفات المؤمنين والأخلاق التي يجب أن يتحلَّى بها كلّ مؤمن ومسلم من إيمانيات وعقائد وأفعال ولم يُذكر فيها أي إشارة إلى الإيمان بإمام معين. قال تعالى في أوائل سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا...﴾(الأنفال/2و3).
لقد بينت هذه الآيات صفات المؤمن الحقيقي ولم تُشِرْ أدنى إشارة إلى الإيمان بإمام معيَّن، فكيف يجعل صناع المذاهب الإمام والإمامة من أصول المذهب ومن مقوِّمات الإيمان. كما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  (الحجرات/15). وجاء نحو ذلك في الآيات 61 و136 و177 و285 من سورة البقرة حيث عدَّد الله مقوَّمات الإيمان وصفات المؤمنين ولم يأتِ بذكرٍ على الاعتقاد بإمام معين.
إضافةً إلى ذلك فإن ما يدعيه صناع المذاهب هو ضرورة الإيمان بإمام منصوب مِنْ قِبَل الله سيقوم بإصلاح الناس بقوة السيف ويجعل جميع أهل الأرض مسلمين إلى حد أن الذئب والشاة سيعيشان بسلام مع بعضهما وستمتلئ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً، وسيقتل من الناس قتلاً عظيماً حتى يصل الدم إلى أعلى ركب خيله وغير ذلك من الأوصاف التي نجدها في «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي و«إكمال الدين» للشيخ الصدوق، ويقولون إن كل من لم يؤمن بهذا المهدي بهذه الأوصاف فإيمانه غير صحيح. هذا في حين أننا نرى أن آيات القرآن تقول خلاف ذلك، وسنذكر فيما يلي وباختصار بعض الآيات التي تنفي مثل هذا المهدي بتلك الأوصاف المذكورة:
 
الآيات النافية لوجود مهدي بتلك الأوصاف
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(الرعد/11). تؤكد هذه الآية أن الله تعالى لا يغير أحوال الناس كرهاً أو قهراً ولا من خلال إرسال شخص يصنع ذلك التغيير بقوة السيف، بل عندما يقوم الناس بتغيير أنفسهم بذاتهم وإصلاح أحوالهم عندئذ يغير الله حالهم.
الآية الثانية﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(الأنفال/53). إن الله تعالى منذ أن خلق البشر وحتى هذا اليوم لم يغير حال قوم بالجبر والإكراه، سواء للأسوأ أم للأفضل، كيف والجبر مخالف للتكليف الاختياري للبشر.
الآية الثالثة: قال تعالى واصفاً اليهود والنصارى ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/14). وقال في السورة ذاتها ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64). بناء على ذلك فإن فرق اليهود والنصارى ستبقى إلى يوم القيامة وستبقى العداوة والبغضاء فيما بينها وهذا إخبار بالمغيَّبات مِنْ قِبَل القرآن. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتفق هذا مع القول بأن الله سيرسل إماماً في آخر الزمن ينهي به العداوة والبغضاء بين جميع البشر ويصبح الجميع مسلمين متحابّين؟!
الآية الرابعة﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا (الممتحنة/4). هذه الآية تتكلم عن المسلمين واليهود(3) وتبيِّن أن العداوة والبغضاء باقية بينهم أبداً، فكيف يتَّفق هذا مع الأخبار والروايات التي تقول أنه عندما سيأتي المهدي في هذا الزمن سيعم السلام والمحبة بين جميع الناس.
الآية الخامسة﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس/99). الاستفهام في هذه الآية استنكاري أي لا يحق لك أن تكره الناس على الإيمان لأن الله تعالى لو أراد الإيمان من الناس بالإكراه لكان بوسعه أن يجبرهم جميعاً عليه.
الآية السادسة﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة/256). فإذا كان الإكراه منفياً تماماً فكيف يقولون إن الله سيرسل شخصاً يجلب الناس إلى الدين بقوة السيف؟! فمن اليقين إذن أن مثل تلك الأخبار كاذبة ومخالفة لآيات الله وسنته.
الآية السابعة﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (الشعراء/3 و4). سنة الله إذن تقتضي أن يمنع رسوله أن يبخع نفسه من شدَّة الحرص على إيمان الناس لأن الله إذا أراد إيمانهم قهراً أمكنه أن يأتيهم بآية واضحة قاهرة تجبرهم على الإيمان لكنه لم يرد ذلك، فكيف يمكن لأي شخص بعد ذلك أن يجبر الناس بالقوة على الإيمان اللهم إلا أن يكون مثل الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يجبر الناس على الإيمان بالخرافات!.
الآية الثامنة﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (آل عمران/55). في هذه الآية عدة نقاط: الأولى تدل هذه الآية كما تدلُّ الآية 34 من سورة الأنبياء على أن عيسى (ع) تُوفي، فالأخبار التي تقول بأنه هو المهدي أو أنه سيصلي خلف المهدي إنما وضعها أناس جاهلون لأنها تخالف هذه الآيات القرآنية. والنقطة الثانية هي أن أتباع عيسى –بنص هذه الآية الصريح- ستكون لهم الغلبة والظهور على أعدائهم ومخالفيهم فكيف يُقال بأنه سيأتي إمام يقهرهم أو يجبرهم على الإسلام أو أنه لن يبقي هناك مخالفٌ ولا موافقٌ؟ وقد بين التاريخ أيضاً أن لانصارى كانوا متفوقين دائماً على اليهود كما نجد اليوم أن دعم الدول المسيحية هو الذي مكّن اليهود من السيطرة على فلسطين وهو الذي يوفر لإسرائيل أسباب البقاء. والحاصل إن هذه الآية تفيد بقاء يهود ونصارى حتى يوم القيامة وأن الله تعالى سيحكم بينهم يوم القيامة بحكمه النهائي.
الآية التاسعة﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (يس/68). فإذا وضعنا هذه الآية إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب/62) وصلنا إلى نتيجة تقول إن الله لا يبدِّل سنته في خلق الإنسان فلا يمكن لإنسان أن يعمر آلاف السنين دون أن ينتكس خلقه كما يدّعي من لا علم لهم بآيات القرآن.
الآية العاشرة﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  (هود/ 118و 119).طبقاً لهذه الآية سيكون هناك دائماً اختلاف بين الناس وبالتالي فلا إمكانية لإمامٍ يقوم بتوحيد الناس كلهم على الإسلام وإزالة الكفر من الأرض.
وبالطبع هناك آيات أخرى في هذا الموضوع ونكتفي بهذه الآيات العشر التي ذكرناها، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ.
 
دعوى صنّاع المذهب مخالفة للعقل
هناك أدلة وبراهين كثيرة على بطلان ادعائهم، من ذلك أن قوانين الله تعالى وتشريعاته الدينية إنما نزلت لإصلاح البشر وجلب المنافع لهم ودفع المفاسد عنهم، فلا يمكن لِلَّهِ عز وجل أن يفتح أبواب فسادٍ للناس ولا أن يخبرهم بما فيه ضررهم، فهل فكَّر القائلون بوجود مهدي سيظهر آخر الزمن بالضرر والفساد الذي يترتب على ذلك؟ فأولاً: قولهم للناس إن رجلاً سيأتي من عند الله باسم المهدي لأجل إصلاح الدنيا – بالقوة- جعل الناس يتَّكلون على ظهوره ولا يقومون بالإصلاح بأنفسهم بل ينتظرون مجيئه ليقوم هو بالمهمة، ومن الجهة الأخرى ظهر مئات الناس من مدعي المهدوية وحرضوا الناس على الاقتتال الأمر الذي أوقع أضراراً فادحة في الناس وفتناً ومفاسد كثيرة، ثم إننا نجد اليوم أن مئات آلاف الأشخاص باسم رجال الدين يأخذون من عامة الناس أموالاً شرعيّةً بوصفهم النوّاب العامِّين لذلك الإمام الغائب دون أن يخطوَ هؤلاء العلماء خطوةً واحدةً نحو الإصلاح بل هم يصدون الناس عن اليقظة والإصلاح. وهكذا تُؤخذ كل سنة مليارات الأموال باسم سهم الإمام الغائب وتُصرف على نشر الخرافات بدلاً من صرفها على الاختراعات واكتشاف الأدوية أو بناء المصانع والمعامل ذات النفع العام! وإذا قام عالم واعٍ وأراد أن يخرج الناس من فخِّ الخرافات كفّروه وحرّموا الاستماع إليه أو قراءة كتبه.
لقد ظهر حتى يومنا هذا أكثر من سبعين شخص ادعوا المهدوية وسفكوا الدماء دون أن يوجد من يسألهم ما هو برهانك ودليلك على أنك نائب إمام الزمان بحق؟! وكثيرٌ من أولئك المدَّعين للنيابة العامة للمهدي المنتظر ليسوا فقهاء أصلاً ولا مستند لهم يؤيد دعواهم. إنهم يعمِّقون الخرافات بين الناس أكثر ويوسِّعونها يوماً بعد يوم مُبعدين الناس بذلك عن القرآن والسنة، وأبدلوا دين الإسلام الذي كان دين تعلُّم وتعليم إلى تقليد أعمى.
 
أخبار المهدي سببٌ للفتنة والفساد:
ألّف أحد العلماء المصلحين الواعين في هذا العصر وهو الشيخ «عبد الله بن زيد آل محمود» رئيس المحاكم الشرعية في إمارة قَطَر كتاباً بعنوان «لا مهدي يُنتظر بعد سيد البشر»، واعتبر أن الشيعة هم مصدر خرافة المهدي الموهوم وقال إنه في كل زمن وعصر يخرج شخص باسم المهدي ويثير الشغب ويقوم أشخاص فاسدون بحجة اتباع المهدي الموعود بإثارة القلاقل وجمع البسطاء والجهال حولهم ويقع من جراء ذلك كثير من سفك الدماء حيث يوقعون الفتنة والاقتتال بين الناس دون أن يصلوا في نهاية الأمر إلى أي نتيجة مفيدة من نصر دين أو إحقاق حق.
والحاصل أن اسم المهدي أصبح سبباً للفتنة والفساد وأضل كثيراً من الناس وعلى العالم الذي يريد الخير والإصلاح أن يفكر كيف يمكنه دفع هذا الفساد وتوعية الناس وإبعادهم عن الفتن، فعليه أن يبين للناس أن اسم المهدي وقيامه لنشر العدل لا وجود له في كتاب الله بل في كتاب الله ما يخالف ذلك، كما لا ذكر له في نصوص الإسلام الأولى.
وأقول: كل إمام هو في الأساس تابعٌ للدين وليس أساساً للدين، فما هي فائدة الدعوة إلى إمام ليس أصلاً من أصول الدين ولا فرعاً من فروعه ولا ذكر له في القرآن ولماذا يتم دعوة عامة الناس إليه ونشر المفاسد تحت هذا الاسم في كل عصر؟! قد يقول قائل إن هذه الفكرة مفيدة لأصحاب الدكاكين المذهبية الذين يدعون الناس ليل نهار لانتظار إمام العصر والزمان ويأتون بآلاف الفلسفات والأدلة غير المنطقية على وجوده، ويأخذون مليارات الأموال باسم سهم الإمام، ولذلك فهم يؤكدون جداً على هذا الموضوع أكثر من تأكيدهم على أي موضوع آخر، ويدعون الناس كل سنة في النصف من شعبان إلى الاحتفال وصرف ملايين الدراهم والدنانير بمناسبة ولادته –حسب قولهم- ويحتفلون احتفالاً لا يحتفلون مثله بمناسبة ولادة الأنبياء ولا حتى في ذكرى ولادة نبي آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم. هذا في حين أنه ليس لدينا في دين الإسلام أمر بالاحتفال بولادة عظماء الدين ولا بإحياء ذكرى وفاتهم فلم يؤثر عن علي بن أبي طالب (ع) ولا عن سائر الخلفاء أنهم أقاموا احتفالاً سنوياً بمناسبة ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أحيوا كل سنة ذكرى وفاته واعتبروها أيام عطل.
نعم، هناك أشخاص يعتبرون أنفسهم نواباً للإمام الغائب دون أن يكون لهم برهان على دعواهم هذه ويأخذون الأموال باسم سهم الإمام وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ (التوبة/ 34).فإذا كانت فكرة المهدية مفيدة لهؤلاء فإنها مضرة بعامة الناس. وقد قال ذلك العالم (القَطَري) المشار إليه أعلاه أن الشيعة كانوا مصدر تلك الفتن والمفاسد إذْ يحثُّون الناس على الاحتفال كل سنة بهذا الأمر ويضيئون المصابيح وينشدون الأشعار ويصرفون الأموال بالباطل انتظاراً لهذا الإمام فيشغلون الناس بأعمال لا طائل تحتها ويفرغون جيوبهم.
ثم يقول الشيخ «عبد الله بن زيد آل محمود» في (ص 7) من كتابه المذكور(4) :
«الأحاديث التي رواها أهل السنة إما لم تذكر اسم المهدي صراحة، أو ذكر فيها اسمه ولكنها ضعيفة السند، ولم ترو كتب الحديث الهامة مثل صحيحي البخاري مسلم أحاديث المهدي لِضَعْفها. وبعض أحاديث المهدي تقول «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»».
أقول: كما نصت على ذلك بعض أخبار الشيعة أيضاً، هذا في حين أن القرآن الكريم يدل على وفات عيسى وسائر الأنبياء، ولكنهم للأسف أبعدوا الناس عن القرآن.
ثم يقول [الشيخ آل محمود] في (ص9): «تقول بعض الأخبار إن ذلك المهدي هو المهدي بن أبي جعفر المنصور الدوانيقي، الذي مضى زمنه، ولا فائدة من ذكر مثل هذه الأخبار في الكتب، فمن الحماقة بمكان انتظار المهدي بن أبي جعفر المنصور الدوانيقي! (البرقعي: من المعلوم إذن أن بني العباس كانت لهم يَدٌ في وضع أحاديث المهدي، وكان من سياستهم وضع ونشر مثل هذه الأخبار).
وبعض هذه الأحاديث يذكر أن المهدي من أولاد الحسن بن علي. وأكثر الأحاديث كذلك. وقد ثار كثير من أولاد الحسن بن علي في قرون الإسلام الأولى بهذا الاسم وتحت هذه الذريعة، وكم جمعوا من الناس حولهم تحت هذا الشعار فأزهقوا أرواحهم , وأتلفوا أموالهم وأولادهم، هذا رغم أن الناس في قرون الإسلام الأولى كانوا عالمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا قادرين على تمييز الإمام الحق من الإمام الباطل، ورغم ذلك انخدعوا. فكيف يمكن للناس في زماننا هذا الذين لا علم لهم بكتاب الله أن يميزوا بين الإمام الصادق والإمام الكاذب؟».
ويقول في هذه الصفحة أيضاً:
«تقول أخبار الإمامية إن المهدي هو ابن الحسن العسكري، الذي اتفق المؤرخون على أنه مات ولم ينجب ولداً. واختلاف روايات المهدي أكبر دليل على أن المهدي لم يكن أمراً متفقاً عليه بل هو فكرة موضوعة ومختلفة فقد قامت كل جماعة بوضع أحاديث لنصرة مذهبها وتقوية مرامها. والعلماء الذين اعتبروا أحاديث المهدي موضوعة ومُخْتَلفة كثيرون منهم: أبو الأعلى المودودي الذي لم يعتبر هذه العقيدة [أي العقيدة بالمهدي] من عقائد كتاب الله اللازمة، ومنهم العلامة ابن خلدون والأستاذ محمد فريد وجدي في الجزء التاسع /ص 480 من دائرة معارفه(5)، والدار قطني، والحافظ الخبير الذهبي والسيد محمد رشيد رضا والعلامة البلاغي وآخرون.
ولكن ما العمل إذا كان تعصب الناس وجهلهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يمنعان الناس من إدراك حقائق الدين.
 
الدين الكامل لا يحتاج إلى مهدي ليكمله
ثم يقول في ص 14 من كتابه المذكور: «لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدينٍ كامل اسمه الإسلام وقال تعالى في الآية 3 من سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، ولم يذكر في كتابه المهدي ولم يشر إليه أدنى إشارة. فهل سيأتي المهدي بدين أفضل أم أنه والعياذ بالله أعلى مرتبةً وأهم من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم! إننا بامتلاكنا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في غنى عن المهدي ولا حاجة لنا به وليس لدينا نقص كي بأتي المهدي فيكمِّله أو يتمِّمه».
ثم يقول في ص 17: «جاء آلاف من العلماء الكبار وذهبوا وبذلوا جهودا كبيرة في سبيل نشر الدين وأوضحوا أصول الدين وفروعه دون أن يروا المهدي أو يكون لهم أي علم به وكان جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعون مسلمين دون أن يكون لأحدٍ منهم أي معرفة بالمهدي ودون أن يكون أحدهم قد سمع باسمه».
يقول الكاتب [البرقعي]: بل حتى أئمة الشيعة وأصحابهم لم يكن لهم معرفة بالأئمة الاثني عشر والإمام الغائب، وإذا وجدنا أخباراً قد انتشرت بين الشيعة في هذا الصدد في القرن الهجري الثالث فإنها كلها أخبار موضوعة ومختلفة كما أوضحنا ذلك في كتابنا «كسر الصنم».
ثم يقول [الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود] في الصفحة 20 من كتابه:
«لم يكن من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبداً أن يَعِدَ الناس بشخصٍ مجهولٍ غائبٍ وأن يفتح بذلك مجالاً لكل شخص ليدّعي أنه المهدي ويثور ويدفع الناس إلى القتل ويخلق الفتنة والفساد، فهذا بعيدٌ جداً عن نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم ».
ويقول في ص 21: «طبقاً لأخبار الشيعة إذا جاء الإمام الموهوم فإنه سيملك سبع سنوات وسيُقتَل بيد امرأة عجوز ذات لحية. فهل يجوز أن ينتظر الناس آلاف الأعوام لأجل ملك يدوم 7 سنوات فقط، وتقع بسبب هذا الانتظار كل هذه الفتن والفساد، ويتم إيقاع الناس في كل عصر في الفتن باسم المهدي».
ويقول في ص 22: «لما كان مُدَّعو المهدية كثيرين فقد رآهم علماء الشرق والغرب واتفقوا على أنه لابد من قتال مدعي المهدية للحيلولة دون هدم الإسلام كي لا يتمكنوا من العمل على تخريب الإسلام وإحداث بدعٍ بحجة المهدوية».
ويقول في ص 24: «إن مؤيدي فكرة المهدي من المبتدعة ومن الواجب دفع أصحاب هذه الفكرة وقتالهم».
وينقل في ص 25 عن كثير من متأخري العلماء ردّهم لأحاديث بدعة المهدي ويقول إن أحاديث المهدي فضلاً عن معارضة بعضها لبعض تتضمن متونها أموراً متناقضة علاوةً على أن رواة تلك الأحاديث ضعفاء ومجهولو الحال.
 
المهدي في كتب أهل السنة
وفي ص 28 إلى 40 يقول: «جميع أحاديث المهدي في كتب أهل السنة 11 حديثاً فقط ليس أكثر، ورغم أنها تكررت ذاتها في كتب عديدة إلا أن رواتها من الضعفاء علاوة على أن كل حديث يذكر للمهدي اسماً وأوصافاً غير ما يذكره الحديث الآخر، وكل منها يسمي المهدي باسم غير ما يسميه به الحديث الآخر. فأحد الأخبار يذكر بشكل مبهم أن الخلفاء عشرة، في حين يقول الخبر الثاني: إن الخلفاء إثنا عشر خليفةً كلهم من قريش بشكلٍ مبهم، وخبرٌ ثالث يقول: رجلاً وخبر رابع يقول: أجلى الجبهة أقنى الأنف والخبر الخامس: يقول من عترتي والخبر السادس يقول: رجل من أهل المدينة، والخبر السابع يقول: اسمه الحارث بن حرّان والخبر الثامن: رجل من قريش أخواله كلب والخبر التاسع: أن اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، والخبر العاشر يقول: اسمه محمد بن الحسن.
ويقول: أولاً هذه الأسماء لا تتطابق مع بعضها، وثانياً تُحيل إلى مجهول. ولا يمكننا بمثل هذه المتناقصات أن نثبت شيئاً ولا يجوز أن نضيِّع الناس ونخرب دنياهم وآخرتهم خلافاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
بعض الذين ادعوا المهدوية
ويشير ذلك العالم في ص 52 من كتابه المذكور إلى أسماء بعض مدعي المهدوية وأن من جملتهم: أبو طاهر الجنابي رئيس القرامطة الذي ظهر في أواخر القرن الثالث الهجري ودخل الحجاز وقتل كثيراً من الناس في مكة واستولى على الحجر الأسود ونهبه وخلع باب الكعبة وأخذه معه وكم من النفائس استولى عليها وذهب بها.
ومن جملتهم: محمد بن تومرت الذي كان رجلاً كذاباً وأزهق أرواحاً كثيرةً واستباح حرمات المسلمين وكم انتهك من أعراض.
ومنهم المهدي الملحد المدعو عبيد الله بن ميمون الذي كان جده يهودياً وقال أنا المهدي الموعود وجمع عوام الناس حوله واستولى على بلاد المغرب وحكم خلفاؤه باسم العبيديين دول المغرب مدةً وكم من بدعٍ ابتدعوها وكم من فسادٍ أحدثوه في الإسلام.
ومن جملتهم الشيخ أحمد الإحسائي الذي جاء باسم النائب الخاص للمهدي وأوجد مذهباً جديداً في إيران باسم مذهب الشيخية والكريم خانية والبالاسرية وكم سبَّب من قتل النفوس ونهب الأموال مما لا يعمله إلا الله.
ومن جملتهم سيد علي محمد الباب [الشيرازي] الذي أحدث مذهب البابية والبهائية واعتبر نفسه في بداية الأمر باباً للمهدي ثم ادعى المهدوية وكم أحدث من القلاقل في إيران وكم أدى إلى إزهاق النفوس ونهب الأموال والفساد والفتن التي لا تزال قائمة ومستمرة حتى اليوم.
وقد قام وثار أشخاص آخرون تحت هذه الأسماء أو باسم نواب المهدي ولم ينتج عن ذلك سوى الحروب والنزاعات.
يقول كاتب هذه السطور [البرقعي]: والآن حان الوقت لدراسة وتمحيص الأخبار التي وردت في كتب حديث الشيعة الإمامية عن المهدي، وأكبر كتاب جمع كل ما ورد في كتب الشيعة حول موضوع المهدي المنتظر هو كتاب «بحار الأنوار» للمجلسي حيث ذكر تلك الأخبار في المجلدات 51 و52 و53 [من طبعته الجديدة]. وسنقوم باستعراض ودراسة جميع أبواب ذلك الموضوع باختصار ونضع نتيجة التحقيق أمام القراء ونترك لهم الحكم بشأن قيمة الأخبار والروايات المذكورة في تلك المجلدات الثلاث، إذْ سيرون أنها روايات لا تتفق مع عقل ولا قرآن، بل إن الإنسان ليتعجب كيف أمكن للعلماء العقلاء أن يجمعوا مثل تلك الأخبار؟! فقليلٌ من التفكير يظهر للإنسان عدم صحة تلك الأخبار وأنها تلفيقات خرافية ولكننا مضطرون لأجل إظهار الحقيقة وتوضيحها أن نذكر طرفاً من تلك الأخبار الموضوعة التي يمكننا من الآن أن نقول إنه لا يوجد منها حتى حديث واحد صحيح السند.
سنقوم في هذا الكتاب بالتعريف برواة أخبار المهدي طبقاً لما ذكره علماء رجال الشيعة أنفسهم. فإذا قلنا إن الراوي الفلاني «مجهول الحال» فهذا معناه أن علماء الرجال الشيعة أنفسهم حكموا بأن حاله مجهول، والمجهول هو من لا يعلم أحدٌ شيئاً عنه ولا عن إسلامه ولا عن إيمانه ولا عن عدالته أو إنصافه. وإذا قلنا إن فلاناً «مهمل» فهذا أيضاً معناه أن علماء الرجال الشيعة الإمامية أنفسهم لم يذكروا اسمه أصلاً فأهملوا ذكره (أي لا وجود له أصلاً في كتب الرجال). وإذا قلنا عن راوٍ إنه «ضعيف» فمعنى ذلك أن علماء الرجال الشيعة مثل الشيخ الطوسي والمامقاني والعلامة الحلي والنجاشي «رحمهم الله» وأمثالهم اعتبروه ضعيفاً. والضعيف هو من كانت عقائده فاسدة أو كان فاسقاً في أعماله معروفاً بالفجور، أو هو من كان كذَّاباً وضاعاً وعدواً للدين. ولما كان كتاب «بحار الأنوار» قد جمع أكثر من أي كتاب روائي شيعي آخر جميع ما ورد من أخبار وما تفرق في الكتب من أحاديث وروايات حول موضوع المهدي لذا سنقوم بدراسة وتمحيص الأخبار التي وردت في المجلدات الثلاث منه [أي المجلدات 51 و52 و53] التي خصصت لهذا الموضوع.
المجلد 51 من بحار الأنوار:
يقول المجلسي في ص1: الإمام الثاني عشر «نور الأنوار». فأقولُ: هذه الصفة كلام باطل فالفلاسفة والشيخية اعتبروا بعقلهم الناقص أن الله خلق العقل الأول أو نور الأنوار فقط في حين أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ (الإنسان/2) فجميع الناس حتى الأنبياء خلقوا من نطفة وليس من نور.
وفي الصفحة 1 أيضاً يقول «خليفة الرحمن الحجة بن الحسن» معتبراً ذلك الشخص الغائب خليفةً لِلَّهِ، هذا في حين أن الله تعالى لم يغب ولم يمت ولم يذهب إلى أي مكان حتى يصحّ أن يكون له خليفة يخلفه! بل ليس لِلَّهِ تعالى مكانٌ محدود حتى يحل أحدهم مكانه كما لم يعطِ اللهُ مقامه لأي مخلوق حتى يأتي فيخلفه في مكانه ومقامه. وعندما قال الله تعالى لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة/30) فَهِمَ الملائكة المخاطبون أن اللهَ أراد أن يخلق كائناً يخلف الكائنات التي كانت من قبل تفسد في الأرض وتسفك الدماء فقالت متسائلةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟! (البقرة/30). وإلا فإن خليفة الله لا يُتوقَّع منه أن يفسد فيها ويسفك الدماء!
فلاحظ أيها القارئ العزيز كيف أن الخرافات بدأت منذ بداية الكتاب وفي خطبة مقدمته!
بالطبع يجب أن نعلم أن جميع الناس سواء المصلح منهم أم المفسد، وسواء المؤمن أم الكافر كلهم خلفاء ولكن ليس لِلَّهِ بل لمن سبقهم من البشر، فالناس في كل قرن وزمن خلفاء لمن كان قبلهم ووارثون للأجيال السابقة يرثون أرضهم وحضارتهم وما كانوا عليه لهم من قوة. بناء على ذلك كلنا على هذا المعنى خلفاء ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ...﴾ (فاطر/39) ولو كان الإنسان خليفةَ الله لما أمكن أن يكون كافراً. إذن لقد سمَّى الله تعالى الناس خلائف باعتبار أن كل جيل من الخلق يخلف الجيل الذي سبقه، وكل أمة تخلف سابقتها، تماماً كما سمَّى الليل والنهار بهذا الاعتبار خلفةً فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً (الفرقان/62).
 
المجلد 51 من بحار الأنوار
ص2 باب ولادته وأحوال أمه:
هنا نجد عدداً من الأقوال التي يناقض بعضها بعضاً:
فبالنسبة إلى سنة ولادته، يدل ما ذكره المجلسيُّ على أنه تاريخ مجهول لأنه يقول في ص4 وص15: إن ولادته كانت في سنة 256ه- ولكنه في ص2 يروي أن سنة ولادته كانت 255ه-!. وفي ص23 يقول إن سنة ولادته كانت 258ه-. في حين يذكر في ص25 إن سنة والدته كانت 257ه-. وفي ص16 يروي إن سنة ولادته كانت 254ه-. فمن مجموع هذه الروايات يتضح أن سنة ولادته مجهولة.
وأما يوم الولادة: فرُوي في ص2 أنه 15 شعبان وفي ص23 أنه 23 رمضان وفي ص24 أنه 9 ربيع الأول وفي ص19 روى عن حكيمة عمته أنه ولد في النصف من شهر رمضان!. وفي ص25 روى أن ولادته كانت 3 شعبان. وفي ص15 نقل أن ولادته كانت 8 شعبان. وفي ص16 روى أنه وُلد ليلة الجمعة من شهر رمضان. وفي ص19 نقل عن عمته حكيمة أنه لما ولد تكلم ونطق بالشهادتين وقرأ عدة آيات من القرآن الكريم، وهذا مخالف لقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً  (النحل/78). إضافة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته ما كان يعلم شيئاً من آيات القرآن حتى سن الأربعين من عمره فكيف أمكن لهذا الطفل الذي هو أحد أفراد أمته (هذا إن كان له وجود) أن يعلم القرآن منذ ولادته؟!
والرواية رقم 14 نقلت عن حكيمة هذه ذاتها رواية بشكل مختلف، هذا في حين أن كتاب البحار ذاته ينص في موضع آخر على أن حكيمة لم ترَ الطفل أصلاً. وراوي الرواية 14 المشار إليها شخص مجهول يدعى «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيّ». فلاحظوا أي أخبار مكذوبة اختلقوا باسم الإسلام.
ليس من المعلوم من كانت أمه؟!
في ص2 روى عن أبي الحسن أن اسم أم المهدي «نرجس».
وفي ص5 روى أن اسمها «صيقل» أو «صقيل» وأنها ماتت في زمن حياة زوجها الإمام العسكري.
وفي ص7 روى أن اسم أمه «مليكة بنت يشوعا». وفي ص15 أورد حديثاً جاء فيه أن اسم أمه كان «ريحانة»، ورواية أخرى أن اسمها كان «سوسن»، وفي ص23 أن اسمها كان «حكيمة»، وفي ص24 أن اسمها كان «خمط»، وفي ص28 أنه كان «مريم بنت زيد العلوية».
وأما رواة هذا الباب وتلك الأحاديث فإليكم أحوالهم من وجهة نظر علماء الرجال الشيعة:
الرواية الأولى لا سند لها ولا مستند. والرواية الثانية تقول «أخبرني بعض أصحابنا» دون أن تبيِّن من هم هؤلاء الأصحاب ومن أي بلد هم؟ وهل كانوا عدولاً أم فسّاقاً؟ فهم مجهولون كلياً.
الرواية الثالثة رواها «الْحُسَيْنِ بْنِ رِزْقِ اللهِ» وهو مهمل لا ذكر له في كتب الرجل فلا ندري هل كان له وجود حقيقي أم لا، وهل كان مسلماً أم كافراً؟ فاسقاً أم عادلاً؟ صادقاً أم كاذباً؟! وقد روى عن «مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ» وهو أيضاً -طبقاً لكتب رجال الشيعة- مجهول. إذن لقد أتانا مجهول عن مجهول بإمام وحجة!! هذا بالنسبة إلى الرواة. وأما بالنسبة إلى متن تلك الروايات، فإن حكيمة بنت الإمام الجواد تقول: لقد حضرتُ ساعة ولادته وكنت قابلته ورأيته، ولكن المجلسيُّ يروي في ص364 من «بحار الأنوار» عن حكيمة هذه ذاتها أنها سُئلت هل رأيتِ ذلك الوليد للحسن العسكري؟ فأجابت: لم أره ولكنِّي سمعت به!.
أما الرواية الرابعة فراويها «الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ» وهو أيضاً مجهول ومذهبه غير معلوم.
والرواية الخامسة في سندها «عَلِيُّ بْنُِ مُحَمَّدٍ» مجهول الحال ومشترك بين عدة أشخاص.
الرواية السادسة رواها «الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ» الذي يقول عنه أهل الرجال «لا وجود لمثل هذا الشخص» أي أنه لم يُخْلَق أصلاً!. ونقل هو عن «نَسِيمٍ ومَارِيَةَ» وكلاهما مجهولان أيضاً. وهذان المجهولان قالا إن الطفل عندما وُلد عطس واعتبر نفسه حجَّةَ الله!! ولم يوجد يسأل هذين الراويين المجهولين أليس الله هو الذي يعلن حجية شخص؟ أم أن كل طفل صغير يمكنه أن يعلن أنه حجةُ الله؟. يؤكد القرآن أن لا حجة بعد الرسل، وهذا يعمّ كل إنسان طفلاً كان أم غير طفل وإماماً أم مأموماً.
الرواية السابعة: رواها عن «إِبْرَاهِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ» وهو مجهول مشترك بين عدة أشخاص، عن «نَسِيمٍ خَادِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع)» الذي لا يدري أحد من هو وما صفته؟ وهل كان عادلاً أم فاسقاً؟!
الرواية الثامنة: في سندها «نَسِيمٍ خَادِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع)» المجهول ذاته.
الرواية التاسعة: في سندها «إِسْحَاقُ بْنُ رِيَاحٍ الْبَصْرِيِّ» المهمل ومجهول الحال كما في كتب علم الرجال.
الرواية العاشرة: مروية عن «مَاجِيلَوَيْهِ» عن «أَبِي عَلِيٍّ الْخَيْزَرَانِيِّ» مجهول الحال والمذهب، عن أَمَةٍ لا نعلم شيئاً عن اسمها ولا عن صفتها.
حقاً إن الإنسان ليتعجب، ويتساءل أي حجة وأي أصل أو فرع للدين يمكن إثباته بتجميع مثل هذه الروايات المجهولة التي يرويها مجاهيل عن مجاهيل؟!
الرواية الحادية عشرة: رواها «ابْنُ المُتَوَكِّلِ» وهو اسم مجهول الهوية عن«أَبِي غَانِمٍ الْخَادِمِ»مجهول الحال ومجهول الاسم!
والرواية الثانية عشرة: مروية عن «أَبِي المُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيِّ» المجهول عن«مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ الشَّيْبَانِيِّ»(6) الذي كان من الغلاة القائلين بالتفويض وهي عقيدة تفضي إلى الكفر. عن «بِشْر بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَّاس» المجهول والمهمل في كتب الرجال.
إلا أن المامقاني أراد أن يوثق هذه الراوي الأخير بواسطة هذه الرواية التي تبين محاورته لأمَّ إمام الزمان وشرائه لها. ولكنه مشتبه في ذلك لأنه لا يمكن معرفة حاله من هذه الرواية ذاتها بل لا بد أن يكون حاله معروفاً من قبل وأن يكون ثقة كي تقبل روايته [ثم تصبح مستنداً لرفع جهالته]، وإلا فقد تكون الرواية موضوعة من أساسها. هذا فضلاً عن أن الرواية ذاتها تتضمن ذمه لأنه كان نخّاساً أي بائعاً للعبيد وقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النخّاس من أسوأ الناس وقال: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ النَّاسَ»(7) فانظروا كيف يريد أسوأ الناس أن يعرّفنا بأمّ الحجة!
الرواية الثالثة عشرة: رُويت عن هذا النخاس المجهول أيضاً فهي ضعيفة كسابقتها.
الرواية الرابعة عشرة: عن «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيل» مجهول لدى علماء الرجال عن مجهول آخر باسم «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ».
الرواية الخامسة عشرة: عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا» الذي اعتبره جميع علماء الرجال ضعيفاً من ناحية دينه.
الرواية 16، في سندها رجل مجهول الحال والاسم أي جاء بعبارة «عن رجل»!! فبالله عليكم هل يسمى مثل هذا حديثاً؟!
الرواية 17: عن «مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ» أحد رواة الحديث رقم 14 المجهول ذاته.
الرواية 18: عن «مَاجِيلَوَيْهِ» عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ» مجهول الحال كما يقول علماء الرجال الشيعة، عن مجهول آخر باسم «الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ» عن «حَمْزَةَ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ» الذي لا ندري ما إذا كان له وجود حقيقي أم لا. وهو يقول لقد بُشّرتُ أن أبا محمد رُزق ولداً. ولا أحد يعلم من هو الذي بشره بهذا ولماذا بشره وماذا كان عمله؟! اليوم سكان إيران الذين يربو عددهم على الأربعين مليون نسمة يسمعون كل سنة من قراء المراثي والمدائح البشارة بولادة المهدي فهل يا ترى هذه البشارة لحفظ الدكان أم أن المبشرين رؤوا المهدي فعلاً ويقومون بهذا التبشير قربةً إلى الله!! ثم إن هذا الراوي المجهول يقول إن ذلك الطفل يُكَنَّى بأبي جعفر وهذا يخالف ما جاء في روايات أخرى من أن كنيته هي كنية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاتها، ونحن نعلم أن كنية رسول الله لم تكن أبا جعفر، كما أن ذلك الراوي لم ير ذلك الطفل بعينه، وهذا هو حال رواة جميع الروايات الثماني عشر التي ذكرناها حيث لم ير معظمهم أو كلهم ذلك الطفل.
الرواية 19: عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّا» الذي أجمع علماء الرجال على تضعيفه كما مرّ في الحديث رقم 15، عن «مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيلَانَ » مجهول الحال، عن أبيه عن جده مجهولي الحال عن «غِيَاثِ بْنِ أَسَدٍ» مجهول الحال أيضاً.
فانظروا إلى هذه الروايات المروية عن مجاهيل، هل يسوى مئة ألفٍ منها فلساً واحداً؟!
حسناً فماذا قال «غِيَاثُ بْنُ أَسَدٍ» المجهول هذا؟ لقد قال فيما قاله: «لَمَّا وُلِدَ الْخَلَفُ المَهْدِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ سَطَعَ نُورٌ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ثُمَّ سَقَطَ لِوَجْهِهِ سَاجِداً لِرَبِّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وهُوَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ والمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ..»!! فحتى لو لم يكن ذلك الراوي مجهولاً لما أمكن قبول كلامه الخرافي هذا.
الرواية 20: رواتها رواة الرواية 19 ذاتهم ولكننا نجد هنا فكرة خرافية أخرى وهي قول الرواية أن أمهات الأئمة لا يصيبهم نفاس ولا يرون دمه! أي أنهم ليسوا كسائر البشر، وهذا يخالف آيات الله التي يقول تعالى لنبيه فيها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (الكهف/110).
والعجيب أنه يذكر في ص19 حديثاً عن حكيمة فيه أنها لما ذهبت في اليوم الثالث رأتها في حالة النفاس!! فكيف يمكننا أن نقبل بهذه الروايات المتعارضة والمتناقضة.
الرواية 21: عن «أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْقُمِّيِّ» مجهول الحال.
الرواية 22: عن «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ» مجهول الحال الذي قال: إنني هنأت الإمام العسكري بولادة ابنه، حسناً فهل رأى ذلك الولد أم لا؟ الرواية ساكتة. فما فائدة التهنئة وحدها؟ لا شيء.
الحديث23: عن «عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابٍ» مجهول الحال. فهل يثبت شيء برواية المجاهيل؟
الحديث 24: عن «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ» المجهول الذي روى الحديث 22.
الحديث 25: يروي عن حكيمة أنها رأت الطفل وولدته في حين أنه في ص364 رواية عنها بأنها لم تر ولم تسمع وكذَّبت هذا الحديث!.
الحديث 26: روى عن «علي بن سميع بن بنان» مجهول الحال ومهمل. قال أنه رأى حكيمة أم المهدي في حال النفاس وهذا مناقض للرواية 20.
الحديث 27: عن «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ» عن «حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا» وكلاهما مجهول الحال في كتب رجال الشيعة. فالحديث كالأحاديث السابقة لكنه يتضمن خرافة لا توجد فيها وهي قوله أن المهدي كان ينمو كل يوم بمقدار سنة بما معناه أن الطفل الذي وُلد منذ خمسة عشر يوماً يصبح عمره خمسة عشرة عاماً يعني أنه ليس بشراً مثلكم بل بشرٌ غيرُكُم!
الحديث 28: عن «حَنْظَلَةَ بْنِ زَكَرِيَّا» مجهول الحال ذاته. وقد نصَّ جميع علماء الشيعة على أن حديث الراوي المجهول لا يصح ولا يُعتمد عليه فكيف جمع المجلسيُّ روايات المجاهيل هذه لاسيما في موضوع حساس هو في نظرهم أصلٌ من أصول الدين والعقائد؟
الحديث 29: ذُكر دون بيان راويه بل جاء بصيغة «رُويَ» فلا يعلم أحدٌ اسم راويه ولا حاله ولا مذهبه بل لا نعلم هل له وجود فعلي أم لا؟ وقد روى عن بعض أخوات أبي الحسن لكنه لم يبين من هنّ؟؟ فهي إذن رواية شخص مجهول الاسم والصفة عن آخرين مجهولي الاسم والصفة!.
الحديث 30: رَوَى عَلَّانٌ بِإِسْنَادِهِ، ولا نعلم من هو علان وما هو إسناده؟! وقد روى أموراً لا بد أن يوضح التاريخ صدقها من كذبها مع أننا لا نجد أي إشارة في التاريخ إليها، وهي أنه السيد (أي المهدي) ولد بعد سنتين من وفاة أبي الحسن. ولا بد أن نسأل هنا: أيُّ سيد؟ وأيُّ أبي الحسن؟. فنحن لم نكن وقت الرواية حتى نسأل، وعلان الراوي لم يسأل أيضاً فإذا كان مقصوده من أبي الحسن الإمام العسكري وأن ابنه ولد بعد سنتين من وفاته فهذا دليل على أن الرواية كذب لأنه لا يوجد طفل يبقى في رحم أمه سنتين. فلا أدري لماذا يقوم علماء الشيعة هؤلاء بجمع مثل هذه الروايات التي كَذِبُها مسلَّمٌ وأوضحُ من الشمس؟!!
الحديث 31: يرويه «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ» عديم الدين الذي يروي المجلسي ذاته أنه ادعى النيابة فصدرت توقيعات عن الإمام في لعنه، وأراد أن يشارك «الحسين بن رَوْح»(8) في أخذ الأموال الشرعية فلعنه «الحسين بن رَوْح». هذا الشَّلْمَغَانِيُّ كان [يتظاهر بأنه] من العلماء والمؤلفين لكتب الشيعة ولكنهم لما لم يعطوه وكالة ولا رئاسة أظهر كفره. فإذا عرفنا ذلك فقد رُويت هذه الرواية والرواية التالية رقم 32 عن هذا الشخص عن شخص مجهول آخر عن الإمام العسكري أن الإمام أرسل له شاتين عقيقة وأمره بأن يأكل منهما ويطعم الآخرين، ولا ندري ما هو المقصود من ذكر هذا الحديث وماذا يريد المجلسي أن يثبت بهذه الرواية الضعيفة المبهمة؟
الحديث 33: من رجال سنده «الْخَشَّاب» وهو مهملٌ ومجهولٌ. وأما متن حديثه فيقول: «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ حَتَّى إِذَا مَدَدْتُمْ إِلَيْهِ حَوَاجِبَكُمْ وأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَذَهَبَ بِهِ ثُمَّ بَقِيتُمْ سَبْتاً مِنْ دَهْرِكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيّاً مِنْ أَيٍّ واسْتَوَى فِي ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَيْنَمَا أَنْتُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَطْلَعَ اللهُ نَجْمَكُمْ فَاحْمَدُوهُ واقْبَلُوهُ».
وعلينا أن نسأل ما هي علاقة هذا الحديث بالمهدي؟!
الحديث 34: مرويٌّ عن «مُنَجِّمٍ يَهُودِيٍّ بِقُمَّ» وكلنا يعلم أن اليهود أعداء الإسلام فأي فائدة نرجوها من رواية يهودي؟! إضافة إلى ذلك فقد روى الشيعة أنفسهم نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تصديق العرافين والمنجمين وأن من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر(9). فهل يمكن اعتبار مثل هذه الروايات سنداً وحجة؟!!
الحديث 35: رواه صاحب «كشف الغمَّة»(10) قائلاً إن شخصاً (مجهولاً) روى عن الإمام العسكري... - هذا رغم أنه هناك عدة قرون تفصل بين صاحب «كشف الغمَّة» والإمام العسكري!! - أن الحجة بن الحسن (المهدي) ولد في «سرّ من رأى» سنة 258ه-. ولكن قراء مراثي العزاء في إيران يروون ما يخالف ذلك بعد مضي سنوات عديدة على ذلك النقل فما فائدة هذه الرواية إذن؟! ومثلها الرواية 36 المنقولة عن كتاب «الإرشاد» للشيخ المفيد مع أنه كتاب تاريخي ومع أن الشيخ المفيد متأخر عن الإمام العسكري بقرنين من الزمن!.
كذلك الحديث 37: منقول عن كتاب «كشف الغمة». فهل تقوم الحجة بالنقل عن مثل تلك الكتب؟! لا بالطبع، إلا أن نقول إن كل ما ذُكر في كتب التاريخ فهو حجة دينية. وهنا ينقل المجلسي عن كذاب يدعى «سهل بن زياد» أموراً تخالف العقل والقرآن من جملتها أنه عندما يولد الإمام يظهر عامود من نور يستطيع من خلاله أن ينظر إلى الخلائق وإلى أعمال الناس وأن يرى أفعالهم!!.
يقول كاتب هذه السطور: لماذا لم يظهر عامود النور هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولماذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي علم بأعمال الناس بل لم يكن يعلم حتى بأعمال جيرانه، ثم أليس اللهُ ستاراً للعيوب؟!! هنا ينقل المجلسي أنه لما أرادت «حكيمة» أن تلد في الليل لم يكن يُشاهَد في بطنها أي علامات للحمل فتعجب الإمام فقالت له: لا تعجب نحن الأوصياء لا نحمل الجنين في بطوننا بل في جنوبنا، ولا نخرج من الأرحام بل من نخرج من فخذ أمنا اليمنى!!. وينبغي أن نقول هل تثبت حجة بكتابة مثل هذه الخرافات.
إذن الخلاصة أننا لم نصل بعد إلى أي شيء في هذا الباب فكل رواياته ضعيفة ورواته مجهولون أو فاسدو العقيدة. فلنبدأ بدراسة الباب التالي.
باب أسمائه وألقابه وكناه وعللها:
الحديث 1: مروي عن أكذب الخلق «مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْعَمِّيِّ»(11) وهو يرويه بواسطة واحدة «عمّن ذكره» دون أن يبين اسم هذا الذي ذكره ولا هويته! وينسب إلى الإمام الباقر قوله: «لَمَّا قُتِلَ جَدِّيَ الْحُسَيْنُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ضَجَّتِ المَلَائِكَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِالْبُكَاءِ والنَّحِيبِ وقَالُوا إِلَهَنَا وسَيِّدَنَا أَتَغْفَلُ‏ عَمَّنْ قَتَلَ صَفْوَتَكَ وابْنَ صَفْوَتِكَ وخِيَرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَيْهِمْ قَرُّوا مَلَائِكَتِي فَوَ عِزَّتِي وجَلَالِي لَأَنْتَقِمَنَّ مِنْهُمْ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ ثُمَّ كَشَفَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ (ع) لِلْمَلَائِكَةِ فَسَرَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ فَإِذَا أَحَدُهُمْ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ الْقَائِمِ أَنْتَقِمُ مِنْهُمْ!». لنا أن نسأل إن هذا الكلام – ضجيج الملائكة وخطابهم لِلَّهِ وما قاله الله لهم..الخ -كله من الأمور المغيبة ولا يمكن لأحد أن يعلمها إلا من طريق الوحي، فهل كان يوحى إلى الإمام الباقر (ع)؟؟ كيف ذلك وقد قال الإمام عليٌّ (ع) [عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم] في نهج البلاغة «ختم به الوحي»، أي أن الوحي اختُتم بنبيّ الإسلام، فكيف علم الإمام الباقر ببكاء الملائكة. هل هناك قول باطل أكثر من هذا.
الحديث 2: عن «الحسن بن علي الكوفي» مجهول الحال عن مجهول آخر وهو عن مجهولثالث عن «عمرو بن شمر». لاحظوا بالله عليكم: مجهولٌ عن مجهولٍ عن مجهولٍ، ألم يكن لمُدَوِّني تلك الروايات عمل وشغل؟ وأما متن الرواية فجاء فيه: «وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الدُّنْيَا كُلُّهَا مَا فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِهَا فَيَقُولُ لِلنَّاسِ تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدِّمَاءَ ورَكِبْتُمْ فِيهِ مَحَارِمَ الله فَيُعْطِي شَيْئاً لَمْ يُعْطِ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ..» فأقول : أجل يمكن للرواة أن يخترعوا ما يريدونه ومن الواضح أن هذه الروايات كُتِبَت لتطميع الناس.
الحديث 3: لا سند له أصلاً. ومتنه يقول: «سُمِّيَ الْقَائِمُ (ع) قَائِماً لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَوْتِ‏ ذِكْرِهِ». فيجب أن نسأل ما الفائدة من هذا الكلام وما الذي يثبته ومن هو قائله أساساً؟؟
الحديث 4: عن «ابْنِ عُبْدُوسٍ» مجهول الحال وهو عن مجهول آخر عن مجهول ثالث عنمجهول رابع عن الإمام الرضا أنه سُئِلَ: «فَمَنِ الْإِمَامُ بَعْدَ الْحَسَنِ؟ فَبَكَى (ع) بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْ بَعْدِ الْحَسَنِ ابْنَهُ الْقَائِمَ بِالْحَقِّ المُنْتَظَرَ..»، ولا ندري الذي أبكاه؟ ليس في الرواية ما يوضح ذلك!
الحديث 5: مرفوع دون ذكر راويه!
الحديث 6: رواه عن «عَبْدِ اللهِ بْنِ الْقَاسِمِ الحَضْرَمِيِّ» المجهول أو الضعيف ولا يحتوي متنه على أي فائدة.
الحديث 7: كالحديث السابق.
الحديث 8: رواه راوٍ مجهول دون بيان الرواة قبله عن الإمام الباقر أنه قال إن آية ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا... ﴾ (الإسراء/33) نزلت في الإمام الحسين عليه السلام! أفلم يوجد من يقول لأولئك الرواة الكذبة: إن «قُتِل» فعل ماضٍ وحين نزلت هذه الآية لم يكن الإمام الحسين مظلوماً ولم يُقتَل بعد، والآيات التشريعية في القرآن لا تختصُّ بأشخاص معينين.
الحديث 9: نقله عن «كشف الغمة» الذي كُتب في القرن السابع(12) حيث روى عن أناس مجهولين أن كنية المهدي هي «أبو القاسم» وأن له اسمان، ولا نعلم ما هو مستنده في ذلك.
تلك هي أحاديث هذا الباب وهي كما لاحظنا لا تفيدنا شيئاً ولا تبين لنا مجهولاً.
باب النهي عن التسمية:
الحديث 1: بسنده عن «أبي خالد الكابلي» أنه سأل الإمام الباقر فقال: «جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ وَصَفَ لِي أَبُوكَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ بِصِفَةٍ لَوْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ لَأَخَذْتُ بِيَدِهِ. قَالَ: فَتُرِيدُ مَاذَا يَا أبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُسَمِّيَهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ بِاسْمِهِ! فَقَالَ: سَأَلْتَنِي وَالله يَا أبَا خَالِدٍ عَنْ سُؤَالٍ مُجْهِدٍ...»
أولاً: من الواضح أن أغلب رواة أمثال هذه الروايات كانوا أشخاصاً بسطاء وأميين ومجهولين، فما معنى السؤال عن اسم وصفة صاحب الأمر؟ إذا كان يقصد بصاحب الأمر المهدي فإنه لم يكن له وجود زمن الإمام الباقر، فما الفائدة من السؤال عن صفته؟ هل يريد السائل أن يعرفه حتى إذا صادفه في الطريق يأخذ بيده؟!
ثانياً: الرواية تذكر أن الإمام أجب السائل قائلاً: سَأَلْتَنِي وَالله يَا أبَا خَالِدٍ عَنْ سُؤَالٍ مُجْهِدٍ!...، أفلم يقل له السائل: بل إنه أمر بسيط جداً وسؤال في غاية السهولة، فأين صعوبته، هل هو معادلات هندسية؟! لاحظوا متن الرواية، لا السؤال فيها معقول ولا الجواب.
حديث 2: عن رجل مجهول عن «أبي هاشم الجعفري». وأبو هاشم هذا رجل مضطرب الحديث نجد في رواياته تناقضات كثيرة. ففي الكافي يروي عن الإمام الجواد أنه دله على اسم الإمام الثاني عشر وصفته وهويته. ولكنه هنا وبعد مدة روى عن الإمام الهادي أنه لم يعرِّفْه «بِالخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الخَلَفِ»، واكتفى ببيان أنه لا يحل ذكر اسمه. ولا ندري ما السر في تحريم اسمه؟! إذا كان هو الخوف عليه فهو لم يكن موجوداً بعد في زمن أبي هاشم. هنا يقول المجلسي أنه قد صُرِّح باسمه في خبر اللوح. فينبغي أن نقول إن خبر اللوح كذب من أساسه، وقد بيّنا كذبه في كتابنا «كسر الصنم» حيث ذكرنا هناك 28 دليلاً على كذبه فلْيُراجَعْ ثَمَّةَ. وباختصار، لقد أتى المجلسي في هذا الباب بثلاث عشرة رواية كلُّها تنصُّ على أن ذكر اسم المهدي ممنوع ومحرَّم، فنسأل لماذا كان محرماً؟ هل هذا التحريم من الله وما الدليل عليه؟!
ثانياً: هل هكذا تكون حجَّةُ الله، لا يستطيع أحد أن يذكر اسمه ولا يرى شخصه؟! ينبغي أن نقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام/144).
ثم إذا كان ذكر الاسم حراماً أمام الأعداء خوفاً من أذاهم فما وجه حرمته أمام الأصدقاء؟! وإذا كان ذكر اسمه حراماً فلماذا ذكر الأئمة السابقون اسمه في رواياتهم – الموضوعة على ألسنتهم بالطبع –؟ ومن العجيب ما جاء في الخبر 13 من أن عُمَرُ سَأَلَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ‏ (ع) عَنِ المَهْدِيِّ فقَالَ: «يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَهْدِيِّ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: أَمَّا اسْمُهُ فَلَا! إِنَّ حَبِيبِي وَخَلِيلِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُحَدِّثَ بِاسْمِهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ!...». فينبغي أن نقول: أولاً: إن الله لا يبعث إماماً فالبعثة مختصة بالرسل، وثانياً: ليس في دين الإسلام أمورٌ سرِّيَّةٌ يقولها رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه ويكتمها عن بعضهم الآخر، بل لقد أبلغهم جميعاً على حدٍّ سواء كما جاء في قول الله لِنِبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ(الأنبياء/ 109) وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ المُبِينُ (العنكبوت/18).
باب صفاته وعلاماته ونسبه:
الخبر 1: رواه «مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ» مجهول الحال عن «أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ»الفاسق عن «بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَصْرِيِّ» مجهول الحال أيضاً، هؤلاء المجاهيل روى بعضهم عن بعض عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «لَا يَكُونُ الْقَائِمُ إِلَّا إِمَامَ بْنَ إِمَامٍ..».
قلتُ: حسناً، فأي إمام يقصدون؟ إذا كان المقصود إمام هداية فهم آلاف مؤلفة وإذا كان المقصود الرئيس والحاكم، قلنا إن كل رئيس وحاكم يعتبر نفسه إماماً فالإمام في اللغة يأتي بمعنى الحاكم والممسك بزمام السلطة. فهذا الخبر مثله مثل من يقول إن اللبن أبيض!
الخبر 2: رواه «الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ» المجهول عن «مُوسَى بْنِ هِلَالٍ الضَّبِّيِّ» عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) إِنَّ شِيعَتَكَ بِالْعِرَاقِ كَثِيرٌ ووَاللهِ مَا فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلُكَ كَيْفَ لَا تَخْرُجُ؟ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَطَاءٍ! قَدْ أَمْكَنْتَ الْحِشْوَةَ مِنْ أُذُنَيْكَ واللهِ مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ! قُلْتُ: فَمَنْ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: انْظُرُوا مَنْ تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ فَهُوَ صَاحِبُكُمْ».
قلتُ: ولكن الشيعة تدّعي أنها تعرف ولادته وقد أوردوا أخباراً في كتبهم حول ولادته؛ إذن كل تلك الأخبار كاذبة بناء على قول الإمام الباقر (ع) [في هذه الرواية].
الخبر2: رغم أن هذا الخبر هو الخبر الثالث إلا أن المجلسي سَهى فاعتبره الخبر الثاني! والخبر رواه «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ» - وهو من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين - عن مجهوليُدعي «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ المُقْرِي» عن فاسق يدعى «عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ» عن مجهول ثانٍ باسم «بَكَّارِ بْنِ أَحْمَدَ» عن مجهول ثالث باسم «الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ» عن مجهول رابع باسم «سُفْيَانَ الْجَرِيرِيِّ» أنه قال: قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى – وهو ضعيف في رأي المامقاني – يَقُولُ: واللهِ‏ لَا يَكُونُ المَهْدِيُّ أَبَداً إِلَّا مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ (ع).
قلتُ: إن ابن أبي جعفر المنصور الدوانيقي [الخليفة العباسي] كان اسمه المهدي، مما يظهر أن الراوي أقسم كذباً. وأي حديث هذا الذي يخالف الواقع فلدينا في زمننا هذا مئات آلاف السادة وقراء المراثى اسمهم «المهديّ» مع أنهم ليسوا من أولاد الحسين (ع)(13)!
الخبر 3: بالإسناد ذاته عن مجهول عن مجهول آخر عن مجهول ثالث (حسب قول المامقاني) عن «زيد بن علي» أنه قال: «المُنْتَظَرُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ».
فأقولُ: نعم، ولكن «زيد بن علي بن الحسين» كان يعتبر نفسه إماماً وكان يقول: «ليس الإمام منا من جلس في بيته وأرخى عليه ستره وثبط عن الجهاد ولكن الإمام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه»(14)، ولم يكن يعتقد بإمامة أخيه الإمام الباقر (ع)، فمن المضحك حقاً أن يستدل الشيخ الطوسي والعلامة المجلسيُّ بكلام منسوب إليه على مهديهما الموهوم.
الخبر 4: رواه «الأسدي» - وهو من الغلاة - عن «البرمكي» المغالي أيضاً بل الكذاب والملعون، عن عليٍّ عليه السلام خبراً موضوعاً يقيناً يقول فيه الإمام: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً مُبْدَحُ الْبَطْنِ عَرِيضُ الْفَخِذَيْنِ عَظِيمٌ مُشَاشُ المَنْكِبَيْنِ.... الخ».
قلتُ: وهذه الأوصاف يمكن أن تنطبق على آلاف الأشخاص. ثم ما هي فائدة هذا النقل وأي أصل للدين أو فرع يثبت به؟ لا شيء بالطبع. وفي هذا الخبر، وبعد أن يذكر أوصاف الخارج وأن يفعل كذا وكذا يقول: «فَإِذَا هَزَّ رَايَتَهُ أَضَاءَ لَهَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ووَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا صَارَ قَلْبُهُ أَشَدَّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ وأَعْطَاهُ اللهُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً ولَا يَبْقَى مَيِّتٌ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَرْحَةُ فِي قَلْبِهِ وفِي قَبْرِهِ وهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي قُبُورِهِمْ ويَتَبَاشَرُونَ بِقِيَامِ الْقَائِمِ (ع)!».
الخبر 5: مهملٌ أكثر من جميع الأخبار التي سبقته لأن رواته المجاهيل جميعاً نقلوا عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «إِنَّ الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَنْبُتُ فِي قَلْبِ مَهْدِيِّنَا كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ عَنْ أَحْسَنِ نَبَاتِهِ فَمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ حَتَّى يَلْقَاهُ فَلْيَقُلْ حِينَ يَرَاهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ والنُّبُوَّةِ ومَعْدِنَ الْعِلْمِ ومَوْضِعَ الرِّسَالَةِ. ورُوِيَ أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى الْقَائِمِ (ع) أَنْ يُقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللهِ فِي أَرْضِهِ.».
أقول: العلم علمان: إما وهبي عن طريق الوحي أو اكتسابي عن طريق التعلُّم، فيا تُرى أي نوع من العلم هذا الذي يَنْبُتُ فِي قَلْبِ مَهْدِيِّنَا كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ؟!! وثانياً: هل كان أصحاب الباقر يتوقعون لقاء المهدي الذي لم يكن قد ولد وبعد؟ وثالثاً: ما معنى «بقية الله»؟ وهل لِلَّهِ تعالى أجزاء وبقايا؟؟ لقد نسبوا إلى الإمام كُلَّما هوته أنفسهم، ولما كان معظمهم أميين فلا تعجب من أن يأتوا بمثل هذه الكلمات غير المعقولة.
الخبر 6: تكرارٌ للخبر 13 الذي جاء في الباب السابق، فما هو المقصود من تكرار هذه الأخبار سوى تضييع الوقت!!
الخبر 7: هو الخبر الثاني من هذا الباب ذاته والذي بيَّنَّا أنه لا اعتبار له، حيث ينسب إلى الإمام الباقر أنه بعد قوله: «لَا واللهِ مَا أَنَا بِصَاحِبِكُمْ » قال: «ولَا يُشَارُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا بِالْأَصَابِعِ ويُمَطُّ إِلَيْهِ بِالْحَوَاجِبِ إِلَّا مَاتَ قَتِيلًا أَوْ حَتْفَ أَنْفِهِ...».
قلتُ: فهل هذا يُعَدُّ حديثاً؟! لا أدري كيف يكرِّرُ المجلسيُّ مثل هذه الخرافات؟!
الخبر 8: هذا الخبر مخالفٌ لمذهب الشيعة الإمامية الذين يحصرون «أولي الأمر» بأئمتهم الاثني عشر ويعتبرون كل واحد منهم «صاحب الأمر» ولكن هنا يقول الراوي للإمام الرضا «إِنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ» فينفي الإمام الرضا ذلك عن نفسه ويقول: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَ الْكُتُبُ إِلَيْهِ وأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ وسُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ وحُمِلَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ لِهَذَا الْأَمْرِ غُلَاماً مِنَّا خَفِيَّ الْمَوْلِدِ».
قلتُ: قول الرضا (ع): «إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» مخالفٌ للمشهور لدى الشيعة الذين يروون أن الأئمة قالوا: «ما منا إلا مسموم أو مقتول» فكيف لم ينتبه المجلسيُّ إلى هذا الأمر وأتى بهذا التناقض؟
الخبر 9: رواه «عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى» مجهول الحال والمذهب عن مجهول آخر باسم «عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حُصَيْنٍ الثَّعْلَبِيِّ» عن أبيه المجهول أيضاً قال: «لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (ع) فَقُلْتُ لَهُ :.... مَتَى الْفَرَجُ؟ فَقَالَ: إِنَّ الشَّرِيدَ الطَّرِيدَ الْفَرِيدَ الْوَحِيدَ الْفَرْدَ مِنْ أَهْلِهِ المَوْتُورَ بِوَالِدِهِ المُكَنَّى بِعَمِّهِ هُوَ صَاحِبُ الرَّايَاتِ واسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ».
قلتُ: فلينظر القارئ: هل يفيد هذا الخبر علماً أو يحل لنا مشكلة؟ كلا والله.
الخبر 10: مجهول عن مجهول عن مجهول آخر روى الخبر السابق المهمل ذاته.
الخبر 11: عدد من المجاهيل روى أحدهم عن الآخر الخبر المهمل رقم 9 عينه.
الخبر 12: يروي [عن عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاصِلَةَ] أنه قال: «إن مطلوبكم يخرج من مكة
قلتُ: هذه الرواية لا تفيد شيئاً فكم من الأشخاص خرجوا من مكة؟! فليس في هذه الصفة أي خصوصية أو تميز، لاسيما أن الرواية لم يتبين اسم الخارج ولا وصفه بل تركته مبهماً. فمثلاً محمد بن الإمام جعفر الصادق (ع) خرج من مكة مدعياً الإمامة فقُتل.
الخبر 13: من رواته «أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ» الخبيث الملعون. ومتنه: «إِذَا تَوَالَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ وعَلِيٌّ والْحَسَنُ كَانَ رَابِعُهُمُ الْقَائِمَ (ع)».
قلتُ: هل يمكننا قبول خبر مثل ذلك الراوي الذي لعنه الإمام؟
الخبر 14: رواه «مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ المَدِينِي» مجهول الحال عن «دَاوُدَ الرَّقِّيِّ» من الغلاة، أن الإمام الصادق (ع) قال له: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ آيَسُ مَا يَكُونُ وأَشَدُّ غَمّاً يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِ الْقَائِمِ واسْمِ أَبِيهِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا اسْمُهُ قَالَ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ واسْمِ أَبِيهِ اسْمُ وَصِيٍّ».
قلتُ: هذه الرواية إضافة إلى إحالتها إلى شخص مجهول، تخالف ما روي عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم من قوله عن المهدي: «اسم أبيه اسم أبي».
الخبر 15: روى «عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ» مجهول الحال أن الإمام الباقر (ع) حدثه بأسلوب الألغاز والأحاجي فقال: «صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ أَصْغَرُنَا سِنّاً وأَخْمَلُنَا شَخْصاً! قُلْتُ: مَتَى يَكُونُ؟؟ قَالَ: إِذَا سَارَتِ الرُّكْبَانُ بِبَيْعَةِ الْغُلَامِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْفَعُ كُلُّ ذِي صِيصِيَةٍ لِوَاءً!». وقد علَّق المجلسيُّ على الحديث فقال:
«بيانٌ: أصغرنا سنَّاً أي عند الإمامة. قوله: سارت الركبان أي انتشر الخبر في الآفاق بأن بويع الغلام أي القائم (ع). والصيصية: شوكة الديك وقرن البقر والضباء والحصن وكل ما امتنع به وهنا كناية عن القوة والصولة». يعني أنه فكّ اللغز الذي ذكره الإمام، فإذا تساءلنا فما الفائدة من التحديث بذلك الشكل الملغز؟ ربما أجابوا: وماذا يخصك أنتَ من هذا؟!
الخبر 16: رواه عدة من مجهولي الحال ومتنه: «يَقُومُ الْقَائِمُ ولَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِأَحَدٍ».
قلت: أكثر الناس تنطبق عليهم هذه الصفة فما هو التميُّز إذن؟! ومثله الخبر التالي رقم17.
الخبر 18: سأل: «شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ» - المجهول الذي لم يكن مؤمناً بإمام - الإمام الصادق «أََنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ؟ فقال: لَا! قُلْتُ فَوَلَدُ وَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا! قُلْتُ: فَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِكَ؟ قَالَ: لَا!. قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: الَّذِي يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً لَعَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَأْتِي كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بُعِثَ عَلَى فَتْرَة».
قلتُ: فهل يجرؤ أحدنا أن يسأل: نحن منذ أكثر من ألف عام في فترة من الأئمة فأين الإمام الموعود ولماذا لم يأتِ إلى الآن؟
الخبر 19: رواه «عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى» عَنْ «بَعْضِ رِجَالِهِ» (من هم هؤلاء الرجال؟ وما حالهم وصفتهم؟ لا أحد يدري) عَنْ «إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ظُهَيْرٍ» مجهول الحال عن مجهول آخر يدعى «إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ». فبالله عليكم هل هذا يُعَدُّ سنداً؟؟
وأما متنه ففيه: «نَظَرَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ إِلَى الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَيِّداً وسَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلًا بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ والْخُلُقِ يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وإِمَاتَةٍ لِلْحَقِّ وإِظْهَارٍ لِلْجَوْرِ واللهِ لَو لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ... الحديث».
قلتُ: ما معنى لَو لَمْ يَخْرُجْ لَضُرِبَتْ عُنُقُهُ؟ ولماذا تضرب عنقه؟ ومن الذي سيضرب عنقه؟ ولماذا أقسم الإمام على ذلك؟ أسئلة لعل إجابتها في بطن الراوي الوضَّاع.
الخبر 20: شخص مجهول باسم «أحمد بن هوذة» يروي أن شخصاً يُدْعى «حمران» قال للإمام الباقر: «سَأَلْتُكَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ والْقَائِمُ بِهِ؟؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَمَنْ هُوَ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي؟ فَقَالَ: ذَاكَ المُشْرَبُ حُمْرَةً الْغَائِرُ الْعَيْنَيْنِ الْمُشَرَّفُ الْحَاجِبَيْنِ عَرِيضٌ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ... الحديث».
قلت: فينبغي أن نقول للمجلسيِّ وغيره مِمَّن روى هذا الخبر: أولاً هذا الخبر مناقض لعقيدتكم حيث تعتبرون كل واحد من الأئمة الاثني عشر ولي الأمر وصاحب الأمر. وثانياً: الصفات المذكورة فيه للمهدي يوجد نظيرها لدى كثير من الناس فيا ترى هل كل من توفرت فيه هذه الأوصاف يكون صاحب الأمر؟!!
الخبر 21: كسابقه يرويه مجهول عن مجهول آخر ومتنه مبهمٌ لا فائدة فيه.
الخبر 22: يرويه مجهولٌ باسم «الحسين بن أيوب» عن مجهول آخر حتى يصل السند «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) أَوْ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) الشَّكُّ مِنِ ابْنِ عِصَامٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! بِالْقَائِمِ عَلَامَتَانِ شَامَةٌ فِي رَأْسِهِ ودَاءُ الْحَزَازِ بِرَأْسِهِ وشَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ تَحْتَ كَتِفَيْهِ وَرَقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةِ الْآسِ ابْنُ سِتَّةٍ وابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ».
ثم قال المجلسيُّ في شرحه: «بيانٌ: لعلَّ المعنى ابن ستة أعوام عند الإمامة أو ابن ستة بحسب الأسماء فإن أسماء آبائه (ع) محمد وعلي وحسين وجعفر وموسى وحسن ولم يحصل ذلك في أحد من الأئمة (ع) قبله». ثم أضاف يقول: «مع أن بعض رواة تلك الأخبار من الواقفية ولا تقبل رواياتهم فيما يوافق مذهبهم».
ولا ينقضي العجب من المجلسيُّ الذي يروي هذه الأخبار عن الواقفة أي عمَّن لا يؤمنون بإحدى عشر إمام فضلاً عن إيمانهم بالإمام [الثاني عشر] القائم الغائب، ليثبت به الإمام الثاني عشر!.
الخبر 23: يرويه «مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ قَيْسٍ» مجهول الحال الذي لا نعلم شيئاً عن شغله وديانته، ومجهول آخر مثله باسم «أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ» ومجهول ثالثٌ أيضاً باسم «مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَوَانِيِّ» الثلاثة بسندهم عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ يُوسُفَ مِنْ أَمَةٍ سَوْدَاءَ يَصْلُحُ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ».
قلت: ليت شعري! هل كان فاسداً حتى يصلحه الله في ليلة؟! فانظروا كيف يريد عدد من الناس أن يفتحوا للناس بمثل هذه المبهمات والكلمات المجملة أبواب الفتن ليقوم في كل فترة رجل باسم القائم فيضرب الناس بعضهم ببعض!
الخبر 24: رواه مجهول باسم «عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللهِ» عن مجهول آخر باسم «أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبَاحٍ» عن مجهول ثالث باسم «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِمْيَرِيِّ» عن مجهول رابع باسم «الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ» أنه قال للإمام الباقر «قَوْلُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ أَهِيَ فَاطِمَةُ؟! قَالَ فَاطِمَةُ خَيْرُ الْحَرَائِرِ قَالَ المبدح [المُدَبِّحُ‏] بَطْنُهُ المُشْرَبُ حُمْرَةً رَحِمَ اللهُ فُلَاناً».
قلت: هذا الكلام لا يشبه كلام أمير المؤمنين فهو ليس من كلامه قطعاً. ثم إنه لا يوجد مسلم لا يعلم أن فاطمة بنت محمد (عليها السلام) كانت حرة ولم تكن أمة، اللهم إذا كان في غاية الحماقة. ثم إنه لا ينبغي للإنسان أي يفدي نفسه إلا لِلَّهِ، فانظروا هل تفيدنا هذه الرواية شيئاً؟!
الخبر 25: رواها القاسم بن محمد مجهول الحال عن مجهول آخر باسم أبي الصباح أنه قال: دخلت على الإمام الصادق (ع) فقال: «مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ سُرُورٌ مِنْ عَمِّكَ زَيْدٍ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُ سِتَّةٍ وأَنَّهُ قَائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وأَنَّهُ ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ فَقَالَ كَذَبَ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ إِنْ خَرَجَ قُتِلَ».
قلتُ: انظروا إلى أي حدٍّ كان أولئك الرواة يسيئون الكلام والظن بحق رجلٍ مجاهد جليل القدر كالإمام زيد بن علي بن الحسين (ع) وينسبون إليه قوله: «أنا ابْنُ سِتَّةٍ» أي حفيد ستة آباء وأجداد من الأئمة الذين سبقوه [مع أن آباءه من الأئمة ثلاثة وليسوا ستة وهم أبوه علي بن الحسين (زين العابدين) ثم جده الحسين بن علي ثم أبو جده علي بن أبي طالب فمن أين جاء عدد الستة؟]. وقد أراد المجلسي أن يحل هذا الإشكال فزاده تعقيداً حيث قال:
«بيانٌ: لعل زيداً أدخل الحسن (ع) في عداد الآباء مجازاً فإن العم قد يُسمَّى أباً، فمع فاطمة (ع) ستة من المعصومين»
هذا مع أن مفهوم العصمة من الأمور التي وضعتها الشيعة لاحقاً ولم يكن أي إمام يعتبر آباءه معصومين أو ينسب نفسه إلى أنه ابن عدد من المعصومين. وثانياً: ما علاقة هذه الرواية بالمهدي ابن الحسن العسكري؟ وليت شعري! هل كان المجلسي- يريد أن يكبِّر حجم كتابه حتى أتى بمثل هذه الروايات التي لا ربط لها بموضوع الباب!.
الخبر 26: رواه مجهول باسم عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عن مجهول آخر باسم مُحَمَّدٍ أو أَحْمَدَ ابْنَا الْحَسَنِ عن أبيه الذي هو مجهول الحال أيضاً عن مجهول آخر باسم ثَعْلَبَةَ بْنِ مِهْرَانَ عن مجهول آخر باسم يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ. هذا سند الرواية أما متنها فليس في صالح مخترعي الإمام ومسببي الفتن حيث يقول الراوي يزيد «خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي هَلْ صَاحَبَكَ أَحَدٌ فَقُلْتُ نَعَمْ صَحِبَنِي رَجُلٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قَالَ فِيمَا كَانَ يَقُولُ قُلْتُ كَانَ يَزْعُمُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ يُرْجَى هُوَ الْقَائِمُ والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَهُ اسْمُ النَّبِيِّ واسْمَ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي النَّبِيِّ. فَقُلْتُ لَهُ فِي الْجَوَابِ: إِنْ كُنْتَ تَأْخُذُ بِالْأَسْمَاءِ فَهُوَ ذَا فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ. فَقَالَ لِي: إِنَّ هَذَا ابْنُ أَمَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ وهَذَا ابْنُ مَهِيرَةٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) فَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهِ قُلْتُ مَا كَانَ عِنْدِي شَيْ‏ءٌ أَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ ابْنُ سِتَّةٍ يَعْنِي الْقَائِمَ (ع)».
قلت: لاحظوا كيف أن أخبار المهدي هذه أصبحت سبباً للفتنة في كل عصر، وقد نقلوا أخباراً صادقة أو كاذبة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بما في ذلك عدد من محدثي الإمامية – أن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله أي أن اسمه «محمد بن عبد الله». وكانت هذه الأخبار حجَّةً للنفس الزكية من أحفاد الإمام الحسن المجتبى (ع) الذي كان اسمه «محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب» فثار في المدينة ضد سلطان وقته أبي جعفر المنصور الدوانيقي، وبايعه المئات بل آلاف الناس بما في ذلك أولاد الإمام جعفر الصادق (ع)، فأدت ثورته لمقتل المئات ومقتله هو أيضاً، وكم من الأموال سلبت وكم من الأنفس أزهقت، ولم تحصل أي فائدة من تلك الثورة سوى الفتنة واشتداد الفساد. ثم إن المجلسي وغيره من مشايخ الإمامية يروون رواية تنصُّ على أن اسم المهدي هو محمد بن عبد الله - كما يرويه أهل السنة - هذا في حين أن الإمامية تنتظر قيام شخص آخر! [باسم محمد بن الحسن].
الخبر 27: رواه مجهول باسم علي بن أحمد عن مجهول آخر باسم عبد الله بن موسى عنكذاب عن ملعون يدعى أبي الجارود أنه قال: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع) أَنَّهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْأَمْرُ فِي أَصْغَرِنَا سِنّاً وأَخْمَلِنَا ذِكْراً».
قلت: أي فائدةٍ نفيدها من هذا الإجمال، والحال أن آلاف الأشخاص يمكن أن تنطبق عليهم هذه الصفات؟! وما فائدة هذه الأخبار سوى فتح باب الفتن؟!
الخبر 28: رواه مجهول باسم «أَحْمَدَ بْنِ مَابُنْدَادَ» عن مجهول الحال آخر باسم «أَحْمَدَ بْنِ هُلَيْلٍ» عن مجهول ثالث! فهل هذا سندٌ؟؟.
والواقع إن أكثر الروايات التي تتحدث عن المهدي في تلك المجلدات الثلاثة التي أشرنا إليها من بحار الأنوار يرويها رواةٌ مجهولو الحال. أما متن الرواية ففيه قول أبي بصير الراوي: «قُلْتُ لِأَحَدِهِمَا لِأَبِي عَبْدِ اللهِ أَوْ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَيَكُونُ أَنْ يُفْضَى هَذَا الْأَمْرُ إِلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ؟ قَالَ سَيَكُونُ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَمَا يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُوَرِّثُهُ عِلْماً وكُتُباً ولَا يَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ!».
قلتُ: ما علاقة ذلك بإثبات مهدية إمام معين، وهل يتوقع أولئك الرواة أن يستطيع كل غير بالغ أن يثور باسم المهدي؟
الخبر 29: يرويه عدد من المجاهيل عن بعضهم بعضاً عن كذاب ملعون، ومتنه كمتن الحديث رقم 27.
الخبر 30: رواه مجهول باسم «أَحْمَدَ بْنِ مَابُنْدَادَ» عن مهمل باسم «أَحْمَدَ بْنِ هُلَيْلٍ» عنمجهول آخر باسم «إِسْحَاقَ بْنِ صَبَّاحٍ» عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا سَيُفْضَى إِلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ الْحَمْلُ.». قلت: علامة الوضع في المتن واضحة فهذا الكلام لا يناسب كلام الإمام الرضا (ع).
الخبر 31: يرويه صاحب «كشف الغمة» مرفوعاً إلى الإمام الرضا (ع) أنه قال: «الْخَلَفُ الصَّالِحُ مِنْ وُلْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وهُوَ صَاحِبُ الزَّمَانِ وهُوَ المَهْدِيُّ».
قلتُ: في متن الحديث عدّة إشكالات منها:
1) أنه مرفوع [دون ذكر الوسائط].
2) ما معنى تخصيصه ذلك الولد بعبارة «الْخَلَفُ الصَّالِحُ»؟ مع أن كل من سبقه أيضا كانوا خلفاً صالحين؟! هل يريد القول إنه كان وحده خلفاً صالحاً والبقية كانوا خلفاً طالحين؟!
3) قوله الخلف الصالح «مِنْ وُلْدِ»أبي محمد الحسن بن علي فذكر الوُلْد بصيغة الجمع مع أن من المتفق عليه أن الإمام العسكري لم يكن له عدة أولاد، بل لم يُذكر عنه إلا ولد واحد فقط وهو مختلف فيه أيضاً [إذْ يرى كثيرون أنه لم يخلِّف أصلاً].
الخبر 32: في سنده «المُنَخَّلِ» وهو شخصٌ مهمل ومجهول.
الخبر 33: ينقل عن كتاب «الفصول المهمة»(15) قوله: «صِفَتُهُ (ع) شَابٌّ مَرْبُوعُ الْقَامَةِ حَسَنُ الْوَجْهِ والشَّعْرُ يَسِيلُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ أَقْنَى الْأَنْفِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ قِيلَ إِنَّهُ غَابَ فِي السِّرْدَابِ والْحَرَسُ عَلَيْهِ وكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وسَبْعِينَ ومِائَتَيْنِ».
قلتُ: هذا الحديث يعطينا صفات يمكن أن تنطبق على كثيرين. وثانياً: من أعطى صاحب «الفصول المهمة» الحق بتعيين مهديٍّ للأمة؟! وثالثاً: هذا الخبر يناقض تلك الأخبار التي تقول إن المهدي غاب منذ ولادته. فيبدو أن أولئك المؤلفين ما كانوا يعبئون كثيراً بالتناقضات والتعارضات فيما يروونه. فروايةٌ تقول إنه غاب في السرداب سنة 255 ه- وأخرى تقول إنه غاب سنة 260 ه-! وكان غيابه منذ لحظة ولادته، في حين تقول هذه الرواية إنه غاب سنة 276 ه-! وأنه لما أرادوا أن يصلوا صلاة الجنازة على جثمان أبيه الحسن العسكري (ع) ظهر المهدي ثم غاب من جديد!.
باب الآيات المؤوَّلة بقيام القائم:
 اعلم أنه لا توجد في القرآن الكريم حتى آية واحدة تشير بصراحة إلى وجود المهدي المنتظر وقيامه آخر الزمن، لكن المفسرين استخرجوا بقوة التأويل المتعسِّف آياتٍ زعموا أنها تشير إلى المهدي، مع أنها لا تفيد ذلك.
هذا وقد أوضحنا في كُتُبِنا أن التأويل خاصٌّ بالله وحده كما قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران/7) حيث أن جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ في العِلْمِ...﴾ (آل عمران/7) استئناف لجملة جديدة. وعلى كل حال هناك في القرآن الكريم آياتٌ تُبْطِلُ صراحةً أو كنايةً فكرة الإمام الثائر الذي يريد أن يصنع التغيير بالإكراه وقوة السلاح، وقد ذكرنا بعضاً منها فيما سبق، وسنذكر هنا الآيات التي يتمسّك بها القائلون بالإمام المهدي المنتظر ويطبّقونها عليه، ونبين عدم دلالتها على ما يذهبون إليه:
الآية الأولى﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ  (هود/8).
قال «عليُّ بن إبراهيم القُمِّيّ»(16) في تفسيره (المعروف بتفسير القميّ): «ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ قَالَ: إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى خُرُوجِ الْقَائِمِ (ع). وروى عَنْ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ قَالَ: «الْأُمَّةُ المَعْدُودَةُ: أَصْحَابُ الْقَائِمِ الثَّلَاثُمِائَةِ والْبِضْعَةَ عَشَرَ.».
أقول: إن «الأمَّة» هنا معناها الفترة الزمنية، وليست بمعنى الجماعة من الناس أو الأصحاب. وعلى كل حال نقول:
أولاً: سورة هود نزلت في مكة في الوقت الذي كان غالب أهلها من المشركين الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً عن أن يؤمنوا بالإمامة فما بالك بأن يؤمنوا بالإمام الثاني عشر وثورته! في ذلك الوقت لم يكن هناك أساساً أي كلام عن مثل هذه الموضوعات حتى ينكرها أحد، ومن السخرية بمكان تهديد المشركين بعذاب سيحل بعد آلاف السنين عند ظهور القائم المنتظر وثورته.
ثانياً: تبيِّن الآيةُ التي تسبق الآية المذكورة أنها تتعلق بعذاب يوم القيامة أي العذاب بعد الموت حيث يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  (هود/7). إذن الآية الثامنة من سورة هود أيضاً تواصل الحديث عن عذاب يوم القيامة. وحتى «علي بن إبراهيم» ذاته أقرّ هناك بأن «أمة معدودة» تعني الوقت المعين وليس أشخاصاً معينين.
ثالثاً: إن «علي بن إبراهيم» من القائلين بتحريف القرآن ومثل هذا الشخص مشكوك في إسلامه فضلاً عن الثقة بأقواله فما بالك باعتماد تأويلاته! هذا إضافة إلى أن تأويل الآيات خاصٌّ بالله تعالى ولا يجوز أن يقوم به غيره. فانظر أيها القارئ المحترم كيف يلعبون بمعاني آيات القرآن؟!
الآية الثانية﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ.... (إبراهيم/5).
قال «عَلِيُّ بن إبراهيم» في تفسيره: «أَيَّامُ اللهِ ثَلَاثَةٌ يَوْمُ الْقَائِمِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ويَوْمُ الْمَوْتِ ويَوْمُ الْقِيَامَةِ».
قلتُ: وهل كان أصحاب حضرة موسى (ع) مؤمنين بقيام القائم؟! وعلى كل حال نقول في الإجابة:
أولاً: هذه سورة مكية ولم يكن في الفترة المكية أي كلام عن قيام المهدي الموعود حتى تنزل آية بهذا الخصوص.
ثانياً: لقد بيَّن القرآن الكريم ماهية أيام الله -أي الأيام العظيمة- زمن موسى، فلا حاجة لعَلِيِّ بن إبراهيم أن يبينها. لاحظوا الآيات التي جاءت بعد تلك الآية في السورة ذاتها وفي سورة البقرة حيث يقول عز وجل: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ  (البقرة/49) و﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ(البقرة/49) و﴿إِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (البقرة/51) و﴿إِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ (البقرة/53).
فهذه الآيات هي أيام الله التي ذكّر موسى بها قومه وكلُّها مبينة في القرآن الكريم. إلا أن «عَلِيَّ بنَ إبراهيم» محدود العلم وسطحي المعرفة لم يكن قادراً على الانتباه إلى ذلك وأخذ يلعب بآيات القرآن ويؤوِّلها حسب هواه. وفي الواقع لم يكن «عليُّ بنُ إبراهيم» ذلك الشخص الذي يستأهل أن يُستدل بكلامه.
الآية الثالثة: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (الإسراء/4 - 8).
يروي «عَلِيُّ بن إبراهيم» مفسِّراً الآيات حسب هواه فيقول: «وقَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أَيْ: أَعْلَمْنَاهُمْ. ثُمَّ انْقَطَعَتْ مُخَاطَبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وخَاطَبَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي: فُلَاناً وفُلَاناً [أي الشيخين] وأَصْحَابَهُمَا ونَقْضَهُمُ الْعَهْدَ. و﴿لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ يَعْنِي: مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْخِلَافَةِ. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما يَعْنِي: يَوْمَ الْجَمَلِ. بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يَعْنِي: أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وأَصْحَابَهُ. ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ أَيْ: طَلَبُوكُمْ وقَتَلُوكُمْ. ﴿وكانَ وَعْداً مَفْعُولًا﴾ يَعْنِي: يَتِمُّ ويَكُونُ. ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: لِبَنِي أُمَيَّةَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) وأَصْحَابِهِ وسَبَوْا نِسَاءَ آلِ مُحَمَّدٍ. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وإِن‏ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: الْقَائِمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وأَصْحَابَهُ.....» إلى آخر هذه الترَّهات والأباطيل.
أقول:
أولاً: سورة الإسراء مكية ولم يكن في مكة حينئذ أي حديث عن خلافة الشيخين ومعركة الجمل ولا كان لأحد خبرٌ عن القائم سلباً ولا إيجاباً حتى تنزل آيات بشأنه.
ثانياً: كان المخاطب في هذه الآيات اليهودَ وبني إسرائيل ولا علاقة لأمة محمد في ذلك وكلام الله ليس كلاماً متقطعاً غير مترابط. فالآيات تبتدئ بقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ(الإسراء/4). فكيف يبتدئ الله كلامه بهذا ثم يقطع سلسلة الكلام فجأة ويقفز إلى خطاب الأمة المحمدية. حقاً إن المرء ليحتار من صنيع هؤلاء المؤولين والمحرِّفين لمعاني القرآن كيف يلوون عنق الآيات ليلصقوها بالقوة بقيام القائم. ولا أعتقد أن أمة لعبت بكتابها السماوي كما يفعل هؤلاء. ولا ينقضي العجب أيضاً من محاولة المجلسي إيجاد محمل مقبول لكلام «علي بن إبراهيم» هذا.
الآية الرابعة﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (طه/113).
قال «عليُّ بن إبراهيم»: «﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا يَعْنِي: مِنْ أَمْرِ الْقَائِمِ والسُّفْيَانِيِّ».
أقول:
أولاً: سورة طه مكية وفي تلك المرحلة المكية كان الكلام والوعد والوعيد يتعلق بيوم القيامة ولو قرأنا الآيات التي وردت قبل تلك الآية أي من الآية 109 التي تقول:﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ (طه/109)، وإلى أن تصل الآيات إلى الآية 113 لوجدنا أن جميع الآيات إنما تتحدث عن القيامة ولا علاقة لها بأمر القائم والسفياني لا من قريب ولا من بعيد! فاتقوا الله أيها الرواة ولا تلعبوا بآيات الله.
ثانياً: لقد تكرَّرت كلمة «الذكر» في القرآن الكريم ولم تأتِ في أيِّ موضع بمعنى القائم والسفياني. فمن ذلك قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(القمر/17). إذن آيات القرآن واضحة ولا تحتاج إلى بيانات «علي بن إبراهيم»!
الآية الخامسة: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (الأنبياء/12).
قال «عليُّ بن إبراهيم» في تفسيره: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ إِذَا أَحَسُّوا بِالْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ...الخ».
أقول:
أولاً: هذه السورة نزلت في مكة ولم يكن موضوع القائم مطروحاً في ذلك الوقت حتى يتم تخويف بني أمية منه، بل إن بني أمية في ذلك الوقت لم يكونوا يخافون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته فضلاً عن خوفهم من الحفيد الثاني عشر لعليّ!. هل حقاً لم يطلع «علي بن إبراهيم» على الآيات التي سبقت الآية المذكورة والآيات التي تلتها؟ أَوَلَمْ يَرَ أنها تتعلق بجميع القرى والبلاد ولا تختص ببني أمية؟ فالآية قبل الآية المذكورة تقول: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (الأنبياء/11). وكلمات «قصمنا» و«كانت» و«أنشأنا» و«أحسوا» كلها أفعال ماضية كما أن مكة لم ينزل بها عقاب وخراب عند نزول تلك الآيات حتى يصح القول بأنها تتحدث عن بني أمية.
ثانياً: لا يوجد في زماننا أثر لبني أمية حتى يخافوا ويفروا من القائم الخيالي.
الآية السادسة﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(الأنبياء/105).
قال «علي بن إبراهيم» في تفسيره: «عِبادِيَ الصَّالِحُونَ: الْقَائِمُ (ع) وأَصْحَابُهُ».
أقول:
أولاً: ألم يكن حضرة داود وسليمان عليهما السلام عبدين صالحين أورثهما الله تعالى الأرض؟ ألم يكن حضرة موسى (ع) عبداً صالحاً؟ ألم يكن حضرة محمد صلى الله عليه وآله وسلموأصحابه صالحين أورثهم الله السلطان والقدرة في الأرض؟ أم أن القائم الخيالي هو وأصحابه وحدهم الصالحون فقط؟! أليس في هذا إهانة للأنبياء وسائر الصالحين فكيف تجرأ هؤلاء الرواة والناقلين على إهانة جميع الصالحين بحجة إثبات مهديهم المفترض؟!.
ثانياً: إذا لاحظنا سياق الآيات وما جاء قبلها وبعدها رأينا أن الآيات تتحدث عن القيامة كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  (الأنبياء/104). وكلمة «صالحون» في الآية قيد البحث (أي الآية السادسة) عُرِّفت بالألف واللام لتكون جنساً يشمل جميع الصالحين لا مجموعة خاصة منهم ممن سيأتون في المستقبل!. وقد وعد الله تعالى في تلك الآية جميع عباده الصالحين بأنهم سيرثون الأرض وبيَّن تعالى في سورة الزمر أنه عندما سيدخل الصالحون الجنة سيقولون: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (الزمر/74) فعبر عن دخول الجنة بوراثة الأرض أي أن الأرض ستتبدل يوم القيامة إلى جنة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ (إبراهيم/48).
ثالثاً: من الآية التالية للآية مورد البحث أي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ(الأنبياء/ 106) يتَّضِحُ أن الآية لا تختص بمجموعة خاصة من الناس بل تشمل جميع العابدين الذين يعدهم الله تعالى بوراثة الأرض أي الجنة، وهذا يشمل بعمومه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين سمعوا هذه الرسالة والبشارة ولا يمكن لأحد أن يزعم أن الآية لا تشملهم.
الآية السابعة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج/39).
قال علي بن إبراهيم في تفسيره: «إِنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَ نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا أَخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ، وإِنَّمَا هُوَ الْقَائِمُ (ع) إِذَا خَرَجَ يَطْلُبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ (ع) وهُوَ قَوْلُهُ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وطُلَّابُ التِّرَةِ!».
أقول:
أولاً: الآية تتعلق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بدليل ما جاء بعدها من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج/40). فكلمة «أُخرجوا» فعل ماض ولا يمكن أن يقصد بها خروج القائم الذي سيحصل في المستقبل. وأما قوله إن العامة فقط –أي أهل السنة- يقولون إن الآية نزلت في محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فإنه جهل من قائله لأن الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي وغيرهما من علماء الشيعة يقولون إن الآية نزلت في رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. بل قد روى الطبرسي عن حضرة الإمام الباقر (ع) أن الآية تتعلق بمحمد وأصحابه.
ثانياً: لم يُخْرِجْ أحدٌ القائمَ وأصحابَه من بيوتهم حتى تنزل الآية بشأنهم.
ثالثاً: الآية تتعلق بالموجودين حين نزولها وليس بأشخاص لم يكن لهم وجود في ذلك الزمن أصلاً.
رابعاً: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة لم يؤذن لهم بالجهاد بعد، لكنهم بعد أن هاجروا إلى المدينة بمدة أذن الله لهم بالجهاد وبقي هذا الإذن ساري المفعول لجميع المسلمين إلى يوم القيامة، فلا حاجة أن يُعطى إذن من جديد للقائم وأصحابه. لاحظوا كيف أن شخصاً كتب كل ما خطر على ذهنه في تفسير الآية دون أن يتفكر في حقيقة معانيها أبداً ثم بعد ألف سنة أصبحت أقواله حجة للبعض للتفرقة والفساد!.
الآية الثامنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ  (الحج/60).
ذكر الشيخ الطبرسي وسائر المفسرين من العامّة والخاصّة أن الآيات المذكورة تتحدث عن المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وهاجروا، واستولى المشركون على بيوتهم وأموالهم ثم تمكن المسلمون من استرجاع شيء مما أُخذ منهم وتعرضوا إلى المشركين لأجل هذا الغرض. وكان المشركون هم الذين بدؤوا بمحاربة المؤمنين فكان المؤمنون في حالة دفاع فتمكنوا من التغلب على المشركين وقتلهم ومعاقبتهم بالمثل. ولما حدثت هذه الحادثة في شهر محرم الحرام تأثر المسلمون من ذلك فنزلت هذه الآية تبين أن من عاقب بمثل ما عُوقب به لا حرج عليه. والآيات التي جاءت قبلها وبعدها كلها تتعلق بالمهاجرين ولا تتناسب أبداً مع «القائم». فالآية التي قبلها تقول بصراحة:﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ (الحج/58). وفعل «هاجروا» فعل ماض ولا علاقة له بالقائم في المستقبل. إلا أن «عَلِي بن إبراهيم» يصرّ على القول بأن الآية تتحدث عن القائم! فلا ندري من أين استخرج دلالتها عليه؟!
الآية التاسعة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ...(الحج/41).
كلمة «الذين» صفة لمن ذُكروا في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج/40) في إشارة إلى المهاجرين الذين أُخرجوا بغير حق من ديارهم، فهؤلاء إذا تمكنوا في الأرض طبقُّوا أوامر الله عز وجل فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف...الخ، فلا علاقة للآية بالمهدي. لكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول: «فَهَذِهِ لآِلِ مُحَمَّدِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِ الْأَئِمَّةِ والمَهْدِيِّ وأَصْحَابِهِ يَمْلِكُهُمُ اللهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ ومَغَارِبَهَا ويُظْهِرُ بِهِ الدِّينَ...الخ». ولعمري ليس هذا سوى تفسيرٌ بالرأي والهوى.
الآية العاشرة: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(الشعراء/4). والآية التي قبلها: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (الشعراء/3). ومعنى الآية واضح خاصة بقرينة الآية ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس/99). وهذه الآية كما ذكرنا سابقاً ترُدُّ فكرة قيام قائم يريد أن يصنع التغيير بالإجبار وقوة السيف، لأن الله لا يريد إيمان الناس بالجبر والإكراه فمثل هذا الإيمان الذي يأتي نتيجة الجبر والإكراه لا قيمة له عند الله، وما إرسال الأنبياء ولا إنزال الكتب إلا دليل على أن الله تعالى لم يرد إجبار الناس بالقوة على الإيمان. فلا ينقضي العجب ممن لم يدركوا مثل هذا الأمر الواضح مثل «عليَّ بن إبراهيم» الذي يقول: «عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: تَخْضَعُ رِقَابُهُمْ يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ وهِيَ الصَّيْحَةُ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِ صَاحِبِ الْأَمْرِ (ع)! ».
 حقاً إن الإنسان ليحتار كيف يجعل هؤلاء من ذات الآية التي تبين بطلان دعواهم دليلاً على هذا المدعى ويروون عن حضرة الصادق أن المقصود من الآية خضوع رقاب بني أمية للقائم!. وكأنهم لا يعلمون أن بني أمية ودولتهم انقرضوا منذ أكثر من ألف عام. ولعل صدور أمثال تلك الأخبار عن الأئمة كان لأجل تسلية أتباعهم وشيعتهم والتنفيس عنهم بسبب ما كانوا يعانونه من ضغط وآلام بسبب اضطهاد بني أمية لهم، فكانوا يقولون لهم سيأتي يوم تصلون فيه إلى النصر والتمكين وسيأتي قائم بالسيف ينتقم من حكومة أعدائكم. وواضح أن تلك الأخبار كانت مجرد آمال لأن بني أمية دالت دولتهم دون أن يأتي أي قائم بعد!
الآية الحادية عشرة: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ؟ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (النمل/62). هذه الآيات تتعلق ببيان قدرة الله تعالى ودعوة المشركين إلى إخلاص العبودية له وإفراده بالعبادة كما يتضح ذلك من الآيات التي جاءت قبلها حيث يقول تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟... (النمل/60). ويقول: ﴿أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً؟... (النمل/61)، إلى أن يصل إلى الآية مورد البحث وما بعدها والتي تتضمن استفهاماً إنكارياً وتقريراً لوحدانية الله. فالعجب من «علي بن إبراهيم» الذي يروي في تفسيره عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ الواقفي الذي يؤمن بسبعة أئمة فقط ويعتبر إمامة الإمام الثامن وحتى الثاني عشر باطلة وغير صحيحة، يروى عن مثل هذا الشخص أن الآية نزلت بحق القائم المهدي!! ويقول: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ (ع) هُوَ واللهِ المُضْطَرُّ إِذَا صَلَّى فِي المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ودَعَا اللهَ فَأَجَابَهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ».
فيجب أن نقول: إذا كانت هذه الآية تدل على وجود القائم لما بقيت هناك حاجة إلى الحديث لاسيما حديث شخص واقفي منكر للمهدي القائم. وأعتقد أنه لولا الحياء لدفع تعصب أولئك الرواة إلى جعل جميع آيات القرآن قاطبةً تتكلم عن المهدي القائم!. ولا ينقضي العجب ممن يقول إنه لا يمكن لأحد أن يفهم القرآن ثم يأتي ويفسّر بعض الآيات بأن المقصود منها هو المهدي القائم فكيف استطاع أن يفهم هذه الآيات ويفسرها إذن؟ نسأل الله لهم الهداية. أضف إلى كل ذلك إن هذه السورة مكيّة ولم يكن أحد يدّعي المهدوية أو ينكرها في مكة كي تنزل آيات في ذلك الشأن.
الآية الثانية عشرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا باللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (العنكبوت/10).
قال الشيخ الطبرسي وسائر المفسّرين أن هذه الآية تتكلم عن المنافقين أو [عن «عياش بن أبي ربيعة المخزومي» وذلك أنه أسلم فخاف أهلَ بيته، فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فحلفت أمُّهُ أسماء بنت مخرمة بن أبي جندل التميمي، أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كَنَّا حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام، وهما أخوا عياش لأمه، جزعها ركبا في طلبه، حتى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة، فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما، وقد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت.
فلما خرجوا من المدينة أخذاه وأوثقاه كتافا- وجلده كل واحد منهما مائة جلدة، حتى برى‏ء من دين محمد جزعا من الضرب، وقال ما لا ينبغي، فنزلت الآية] (17).
فلا علاقة للآيات إذن بالمهدي القائم ولم يذكر أحد احتمال دلالتها عليه لكن رغم ذلك فإن «علي بن إبراهيم» الذي يميل إلى تفسير كل آية بالمهدي القائم اعتبر الآية متعلقة بالقائم! وأتعجب من المجلسيّ الذي قام بتجميع أقواله الغريبة هذه في كتابه «البحار».
الآية الثالثة عشرة: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ...﴾(الشورى/41).
تدبّروا هذه الآيات ولاحظوا، هل لها أي علاقة بالمهدي القائم؟! لكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول – حسب ما ينقل المجلسيّ عنه في البحار: «ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يَعْنِي الْقَائِمَ وأَصْحَابَهُ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ والْقَائِمُ إِذَا قَامَ انْتَصَرَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ومِنَ المُكَذِّبِينَ والنُّصَّابِ هُوَ وأَصْحَابُهُ... الخ»! هذا مع أن الآية مكيّة وفي مكة لم يكن أحد يدعي أو ينكر المهدي حتى تنزل الآيات بشأنه.
الآية الرابعة عشرة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (القمر/1).
هذه الآية تتعلَّق بالقيامة وفعْلَيْ «اقتربت» و«انشق» كلاهما في الماضي لأن المستقبل عندما يكون متحقق الوقوع يمكن للمتكلم أن يتكلم عنه بصيغة الماضي كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (الكهف/99). ويمكن أن تكون كلمة «انشق» ماضياً حقيقيّاً في إشارة إلى معجزة انشقاق القمر التي روت تفاسير الشيعة والسنة حدوثها زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة. وعلى كل حال فالآية لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بالمهدي القائم. ولاحظوا جميع تفاسير الشيعة كي تتحققوا من ذلك. ولكن «علي بن إبراهيم» يقول «رُوِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يَعْنِي خُرُوجَ الْقَائِمِ (ع)!».
فنقول: إن كلمة «الساعة» جاءت في القرآن على نحو متكرر وفي كل مكان بمعنى القيامة ولم تأت ولا في موضع واحد بمعنى الخروج. ثانياً: كيف يمكن أن يدعوَ الله تعالى أهلَ مكة - الذين لم يكونوا يؤمنون في ذلك الحين بالقرآن ولا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الإيمان بخليفة النبي الثاني عشر؟! وهل يجوز أن يتكلم الله ورسوله بما لا طائل تحته أم أنّ هذا اللغو هو من اختراع الراوي «علي بن إبراهيم»؟! فضلاً عن أن السورة مكية أيضاً ويقال فيها ما قيل فيما قبلها، ولو لاحظتم الآيات التي تلت تلك الآية لوجدتم أن لا علاقة لها من قريب ولا من قريب بالقائم.
الآية الخامسة عشرة: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (الرحمن/64).
كلمة «مدهامتان» صفة لِ- «جنَّتَان» التي وردت في الآية التي قبلها، ولكن «عليَّ بن إبراهيم» يقول: «مُدْهامَّتانِ: يَتَّصِلُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ نَخْلًا»! حقاً، هل يمكننا أن نقول إن «علي بن إبراهيم» لم يكن يفهم الآية أم أنه كان صاحب غرض خاص يسعى لتحقيقه بأي طريقة ولو بتأليف أي كلام باطل؟! فأين نجد في الآية كلاماً عن أشجار نخيل تمتد بين مكة والمدينة؟! وكلنا يعلم أنه لم يكن بين المدينتين سوى صحراء رملية قاحلة ومحرقة. ثمّ نسأل ما علاقة هذه الآية بالمهدي الموعود؟!!
الآية السادسة عشرة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(الصف/8). يقول «علي بن إبراهيم» في تفسيره: «واللهُ مُتِمُّ نُورِهِ قَالَ بِالْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ إِذَا خَرَجَ لَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ».
ينبغي أن يُقال: كيف كان الكافرون يكرهون اسم القائم الذي لم يكونوا قد سمعوا به بعد؟! ثم أين نجد في الآية كلمة «بالقائم»؟ أم أن الله تعالى كان يمارس التقية – والعياذ بالله – فكتم اسم القائم؟! ينبغي أن نقول: إن الله تعالى لن يُنجِح مسعى الذين ينسبون للإسلام ما ليس فيه ويأتون بأمور مخترَعَة ومعوجَّة باسم الإسلام لكي يطفئوا نوره بأفواههم كما فعل من اخترع مهدياً مصطنعاً قبل ألف سنة فأبطل الله تعالى مسعاهم.
الآية السابعة عشرة: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (الصف/13). معنى الآية واضح ولكنّ «عليَّ بن إبراهيم» يقول خلافاً لجميع المفسرين: «وفَتْحٌ قَرِيبٌ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا بِفَتْحِ الْقَائِمِ (ع)!»
حقاً إن الإنسان لا يدري ما يقول بشأن هذه التلفيقات؟ وهل يُعقَل أن يقول الله تعالى لأصحاب رسوله يا أيها الذين آمنوا إذا جاهدتم فإن النصر بفتح القائم سيكون نصيبكم؟! ألن يسأل الصحابة عندئذ من هو هذا القائم وأين ومتى سيكون فتحه؟! وهل سيجيبهم الله عندئذٍ بأن هذا الفتح قريب أي بعد آلاف السنين من موتكم؟!
الآية الثامنة عشرة: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً(الجن/24). الآية التي قبلها تقول: ﴿... وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (الجن/23) إذن فالآية مورد البحث تتكلم عن كفار مكة الذين كانوا يقولون للمؤمنين أنتم أضعف أنصاراً وأقل عدداً، حيث أن هذه السورة مكية. لكن عليَّ بن إبراهيم يقول - خلافاً لجميع أهل القرآن وخلافاً لجميع المفسرين -: «حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ: قَالَ: الْقَائِمُ وأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع). فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وأَقَلُّ عَدَداً!!» فهل كان على أهل مكة أن يصبروا حتى يوم القائم حتى يعلموا من أقل عدداً؟! هل يمكن أن يقول عاقل مثل هذا الكلام فضلاً عن الله ورسوله وآياته؟ والمفارقة أن معظم الآيات التي يستدل بها هؤلاء الخرافيون على القائم المهدي آيات مكية لا يمكن أن تنطبق عليه.
الآية التاسعة عشرة: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(الطارق/15 و16و 17). هذه السورة مكية والله تعالى يتوعد فيها الكفار الذين كانوا يمكرون بالرسول ويكيدون له. لكن «علي بن إبراهيم» يقول في تفسيره: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ يَا مُحَمَّدُ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً لَوْ بُعِثَ الْقَائِمُ (ع) فَيَنْتَقِمُ لِي مِنَ الْجَبَّارِينَ والطَّوَاغِيتِ مِنْ قُرَيْشٍ وبَنِي أُمَيَّةَ وسَائِرِ النَّاسِ»! فليت شعري ألم يكن الله قادراً على الانتقام بنفسه من أولئك الكافرين؟ وهل كان على طواغيت قريش أمثال أبي جهل وعتبة وشيبة أن يبقوا حتى يخرج المهدي القائم فينتقم منهم؟! أي عاقل يمكنه أن يتفوه بهذا الكلام؟! ونحن نسأل المجلسيّ وسائر علماء الشيعة الذين يستدلون بتأويلات «علي بن إبراهيم» هذه ويعتبرونها دليلاً على وجود المهدي: من هو علي بن إبراهيم قليل العلم هذا ومن أعطاه الحق في تأويل آيات الله حسب هواه؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ (آل عمران/7)؟؟. وهل علي بن إبراهيم حجَّةُ الله أم نبيٌّ يوحى إليه حتى نعتبر كل ما يقول حجة؟!
الآية العشرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (الليل/1و2).
روى عليّ بن إبراهيم بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ واللَّيْلِ إِذا يَغْشى؟‏ قَالَ: «اللَّيْلُ فِي هَذَا المَوْضِعِ "الثَّانِي" – [أي الخليفة الراشد الثاني!] - غَشَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) فِي دَوْلَتِهِ الَّتِي جَرَتْ لَهُ عَلَيْهِ وأُمِرَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) أَنْ يَصْبِرَ فِي دَوْلَتِهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ قَالَ والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى قَالَ النَّهَارُ هُوَ الْقَائِمُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ (ع) إِذَا قَامَ غَلَبَ دَوْلَةَ الْبَاطِلِ».
أقول: هذه الرواية تكشف مدى ضحالة علم «علي بن إبراهيم» لأن «يغشى» من مادة «غشيَ» معتل اللام، في حين أن «غشَّ» التي بمعنى الخداع والخيانة مضاعفة الشين، ومن اليقين أن الإمام الباقر(ع) - عربي اللسان - كان يميز تماماً بين «غَشِيَ» و«غشَّ» في حين أن «علي بن إبراهيم» كان عجمياً ولم يستطع أن يميز بينهما! أضف إلى ذلك أن الليل والنهار آيتان من آيات الله وقد أقسم الله بهما، ولو أراد أن يقسم بالخليفة الثاني عمر لذكر اسمه بصراحة لأنه لا يخاف من أحد فيمارس التقية!!
الآية الحادية والعشرون﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(الملك/30). هذه الآية مكية، والله تعالى يُذَكِّر من خلالها أهل مكة بقدرته لعلهم يؤمنون. لكنَّ عليَّ بن إبراهيم يروي بسنده عن الإمام الرضا (ع) : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ إِمَامُكُمْ غَائِباً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِإِمَامٍ مِثْلِهِ!!» ولابد أن أهل مكة كانوا سيجيبون: ليس لدينا إمامٌ أصلاً حتى يغيب فنطلبه!! وأقول: إنه من المقطوع به أن الإمام رضا (ع) لا يمكن أن ينطق بمثل هذا الكلام المهمل بل هو من مفتريات الرواة الكذبة الذين نسبوه إلى الإمام كذباً وزوراً.
الآية الثانية والعشرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ (التوبة/33). الآية واضحة المعنى ولكن عليَّ بن إبراهيم يقول: «إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) وهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يُظْهِرُهُ اللهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ… الخ» فينبغي أن نقول جواباً عن ذلك:
أولاً: قال تعالى: «أرسل رسوله» ولم يقل«أرسل إمامه».
ثانياً: أنتم معشر الإمامية تقولون إن الإمام القائم سيزيل جميع الأديان ويجعل الكل مسلمين فعلى قولكم هذا كان ينبغي أن يقول الله: «ليمحوا الأديان كلها»، ولكن الله قال «ليظهره على الدين كله» وهذا معناه بقاء بقية الأديان وظهور الإسلام عليها بحجته، وقد تحقق هذا في صدر الإسلام حيث هُزِمَت جميعُ الأديان أمام الإسلام وظهر الإسلام عليها، فكلمت «يُظْهِره» معناها ظهور الإسلام وتغلُّبه كما ذكر هذا المعنى أيضاً في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (الصف/14)، أي غالبين. والقرآن ذاته قد أخبر أن الكفر والشرك وفرق اليهود والنصارى سوف تبقى إلي يوم القيامة ولن تمحى من الأرض فإذا قلنا أنه سيأتي يوم تزول فيه جميع الأديان من الأرض نكون قد خالفنا القرآن.وعلى كل حال نحن لا نتعجب من «علي بن إبراهيم» ضئيل العلم أن يلفق مثل هذه الأقاويل العامية لكن عجبنا لا ينقضي من المجلسي وغيره من علماء الإمامية الذين يجعلون من كلام «علي بن إبراهيم» مستنداً يتمسكون به.
الآية الثالثة وعشرون: كرَّر الله تعالى عبارة ﴿أَيَّامَ اللهِ في أكثر من موضع من القرآن من جملة ذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم/5) فهذه الآية تبيِّن أنه كانت هناك أيامٌ عظيمةٌ معروفةٌ لدى قوم موسى أمر الله حضرة موسى أن يذكرهم بها. وكانت تلك الأيام – كما يقول جميع المفسرين- الأيام التي أنعم الله بها عليهم بنعم عظيمة أو أزال عنهم فيها العذاب أو هي يوم القيامة. مثلاً من جملة أيام الله اليوم الذي أغرق الله تعالى فيه فرعون وآله ونَجَّى قوم موسى، أو اليوم الذي قبل الله فيه توبة قوم موسى بعد أن عبدوا العجل، أو اليوم الذي أنزل فيه عليهم المن والسلوى أو اليوم الذي أنزل فيه التوراة على موسى.
ولكن عليَّ بن إبراهيم يقول خلافاً لجميع المفسرين: «أَيَّامُ اللهِ ثَلَاثَةٌ يَوْمُ يَقُومُ الْقَائِمُ ويَوْمُ الْكَرَّةِ ويَوْمُ الْقِيَامَةِ»!! ولم يفكر بأنه في زمن حضرة موسى (ع) لم يكن قومه يعلمون شيئاً عن قيام القائم ولا عن الرجعة حتى يأمر الله موسى أن يذكرهم بهذه الأمور! لكن ماذا نفعل إذا كان مريدو «علي بن إبراهيم» يتعاملون مع أقاويله كأنها وحيٌ منزل.
الآية الرابعة والعشرون﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (الغاشية/1و2). معنى الآية واضح وهي تتحدث عن يوم القيامة، ولكن «علي بن إبراهيم القمي» يتجاهل هنا جميع الآيات التي شرح الله تعالى فيها الغاشية وما يكون فيها وقال: «ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟ قَالَ: يَغْشَاهُمُ الْقَائِمُ بِالسَّيْفِ قَالَ قُلْتُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ؟ قَالَ: يَقُولُ خَاضِعَةٌ لَا تُطِيقُ الِامْتِنَاع...الخ»!!.
فنسأل الله أن يمنح مريدي «علي بن إبراهيم» العقل. أضف إلي ذلك أن الإمام الذي سيغشى بسيفه جميع الناس سيكون إمام عذاب لا إمام هداية!.
الآية الخامسة والعشرون﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ(الأنعام/158). تشير هذه الآية إلى تحجج المشركين وطلبات اليهود التي كانوا يتحججون بها لرفض الإيمان ويقولون مثلاً: لن نؤمن حتى تنزل علينا الملائكة أو يأتينا الله بذاته أو تأتي بعض آياته، كما مرَّ في سورة البقرة الآية 210.
فتدبر أيها القارئ العزيز وانظر هل هناك أي علاقة بين هذه الآيات والأئمة حتى يروي عليّ بن إبراهيم القمي روايةً ينسبها بسنده إلى الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق (ع) أنه قال: «الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ والْآيَةُ المُنْتَظَرُ هُوَ الْقَائِمُ (ع)..»؟! يبدو أن هؤلاء القوم يرون أن الآيات منحصرة بالأئمة فقط حتى آيات العذاب!!
الآية السادسة والعشرون﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوَارِ الْكُنَّسِ (التكوير/14). ذكر جميع المفسرين استناداً إلى اللغة أن معنى الآيات قَسَمُهُ تعالى بالنجوم السيارة التي ترجع في مدارها وتختفي وراء ضوء الشمس.
لكن الشيخ الصدوق الذي كان بائعاً وكاسباً في قم روى روايةً أسندها إلى الإمام الباقر (ع) أنه قال: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ فَقَالَ إِمَامٌ يَخْنِسُ فِي زَمَانِهِ عِنْدَ انْقِضَاءٍ مِنْ عِلْمِهِ سَنَةَ سِتِّينَ ومِائَتَيْنِ ثُمَّ يَبْدُو كَالشِّهَابِ الْوَقَّادِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَلِكَ قَرَّتْ عَيْنَاكَ». فهل من الممكن أن يقسم الله تعالى لأهل مكة الذين لم يكونوا حينذاك مؤمنين بنبيه بعد وكانوا يعتبرون القرآن سحراً، بخليفة نبيه الثاني عشر الذي لم يره أحد ولم يسمع به؟! هذا إضافة إلى أن «الجوار» جمع في حين أن الإمام غائب مفرد!
الآية السابعة والعشرون: هي الآية الحادية والعشرين ذاتها التي ذكرها من قبل. وهنا يروي المجلسي رواية عن «علي بن أبي حمزة البطائني» بأن المقصود في الآية هو «الإمام الغائب»، هذا في حين أن «علي بن أبي حمزة البطائني» كان واقفياً ينكر الإمام الغائب من الأساس، فكيف يمكن أن يروي مثل هذه الرواية؟!
الآية الثامنة والعشرون﴿..هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة/2).
ينقل المجلسيُّ عن كتاب إكمال الدين للشيخ الصدوق روايةً عن الإمام الصادق في تفسير«الغيب» في الآية بأنه: «الحُجَّةُ الْغَائِبُ»! وأن المتقين هم الذين يؤمنون بقيام القائم المهدي! مع أنه لا يوجد مفسِّرٌ واحدٌ فسَّر «الغيب» ب- «الإمام»! لأن الغيب هو الغائب عن الأنظار دائماً كالذات الأحديّة مثلاً، وقد جاء «الغيب» بهذا المعنى في مواضع عديدة من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ... (الحديد/25) وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(يس/11).
بالإضافة إلى ذلك إذا كان «الغيب» هو الإمام الغائب، فمعنى ذلك أنه عندما سيظهر هذا الإمام لن يبقى «غيباً» فكيف سيؤمن المتقون عندئذ بالغيب؟! ألن تصبح الآية حينئذ لغواً لا معنى لها؟!!
الآية التاسعة والعشرون﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ (يونس/20). تدل هذه الآية على أن الآيات أي المعجزات ليست من صنع الرسول وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس له علم بوقت مجيئها. إذا كان الأمر كذلك فما هي علاقة هذه الآية بالمهدي؟ هل قال الله في إجابته عن مطالبة المشركين بمعجزة: انتظروا قيام المهدي؟! هل هذا الكلام منطقي؟! لكن ما العمل إذا أصبحت رواية «علي بن أبي حمزة البطائني» الواقفي الذي لا يؤمن أصلاً بالإمام الثاني عشر حجَّةً ومستنداً للشيخ الصدوق ومقلديه!!!
الآية الثلاثون: تكرار للآية الحادية والعشرين ذاتها!
الآية الحادية والثلاثون﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات/22). معنى الآية واضح، ولكن الشيخ الطوسي يروي في كتابه «الغيبة» عن عدد من الرواة مجهولي الحال والضعفاء عن ابن عباس أنه قال: «وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ قَالَ: هُوَ خُرُوجُ المَهْدِيِّ»!. ونقول هل كان ابن عباس جاهلاً إلى هذا الحد بمعاني وعود القرآن وهل كان جاهلا  باللغة العربية؟! أم أن هذا الخبر من افتراء الرواة الكذبة؟ لا شك أنه خبر موضوع من أساسه.
الآية الثانية والثلاثون﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الحديد/17).
يروي الشيخ الطوسي في كتابه «الغيبة» عن عدد من الرواة مجهولي الحال والضعفاء «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يَعْنِي يُصْلِحُ الْأَرْضَ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا»!. قلتُ: فمعنى هذا أنه تعالى لم يحيِ الأرض بعد، فمن يحييها كل ربيع الآن؟! وهل هذا تفسير يقبله عقل، أوليست علامات الوضع والافتراء فيه واضحة؟!
الآية الثالثة والثلاثون﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً (البقرة/148). هنا يكرر الشيخ الطوسي الرواية المنسوبة لابن عباس في الآية الحادية والثلاثين فهل تقوى الرواية الضعيفة بالتكرار؟! الله أعلم! إضافة إلى ذلك، يروي الطوسي في كتابه «الغيبة» أيضاً عن رواة مجهولي الحال عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية /148/ من سورة البقرة: ﴿... أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا...: «أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً قَالَ: أَصْحَابُ الْقَائِمِ يَجْمَعُهُمُ اللهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ»!. وهنا نسأل من يؤمن بهذه الروايات: هل كان للمخاطبين بقوله تعالى «تكونوا» و«بكم» في الآية وجود خارجي حين نزول الآية أم لا؟ حقاً لا ندري كيف أمكن لهؤلاء القوم أن يؤمنوا بمثل هذه الروايات؟!
الآية الرابعة والثلاثون﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور/55).
هذا الوعد الإلهي بالتمكين في الأرض والاستخلاف فيها هو للحاضرين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل وجود كلمة «مِنْكُمْ» في الآية. وقد أوفى الله بوعده هذا فأخلف المشركين بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين حقاً والذين عملوا الصالحات واستخلفهم على الأرض ومكّنهم من إظهار دينهم.
وقد أشار حضرة أمير المؤمنين إلى هذه الآية عندما استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص إلى قتال الفرس بنفسه، فأشار عليه بعدم فعل ذلك وقال له فيما قال: «... ونَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ الله واللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ونَاصِرٌ جُنْدَهُ ومَكَانُ الْقَيِّمِ بِالأمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الخَرَزِ يَجْمَعُهُ ويَضُمُّهُ... فَكُنْ قُطْباً واسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ وأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ... الخ»(18).
إلا أن المجلسي والشيخ الطوسي أوردا رواية مخالفة لكل ما ذُكِر تقول إن الآية لا علاقة لها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مسلمي صدر الإسلام! بل تتحدث عن المهدي الذي سيأتي آخر الزمان!!
الآية الخامسة والثلاثون﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص/5). هذه الآية تتحدث عن فرعون وبني إسرائيل بدليل الآية التي جاءت قبلها التي تقول: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا (القصص/3). ونلاحظ أن كلمة «استُضعِفوا» فعل ماض يتعلّق بأمر حدث في الماضي كما أن كلمة «نُرِيدُ» مثلها مثل كلمات «نُمَكِّن» و«نُرِي فِرْعَوْنَ»... التي جاءت في الآية التالية للآية مورد البحث كلها تتحدث عن قوم فرعون، وكلمة «الأرض» جاءت معرّفة بِ- (ال-) العهد في إشارة إلى الأرض المذكورة والمعروفة وليس المقصود منها مطلق الأرض، وذلك مثل قوله تعالى لرسوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (الإسراء/76) حيث من الواضح أنه ليس المقصود من الأرض فيها الكرة الأرضية وإلا لأصبح معنى الآية أن المشركين كادوا أن يخرجوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلممن كوكب الأرض! كما أنه ليس المقصود من «الأئمة» في قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً القادة السياسيين لأن الخطاب هو لجميع بني إسرائيل فالأئمة هنا مثل الأئمة في قوله تعالى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان/74). كما أن المهاجرين والأنصار كلهم أئمة حيث أمر من جاء بعدهم أن يتَّبعوهم بإحسان فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ (التوبة/100).
بناء على هذه الأدلة الواضحة فإن الآية 5 المذكورة من سورة القصص تتعلق بقصة موسى وفرعون وبني إسرائيل. وقد بيّن الله تعالى مقصوده من «وَنُرِيْدُ» بأمور مثل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى...﴾ (القصص/7)، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ (القصص/7) إلى آخر الآيات.
وهذا الأمر يفهمه كل من يقرأ هذه الآيات. لكن رغم ذلك نجد الشيخ الطوسي والمجلسيّ يريدان بقوة الروايات المضادة للقرآن أن يغيّروا معنى الآية التي تتحدث عن أمر ماض ليجعلوها تتحدث عن المهدي المنتظر؟!!
الآية السادسة والثلاثون﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد/16).
رغم عدم علاقة الآية الكريمة من قريب أو من بعيد بالمهدي المنتظر، يأتينا الشيخ الصدوق والمجلسي ويلوون عنق الآية بالقوة ويقولون: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَائِمِ!». من هذا يظهر أن الحق كان مع المرحوم ابن تيميَّة عندما قال: لَا يُوجَدُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ مِنَ الكَذِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي الشِّيعَة.
الآية السابعة والثلاثون: هي الآية الثانية والثلاثون (الآية 17 من سورة الحديد) ذاتها التي أوردنا رواية الصدوق بشأنها وأجبنا عنها.
الآية الثامنة والثلاثون﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (آل عمران/140). أي أن الله تعالى يريد من خلال المواجهات التي تحصل بين الحق والباطل أن يميّز المؤمنين الحقيقيين من مدّعي الإيمان. ولكن الشيخ الصدوق يروي رواية تقول «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقَائِمِ»!، مع أنه من الواضح أن الآية، بقرينة الآيات السابقة واللاحقة، خاصة بمجروحي أحد.
الآية التاسعة والثلاثون﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ (المائدة/3). المراد تقوية المؤمنين وطمأنتهم بأن أعداءهم لن يستطيعوا القضاء على دينهم.
لكن العياشي(19) – الذي كان رجلاً خرافيَّا- يروي في تفسير الآية روايةً في سندها «عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ»، وهو رجلٌ ضعَّفَهُ علماء الرجال، ومضمون الرواية أن المقصود من كلمة «اليوم» في بداية الآية هو: «يَوْمَ يَقُومُ الْقَائِمُ (ع) يَئِسَ بَنُو أُمَيَّةَ فَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَئِسُوا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع)!»، أفلم يوجد من يقول لهؤلاء الرواة الجهلة [إذا قام القائم] يكون بنو أمية قد انقرضوا منذ آلاف السنين فكيف ييأسون ذلك اليوم من وجود المهدي؟! أضف إلى ذلك أن كلمة «اليوم» تكرَّرت في الآية ثلاث مرات ولا يتناسب أيٌّ واحدٍ منها مع موضوع المهدي بل هو ضده.
الآية الأربعون﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (التوبة/3). هذه الآية نزلت في السنة التاسعة للهجرة حيث أُمِر أبو بكر وعليّ بإبلاغها أيام الحج. ولكن «العيَّاشي» يذكر رواية منسوبة كذباً وزوراً إلى الإمامين الباقر والصادق مفادها أن الآية تتعلق بيوم قيام المهدي!!
الآية الحادية والأربعون﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (التوبة/36). هنا أيضاً يروي «العياشيُّ» روايةً منسوبةً إلى الإمام الصادق (ع) يقول فيها: «قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ولَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا سَيَرَى مَنْ يُدْرِكُهُ مَا يَكُونُ مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ولَيَبْلُغَنَّ دَيْنُ مُحَمَّدٍصلى الله عليه وآله وسلم مَا بَلَغَ اللَّيْلُ حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ اللهُ!».
كأني بهؤلاء القوم لم يكن لهم أدنى علم بتاريخ صدر الإسلام ولا بأسباب نزول الآيات، هذا فضلاً عن أن القرآن يقرر - كما ذكرنا سابقاً – بقاء الشرك والإيمان والكفر والإسلام إلى يوم القيامة, فالقول بيوم يأتي فيه مهدي ويمحى به الشرك من على وجه الأرض قول كاذب.
الآيات من الثانية والأربعين حتى الثامنة والأربعين مكررة كلها وذكر المجلسيّ بشأنها روايات باطلة تم تفنيدها فيما سبق.
الآية التاسعة والأربعون﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (المدثر/8و9). تتكلم هذه الآية باتفاق جميع المفسّرين عن يوم القيامة. لكن النعماني(20) يروي في كتابه «الغيبة» روايةً عن شخص مجهول باسم «مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ» عن شخص من الغلاة عن الإمام الصادق (ع): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ‏ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ؟ قَالَ: إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً فَإِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ!». ولم يوجد من يقول لهؤلاء الرواة إن سورة المدّثر من أوائل ما نَزَل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي مكة التي كان أهلها مشركون ومنكرون للقيامة، فهل يُعْقَل أن ينزل الله آيات لإقناع مثل أولئك الناس بيوم قيامة المهدي؟
الآيات من الخمسين إلى الثالثة والخمسين كلها تكرار لآيات ذُكِرَت من قبل.
الآية الرابعة والخمسون﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ(الرحمن/41). إذا لاحظنا سياق هذه الآية الكريمة وما جاء قبلها من قوله تعالى ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (الرحمن/37) وما جاء بعدها من قوله سبحانه: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ  (الرحمن/43)، تبيَّن لنا أن الآيات كلها تتعلق بيوم القيامة وهذا أمر واضح يفهمه كل شخص.
ولكن النعماني يروي في كتابه «الغيبة» عن رواةٍ شاكِّين في الدين أو مجهولي الحال بالسند عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِهِ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ قَالَ: «... لَكِنْ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فَيَخْبِطُهُمْ بِالسَّيْفِ هُوَ وأَصْحَابُهُ خَبْطاً!». أليس هذا لعباً بآيات الكتاب؟ بماذا سيجيب هؤلاء الرواةُ اللهَ تعالى يوم القيامة؟
الآية الخامسة والخمسون﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ(السجدة/21). هذه الآية تتحدث عن الكفار والفسّاق وذلك بقرينة الآية السابقة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ (السجدة/20). ولكنّ الكراجكيّ(21) روى [في كتابه كنز الفوائد] عن مجهول باسم «جَعْفَرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَالِمٍ» عن مجهول آخر باسم «مُحَمَّدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَجْلَانَ» عن سائل من الغلاة سأل الإمام الصادق عن هذه الآية فأجابه قائلاً: «ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قَالَ الْأَدْنَى غَلَاءُ السِّعْرِ والْأَكْبَرُ المَهْدِيُّ بِالسَّيْفِ»!!
فأقول: أولاً: هذه الآيات نزلت في مكة حيث كان أهلها لا يؤمنون بالرسول ذاته فكيف يدعوهم الله للإيمان بسيف مهدي مفتَرَض؟! ثانياً: هل المهدي إمام عذاب أم إمام رحمة. ثالثاً: لقد بيّن تعالى في أكثر من موضع من كتابه معنى العذاب الأكبر كقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ (الزمر/26), أو قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ (القلم/33)، أو قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (الغاشية/23 و24)، حيث تبيّن جميعها أن العذاب الأكبر هو عذاب الآخرة.
الآية السادسة والخمسون: تكرار للآية الحادية عشر (الآية 62 من سورة النمل) التي بيّنّا فيما سبق أن لا علاقة لها بالمهدي إطلاقاً.
الآية السابعة والخمسون: هي الآية السادسة عشرة ذاتها (الآية 8 من سورة الصف) التي سبق وأجبنا عن الاستدلال بها. علاوة على ذلك، ذكر المجلسيّ هنا رواية عن أبي الجارود الملعون تقول: «لَوْ تَرَكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مَا تَرَكَهُ اللهُ» وليس في هذه الرواية أي كلام عن المهدي ولا ندري ما وجه ذكرها هنا!
في هذا الفصل لا يوجد أي كلام عن المهدي، لكن هناك كلام غير معقول وهو تفسير الآية:﴿فَآَمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا (التغابن/8) بأن المقصود من النور فيها «الْإِمَام»! مع أن «أنزلنا» فعل ماضٍ. وقد وصف الله تعالى هذا النور في مواضع عديدة من كتابه كقوله تعالى:﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ (الشورى/52)، وقوله كذلك: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (البقرة/4).
الآية الثامنة والخمسون: هي الآية الثانية والعشرون (الآية 33 من سورة التوبة) ذاتها التي أجبنا عن الاستدلال بها سابقاً، بيد أن المجلسيّ أضاف هنا الرواية الخرافية التالية: «فَإِذَا خَرَجَ الْقَائِمُ لَمْ يَبْقَ كَافِرٌ ولَا مُشْرِكٌ إِلَّا كَرِهَ خُرُوجَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ لَقَالَتِ الصَّخْرَةُ يَا مُؤْمِنُ فِي بَطْنِي كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فَاقْتُلْهُ قَالَ فَيُنَحِّيهِ اللهُ فَيَقْتُلُهُ». قلت: وهذا هو الدين الجبريّ [الذي يتعارض مع قوله تعالى «لا إكراه في الدين»]. فضلاً عن أن القضاء على كل يهودي أو نصراني أو مشرك يتناقض مع ما جاء في القرآن من آيات تشعر ببقائهم حتى يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/14) و﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64).
الآية التاسعة والخمسون: هي الآية السابقة ذاتها (أي الآية 33 من سورة التوبة)، إضافة إلى أن المجلسي يذكر هنا رواية منسوبة إلى ابن عباس جاء فيها: «في قَوْلِهِ تَعَالَى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ ولَا نَصْرَانِيٌّ ولَا صَاحِبُ مِلَّةٍ إِلَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَأْمَنَ الشَّاةُ والذِّئْبُ والْبَقَرَةُ والْأَسَدُ والْإِنْسَانُ والْحَيَّةُ وحَتَّى لَا تَقْرِضَ فَأْرَةٌ جِرَاباً...الخ». نسأل الله تعالى الهداية لأصحاب هذه الخرافات.
الآية الستون: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ(القلم/15و16). ينقل المجلسيّ عن كتاب [كنز الفوائد] للكراجكيّ رواية منسوبة للإمام الصادق (ع) يقول فيها: «فِي قَوْلِهِ: إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. يَعْنِي: تَكْذِيبَهُ بِقَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) إِذْ يَقُولُ لَهُ لَسْنَا نَعْرِفُكَ ولَسْتَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ! كَمَا قَالَ المُشْرِكُونَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ».
ينبغي أن نسأل الراوي أين وجدتَ موضوع «القائم» في تلك الآيات؟ ثم إن كلمة «آيات» جمع في حين أن «القائم» مفرد. لكن ماذا نفعل إذا كانوا يلفِّقون كل ما خطر على بالهم.
الآية الحادية والستون﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (المدثر/38-39). معنى الآية واضح، ولكنّ «فرات بن إبراهيم» الكوفي(22) الذي كان شخصاً ضئيل العلم كتب تفسيراً وذكر هنا رواية عن الإمام الباقر (ع) يقول فيها:
«فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى : «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ»: قَالَ نَحْنُ وشِيعَتُنَا. وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ثُمَّ شِيعَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا«لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ»: يَعْنِي لَمْ يَكُونُوا مِنْ شِيعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. «ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ»: فَذَاكَ يَوْمُ الْقَائِمِ (ع) وهُوَ يَوْمُ الدِّينِ «وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ»: أَيَّامُ الْقَائِمِ »!!
ونحن نقطع بأن الإمام الباقر (ع) الذي كان عربياً يعرف مواقع الكلام لم يقل مثل هذا الكلام، وأن معاصريه المتشيعين له كانوا أسوأ من المتشيعين لعلي (ع) ونسبوا إليه كل ما أمكنهم من أقاويل. نسأل الله أن يوقظ مقلديهم. أضف إلى ذلك أن الإمام الباقر (ع) لم يكن من عادته أن يفسر كل آية بأن المقصود منها نحن الأئمة، إنه كان متواضعاً ولم يكن معجباً بنفسه. فدعك إذن مما ينسبه فرات الكوفي إلى الإمام الصادق (ع) هنا من قوله أن المقصود من قوله تعالى ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ (الواقعة/10و11) نحن الأئمة.
الآية الثانية والستون﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (سورة ص/86 -88). من الواضح أن هذه الآية المكية تخاطب مشركي مكة، لكن المجلسي ينقل لنا هنا عن كتاب الكافي [للكليني] رواية ضعيفة تقول: «قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قَالَ: عِنْدَ خُرُوجِ الْقَائِمِ»! أفلم يفكر واضع هذه الرواية كيف سيبقى المشركون أمثال أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما أحياء إلى حين قيام القائم حتى يعلموا نبأه بعد حين؟!! لكن يبدو أن الإنسان عندما يسقط في وادي الخرافات يفقد العقل والقدرة على التفكير. وقد روى الكليني ذلك الخبر الموضوع عن رجل ضعيف باسم «عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ» عن ضعيف آخر مثله ونسب كلامه لحضرة الإمام أبي جعفر الباقر (ع).
الآية الثالثة والستون: هنا أيضاً يروي المجلسي نقلاً عن الكافي للكليني رواية في سندها «عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ البطائنيّ» الواقفي الذي لا يؤمن بأي إمام بعد الإمام السابع، بأن الراوي سأل الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) عن قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ (فصلت/53) فقال له: «يُرِيهِمْ فِي أَنْفُسِهِمُ المَسْخَ..... (إلى قوله)... حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ قَالَ خُرُوجُ الْقَائِمِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَرَاهُ الْخَلْقُ لَا بُدَّ مِنْهُ»!.
لاحظ أيها القارئ اللبيب كيف لعب أولئك الرواة بآيات القرآن باسم الإمام وبالتستر تحت لوائه، فرغم أن الآية مكية إلا أن الرواة الجهلة جعلوا مفادها مخاطبة الله لأهل مكة (الذين لم يكونوا قد آمنوا بعد برسوله وكانوا يتهمونه بالجنون والكذب) بأنه سيريهم آياته ليعلموا أن خروج القائم حق!! فهل هناك أي تناسب في هذا الكلام؟؟ كلا والله.
الآية الرابعة والستون﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (مريم/75). هذه الآيات مكيّة وهي إذا لاحظنا سياقها وما جاء قبلها، أي قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (مريم/73) موجَّهةٌ لمشركي مكة الذين كانوا يتبجّحون على المؤمنين بأنهم (أي الكفار) خير من المؤمنين مقاماً وأقوى وأكثر عدداً، لذا أجابهم الله أنهم سيعلمون يوم القيامة من القوي ومن الضعيف. لكنّ المجلسيّ نقل عن كتاب الكافي رواية في سندها «علي بن أبي حمزة البطائني» الخبيث جاء فيها: «قَالَ أَمَّا قَوْلُهُ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَهُوَ خُرُوجُ الْقَائِمِ وهُوَ السَّاعَةُ فَسَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللهِ عَلَى يَدَيْ قَائِمِهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يَعْنِي عِنْدَ الْقَائِمِ وأَضْعَفُ جُنْداً».
أقول: مؤدَّى هذه الرواية أنّ كفّار قريش سيعيشون عمراً مديداً إلى وقت خروج القائم، عندئذ سيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون!! فهل يصُحّ مثل هذا التفسير؟! هل يمكن لِلَّهِ أن يتكلم بمثل هذا الكلام الذي لا معنى له؟! لقد افترى الوضّاعون كل ما عنّ على بالهم، فأبي حمزة هذا نسب إلى الإمام الباقر رواية يفسّر فيها قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (المعارج/26) أن المقصود هو التصديق بخروج القائم!!
الآية الخامسة والستون: هي الآية الخامسة والثلاثون ذاتها (الآية 5 من سورة القصص) التي ناقشنا الاستدلال بها فيما سبق، فليراجع القارئ التوضيحات التي ذكرناها ذيل تلك الآية(23).
هنا ذكر المجلسيّ نقلاً عن بعض الكتب الخرافيّة مزيداً من الآيات المكرّرة، أي أنه كرر الآيات الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين والرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين. ثم بعد ذلك بدأ بذكر أبواب النصوص وجمع فيها ما أمكنه من الروايات التي افتراها الوضّاعون والكذابون والمجهولون والغلاة والمليئة بالتعارض والتناقض والأمور التي لا تُعقَل والتي علامات الكذب فيها واضحة. لذا سنبدأ باستعراض هذه الروايات ونقدها بحول الله وقوته.
إشكال والإجابة عنه:
قد يقول قائل: هل يمكننا أن نقول إن جميع هذه الأخبار الواردة في هذا الأمر – رغم كثرتها - موضوعة ومفتراة بأجمعها؟! فأقول في الجواب عن ذلك: حتى لو بلغ عدد أخبار مجهولي الحال الآلاف لما كانت تسوى فلساً واحداً، ثم أقول: «رُبّ شهرة لا أصل لها» وهذه قاعدةٌ متَّفقٌ عليها لدى جميع العلماء.
رُبَّ شُهْرَةٍ لا أصلَ لها:
لقد وجدنا في هذا الزمن بأم أعيننا كيف يخبر آلاف الأشخاص بأخبار ثم يتبيّن فيما بعد أنّها لا أصل لها وأنها من أكاذيب وتلفيق العوام، فمثلاً، عندما رحل الشاه عن إيران وجاء آية الله الذي كان في نظر الناس مثالاً للعدالة والتقوى، انتشر على ألسن كثير من الناس خبرٌ يقول إنهم رأوا صورة آية الله الفلانيّ في القمر، وتناقل ملايين الناس هذا الأمر على أنه حقيقة واقعة، ثم تبيّن أن الأمر كان كذبة أشاعها بعض الناس لأغراض سياسية. أو مثلاً، وردت أخبار كثيرة عن مجيء الدجال في كتب صحاح أهل السنة وسائر كتب الحديث لديهم وكذلك في كتب الشيعة، وكلها منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربما يزيد عددها على عدة مئات من الأحاديث، في حين أن تلك الأحاديث تتضمن أموراً مستحيلة وغير معقولة، ورغم ذلك فإن علماء فريقي المسلمين يتقبّلونها مع أن وجود دجّال بمثل تلك الأوصاف أمر غير معقول وكذب يقيناً. وكذلك رغم أنه شائع بين الناس في بلدنا بل يجزم الكثيرون أننا وهّابيون وأعداءٌ لعليّ بين أبي طالب وأننا نتلقّى أموالاً من السعودية، إلا أننا نعلم من أنفسنا أن الحقيقة خلاف ذلك وأن الأمور الثلاثة كلُّها كذب محض، فلا نحن وهابيون، ولسنا أعداء لعليّ، بل نعتبر أنفسنا من أول المحبين لعليّ عليه السلام، ولم يأتنا دينار واحد من السعودية أو من أي مصدر آخر، بل لَعَلِّي أكون أفقر شيخ في كل إيران.
أو مثلاً، وردت أخبار في كتب الفريقين عن «الخضر», وكم من الناس يدعون أنهم رأوا الخضر وسألوه، أو أن حضرة أمير المؤمنين (ع) روى دعاء كميل عن «الخضر». وكم من مرشدي الصوفية ادّعوا أنهم رأوا «الخضر» وأنهم أخذوا خرقتهم عنه، وينتسبون إليه! وكم من مدَّعي القداسة أو أئمة الدين يزعمون رؤيتهم الخضر ويروون عنه بعض الأمور. في حين أن كل ذلك كذب محض ومخالف للقرآن الكريم, وكل مسلم معتقد بالقرآن لا يمكنه أن يقبل بأخبار «الخضر»، لأن القرآن يقول لخاتم الأنبياء حضرة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ؟؟﴾ (الأنبياء/34)، وكذلك يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ (آل عمران/85).
 
ما يُرى بالعين مقدَّم على ما تسمعه الأذن!
سأنقل لكم قصة حدثت معي بالذات وادّعى فيها خمسمئة شخص عاقل ومسلم في ليلة وفي خلال جلسة أنهم رأَوا إمام الزمان المهدي القائم!. والقصة هي أن هذا العبد الفقير كنتُ ساكناً في قم وكان عمري حينها 35 عاماً، وكنت أرتدي القباء والعباءة والعمامة كسائر علماء الدين وأردت السفر إلى ميناء «بوشهر» للإبحار منه إلى الهند، وركبت في الحافلة متّجهاً إلى «بوشهر» وتوقّفت الحافلة في قرية تُدعى «آباده» بين أصفهان وشيراز, وكانت الشمس قد غربت لتوّها وكان البرد شديداً، فهرع الركّاب إلى المقهى لتناول الشاي والطعام الساخن، ولكني أردت أن أصلي المغرب أولاً، فدخلت المسجد ورأيت داخله جماعة كبيرة ربما يزيد عددهم على خمسمئة شخص قد فرغوا من الصلاة وجلسوا ينتظرون قدوم واعظ كان على موعد معهم ليلقي عليهم درساً دينياً، وكانوا قد أضاؤوا أنوار المسجد لأجل ذلك وحضروا السماور الكبير لتقديم الشاي للحاضرين. فأديت صلاتي بسرعة ثم سألت ماذا ينتظر هؤلاء الجالسون؟ فقيل لي إنهم ينتظرون الواعظ الذي ذهب إلى «إقليد» ولا ندري متى سيرجع. ففكرت في نفسي أن أصعد المنبر وألقي بضع كلمات حول التوحيد قُربةً إلى الله عسى أن تتنوّر بها بصائر هؤلاء الناس. ففعلت ذلك وألقيت عليهم كلمة طالت حوالي نصف ساعة وتضمّنت أفكاراً عالية وقيّمة جداً وذكرت لهم عدداً من آيات القرآن الكريم، ولكن لما كان من الممكن للحافلة أن تتحرك فإني أنهيت الكلمة بشكل مفاجئ ونزلت مستعجلاً من على المنبر وخرجت من المسجد لأجد الحافلة مستعدة للانطلاق فلحقت بها وتحركنا على الفور.
[وحسبما تبين فيما بعد] يبدو أن الناس في المسجد استمتعوا بخطبتي كثيراً ولما نزلت من على المنبر قال بعضهم لبعض، إن هذا السيد أجاد جداً في الكلام وهو أفضل من واعظنا بمئة مرة، فما أحرانا أن ندعوه للبقاء عشرة أيام ليفيض علينا وعلى أهل بلدتنا من علمه. فأرسلوا بضعة أشخاص عقب خروجي ليعرضوا عليّ هذا الاقتراح فلم يجدوني كوني كنت قد انطلقت على الفور بالحافلة. فبحثوا يميناً وشمالاً ولم يجدوني، ودخلوا المقهى المجاور للمسجد وبحثوا فيه فلم يجدوا لي أثراً، فقالوا في أنفسهم يبدو أن ذلك السيد ذهب إلى السماء أو ذهب في الأرض شرقاً أو غرباً!! ورجعوا إلى المسجد وأخبروا أهله بأن ذلك السيد كان إمام الزمان الذي أمضينا عمرنا شوقاً لرؤيته، وغاب بمجرد خروجه من المسجد، وبدأ الناس يظهرون تأسّفهم وينوحون ويلطمون صدورهم ويبكون ويقولون، أيها السيد! يا إمام الزمان! فداك أرواحنا! جئت إلى مسجدنا ولم نعرفك!. وبقوا على هذه الحال حتى الصباح، وأبرقوا برقيةً إلى بعض علماء شيراز وأخبروهم بأن إمام الزمان ظهر لهم في مسجدهم وألقى عليهم كلمة رائعة ثم غاب من جديد!. واشتهر الخبر في شيراز وبدأ أصحاب المنابر في المساجد على الفور ينقلون هذه القصة بكل اهتمام وحماس عن خمسمئة شخص من أهالي قرية «آباده» أجمعوا على أنهم رأَوا إمام الزمان. ولما دخلتُ [في اليوم التالي] إلى أحد مساجد شيراز سمعت هذا الخبر من شيخ منبره فعرفت حقيقة الأمر لكنني لم أجرؤ على بيان حقيقة القصَّة!.
إذا عرفنا ذلك أدركنا أن ملء المجلسي كتابه بأقوال مجهولي الحال المتفرقين ليس بأقوى من النقل عن خمسمئة شخص مجتمعين كانوا في مكان واحد وادّعوا جميعاً أنهم رأوا المهدي بأم أعينهم وسمعوه بأذنهم. وانظروا إلى أبواب «النصوص من الله تعالى ومن آبائه» فلن تجدوا فيها حديثاً واحداً جميع رواة سنده موثوقون وغير مجهولي الحال.
 
 
+            +             +
 
أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه
باب 1- ما ورد من إخبار الله وإخبار النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالقائم (ع) من طرق الخاصة والعامة
الخبر الأول: يرويه النعماني [في كتابه الغيبة] عن رجل مجهول مهمل باسم أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عن مجهول آخر باسم إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحُلْوَانِيِّ عَنْ مجهول باسم أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْمجهول آخر باسم هُدْبَةَ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ عَنْ مجهول آخر باسم سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ مجهولآخر باسم عَبْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ اليَمَانِيِّ عَنْ مجهول آخر باسم عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مجهول آخر باسم إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الذي يعتبره علماء الشيعة ضعيفاً وكذّاباً، وجهالة من ذكرتُ جهالَتَه منصوصٌ عليها لدى علماء الرجال الشيعة أنفسهم.
وأما متن الحديث فهو أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نَحْنُ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ سَادَةُ أَهْلِ الجَنَّةِ رَسُولُ اللهِ وحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وجَعْفَرٌ ذُو الجَنَاحَيْنِ وعَلِيٌّ وفَاطِمَةُ والْحَسَنُ والْحُسَيْنُ والمَهْدِيُّ.».
وأقول: ما الفائدة من ذكر مئات من هذه الروايات؟ ألا يؤدي الإكثار والتكرار لأمثال هذه الروايات إلى جعل الناس يتوجهون إلى المخلوق أكثر من توجههم إلى الخالق ويقعون في الشرك؟ ثم هل يمكن الاحتجاج برواية مثل أولئك الرواة المجاهيل؟ ثم كيف لا يكون كل الرجال من الأنبياء والنساء العظيمات مثل مريم بنت عمران سادة أهل الجنة ويقتصر سادة الجنة على حمزة وجعفر عليهما السلام؟
الخبر الثاني: إضافة إلى ضعف سنده فإن متنه خرافي، إذ ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقُومَ القَائِمُ الحَقُّ مِنَّا وذَلِكَ حِينَ يَأْذَنَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ ومَنْ تَبِعَهُ نَجَا ومَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ هَلَكَ اللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ فَأْتُوهُ ولَوْ عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وخَلِيفَتِي», وقد سبق أن بيّنّا أنه ليس لِلَّهِ خليفةٌ، فليراجع ثمة.
الخبر الثالث: هو حديث خرافي ومخالف للقرآن وفي الوقت ذاته رواته من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين، فمثلاً جاء فيه:
«.... يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ عَبْدِي وأَنَا رَبُّكَ فَلِي فَاخْضَعْ وإِيَّايَ فَاعْبُدْ وعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ وبِي فَثِقْ فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُ بِكَ عَبْداً وحَبِيباً ورَسُولًا ونَبِيّاً وبِأَخِيكَ عَلِيٍّ خَلِيفَةً وبَاباً فَهُوَ حُجَّتِي عَلَى عِبَادِي....»، هذا في حين أنّ القرآن الكريم ونهج البلاغة ينصّان على أنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل، إضافة إلى أن الله تعالى لا يقتصر رضاؤه على نبيه أو على عليّ بل قبل ذلك رضي عن الأنبياء الذين أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بهم حيث قال تعالى: ﴿بِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ (الأنعام/90)، أوليس الله هو القائل: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (النساء/125), وأساساً فإن جمل هذا الحديث ليست معقولة، لكن يبدو أن الرواة الذين كانوا من عوام الناس لم يحسنوا تأليف جمل أفضل منها!.
الحديث الرابع: إضافة إلى وجود رواة مجهولين في سنده مثل «عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغِ» و«الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ» وغيرهما، فإن سنده ينتهي إلى «كَعْبِ الأَحْبَارِ» اليهودي. وأما متنه فكلامٌ لا يفيد شيئاً إذْ يقول: «قَالَ فِي الخُلَفَاءِ هُمُ اثْنَيْ عَشَرَ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ انْقِضَائِهِمْ وأَتَى طَبَقَةٌ صَالِحَةٌ مَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي العُمُرِ...»، قلت: ما معنى قوله "وأتى طبقة صالحة" وهل كان الخلفاء الاثني عشر غير صالحين؟!
الحديث الخامس: مرويٌ عن التَّمِيمِيِّ بسنده. و«التميميّ» كنية مشتركة بين عدة رواة لا ندري من هو المقصود منهم هنا. وأما متن الحديث فيقول: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَقُومَ بِأَمْرِ أُمَّتِي رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ يَمْلَأُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً». فأقول: ليس في الحديث دليل على مهديٍّ يولد ويعيش آلاف الأعوام بيننا حتى يظهر!
الحديث السادس: في سنده رواةٌ مجهولون مثل: «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصواري» و«الحُسَيْنِ الأَشْقَرِ» و«قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ». وأما متنه ففيه: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِفَاطِمَةَ فِي مَرَضِهِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ مَهْدِيٍّ وهُوَ واللهِ مِنْ وُلْدِكِ». أقول: هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة لأن يقسم لابنته فاطمة عليها السلام، ألم تكن فاطمة مصدقة بكل ما يقوله أبوها دون حاجة لأي قسم؟
الحديث السابع: يرويه مجاهيل مثل الحَفَّارُ المجهول عَنْ مجهول آخر باسم عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مجهول ثالث باسم أَبِي قِلَابَةَ... حتى يصل في السند إلى: «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ أَبِي: دَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصْبَهُ (ع) يَوْمَ الغَدِيرِ وبَعْضَ مَا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ فَضَائِلِهِ (ع) إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ بَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقِيلَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع) أَنَّهُمْ يَظْلِمُونَهُ ويَمْنَعُونَهُ حَقَّهُ ويُقَاتِلُونَهُ ويَقْتُلُونَ وُلْدَهُ ويَظْلِمُونَهُمْ بَعْدَهُ وأَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع) عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ إِذَا قَامَ قَائِمُهُمْ وعَلَتْ كَلِمَتُهُمْ وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وكَانَ الشَّانِئُ لَهُمْ قَلِيلًا والكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلًا وكَثُرَ المَادِحُ لَهُمْ.. الخ».
أقول: ولكن القائم لم يأت في زماننا رغم كثرة المداحين له المشغولين بمدحه والثناء عليه ليل نهار!. هذا وينبغي أن نعلم أن الإسلام نهى عن كثرة المديح والثناء واعتبر ذلك من أعمال الجاهلية كما تدل على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوضوح.
الحديث الثامن: إضافة إلى ضعف عدد من رجال سنده فإن متنه ظاهر الوضع إذ فيه: «قَالَ‏ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) مَا كَانَ ضَجَّتِ المَلَائِكَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وقَالَتْ يَا رَبِّ يُفْعَلُ هَذَا بِالْحُسَيْنِ صَفِيِّكَ وابْنِ نَبِيِّكَ؟! قَالَ: فَأَقَامَ اللهُ لَهُمْ ظِلَّ القَائِمِ (ع) وقَالَ: بِهَذَا أَنْتَقِمُ لَهُ مِنْ ظَالِمِيه».
أقول: يجب أن نسأل أولئك الرواة: هل كان الوحي يتنزّل على حضرة الإمام الصادق حتى عرف بضجيج الملائكة وما قالوه لربّهم؟! ألا يعلم أولئك الرواة أن الوحي انقطع بعد رسول الله؟. وثانياً: وهل يكون قاتلو الحسين أحياء عند قيام القائم حتى ينتقم الله منهم بواسطة القائم؟! لذلك أقول إن أولئك الرواة لما كانوا من العوام ما كانوا يحسنون تلفيق أفضل من تلك الجمل.
الخبر التاسع: في سنده: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ،والثلاثة مجاهيل لا نعلم عنهم شيئاً، فهل يَثْبُتُ بمثل هذه الروايات التي يرويها مجهولٌ عن مثله شيءٌ؟؟
الخبر العاشر: إضافة إلى ضَعْف رواته فإن متنه مهملٌ إذ يقول: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : والَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً لَيَغِيبَنَّ القَائِمُ مِنْ وُلْدِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى يَقُولَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا لِلَّهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ ويَشُكُّ آخَرُونَ فِي وِلَادَتِهِ... إلخ». وليت شعري: وهل كان لِلَّهِ تعالى حاجةٌ في أحد؟ هل هناك أبطل من هذا الكلام؟
الخبر الحادي عشر: في سنده مجهول باسم «المُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ» يروي عَنْ قصَّاصٍ يُدعَى «وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ» يَرْفَعُهُ مباشرةً إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مع أن هناك سنوات تفصل بينهما «عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ أَتَانِي النِّدَاءُ يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ‏ رَبَّ العَظَمَةِ لَبَّيْكَ! فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَيَّ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ اخْتَصَمَ المَلَأُ الأَعْلَى قُلْتُ إِلَهِي لَا عِلْمَ لِي.... إلى آخر الحديث الطويل».
قلتُ: إضافة إلى فساد السند يتضمن المتن أمراً مخالفا للواقع وهو أنه يجعل خروج صاحب الزنج من علامات خروج المهدي، مع أن صاحب الزنج قام سنة 255ه- واليوم مضى على ثورته أكثر من ألف سنة ولم يأتنا المهدي بعد! فمن الواضح أن هذا الخبر تم وضعه في تلك الفترة.
الخبران الثاني عشر والثالث عشر: إضافة إلى أن في سندهما رواة مجاهيل، فإن متنهما يتضمن أموراً تخالف القرآن.
الخبران الرابع عشر والخامس عشر: في سند الأول «مُحَمَّدُ بْنُ جُمْهُورٍ» وفي سند الثاني «سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ» وكلاهما من الكذّابين المشهورين بالكذب وانعدام الدين، وأما متنهما فمتشابه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ قَائِمَ أَهْلِ بَيْتِي وهُوَ مُقْتَدٍ بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ يَأْتَمُّ بِهِ وبِأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ قَبْلِهِ ويَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ أُولَئِكَ رُفَقَائِي وأَكْرَمُ أُمَّتِي عَلَيَّ».
ينبغي أن نقول لأولئك الرواة: أولاً: كيف سيتم الاقتداء به قبل أن يخرج؟ ثانياً: كيف يكون أكرم الأمة من يقتدي به وهو لم يره ولا علم له بسلوكه؟ وهل هناك هذيان أكثر من هذين الخبرين؟!! ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ (الفرقان/4)، ثم إن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب/21).
الخبران السادس عشر والسابع عشر: إضافة إلى ضعف رواتهما فإن متنهما لا يصحُّ لأنه يقول: «المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي.... تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وحَيْرَةٌ حَتَّى يَضِلَّ الخَلْقُ عَنْ أَدْيَانِهِمْ» فينبغي أن نقول: هل المهدي من أصول الدين أم من فروعه حتى يضل الخلق بفقدانه؟ إن هذا يبيّن أن جميع تلك الأخبار موضوعة ومكررة.
الأحاديث من الثامن عشر وحتى الثاني والعشرين: إضافة إلى ضعف بعض رواة سندها وجهالة بعضهم الآخر، فإن متونها تتضمن أقوالاً غير صحيحة بل قولُ زورٍ، إذ جاء فيها «الشَّكّ فِي أَمْرِ المهدي كُفْرٌ» أو «مَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي» أي أنكر رسول الله!!
أفلم يوجد من يسأل أولئك الرواة: لماذا يكفر من ينكر المهدي؟! وهل هو من أصول الدين أو أركانه؟ إذا كان المهدي حقيقةً فهل يكون تابعاً لدين الإسلام أم يكون هو الإسلام ذاته؟ إذا كان تابعاً للإسلام فحكمه حكم سائر أتباع الإسلام, فإذا أنكر شخص أحد العلماء أو المصلحين الإسلاميين هل يكفر بذلك؟ وبأي دليل يحكم بكفره وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء/136). لقد حدَّد الحقّ تعالى أصول الدين التي يكفر من أنكرها ولم يذكر من ضمنها الإمام فلم يقل مثلاً: «و من يكفر بالأئمة» وقال تعالى أيضاً ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (البقرة/177), ولم يأت على الأئمة بذكر, ولذا فإن جميع أهل السنة الذين لا يؤمنون بإمامة أئمة الشيعة [على النحو الذي يؤمن به الشيعة] مسلمون. إذا كان الأمر كذلك فلنا أن نسأل: هل يملك أولئك الرواة العوام الجاهلون بالقرآن الحقَّ بإضافة أمور جديدة إلى معيار الإيمان والكفر؟! يظهر أن أولئك الرواة لم يكن لهم اهتمام بالقرآن وأضافوا إلى دين الله كلَّما أملته عليهم أهواؤهم. فيجب أن نقول:﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ (الأنعام/21).
الأحاديث من الثالث والعشرين إلى السادس والعشرين: في سندها عين الرواة المجهولين الموجودين في أسانيد الروايات السابقة بل أسوأ منهم مثل «مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ القَيْسِيِّ» عَنْ «سَهْلِ بْنِ تَمَامٍ البَصْرِيِّ» عَنْ «عِمْرَانَ القَطَّانِ» وأمثالهم ممن لا ندري هل لهم وجود حقيقي أم أنها مجرد أسماء ملفقة لا وجود لأصحابها أصلاً؟!! وأما متن الخبر فهو تكرار لمتون الأخبار التي سبقت مع إضافة أمر جديد حيث يقول متن هذه الروايات: «أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنَ النَّاسِ وزِلْزَالٍ يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وسَاكِنُ الأَرْضِ» أو «يَمْلَأُ قُلُوبَ عِبَادِهِ عِبَادَةً» أو «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تُنْزِلُ لَهُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وتُخْرِجُ لَهُ الأَرْضُ بَذْرَهَا». هنا يجب أن نسأل أولئك الرواة كيف يرضى عنه عند خروجه ساكن السماء وسكان الأرض أليسوا الآن راضين عنه؟! وما معنى قوله «يَمْلَأُ قُلُوبَ عِبَادِهِ عِبَادَةً»؟ وما المقصود من نزول قطر السماء عند خروجه, فلماذا تُنزلُ السماءُ قطرَها الآن مع أنه لم يأت بعد؟ إنها أسئلة على أولئك الرواة أن يجيبوا عنها.
الخبر السابع والعشرون: إضافة إلى ضعف رواة سنده وجهالتهم مثل «عَلِيِّ بْنِ قَادِمٍ»، فإن متنه يخالف مذهب الإمامية ويخالف روايات الاثني عشرية لأنه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ رَجُلًا مِنِّي يُوَاطِئُ اسْمُهُ‏ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي.... الحديث». إذن طبقاً لهذا الحديث سيكون اسم المهدي محمد بن عبد الله وليس محمد بن حسن العسكري. وقد أورد المجلسي في بحار الأنوار عديداً من الأخبار بهذا المضمون أي أن اسم المهدي محمد بن عبد الله. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا أورد مشايخ الشيعة أخباراً تخالف مذهبهم؟!! ينبغي أن نقول: «الغريقُ يتشبَّثُ بالقشَّة».
الأحاديث من الثامن والعشرين إلى الثلاثين: إضافة إلى وجود مجاهيل في أسانيدها فإن متنها لا يصح. ففي متن الخبرين 28 و30: «المَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ». نقول: إذن كلُّ سيد (أي منسوب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ) يمكنه أن يثور بوصفه مهدياً استناداً إلى مثل هذه الأحاديث. وفي متن الخبر 29: «يُخْرِجُ ذُلَّ الرِّقِّ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ» وهذا الكلام غير مترابط لأنه إذا قصد العبودية لِلَّهِ فهذه ليست ذلاً, وإن كان المقصود غير ذلك فإن الناس ليسوا أرقاء لأحد حتى يحررهم المهدي. وواضح أن أولئك الرواة يريدون أن يمجِّدُوا المهديَّ ويبالغوا في مديحه بأيِّ وسيلة كانت.
الخبر الحادي والثلاثون: راويه شخصٌ مجهول عن مجهول آخر عن «وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ» القصَّاص عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا وَهْبُ ثُمَّ يَخْرُجُ المَهْدِيُّ. قُلْتُ: مِنْ وُلْدِكَ؟ قَالَ: لَا واللهِ مَا هُوَ مِنْ وُلْدِي ولَكِنْ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ (ع).. ». فينبغي أن نسأل: هل في دين الإسلام خفايا وأسرار لا تنكشف إلا بقسم ابن عباس؟
الخبر الثالث والثلاثون(24): خبر مبهم المتن يقول: «مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ نُجُومِ السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ حَتَّى إِذَا نَجْمٌ مِنْهَا طَلَعَ فَرَمَقُوهُ بِالْأَعْيُنِ وأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ فَذَهَبَتْ بِهِ...». فنسأل ما علاقة هذا الحديث بالمهدي؟ نعم الفائدة الوحيدة لهذه الحديث وأمثاله تضخيم الكتاب وخداع العوام.
الخبر الرابع والثلاثون: يتضمن أموراً سيئةً إضافةً إلى ضعف رواته، وهي أنه ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله لجعفر بن أبي طالب: «..أَلَا أُبَشّرُكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: كَانَ جَبْرَئِيلُ عِنْدِي آنِفاً فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الَّذِي يَدْفَعُهَا إِلَى القَائِمِ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، أَتَدْرِي مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي وَجْهُهُ كَالدِّينَارِ وأَسْنَانُهُ كَالْمِنْشَارِ وسَيْفُهُ كَحَرِيقِ النَّارِ يَدْخُلُ الجَبَلَ ذَلِيلًا ويَخْرُجُ مِنْهُ عَزِيزاً يَكْتَنِفُهُ جَبْرَئِيلُ ومِيكَائِيلُ». فما هذه الألفاظ الغريبة؟ وليت شعري هل كان الراوي الوضاع نفسه يعقل معاني ما يؤلف من كلام؟ ثم ألا يعلم أن جبريل لا ينزل على أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الخبر الخامس والثلاثون: يرويه رواةٌ مجاهيل عن الإمام الباقر كلاما في إهانة لحضرة موسى عليه السلام إذ يقول: «نَظَرَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (ع) فِي السِّفْرِ الأَوَّلِ بِمَا يُعْطَى قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ قَالَ مُوسَى رَبِّ اجْعَلْنِي قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ ذَاكَ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَحْمَدَ ثُمَّ نَظَرَ فِي السِّفْرِ الثَّانِي فَوَجَدَ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَهُ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ نَظَرَ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ فَرَأَى مِثْلَهُ فَقَالَ مِثْلَهُ فَقِيلَ لَهُ مِثْلُهُ». أقول: لو قيل مثل هذا الكلام بحق شخص جاهل عسير الفهم بأنه رغم طلبه لأمر غير معقول عدة مرات وسماعه الجواب يكرر السؤال ثانية وثالثة ورابعة, ألا يعتبر إهانة له؟ لا أدري ما هو غرض أولئك الرواة من إهانة رسل الله؟ هذا عدا عن أنه لو كان القائم حقيقةً لوجب عليه أن يؤمن بموسى وإلا لكان كافراً.
الخبر السادس والثلاثون: هو كالخبر الثاني والثلاثين، وكلاهما يخالف القرآن، أي أن هذا الخبر والخبر الثاني والثلاثين – الذي سقط عن قلمي سهواً فنسيت أن أعلق عليه – يذكران أن عيسى سيهبط إلى الأرض ويصلي خلف القائم، وهذا مخالف للقرآن، فضلاً عن ضعف رواة سند الحديث.
الخبر السابع والثلاثون: يتضمن نقلاً للروايات التي أوردها صاحب كتاب «كشف الغمة» نقلاً عن «أبي نعيم الأصفهاني» الذي أورد في كتابه أربعين حديثاً هي ذات الأحاديث المذكورة سابقاً بعينها. هذا رغم أن أبا نعيم الأصفهاني من أهل السنة وبالتالي فهو لا يؤمن بالمهدي القائم المنتظر ولا يرى انحصار الإمامة باثني عشر إمام, إنما كان قصده جمع كل ما توفر له من أحاديث في هذا الباب سواء كانت ضعيفةً أم مقبولة أم مردودة.
وعلى كل حال فأبو نعيم مثله مثل بعض جامعي الحديث من أهل السنة الذين يجمعون كثيراً من الأحاديث الموضوعة المروية عن أشخاص مجاهيل. ومن العجيب أن بعض علماء أهل السنة ينقلون كثيراً من الأخبار عن رواة الشيعة ثم يأتي الشيعة فينقلون تلك الأحاديث عنهم ويعتبرونها أدلة على صحة معتقداتهم؟ إن في الأربعين حديثاً هذه التي أوردها أبو نعيم أخباراً تبيِّن بوضوح خرافة المهدي الخيالي.
فمثلاً الأخبار 1و2و3 التي أوردها أبو نعيم تذكر أن المهدي عندما يقوم يملك سَبْعاً (أي سبع سنين) أَوْ تِسْعاً. فأقول: إذن كل تلك الكتب التي ملؤوها وكل ذلك الجدل والنقاش والوعود والانتظار آلاف السنين، لأجل شخص سيحكم سبع سنوات فقط, أي أن الدنيا ستمتلئ ظلماً وجوراً آلاف السنين باستثناء تلك السنوات السبع؟ هل هناك من عاقل يفرح بمثل هذا الوعد؟ فضلاً عن رسول الله الحكيم.
وفي الأخبار 4 و5 و6 أن المَهْدِيَّ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَة، والخبر 5 يقول: إن «فَاطِمَة كانت عِنْدَ رَأْسِ النبيِّ - وهُوَ فِي الحَالَةِ الَّتِي‏ قُبِضَ فِيهَا -ِ فَبَكَتْ حَتَّى ارْتَفَعَ صَوْتُهَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وآله وسلم إِلَيْهَا رَأْسَهُ فَقَالَ: حَبِيبَتِي فَاطِمَةُ مَا الَّذِي يُبْكِيكِ فَقَالَتْ أَخْشَى الضَّيْعَةَ مِنْ بَعْدِكَ...». فأقول: هل يمكن لامرأة عاقلة متوكلة على الله وتؤمن أن مصيرها بيد الله أن تقول مثل ذلك الكلام غير المتوازن على فراش احتضار أبيها؟ ألا تسبب بمثل هذا الكلام انزعاج أبيها وحزنه؟! هل يمكن أن يصدر مثل هذا عن فاطمة الزهراء زوجة رجل عالم وشجاع مثل حضرة علي؟! ألم تكن فاطمة عليها السلام تعتبر الله أرحم وأكثر شفقة من أي مخلوق بما في ذلك رسوله الكريم؟!
والخبر 7 يقول: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا كرعَةُ» وهذا يخالف الأخبار الأخرى التي تقول إنه يخرج من مكة أو يقوم في مكة. ثم تبين الأخبار 8 و9و10 و11 صفات المهدي الجسمية كقولها «عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ خَالٌ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» أو قولها «أَجْلَى الجَبِينِ أَقْنَى الأَنْفِ». فأقول: إذن كل من يتّصف بهذه الصفات يمكنه أن يدّعي أنه المهدي! وعلى كل حال فقد اهتمت هذه الأخبار بطول وقامة وشكل المهدي وأتت بأمور لا تتناسب مع أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن المقطوع به أنها لا يمكن أن تكون من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الخبر 13 يقول: «لَيَبْعَثَنَّ اللهُ مِنْ عِتْرَتِي رَجُلًا أَفْرَقَ الثَّنَايَا أَجْلَى الجَبْهَةِ يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا...». وفي الخبر 12: «بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الرُّومِ أَرْبَعُ هُدَنٍ يَوْمُ الرَّابِعَةِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ آلِ هِرَقْلَ يَدُومُ سَبْعَ سِنِينَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ يُقَالُ لَهُ المُسْتَوْرِدُ بْنُ غَيْلَانَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ إِمَامُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ قَالَ المَهْدِيُّ (ع) مِنْ وُلْدِي». أقول: أفلم يوجد من يقول لهذا الراوي الجاهل أن سلاطين الروم وهرقل انقرضوا منذ مئات السنين ولم يظهر المهدي بعد!
لقد نقل المجلسي هذه الروايات عن الحافظ أبي نعيم الذي كان من أهل السنة بغرض إثبات وجود المهدي في حين أنه عندما تنقل أمور ضعيفة عن أي شخص فإن هذا لا يزيدها إلا ضعفاً.
وفي الخبر 15: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ فِي أُمَّتِي يَبْعَثُهُ اللهُ عِيَاناً لِلنَّاسِ يَتَنَعَّمُ الأُمَّةُ وتَعِيشُ المَاشِيَةُ وتُخْرِجُ الأَرْضُ نَبَاتَهَا...». لنا أن نسأل ألا تُخرِج الأرض نباتها الآن؟ ثم في الخبر 16 أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ فِيهَا مُنَادٍ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ خَلِيفَةُ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ». وقد سبق أن بينا أن الله تعالى لا خليفة له، فلا هو يغيب ولا يتوفّى ولا يسافر ولا يتحيّز بمكان حتى يحلّ محله خليفة له، بل جاءت كلمة الخليفة في القرآن الكريم بشكل متكرر بمعنى خليفة السابقين لا خليفة الله.
وفي الخبر 17: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ فَاتَّبِعُوهُ» وفي الخبر 18 : «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنِ النَّاسِ وزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وسَاكِنُ الأَرْضِ يَقْسِمُ المَالَ صِحَاحاً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ومَا صِحَاحاً قَالَ السَّوِيَّةُ بَيْنَ النَّاسِ» وفي الخبر 19: «لَا يَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً»وفي الخبر 20: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَبَعَثَ اللهُ فِيهِ رَجُلًا اسْمُهُ اسْمِي وخُلُقُهُ خُلُقِي، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع)‏ ». وهذه الأخبار كلها تتعارض مع أخبار أخرى تقول إن كنية المهدي: أبو القاسم أو غير ذلك. فهذا يبيّن حال هذه الروايات المتعارضة التي يناقض بعضها الآخر.
وفي الخبر 21: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي...» إذن يتبيَّن أن هذا المهدي ليس هو مهدي الشيعة محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر. والأخبار 22 و23 و24 تقول: «المهديّ يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وعَدْلًا. ويَكُونُ عَطَاؤُهُ هَنِيئاً»، وفي الخبر 25: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي... [إلى قوله:] ويَعْمَلُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَبْعَ سِنِينَ ويَنْزِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ». وهنا نقول: أولاً: هل كل تلك الوعود لأجل سبع سنوات فقط؟ وثانياً: هذا الخبر يعارض الأخبار التي تقول إن المهدي يسكن الكوفة.
وفي الخبر 26 يقول: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ خُرَاسَانَ فَائْتُوهَا ولَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللهِ المَهْدِيَّ». إذن، لعلهم يعتبرون أن جيش أبي مسلم الخراساني الذي جاء من الشرق براياته السود هو جيش المهدي وأبو مسلم هو المهدي! من الواضح أن هذا الخبر وضعه أنصار بني العبّاس ولا أدري ما فائدة وجوده في كتب الشيعة؟!
وفي الأخبار 27 و32 و33 تم تكرار هذا الأمر بعينه، أي الذي مؤداه أن أبا مسلم [الخراساني] هو المهدي. وفي الأخبار 28 و29 و30 و31، تكرار لتلك الأمور السابقة ذاتها وأن المهديَّ: «يُصْلِحَ أُمَّةً بَعْدَ فَسَادِهَا» وأنه «يَتَنَعَّمُ أُمَّتِي فِي زَمَنِ المَهْدِيِّ (ع) نِعْمَةً لَمْ يَتَنَعَّمُوا قَبْلَهَا قَطُّ يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ولَا تَدَعُ الأَرْضُ شَيْئاً مِنْ نَبَاتِهَا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ» وأن «المَهْدِيِّ هُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الجَنَّةِ» وفي الخبر 34 أن «عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)سأل رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَمِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ المَهْدِيُّ أَمْ مِنْ غَيْرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : لَا بَلْ مِنَّا» وفي الخبر 35 أن المهديَّ «يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً، ولَا خَيْرَ فِي العَيْشِ بَعْدَ المَهْدِيِّ»، وهنا ينبغي أن نقول لأولئك الرواة والكتاب: أكُلُّ ذلك الكلام والاهتمام ولطم الصدور والاحتفالات السنوية الطويلة والعريضة لأجل مُلْك يدوم سبع سنوات فقط ولا خير في العيش بعده؟! هل هذا أمر عقلاني؟ وكذلك ذُكِر في ذلك الخبر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المهدي: «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» ومعنى ذلك أن هذا المهدي ليس محمد بن الحسن الذي يتكلمون عنه.
الخبر 37 مخالف لمذهب الشيعة، والخبران 38 و39 مخالفان للقرآن لأنهما يذكران أن المسيح يهبط إلى الأرض ويصلي خلف المهدي. فينبغي أن نقول هنا إن القرآن الكريم يصرّح بأنّ اللهَ توفَّى عيسى كما جاء في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (آل عمران/55)، وأن عيسى (ع) يقول لِلَّهِ تعالى يوم القيامة: ﴿كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (المائدة/117). وثانياً: في القرآن الكريم آيات تثبت أن أهل الجنة ذاقوا في الحياة الدنيا موتةً واحدةً فقط: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الْأُولَى(الدخان/56). وثالثاً: يقول تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ (الأنبياء/34)، فهذا يدل على أن عدم موت عيسى وبقاءه حياً مخالفٌ لآيات القرآن، كما أنه لو قيل إن الإنسان يحيى في الدنيا مرة ثانية بعد موته ثم يموت موتةً أخرى لكان ذلك مخالفاً لآيات القرآن لأن القرآن ذكر أن أهل الجنة لم يذوقوا في الدنيا إلى موتةً واحدة.
وفي الخبر 40 يُرْوى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَنْ تَهْلِكَ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي آخِرِهَا والمَهْدِيُّ فِي وَسَطِهَا» وهذا مخالف للقرآن الكريم الذي قال: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (الإسراء/58)، فينبغي أن نسأل: لماذا قمتم بتجميع هذه الروايات المخالفة للقرآن؟
الخبر الثامن والثلاثين: هنا ينقل المجلسيّ مجدداً عن كتاب «كشف الغمّة» الذي أُلِّف في القرن السادس الهجري، ما نقله صاحب كشف الغمة بدوره عن كتاب «كفاية الطالب» لصاحبه محمد بن يوسف الشافعي الكنجيّ الذي جمع في كتابه أخباراً في 25 باباً هي عين الأخبار التي ذُكِرَت سابقاً، كل ما في الأمر أنها مروية هنا عن رواة مجهولين من أهل السنة. وينبغي أن نقول إن إعادة وتكرار الأخبار ذاتها عن مجهولين لا يثبت شيئاً. بيد أن في أخبار كتاب «كفاية الطالب» خرافات أخرى أيضاً لا توجد في الأخبار السابقة. من جملة ذلك أنه روى في الباب الرابع أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يُقْتَلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئاً لَا أَحْفَظُهُ». أفلم يوجد من يسأل ذلك الراوي الوضّاع أي كنز هذا هو كنزنا وأي خليفة تقصد، وما هي الفائدة من تلفيق هذه المبهمات؟! ثم ينقل في الأبواب 1 و2 و4 و5 عين الأحاديث التي مرّت سابقاً، وفي الباب السادس يقول عن المهدي إن «أَخْوَالُهُ‏ كَلْبٌ» أي من قبيلة بني كلب، وأنه «فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفَّى ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ»، ونكرر القول: ما هي جدوى أن ينتظر الناس آلاف السنين وأن تُختَرَع آلاف الأحاديث وتُملأ آلاف الصفحات بأن المهدي قادم، لكي يأتي هذا المهدي في آخر الزمن ويعيش مدة خمس سنوات، ثم يُحرَم الناس منه بقية عمر الدنيا؟! ماذا يقول مؤيدو المهدي في مثل هذا الأمر؟! ثم ما معنى أن يشكّ رسول الله بين خمس أو سبع أو تسع سنوات؟!
ويذكر في الباب السابع أن المهديَّ «يُصَلِّي بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (ع») وأن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» مما يفيد أن مقام المهدي أعلى من مقام حضرة عيسى، هذا في حين أن المهدي وكل إمام يجب عليه أن يؤمن بعيسى، فإذا لم يؤمن به كان كافراً، فالقرآن صريح بوجوب الإيمان به وبجميع الأنبياء. أضف إلى ذلك أن هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم نزلت بشأن عيسى (ع) في حين لم نشاهد آية واحدة نزلت بشأن المهدي، بل إن القرآن لا يؤيد وجود مثل هذا المهدي بالأوصاف التي يذكرونها، إذ يبين أن الكفر والشرك باقيان إلى يوم القيامة.
وفي الأبواب التالية وحتى الباب الثالث عشر يكرر الأحاديث السابقة ذاتها, ثم في الباب الرابع عشر يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المهدي يخرج من قرية «كرعة». وهذه الرواية تبيّن أن محلّ خروج المهدي لم يكن معلوماً لأنه روى في الباب السادس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المهدي يخرج من المدينة ومكّة. وفي أخبار أخرى أنه يخرج في الكوفة.
وفي الباب الثاني عشر يقول إنه لن يكون هناك عيسى بعد المهدي لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا خير في العيش بعد المهدي. وفي الباب الثالث عشر أورد أن كنية المهدي هي أبو عبد الله، وهذا – كما ذكرنا – يناقض الأخبار التي تقول أن كنيته أبو القاسم.
وفي الباب الخامس عشر يكرر ما ذُكِر سابقاً وفي الباب السادس عشر يروي عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ فِيهَا مُنَادٍ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ خَلِيفَةُ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ»، وفي الباب السَّابِعِ عَشَرَ يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمقوله: «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ وعَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ يُنَادِي هَذَا المَهْدِيُّ فَاتَّبِعُوهُ»، وهنا نسأل: كيف تكلّم الملائكة الناس؟ إذا قلتم إن ذلك وحي قلنا إن الوحي انقطع بعد رسول الله.
وتتكرر الأحاديث السابقة ذاتها التي تبيّن أوصاف المهدي الجسمية في الأبواب 17 و18 و19، وفي الباب العشرين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَفْتَحُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ وجَبَلَ الدَّيْلَمِ»، وفي الأبواب 21 إلى 23 تكرار للروايات السابقة وفي الباب 24 رواية تعتبر المهدي خليفة الله وتستند إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (المائدة/67) لإثبات المهدي مع أنها لا تدل على ذلك من قريب ولا من بعيد. وفي الباب 25 إيراد دليل على حياة المهدي وقياسها على بقاء عيسى وعلى عمر الخضر وإلياس في حين أن القرآن يقول إن جميع هؤلاء قد تُوُفّوا، فضلاً عن أن قياس غير الأنبياء على الأنبياء غير صحيح. ثم استُدِلَّ أيضاً ببقاء الدجال وإبليس، أي قيس المؤمن على الكافر، هذا في حين أن وجود الدجال ممنوع ولا يصحّ وأخباره من الموضوعات.
هنا استدل على بقاء عيسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ (النساء/159), في حين أن هذه الآية لا علاقة لها أصلاً ببقاء عيسى بل هي تبين أن كل كتابيّ سيؤمن بعيسى الحقيقي قبل وفاته، ولا شك أن المحتضر عند وفاته وانتقاله إلى العالم الآخر يصبح بصره حديداً ويرى الحقائق كما هي رغم أن هذا الإيمان والتوبة الاضطرارية لن ينفعانه. كما أورد آيتين لإثبات وجود المهدي لا علاقة لهما بالموضوع، وقد أجبنا عنهما في باب الآيات المؤولة بقيام القائم.
الخبر التاسع والثلاثون: مرة أخرى ينقل عن كتاب «كشف الغمَّة» ما نقله عن محمد بن طلحة عن كتب حديث أهل السنة من تكرار للروايات السابقة عينها والتي تُكرِّر أن المهدي يملك سبع سنوات وأن عيسى بن مريم يهبط إلى الأرض وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي واسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي» أي أن اسم المهدي سيكون محمد بن عبد الله مما يعني أنه ليس محمد بن الحسن العسكري.
الخبر الأربعون: يقول: ذكر الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ حم عسق بِإِسْنَادِهِ قَالَ السِّينُ سَنَاءُ المَهْدِيِّ (ع) والقَافُ قُوَّةُ عِيسَى (ع) حِينَ يَنْزِلُ فَيَقْتُلُ النَّصَارَى ويُخَرِّبُ البِيَعَ! (25)
الخبر الحادي والأربعين: ينقله عن كتاب «الطرائف» عن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «المَهْدِيُّ طَاوُسُ أَهْلِ الجَنَّةِ»!!.
بعد انتهائه من ذكر كل تلك المكررات بدأ المجلسيّ هنا بإيراد روايات منسوبة إلى أمير المؤمنين والحسنين والأئمة التالين، بعضها مبهم وغامض وبعضها مكرر وكل رواتها مجهولو الحال وتتضمن متونُ بعضها خرافات لا يمكن أن تصدر عن الأئمة بل هي من وضع الرواة. فمثلاً، في الخبر السادس يروي عن الإمام الحسين قوله: إن صاحب هذا الأمر هو: «الطَّرِيدُ الشَّرِيدُ المَوْتُورُ بِأَبِيهِ المُكَنَّى بِعَمِّهِ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ»، وفي الخبر السابع يقول: « مَرَّ الحُسَيْنُ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وهُمْ جُلُوسٌ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ أَمَا واللهِ لَا يَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ مِنِّي رَجُلًا يَقْتُلُ مِنْكُمْ أَلْفاً ومَعَ الأَلْفِ أَلْفاً ومَعَ الأَلْفِ أَلْفاً..»!!
ثم في الخبر الأول من الأخبار المنسوبة إلى علي بن الحسين – عليهما السلام – ينقل عنه قوله: «وإِنَّ لِلْقَائِمِ مِنَّا غَيْبَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَطْوَلُ مِنَ الأُخْرَى أَمَّا الأُولَى فَسِتَّةُ أَيَّامٍ وسِتَّةُ أَشْهُرٍ وسِتُّ سِنِينَ..» هذا في حين أن كتب الشيعة تقول: إن غيبته الصغرى سبعون عاماً ونيف! ثم ينقل هنا رواية عن الكافي عن أمير المؤمنين قوله عن الحيرة وغيبة المهدي أنها تطول «سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّ سِنِينَ..» شك أمير المؤمنين، أي أنه عليه السلام ما كان له علم بحقيقة الأمر.
وينبغي أن نقول: إن كل تلك الروايات من وضع الرواة الجهلة. وفي الخبر السابع يروي عن حضرة العسكري قوله «ثُمَّ يَخْرُجُ [أي القائم المهدي] فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الأَعْلَامِ البِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ الكُوفَةِ». أقول: هذا في حين أن الأخبار الأخرى تقول إنه يخرج من المشرق وإن راياته سوداء!.
وعلى كل حال فليس في هذه الأخبار أي شيء مهم أو جديد سوى إتلاف الوقت.
باب نادر فيما أخبر به الكهنة وأضرابهم:
بعد أن فرغ المجلسي من نقل أخبار الرواة المجهولين عن الأئمة بدأ في هذا الباب بنقل الأخبار عن الكهنة والملفّقين وملأ أربع صفحات من كتابه بأقوالهم مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طبقاً لنقل كتاب «سفينة البحار» (الجزء الثاني) يقول: «مَنْ مَشَى إِلَى سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ كَذَّابٍ يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ»(26). فانظر كيف أن يستشهدالمجلسيّ لأجل إثبات هدفه الوهمي بأقوال الكهنة الذين [يروي هو نفسه] أن التصديق بأقوالهم يؤدي إلى الكفر!!
باب ذكر الأدلة التي ذكرها شيخ الطائفة رحمه الله على إثبات الغيبة:
ذكر المجلسيّ في هذا الباب عدة براهين واستدلالات لإثبات غيبة المهدي وهي استدلالات أوهن من بيت العنكبوت. أحد أدلته مثلاً أن الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أن يخلو أمرهم من رئيس في وقت من الأوقات وأن من شرط الرئيس أن يكون مقطوعاً على عصمته، ثم لا يخلو ذلك الرئيس من أن يكون ظاهراً معلوماً أو غائباً مستوراً، فإذا علمنا أن كل من تُدَّعى له الإمامة ظاهراً ليس بمقطوع على عصمته بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة علمنا أن من يُقطَع على عصمته غائب مستور!!
والجواب: إننا نقول: كلا، لا يحتاج الخلقُ إلى رئيس معصوم، لأنه إذا كانت الحاجة له لأجل حفظ الدين فإن حفظ الدين واجبُ جميع المسلمين والأمة محفوظة عن أن تجتمع على الخطأ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تجتمع أمتي على خطأ»(27). أضف إلى ذلك أن من تدّعون عصمتهم هم أنفسهم يعتبرون أنفسهم قابلين للخطأ ومذنبين. ثم إنّ رئيساً وحاكماً غير معصوم يكون حياً بين الناس ويخدم الناس ويمنع الظلم والتعديات ويصلح أمورهم ويواجه أعداءهم ويبني لهم المصانع ويعبّد لهم الطرق أفضل من معصوم غائب مخفيّ لا يُرجى منه نفع ولم يعبّد للرعية طريقاً خلال ألف عام! ولكن المجلسي ملأ صفحة كاملة بتكرار وشرح ذلك الدليل لعلّه يريد بذلك أن يجعله أكثر قوةً. إن المعصوم المستور الغائب الذي لا ينجز أي عمل كالمعدوم وبالتالي فالموجود الناقص أفضل من المعدوم الكامل. هذا إذا افترضنا فعلاً أن هناك معصوماً غائباً والحال أنه لا يوجد أي دليل قويم على وجود مثل هذا الغائب.
ودليله الثاني: أن الله قادر على أن يحفظ عبداً من عباده حياً ويعمّره آلاف السنين.
والجواب إن إمكانية الشيء أعمّ من وقوعه، فالقدرة وحدها لا تكفي دليلاً على وقوع المقدور. فالله تعالى كان قادراً على أن يعمّر نبيّ الإسلام ألف عام لكنه لم يفعل، وكان قادراً على أن يجعل لأبي ذر أجنحة يطير بها ولكنه لم يفعل، فمقدورات الله لا نهاية لها ولكنه لا يفعل كل مقدور. فعلى المدّعي أن يأتي بدليل على الوقوع ويثبت أن المقدور الفلاني وقع فعلاً، أما الاستدلال بإمكانية الوقوع فقط فلا يفيد شيئاً.
ودليله الآخر: الأخبار المتواترة عن الأئمة ورسول الله الدالة على إمامة المهدي وغيبته وظهوره و....
والجواب: إن هذه الأخبار وضعت وانتشرت في القرنين الثاني والثالث. أما قبل ذلك أي منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى زمن حضرة العسكري فلم تكن هناك مثل هذه الأخبار حتى أخبار آحاد فضلاً عن أخبار متواترة. وأما قولنا إنها أخبار موضوعة فلأن قرائن الوضع فيها ظاهرة من قبيل التناقض والتعارض والاختلاف فيما بينها وجهالة رواتها ومخالفة متن كثير منها لكتاب الله والعقل. وثانياً يدعي علماء الشيعة أن هذه الأخبار يرويها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الأئمة عن أئمتهم. لكننا نشاهد أن جميع أصحاب الأئمة الذين هم رواة هذه الأخبار كانوا آخر من يعلم بمضمون هذه الأخبار! فقد رأينا أخباراً واردة عن 140 شخصاً من أصحاب الأئمَّة الراوين عنهم سواء من خاصة أصحابهم أم من أصحابهم غير الخاصين تُبيِّنُ أنهم أنفسَهم لم يكونوا يعلمون بالإمام التالي لإمام وقتهم، وكانوا يأتون على نحو متكرر إلى إمام وقتهم ويسألونه: إذا وقعت حادثة بعدكم فإلى من نرجع، أو من هو الإمام بعدكم؟؟ وكلما توفى إمام وقع أصحابه في حيرة من أمرهم إلى من يرجعون ومن هو الإمام الآن، واختلفوا في ذلك فكانت وفاة كل إمام تؤدي إلى وقوع انشعاب وافتراق بين الشيعة. فمثلاً عندما توفي الصادق عليه السلام اختلف اتباعه ومريدوه إلى سبعة فرق أحدها فرقة الفطحية الذين قالوا بإمامة عبد الله الأفطح ورجعوا إليه والأخرى فرقة الإسماعيلية الذين دانوا بإمامة محمد بن إسماعيل ورجعوا إليه، ثم فرقة الناووسية وفرقة المحمدية الذين بايعوا محمد بن جعفر بالإمامة و... و...وهذا بحدّ ذاته دليل على أن الأخبار الواردة في انحصار الأئمَّة باثني شر شخصاً أو الأخبار الواردة بحق المهدي وأنه الإمام الثاني عشر وأنه سيغيب ويظهر ويكون كذا وكذا، كلها وضعت بعد مضي زمن الإمامين العسكريين. راجعوا أحوال «زرارة» و«هشام بن الحكم» و«هشام بن سالم» ولاحظوا تحيُّرهم. علاوة على ذلك كان رواة غيبة المهدي أشخاصاً منحرفين وغلاة ينسبون للأئمة أقاويل حول التوحيد والوحي وسائر العقائد الإسلامية المليئة بالكفر والشرك ومخالفة القرآن. وقد أوردنا بعضاً من رواياتهم المضادة للقرآن المنسوبة إلى الأئمَّة عليهم السلام في كتابنا «كسر الصنم»، فبناءً على ذلك لا يمكن الاحتجاج بروايات مثل هؤلاء الوضاعين فنقلهم إذن ساقط من الاعتبار.
ثالثا أفضل خبر لدى الإمامية يتمسك به جميع علمائهم في هذا الأمر هو خبر لوح جابرالذي رواه الكليني في الكافي ورواه غيره أيضاً، وقد محصنا هذا الخبر سنداً ومتنا فوجدنا فيه 28 قرينة ودليل على عدم صحته وأنه خبر موضوع. وقد ذكرنا القرائن الدالة على وضعه في كتابنا «نقد أصول الكافي» وكتابنا «الخرافات الوافرة في زيارات القبور»، فإذا كان هذا هو حال أفضل أخبارهم فماذا نتوقع من بقية أخبارهم في هذا الأمر. لقد وصلنا بعد تمحيصنا لجميع الأحاديث المتعلقة بالنص على الأئمَّة أنها موضوعة كلها. ويمكنكم مراجعة كتاب «بررسي نصوص إمامت» (أي تمحيص روايات النص على الأئمة) [للأستاذ حيدر علي قلمداران رحمه الله].
رابعاً: لقد فحصنا أحوال رجال هذه الأخبار فوجدنا أكثرهم مجهولين أو كذابين مشهورين بالكذب أو وضاعين أعداء الإسلام. لقد أرادوا إضعاف الإسلام فرأوا أن أفضل وسيلة لذلك هي بثّ الفرقة بين المسلمين وإنشاء الفرق والمذاهب وأفضل وسيلة لإنشاء الفرق والمذاهب وضع الأحاديث التي توقع العداوة والبغضاء بين المسلمين وتدفع بعضهم لقتال بعض. وكان أتباع كل مذهب، كالشيعة، أشخاصاً بسطاء لا علم لهم بتلك الخفايا، فلم يقم علماؤهم بفحص وتمحيص تلك الأخبار ليطلعوا على حقيقتها بأنفسهم ربما لأنهم كانوا يريدون أن يواصلوا استغلال العوام والاستفادة منهم كما لم يَدَعُوا أتباعهم يقومون بهذا البحث والتحقيق. لذ انقسم دين الإسلام إلى مئات المذاهب والفرق ووقعت بينهم عداوة شديدة إلى درجة جعلت أياً منهم لا يبدي أي استعداد لمراجعة كتب المذهب الآخر والنظر فيها, وإذا وجد رجل مصلح وكتب أموراً لإيقاظ الناس سارع أصحاب الدكاكين المذهبية إلى تكفيره وتفسيقه واتهموه بأباطيل كثيرة إلى درجة لا تُبقي لأحد الجرأة على مطالعة مؤلفاته وقراءة كتاباته.
خامساً: لقد ذكرنا في كتابنا «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول» أدلة كثيرة تثبت أن أئمَّة أهل البيت ذاتهم والسادات الكرام من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لهم علم بأخبار المهدي هذه ولا بأخبار حصر الأئمَّة باثني عشر إمام. فراجعوا ذلك الكتاب وأنصفوا.
باب ما فيه من سنن الأنبياء والاستدلال بغيباتهم على غيبته:
ذكر المجلسيّ وسائر المحدثين هنا باباً يهدف لإثبات ما في المهدي من سنن الأنبياء وأوصافهم. ولم ينتبهوا إلى أن كل مسلم متّبع للأنبياء لا بد أن يكون فيه بعض أوصافهم، وأساساً طريقة المسلمين يجب أن تكون طريقة الأنبياء تماماً وعلى المؤمنين أن يستنّوا بسنن الأنبياء ويقتدوا بهم.
أورد المجلسي وأمثاله روايات عن أشخاص هم أنفسهم منكرون لإمامة المهدي ولإمامة الأئمة الاثني عشر، فكيف يمكن الاحتجاج بأقوالهم؟!
مثلاً، الرواية الثانية في هذا الباب مروية عن «محمد بن جمهور» الكذاب و«ابن عمير» الوضاع، والرواية الرابعة مروية عن «أحمد بن هلال» الذي لعنه الأئمة وكان مرائياً منافقاً وعن «عثمان بن عيسى» الذي اختلس أموال الإمام موسى بن جعفر، رغم أنه كان قائماً ومؤتمناً عليها لكنه خانه وسرق جميع الأموال التي كان مسؤولاً عنها وأسس مذهب الوقف(28)، أي كان ينكر الأئمة بعد الإمام موسى بن جعفر ويعتبرهم كاذبين!! فكيف يستند علماء الشيعة إلى روايته ويستدلون بها على أوصاف المهدي هذا فضلاً عن أن كثيرين يمتلكون مثل تلك الأوصاف.
ومثلاً، الرواية السابعة منقولة عن شخص من الغلاة عن «علي بن أبي حمزة البطائني»(29)رئيس مذهب الواقفية. وروى أن في المهدي  «سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى وسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى وسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَمَّا مِنْ مُوسَى فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ وأَمَّا مِنْ عِيسَى فَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عِيسَى وأَمَّا مِنْ يُوسُفَ فَالسِّجْنُ والتَّقِيَّةُ وأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلمفَالْقِيَامُ بِسِيرَتِهِ وتَبْيِينُ آثَارِهِ ثُمَّ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ولَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ قُلْتُ وكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ رَضِيَ قَالَ يُلْقِي اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ»!!
وأقول:
أولاً: كثير من عباد الله يمتلكون هذه الأوصاف فمثلاً يخافون من سلطان زمانهم ويفرون من بطشه وكثير من الناس أيضاً يُتَّهَمون باطلاً، فمثلاً كاتب هذه السطور تعرض بسبب ما يقوم به من بيان الحقائق للناس إلى آلاف التهم مِنْ قِبَلِ أصحاب الدكاكين المذهبية، وكثير من عباد الله مثل حضرة يوسف أودعوا في السجن ظلماً، كما أن كثيراً من السادات والكبار قاموا بالسيف.
وثانياً: ليس في الإسلام قتل للكفار لمجرد كفرهم إذ لا إكراه في الدين. وثالثاً: ما هي فائدة هذه الروايات حول المهدي سوى فتح أبواب الفتنة لمدّعي المهدوية.
ثم الرواية الثامنة مثلاً مروية عن عدة رواة مجهولي الحال وفي متنها أن أم المهدي كانت أمة سوداء.
فأقول: أولاً: لديكم روايات أخرى تقول إن أم المهدي ابنة سلطان الروم وكانت شديدة البياض وجميلة. وثانياً: ما هي الفائدة من معرفة أن أم المهدي سوداء أو بيضاء وماذا يقدّم ذلك من خدمة للدين؟
والرواية التاسعة منقولة عن عدة رواة مجهولي الحال أو غلاة عن سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ قَال‏: «دَخَلْتُ أَنَا والْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وأَبُو بَصِيرٍ وأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى التُّرَابِ وهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الْوَالِهِ الثَّكْلَى ذَاتَ الْكَبِدِ الْحَرَّى قَدْ نَالَ الْحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ وشَاعَ التَّغَيُّرُ فِي عَارِضَيْهِ وأَبْلَى الدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ وهُوَ يَقُولُ سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي وضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي وأَسَرَتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي.... الخ».
أقول: هذه الرواية موضوعة ومكذوبة يقيناً لأنها تتضمن أموراً كثيرة مخالفة ‏للقرآن، ولا يمكن لإمام عاقل لا يعلم من هو الإمام التالي بعده أن يقوم بذلك النواح والنحيب لأجل المهدي.
وعلى هذا المنوال الروايات التالية التي في سندها أمثال: «علي بن أبي حمزة البطائني» المخادع المعروف وأمثاله.
وفي الروايات الأخيرة من هذا الباب رواية تقول: «مَثَلُ أَمْرِنَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى مَثَلُ صَاحِبِ الْحِمَارِ أَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ‏»، وهذا يتعارض تماماً مع الروايات الأخرى التي تقول إن المهدي حيّ ولم يمت وسيبقى حياً حتى يظهر فيملأ الأرض عدلاً. فالروايات الثلاث عشرة التي جمعها المجلسيّ في هذا الباب لا طائل تحتها سوى إتلاف الوقت.
باب ذكر أخبار المعمرين لرفع استبعاد المخالفين عن طول غيبة مولانا القائم:
ذكر المجلسي في هذا الباب أخبار المعمّرين ليثبت بذلك طول عمر المهدي القائم وغيبته ويرد على مخالفي الشيعة الذين يستبعدون إمكانية ذلك،
والجواب: كما قلنا سابقاً، إن الإمكان وحده لا يكفي دليلاً على وقوع الشيء. فمثلاً، من الممكن أن يهب الله خاتم النبيين عمراً يصل إلى ألف عام لكنه لم يفعل ذلك، فالإمكانية وحدها لا تثبت شيئاً، ولا بد من الإتيان بدليل يثبت الوقوع والتحقُّق الفعلي لهذه الإمكانية.
ثانياً: لا يمكن إثبات طول العمر بالقياس، فمثلاً هل يجوز أن نقول إنه لما كان عمر نوح ألف عام فلا بد أن يعيش يوسف ألف عام؟!.
ثالثاً: في بداية خلق البشر كان عمر أكثر الناس طويلاً، ولكن هذا العمر بدأ يتناقص بالتدريج، فلا يمكن قياس عمر شخص في القرون الأخيرة على عمر من عاشوا قبل آلاف السنين. فمثلاً: معاصري حضرة نوح كان لهم جميعاً أعمار طويلة مثل نوح، ولذلك كانوا يعتبرونه بشراً مثلهم ويقولون ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ (المؤمنون/24)، إذْ لو كان عمر نوح ألف عام وعمر الآخرين سبعين عام لاستطاع أن يدعي أي شيء حتى الألوهية ولصدقه الناس. إضافة إلى ذلك، فإن أجساد أصحاب الأعمار الطويلة تختلف عن أجساد الناس في عصرنا كما قال تعالى بشأن أجساد قوم عاد بعد إهلاكهم: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر/20)، وقال أيضاً: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(الحاقة/7).
رابعاً: الأشخاص الذين ذكرت التواريخ أعمارهم الطويلة شاهدهم الناس، فما علاقة ذلك بشخص لم يره الناس ولم يشاهدوه؟
نعم، كان قوم نوح وعاد وثمود وأنبيائهم أصحاب أعمار طويلة لكن ما علاقة ذلك بزماننا؟ وما الدليل على أن ما كان في الأزمنة السابقة لا بد أن يكون في الأزمنة اللاحقة؟! أوليس الله قادراً على أن يخلق شخصاً لإصلاح المفاسد دون حاجة إلى أن يبقيه حياً آلاف السنوات! على كل حال، إن تلك القصص التي يذكرها المجلسي والصدوق في كتبهم لا فائدة منها سوى تكبير حجم الكتاب وزيادة عدد أوراقه ولا تثبت شيئاً.
أضف إلى ذلك أن من يمتد به العمر كثيراً يهرم جسده وتضعف حواسه كما قال تعالى في سورة يس: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (يس/68).
أجل، إن سنة الله جرت على أن من يطول عمره يمرض ويضعف في آخر العمر، فإذا كنتم تريدون أن تثبتوا العمر المتطاول جداً للمهدي فعليكم أن تقبلوا عروض عوارض الشيخوخة والضعف عليه، لأن سنة الله لا تتغير، كما يقول سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا(الأحزاب/62). نعم، هناك آياتٌ كثيرةٌ في القرآن تبطل طول عمر الإنسان دون تعرّضه للضعف والنقص، فيبدو أن الذين يقولون بأن المهدي يعمّر آلاف السنين ويبقى شاباً وسالماً لا علم لهم بالقرآن الكريم.
خامساً: كل من يعمر طويلاً يصبح له أولاد وأحفاد وأولاد أحفاد، فإذا كان المهدي حياً فعلاً فلا بد أن يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النكاح فيتزوج ويكون له بنين وحفدة، فأين هؤلاء الأولاد والأحفاد ومن رآهم؟ وإذا لم يتزوج واختار العزوبية يكون قد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنن المرسلين ومثل هذا المهدي عمله غير مقبول ولا يستحق الإتباع. يقول تعالى في كتابه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً (الرعد/38).
إذن جميع القصص التي أوردها المجلسي هنا من أن فلاناً عاش 300 عام وفلاناً 200 عام وفلاناً كذا من الأعوام لا تغني شيئاً ولا تصلح دليلاً على وجود المهدي(30).
باب 15- ما ظهر من معجزاته صلوات الله عليه وفيه بعض أحواله وأحوال سفرائه:
أولاً ينبغي أن نعلم أن من عادة أهل كل مذهب أو فرقة أن ينسبوا المعجزات لإمام مذهبهم، كما نرى لدى الصوفية والباطنية والشاه نعمت اللهية والشيخية وأمثالهم، ولو قرأتم كتاب «تذكرة الأولياء» لعطار النيشابوري(31) مثلاً أو كتاب «نفحات الأنس» للجامي(32) وأمثالهما لرأيتم نسبتهما آلاف المعجزات للمرشدين ومشايخ الطرق الصوفية، وكذلك الأمر في كتب اليهود والنصارى. فذكر المعجزات لا يصلح دليلاً على أحقيّة مذهبٍ أو مسلكٍ ما.
ثانياً: يبين القرآن الكريم لنا أن المعجزات ليست من صنع الأنبياء بل هي من صنع الله الذي يظهرها على أيدي أنبيائه لتكون دليلاً على صدقهم وأن رسالتهم حق. فإذا صارت النار برداً وسلاماً على إبراهيم فلأن الله تعالى جعلها كذلك، وإذا كان القرآن الكريم معجزةُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلأن الله تعالى هو الذي أنزله وهو الذي تكلم به فهو كلام الله تعالى وليس كلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا خرجت ناقةٌ من الصخر لصالح (ع) فإن ذلك كان كما يدل عليه صريح القرآن عمل الله تعالى لا عمل النبي صالح (ع). إذن نسبة المعجزات إلى عبدٍ من عباد الله أمرٌ خاطئ، فما معنى قولكم معجزات المهدي؟ إن الله تعالى هو الذي خلق الأشياء وأوجد طبائعها وهو وحده القادر على التصرف بطبائع مخلوقاته وعلى التكوين، فالمعجزات المنسوبة إلى الأنبياء هي في الواقع من صنع الله وقد نُسِبَتْ إلى الأنبياء مجازاً.
ثالثاً: كلما كانت المنافع والإيرادات المالية الآتية من مذهبٍ أو بدعةٍ أكثر، زاد أربابه في تلفيق واختراع المعجزات والكرامات لأئمته، والإيرادات المالية التي يجنيها مشايخ الشيعة من أتباعهم لا تُقارن بها إيرادات أي مذهب آخر، وبناء عليه طالما كان المردود سخيّاً فلماذا لا يبذل أصحاب الدكاكين (المذهبية) كل ما في وسعهم لترويج دكانهم ولو باختراع المعجزات والكرامات!!
اقرؤوا المعجزات التي ذكرها المجلسي في هذا الباب ولاحظوا أن أكثرها يتعلق بالأموال الشرعية التي كان يُؤْتى بها للإمام أو نوّابه حيث يخبر الإمام أو نائبه من يأتيه بالمال عن مقدار المال الذي لديه ونوعه، وإذا كانت تلك الأخبار صحيحة فعلاً فمعنى ذلك أن الأئمة أو نوابهم كانوا يسخِّرون الجن وأن الجن كانوا يخبرونهم بذلك لأن أكثر تلك المعجزات المذكورة في هذا الباب تتعلق بالإخبار المسبق عن أموال الناس والتحدث عما هو من الغيب. نعم قيلت الكثير من الأكاذيب حول مال الدنيا وسيستمر الكذب دائماً حول هذا الأمر.
رابعاً: لقد كرَّر الله تعالى نفي علم الغيب عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم وأمره أن يقول ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهَ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ  فكيف يمكن لإمامٍ لا يوحي إليه أن يعلم الغيب في كل لحظة ويخبر عن الأموال وعن كميتها وأصحابها!! ولماذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك، ولم يكن يخبر الناس عن مقادير وكيفية الأموال الشرعية كأموال الزكاة وغيرها التي كانت تأتي إليه، ولا يخبر الناس عن أصحابها. إنني أتعجب من الذين بدّلوا دين الإسلام إلى مئة مذهب، كيف يسوّغون لأنفسهم أن يرفعوا مقام عظماء مذهبهم فوق مقام نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وشارع الإسلام بإثباتهم لأئمتهم معجزات وكرامات أكثر من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهل يكون وصى النبي أو أبناؤه أعلى درجةً من النبي ذاته؟!!
خامساً: إن أكثرية ناقلي ورواة هذه المعجزات هم أشخاص مجهولو الحال أو كذابون أو وضاعون أو كانوا أنفسهم أصحاب دكاكين مذهبية هدفها أخذ أموال الناس. وسنقوم بفحص وتمحيص هذه الأخبار واحداً واحداً ونترك الحكم عليها للقراء الكرام. لقد نسبوا لكل مرشد أو سفير أو نائبٍ للمهدي معجزات لا يوجد واحد بالمئة منها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يمكننا أن نصّدق أن أصحاب تلك الفرق كانوا أعلى مقاماً وأرفع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!.
ولنبدأ الآن بتمحيص أحاديث هذا الباب:
الخبر الأول، يرويه الشيخ الطوسي عن «جَمَاعَة مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا» دون أن يبين لنا أسماءهم ولاأوصافهم!!
الخبر الثاني، راويه رجل خبيث وعديم الدين ومطعونٌ به في كتب رجال الشيعة وهو «الشلمغاني» الذي ادّعى النبوّة واستحلّ المحرّمات، ومن البديهي أن خبر مثل هذا الشخص لا يصحّ ولا يُقبل.
الخبر الثالث، راويه مجهول، ومتنه يتضمن قصة خرافية تخالف القرآن حيث تقول حكيمة فيه «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (ع) بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً مِنْ وِلَادَةِ نَرْجِسَ فَإِذَا مَوْلَانَا صَاحِبُ الزَّمَانِ يَمْشِي فِي الدَّارِ! فَلَمْ أَرَ لُغَةً أَفْصَحَ مِنْ لُغَتِهِ! فَتَبَسَّمَ أَبُو مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الأئِمَّةِ نَنْشَأُ فِي يَوْمٍ كَمَا يَنْشَأُ غَيْرُنَا فِي سَنَةٍ...».
أقول: ولكن القرآن يرد مثل هذا الكلام إذ يقول إن الأنبياء بشرٌ كسائر البشر [لا يختلفون عنهم إلا بالوحي]: ﴿إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ..  (إبراهيم/11). ثم كيف لم يكبر حضرة علي والحسنين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه عاماً كل يوم وكَبُرَ المهدي كذلك؟ وثانياً: إن حكيمة هذه ذاتها تقول في خبر ورد في الصفحة 346 من هذا الجزء ذاته (من بحار الأنوار) أنها لم ترَ المهدي بل سمعت عنه فقط. فروايات هؤلاء الرواة متناقضة ومتعارضة والسبب أن حبل الكذب قصير. نعم لقد لفّقوا كلّ ما شاؤوا من الأخبار المخالفة للكتاب والسنّة وللعقل. مثلاً من المقطوع به أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعلم ما كان وما يكون، لذا عندما جاء أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ إَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم في المَدِينَةَ، واحتال عليه قائلاً له: يَا مُحَمّدُ لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِك، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وآله وسلم المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ خِيَارِ المُسْلِمِينَ فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ فانقضَّ عليهم النجديّون وأحاطوا بهم وقتلوهم جميعاً!(33) أما هنا ففي الخبر الأول في هذا الباب يروي المجلسي أن «الحسين بن رَوْح»(34) قال لعلي بن بايويه لما استأذنه فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ: «لَا تَخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَعَادَ وَقَالَ هُوَ نَذْرٌ وَاجِبٌ أَفَيَجُوزُ لِيَ الْقُعُودُ عَنْهُ؟ فَخَرَجَ فِي الْجَوَابِ: إِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَكُنْ فِي الْقَافِلَةِ الأخِيرَةِ وَكَانَ فِي الْقَافِلَةِ الأخِيرَةِ فَسَلِمَ بِنَفْسِهِ وَقُتِلَ مَنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَافِلِ الأخَرِ»!!. سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعلم الغيب أما أولئك فيعلمون الغيب! لم يُبْعد من قال إن الحسين بن روح كان جاسوساً لبني العباس، بل هناك من قال إن النواب الأربعة(35) جميعاً كانوا جواسيس لبني العباس، حيث كانوا يأخذون أموال الشيعة ويعطونها للدولة القائمة.
الخبر الرابع: لا يُعلم راويه لأن المجلسي نقله عن كتاب الخرائج(36) الذي رواه بقوله: «رُوِيَ» دون بيان هوية الراوي ولا زمانه ولا مكانه. وهذا الراوي المجهول روى عن «محمد بن هارون الهمداني» وهو شخص مجهول العقيدة والمذهب، وذكر أنه أعطى مالاً لمحمد بن جعفر وهو شخصٌ مجهول أيضاً، لكنه أخبر بمقدار ذلك المال عن غيب!
الخبر الخامس: يرويه الراوندي أيضاً [صاحب كتاب الخرائج والجرائح] الذي عاش في القرن السادس الهجري في كتابه الخرائج عن «مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الشَّاشِيِّ» وهو شخص مجهول ومهمل وينتمي للقرن الثالث الهجري ولا أحد يدري هوية الرواة الذين يصلون بين الراوندي والشاشيّ! فالحديث منقطع السند.
وعلى كل حال تقول الرواية إنَّ «مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ الشَّاشِيَّ» قال لمحمد بن حصين أن يعطي مال الغريم إلى شخص اسمه «حاجز». ولا نعلم من هو محمد بن حصين فهو مهمل ومجهول. حقاً لا ندري ما المقصود من ذكر أحاديث المجاهيل وأي شيء يمكن إثباته بها؟!
الخبر السادس: رواه صاحب كتاب «الخرائج» ذاته عن رجلٍ من استرآباد! - هكذا دون بيان هوية هذا الرجل وما مذهبه! – أنه قال: «صِرْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَمَعِي ثَلَاثُونَ دِينَاراً فِي خِرْقَةٍ مِنْهَا دِينَارٌ شَامِيٌّ فَوَافَيْتُ الْبَابَ وإِنِّي لَقَاعِدٌ إِذْ خَرَجَ إِلَيَّ جَارِيَةٌ أَوْ غُلَامٌ الشَّكُّ مِنِّي قَالَ هَاتِ مَا مَعَكَ قُلْتُ مَا مَعِي شَيْ‏ءٌ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَقَالَ مَعَكَ ثَلَاثُونَ دِينَاراً فِي خِرْقَةٍ خَضْرَاءَ مِنْهَا دِينَارٌ شَامِيٌّ وخَاتَمٌ كُنْتَ نَسِيتَهُ فَأَوْصَلْتُهُ إِلَيْهِ وَأَخَذْتُ الْخَاتَمَ». لاحظوا أن شخصاً مجهولاً يعطي ماله لجاريةٍ أو لغلام، وعلى القارئ أن يصدق أن تلك الجارية أو ذلك الغلام أخبرا عن أمرٍ من الغيب، رغم مخالفة هذا للقرآن الكريم [الذي ينفي علم الغيب عن غير الله]. نعم عندما افترى المنافقون الإفك بحق عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغيب وبقي متغيراً نحوها مدة شهرين بل فكر بمفارقتها، إلى أن أنزل الله آيات محكمات في براءتها وطهارتها من الإفك، أما هؤلاء فيثبتون العلم بالغيب للآخرين، فهل يعتبرون الآخرين أعلى رتبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
الخبر السابع: منقول عن كتاب الخرائج أيضاً حيث يقول: «رُوِيَ عَنْ مَسْرُورٍ الطَّبَّاخِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ لِضِيقَةٍ أَصَابَتْنِي فَلَمْ أَجِدْهُ فِي الْبَيْتِ فَانْصَرَفْتُ فَدَخَلْتُ مَدِينَةَ أَبِي جَعْفَرٍ فَلَمَّا صِرْتُ فِي الرَّحْبَةِ حَاذَانِي رَجُلٌ لَمْ أَرَ وَجْهَهُ وَقَبَضَ عَلَى يَدِي وَدَسَّ إِلَيَّ صُرَّةً بَيْضَاءَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا عَلَيْهَا كِتَابَةٌ فِيهَا اثْنَا عَشَرَ دِينَاراً وَعَلَى الصُّرَّةِ مَكْتُوبٌ مَسْرُورٌ الطَّبَّاخُ». أقول: ليت شعري ما الذي يثبته هذا الخبر؟ السؤال برسم صاحب كتاب الخرائج!
الخبر الثامن: رواه صاحب كتاب «الخرائج» في القرن السادس مباشرة عن «محمد بن شاذان» الذي كان في القرن الثالث!! دون واسطة!! وهذا هو حال جميع الأخبار والروايات التي يذكرها الراوندي في كتابه الخرائج فهي مرسلة ومقطوعة السند وبالتالي غير صحيحة، لأنه يرويها عن رواة من القرن الثالث دون بيان طريقه إليهم.
الخبر التاسع: راويه المجهول يقول: «وُلِّينَا دِينَوَرَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ فَجَاءَنِي الشَّيْخُ قَبْلَ خُرُوجِنَا فَقَالَ إِذَا أَرَدْتَ الرَّيَّ فَافْعَلْ كَذَا فَلَمَّا وَافَيْنَا دِينَوَرَ وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَلَايَةُ الرَّيِّ بَعْدَ شَهْرٍ فَخَرَجْتُ إِلَى الرَّيِّ فَعَمِلْتُ مَا قَالَ لِي».
أقول: هل هناك كلامٌ أكثر اضطراباً من هذا؟!! شخص مجهول يقول: وُلِّينَا دِينَوَرَ، فمن هو الذي ولاه دينور وما قصده من هذا الكلام؟! لا أحد يعلم. فجاء شيخ فقال إذا أردت الري فافعل كذا!! فمن هو هذا الشيخ؟ لا أحد يعلم.
وما علاقة كل ذلك بإثبات المهدي؟!! حقاً إن الإنسان ليتحير من هؤلاء المحدثين ماذا يريدون؟!
الخبر العاشر: رواه صاحب الخرائج أيضاً بصيغة رُوِي دون بيان هوية الراوي، عن شخصمجهول باسم «غِلَالِ بْنِ أَحْمَدَ» عن مجهول آخر......
الخبر الحادي عشر: رواه صاحب الخرائج مباشرةً عن أحمد بن أبي روح من أهل القرن الثالث دون واسطة!!
الخبر الثاني عشر: رواه «مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ السَّيَّارِيُّ» المهمل ومجهول الحال قال: «أَوْصَلْتُ أَشْيَاءَ لِلْمَرْزُبَانِيِّ الْحَارِثِيِّ فِي جُمْلَتِهَا سِوَارُ ذَهَبٍ» أقول: من هو هذا المرزباني وماذا كان عمله؟! لا أحد يعلم! ثم يتابع قائلاً: «فَقُبِلَتْ وَرَدَّ السِّوَارَ وَأُمِرْتُ بِكَسْرِهِ فَكَسَرْتُهُ فَإِذَا فِي وَسَطِهِ مَثَاقِيلُ حَدِيدٍ ونُحَاسٍ وصُفْرٍ فَأَخْرَجْتُهُ وَأَنْفَذْتُ الذَّهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُبِلَ»! أقول: ما المقصود من هذا الخبر وما علاقته بالمهدي؟ السؤال برسم الراوي المتوفى!
الخبران 13 و14 يرويهما مجهول عن مجهول مثله.......
الخبر الخامس عشر: أكثر أخبار هذا الباب فضيحةً إذ يرويه رجل مجهول لولا وجود اسمه في سند هذه الرواية لما عرفنا باسمه أصلاً يقول: «لَمَّا مَاتَ أَبِي وَصَارَ الأمْرُ إِلَيَّ (وقد جعل الممقاني هذه الجملة دليلاً على أنه كان وكيلاً وسفيراً لإمام الزمان في حين أنه لا يوجد بين من ذُكِرَ أنهم نواب أو سفراء إمام الزمان أيُّ شخص باسم محمد بن صالح أو باسم صالح) كَانَ لأبِي عَلَى النَّاسِ سَفَاتِجُ(37) مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ (قال الشيخ المفيد أن المقصود من الغريم «صاحب الأمر، أي المهدي») قَالَ: فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُعْلِمُهُ فَكَتَبَ إِلَيَّ طَالِبْهُمْ واسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَقَضَانِي النَّاسُ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وكَانَتْ عَلَيْهِ سَفْتَجَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ فَجِئْتُ إِلَيْهِ أَطْلُبُهُ فَمَطَلَنِي واسْتَخَفَّ بِي ابْنُهُ وسَفِهَ عَلَيَّ فَشَكَوْتُهُ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ وكَانَ مَا ذَا فَقَبَضْتُ عَلَى لِحْيَتِهِ‏ وأَخَذْتُ بِرِجْلِهِ وسَحَبْتُهُ إِلَى وَسَطِ الدَّارِ ورَكَلْتُهُ رَكْلًا كَثِيراً فَخَرَجَ ابْنُهُ مُسْتَغِيثاً بِأَهْلِ بَغْدَادَ يَقُولُ قُمِّيٌّ رَافِضِيٌّ قَدْ قَتَلَ وَالِدِي فَاجْتَمَعَ عَلَيَّ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَرَكِبْتُ دَابَّتِي وقُلْتُ أَحْسَنْتُمْ يَا أَهْلَ بَغْدَادَ تَمِيلُونَ مَعَ الظَّالِمِ عَلَى الْغَرِيبِ الْمَظْلُومِ أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وهَذَا يَنْسُبُنِي إِلَى قُمَّ ويَرْمِينِي بِالرَّفْضِ لِيَذْهَبَ بِحَقِّي ومَالِي قَالَ فَمَالُوا عَلَيْهِ وأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى حَانُوتِهِ حَتَّى سَكَّنْتُهُمْ وطَلَبَ إِلَيَّ صَاحِبُ السَّفْتَجَةِ أَنْ آخُذَ مَا فِيهَا وحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُوَفِّينِي مَالِي فِي الْحَالِ فَاسْتَوْفَيْتُ مِنْهُ.».
أقول: اقرؤوا جيداً هذا الخبر الذي عدّه المجلسي وغيره من المحدثين من الشيعة من معجزات المهدي وانظروا أيَّ دُكَّان ذا دخل وفير استطاعوا أن يؤمنوه لأنفسهم، فهذا الشخص إذا قبلنا أنه كان من نواب المهدي وكان يأخذ الأموال بتلك الطرق المليئة بالاحتيال والضجيج والإكراه بحجّة أنه يريد أخذ سهم الإمام، فلن يبقى أيُّ حيثية أو ماء وجه عندئذٍ للمهدي، ويتضح من الأخبار أن أمثال هذا النائب المدَّعي لنيابة المهدي كانوا بالمئات وكان هذا هو عملهم!!
الخبر السادس عشر: [منقول عن كتاب الإرشاد للمفيد] يرويه راو مجهولٌ باسم «الحسن بن عيسى العُرَيضي» يقول: «لَمَّا مَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) وَرَدَ رَجُلٌ مِنْ مِصْرَ بِمَالٍ إِلَى مَكَّةَ لِصَاحِبِ الأمْرِ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ وقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَى مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ وقَالَ آخَرُونَ الْخَلَفُ مِنْ بَعْدِهِ جَعْفَرٌ.... » وفي النهاية أخذ الأصحابُ والشيعةُ المدَّعون للنيابة المالَ منه. أقول: حسناً، فما علاقة ذلك بمعجزات المهدي حتى يذكر هذا الحديث في باب معجزاته؟! كانت هناك كثيراً من الأموال يأخذها السفراء والنواب الأربعة وغيرهم من النواب، وكتاب الكافي وسائر كتب الشيعة مملوءة من أخبار الأموال التي كانوا يأتون بها إلى الإمام أو نوابه.
الخبر السابع عشر: مرويٌّ عن رجل مجهول باسم «علي بن محمد» والخبر الثامن عشر مروي كذلك عن «الحَسَنُ بن محمد الأشعري» مجهول الحال.
والخبر التاسع عشر: خبر مرفوع يصل إلى «أَحْمَدَ الدِّينَوَرِيِّ السَّرَّاجِ» الذي لا يعلم أحد عن حاله وصفاته شيئاً، يقول: «انْصَرَفْتُ مِنْ أَرْدَبِيلَ إِلَى دِينَوَرَ أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ وذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وكَانَ النَّاسُ فِي حِيرَةَ فَاسْتَبْشَرَ أَهْلُ دِينَوَرَ بِمُوَافَاتِي واجْتَمَعَ الشِّيعَةُ عِنْدِي فَقَالُوا اجْتَمَعَ عِنْدَنَا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ مَالِ المَوَالِي ونَحْتَاجُ أَنْ نَحْمِلَهَا مَعَكَ وتُسَلِّمَهَا بِحَيْثُ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا... قَالَ: فَلَمَّا وَافَيْتُ قَرْمِيسِينَ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ [وهو شخص مجهول الحال أيضاً] مُقِيماً بِهَا فَصِرْتُ إِلَيْهِ مُسَلِّماً فَلَمَّا لَقِيَنِي اسْتَبْشَرَ بِي ثُمَّ أَعْطَانِي أَلْفَ دِينَارٍ فِي كِيسٍ وتُخُوتَ ثِيَابِ أَلْوَانٍ مُعْكَمَةٍ لَمْ أَعْرِفْ مَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ لِي احْمِلْ هَذَا مَعَكَ ولَا تُخْرِجْهُ عَنْ يَدِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ قَالَ فَقَبَضْتُ المَالَ والتُّخُوتَ بِمَا فِيهَا مِنَ الثِّيَابِ فَلَمَّا وَرَدْتُ بَغْدَادَ لَمْ يَكُنْ لِي هِمَّةٌ غَيْرَ الْبَحْثِ عَمَّنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالنِّيَابَةِ....»
وتذكر الرواية الطويلة أنه زار في هذا الصدد عدة أشخاص من مدعي النيابة منهم الْبَاقَطَانِيّ وإِسْحَاق الأحْمَر وأبو جَعْفَر الْعَمْرِيّ فلم يجد حجة على صحة نيابتهم حتى اقترح عليه أبو جعفر العمري المسير إِلَى سُرَّمَنْ‏رَأَى والسؤال عن دَار ابْن الرِّضَا وعَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْوَكِيلِ وكَانَتْ دَارُ ابْنِ الرِّضَا عَامِرَةً بِأَهْلِهَا [وقال له:] فَإِنَّكَ تَجِدُ هُنَاكَ مَا تُرِيدُ قَالَ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ ومَضَيْتُ نَحْوَ سُرَّمَنْ‏رَأَى وصِرْتُ إِلَى دَارِ ابْنِ الرِّضَا وسَأَلْتُ عَنِ الْوَكِيلِ فَذَكَرَ الْبَوَّابُ أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ فِي الدَّارِ وأَنَّهُ يَخْرُجُ آنِفاً فَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ فَخَرَجَ بَعْدَ سَاعَةٍ فَقُمْتُ وسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ وسَأَلَنِي عَنْ حَالِي ومَا وَرَدْتُ لَهُ فَعَرَّفْتُهُ أَنِّي حَمَلْتُ شَيْئاً مِنَ الْمَالِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبَلِ وأَحْتَاجُ أَنْ أُسَلِّمَهُ بِحُجَّةٍ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ..... إلى أن يصل إلى قوله أن الوكيل جاءَه في الليل ومَعَهُ دَرْجٌ فِيهِ ذكر أصحاب الأموال ومقاديرها بدقة... فقام بتسليمها إليه.... وبعد عدة صفحات من السرد القصصي يصل المجلسي إلى قوله:
« قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي الْبَغْلِ الْكَاتِبُ قَالَ تَقَلَّدْتُ عَمَلًا مِنْ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ صَالِحَانِ وجَرَى بَيْنِي وبَيْنَهُ مَا أوجبت [أَوْجَبَ‏] اسْتِتَارِي فَطَلَبَنِي وأَخَافَنِي فَمَكَثْتُ مُسْتَتِراً خَائِفاً ثُمَّ قَصَدْتُ مَقَابِرَ قُرَيْشٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ واعْتَمَدْتُ المَبِيتَ هُنَاكَ لِلدُّعَاءِ والمَسْأَلَةِ.... [إلى قوله] وانْتَصَفَ اللَّيْلُ... ومَكَثْتُ أَدْعُو وأَزُورُ وأُصَلِّي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ وَطْئاً عِنْدَهُ مَوْلَانَا مُوسَى[بن جعفر] (ع) وإِذَا رَجُلٌ يَزُورُ فَسَلَّمَ عَلَى آدَمَ وأُولِي الْعَزْمِ..... [إلى قوله أن هذا الرجل قال له]: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ أَبِي الْبَغْلِ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ دُعَاءِ الْفَرَجِ فَقُلْتُ ومَا هُوَ يَا سَيِّدِي فَقَالَ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وتَقُولُ يَا مَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وسَتَرَ الْقَبِيحَ.......(إلى آخر الداء الطويل) [إلى قوله] ثُمَّ تَضَعُ خَدَّكَ الأيْمَنَ عَلَى الأرْضِ وتَقُولُ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي سُجُودِكَ:
يَا مُحَمَّدُ يَا عَلِيُّ يَا عَلِيُّ يَا مُحَمَّدُ اكْفِيَانِي فَإِنَّكُمَا كَافِيَايَ وانْصُرَانِي فَإِنَّكُمَا نَاصِرَايَ....».
 أقول: إذن أمره أن يخالف تعاليم القرآن التي تنهى عن دعاء أي موجود غيبي غير الله تعالى للاستغاثة به وطلب الحوائج منه، ودعاه إلى الشرك ومناداة المخلوق بدل دعاء الخالق وأن يقول: «يَا مُحَمَّدُ يَا عَلِيُّ»! إذن كأنه قال له يجب أن لا تصغي إلى قول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ (الزمر/36) بل قل: «يَا عَلِيُّ يَا مُحَمَّدُ اكْفِيَانِي فَإِنَّكُمَا كَافِيَايَ»!! ولا تصغِ إلى قول الله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (البقرة/107)!.
ثم أقول: يبدو أن المقصود من هذا الخبر الطويل المفصَّل(38) هو حث الناس على هذا العمل الشركيّ. وإذا تساءَلنا: ما الذي يستفيده كُتَّاب تلك الروايات من إشراك الناس وعبادتهم الإمام مع عبادة الله، فالجواب هو الإتيان بآلاف الدنانير تلك باسم الأموال الشرعية الواجبة، والذي سيستمر مادامت الدنيا. يقول الله تعالى ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (غافر/12). وهذه الآية تنطبق على أمثال أولئك الرواة المشركين تماماً.
الخبر العشرون: فيه روايتان مرفوعتان تفيدان أن نواب المهدي كانوا يعلمون الغيب ويخبرون عنه، وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ (النمل/65). فهل يجب أن نعرض الخبر على القرآن [لنأخذ به إذا وافق القرآن ونتركه إذا خالفه] أم الواجب عرض القرآن على الأخبار؟!!
الخبران 21 و22 منقولان عن رواةٍ يدّعون النيابة والسفارة، فهما متهمان - عند العقلاء - فيما ينقلانه مما فيه مصلحتهما وانتفاعهما، هذا إن كان في الخبرين أي شيء مفيد.
الخبر الثالث والعشرون: يرويه «أحمد بن محمد العلوي» - من أهل القرن السادس - مباشرةً ودون واسطة عن «محمد بن علي العلوي الحسيني» الذي كان في القرن الثالث! وهو مجهول الحال أيضاً، فالسند ساقط من الاعتبار لما فيه من جهالة وانقطاع. ومضمونة قصة طويلة فيها أن الراوي رأى «قيم الزمان وولي الرحمن وهو بين النائم واليقظان» فعلَّمَهُ دعاءً كان عظيم التأثير.
وأقول: من البديهي أن ما رآه ذلك الراوي بين النوم واليقظة لم يكن المهدي، لأن من لم يرَ الشخص حال حياته فكيف سيعرفه إذا رآه في المنام؟!
الخبر الرابع والعشرون: في سنده «عليّ بن محمد» عن «بعض أصحابنا»، ولا ندري من هم أولئك الأصحاب وما عقيدتهم؟ وهذا يوجب ضعف الخبر، وعلى كل حال فليس في هذه الخبر أي شيء مهم أو معجزة.
الخبر الخامس والعشرون: راويه أحد وكلاء ونواب الإمام يدعى «الحسن بن النضر»، فلما كان مضمون الخبر يجرُّ له النفع لم يصحّ قبوله. ويتضمّن الخبر قول راويه « لمَّا وَافَيْتُ بَغْدَادَ اكْتَرَيْتُ دَاراً فَنَزَلْتُهَا فَجَاءَنِي بَعْض الْوُكَلَاءِ بِثِيَابٍ ودَنَانِيرَ وخَلَّفَهَا عِنْدِي فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هُوَ مَا تَرَى. ثُمَّ جَاءَنِي آخَرُ بِمِثْلِهَا وآخَرُ حَتَّى كَبَسُوا الدَّارَ....» أي حتى امتلأت الدار بالأموال. وأقول طبعاً ترويج أحفاد الأئمة إنما يقوم به القائمون عليهم، ومن هنا نعرف السر في كثرة مدّعي النيابة لإمام الزمان!
الخبر السادس والعشرون: مرويّ عن «الْفَضْلِ الْخَزَّازِ المَدَائِنِيِّ» مجهول الحال والضعيف.
أما متنه فلا يثبت شيئاً بل فيه ما يبطل الادعاء، لأنه يقول: «إِنَّ قَوْماً مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ كَانُوا يَقُولُونَ بِالْحَقِّ فَكَانَتِ الْوَظَائِفُ تَرِدُ عَلَيْهِمْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا مَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ (ع) رَجَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَنِ الْقَوْلِ بِالْوَلَدِ فَوَرَدَتِ الْوَظَائِفُ عَلَى مَنْ ثَبَتَ مِنْهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَلَدِ وقُطِعَ عَنِ الْبَاقِينَ فَلَا يُذْكَرُونَ فِي الذَّاكِرِينَ والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏» أقول: المراد من قوله رجع قوم منهم عن القول بالولد: رجوعهم عن القول بأن الإمام الحسن العسكري أنجب ولداً، وهذا يدل على أن ترويج قصة الولد للحسن العسكري كانت تدّر على صاحبها مالاً. وفي زماننا أيضاً إذا قام عالم وبيَّن للناس حقائق الإسلام النقيَّة لم يقطعوا عنه معاشه فقط بل كِيلت له آلاف التُهم أيضاً.
الخبر السابع والعشرون: راويه «القاسم بن العلاء» ولما كان يدّعي النيابة والسفارة فقد روى ما يصبُّ في مصلحته وينفعه وأثبت لصاحب الأمر علم الغيب، حيث قال: «وُلِدَ لِي عِدَّةُ بَنِينَ فَكُنْتُ أَكْتُبُ وأَسْأَلُ الدُّعَاءَ فَلَا يُكْتَبُ إِلَيَّ لَهُمْ بِشيْ‏ءٍ فَلَمَّا وُلِدَ لِيَ الْحَسَنُ ابْنِي كَتَبْتُ أَسْأَلُ الدُّعَاءَ فَأُجِبْتُ يَبْقَى والحَمْدُ لِلَّهِ».
أقول: هذا مخالف تماماً للقرآن لأنه الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان/34). ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لم يكن يعلم مطلقاً بما كان مُقَدَّراً على أصحابه من حياةٍ أو موت. وقد جاء في سورة الكهف ما يفيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل أسئلةً فوعد بالإجابة عنها غداً ولم يستثنِ بقول إن شاء الله فتأخر عنه الوحي لهذا السبب [لم يأته الوحي حتى 40 يوماً]، ولم يستطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عن أسئلة السائلين في تلك المدّة.
كما ورد في تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات/6) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل «الوليد بن عقبة بن أبي معيط» إلى قبيلة بني المصطلق ليأخذ منهم مال الزكاة، وكان بينهم وبينه في الجاهلية دم فلما خرجوا وتلقّوه بالتعظيم والحفاوة، ظنَّ أنهم خرجوا لقتله فخاف ورجع وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنهم ارتدوا وأرادوا قتلي ومنعوا الصدقة، فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعث إليهم خالد بن الوليد مع مجموعة من الأفراد وأمره أن يراقب أحوالهم فإذا تأكد من ارتدادهم قاتلهم فنزلت الآية المذكورة وبيَّنت أن الوليد بن عقبة فاسقٌ وأنه قد كذب وافترى فيما قاله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. إذن لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغيب لعرف كذب الوليد بن عقبة من بداية الأمر ولما أرسل جنده ليستطلعوا حقيقة الخبر.
وفي معركة أحد لما شجته صخرة في وجهه الشريف وجرحت جبهته، لم يكن يعلم بذلك من قبل وإلا لغير مكانه وتفادي الضربة. ولأجل عدم علمه الغيب هذا قال تعالى له: ﴿قُل....... وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ...﴾ (الأعراف/188).
ولكن ورغم هذه الآيات الواضحات لا يزال عدد من عديمي الإطّلاع يثبتون لأبناء ابنة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم علم الغيب!
الخبر الثامن والعشرون: راويه «الحسن بن الفضل بن زيد» مجهول الحال. وأما متنه فيقول: «كَتَبَ أَبِي بِخَطِّهِ كِتَاباً فَوَرَدَ جَوَابُهُ ثُمَّ كَتَبَ بِخَطِّي فَوَرَدَ جَوَابُهُ ثُمَّ كَتَبَ بِخَطِّ رَجُلٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا فَلَمْ يَرِدْ جَوَابُهُ فَنَظَرْنَا فَكَانَتِ الْعِلَّةُ أَنَّ الرَّجُلَ تَحَوَّلَ قَرْمَطِيّاً». أقول: بالطبع لن يجيب السفراء والنواب على كتاب شخصٍ ليس مريداً لهم ولم يرسل إليهم مالاً. وأما قوله إن الرجل الذي لم يجب على سؤاله صار قرمطياً فهذا ليس بمبرر لأنه حتى لو كان السائل كافراً فلابد من إجابته على سؤاله أو استفتائه.
الخبر التاسع والعشرون: راويه «الحسن بن خفيف» وهو مجهول الحال وضعيف. وأما متن الخبر فيقول: «عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ بِخَدَمٍ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم ومَعَهُمْ خَادِمَانِ وكَتَبَ إِلَى خَفِيفٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ فَخَرَجَ مَعَهُمْ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ شَرِبَ أَحَدُ الْخَادِمَيْنِ مُسْكِراً فَمَا خَرَجُوا مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى وَرَدَ كِتَابٌ مِنَ الْعَسْكَرِ بِرَدِّ الْخَادِمِ الَّذِي شَرِبَ المُسْكِرَ وعُزِلَ عَنِ الْخِدْمَةِ».
أقول: ليس من الواضح في هذا الخبر من الذي تم إرساله ولماذا أرسل، وما هو المقصود من هذا الكلام؟ هل المقصود أن ذلك كان معجزةً؟! كلا والله، فلماذا يتم إيراد مثل هذه الروايات في باب معجزات المهدي؟ لا أحد يعلم!
الخبر الثلاثون: غايةٌ في الاضطراب والتخبُّط، فراويه «الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ الْعَلَوِيُّ» مهملكما ينص على ذلك علماء الرجال الشيعة فاسمه لم يذكر ضمن رجال الشيعة أصلاً. وثانياً: يروى هذا الراوي المهمل عن رجل من ندماء «رُوزْحَسَنِيّ» فمن هو «رُوزْحَسَنِيّ» هذا وما عمله؟ ومن الرجل الذي من ندمائه وما عقيدته وما شغله؟! لا أحد يعلم عن ذلك شيئاً. وقد قال أنه «يجبي الأموال وله وكلاء» ولم يبيّن أنه لمن تُجْبي الأموال ومن هم وكلاؤه؟ فلاحظوا أيها القراء: رجلمجهول ينقل كلاماً عن شخص مجهول يتضمن أموراً مبهمة ومجهولة، وهذا يعتبرونه من أدلة إثبات معجزات المهدّي. ثم يقول الحديث إن ذلك الشخص المجهول أرسل جاسوساً ليندسّ عند «محمد بن أحمد» ولا ندري من هو «محمد بن أحمد» هذا، هل كان من النواب أم من الوكلاء أم ماذا؟
كنا نقرأ معجزات الصوفية في كتاب «تذكرة الأولياء» أو «نفحات الأنس» فنسخر منها، ولم نكن ندري أن ما يكتبه علماؤنا هو أسوأ من ذلك!
الخبران 31 و32: ينقلهما المجلسي عن الشيخ الطوسي في كتابه «الغيبة»، حيث يقول الطوسي: «معجزات المهدي أكثر من أن تحصى غير أنا نذكر طرفاً منها» ويبدأ بعد ذلك بذكر أمور لا علاقة لها بالمعجزات ولا توجد بينها معجزة واحدة، وينقل روايةً في هذا الصدد عن محمد بن يعقوب يرفعها إلى «محمد بن إبراهيم بن مهزيار» دون أن يذكر واسطته إليه، وأما متن الرواية فلا علاقة له بالمعجزات سوى أنه يفتح دكاناً عظيم الدخل والربح إذ يقول: «كَانَ اجْتَمَعَ عِنْدَ أَبِي مَالٌ جَلِيلٌ فَحَمَلَهُ ورَكِبَ فِي السَّفِينَةِ وخَرَجْتُ مَعَهُ مُشَيِّعاً لَهُ فَوُعِكَ وَعْكاً شَدِيداً فَقَالَ يَا بُنَيَّ رُدَّنِي رُدَّنِي فَهُوَ الْمَوْتُ واتَّقِ اللهَ فِي هَذَا المَالِ وأَوْصَى إِلَيَّ ومَاتَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَمْ يَكُنْ أَبِي يُوصِي بِشَيْ‏ءٍ غَيْرِ صَحِيحٍ أَحْمِلُ هَذَا المَالَ إِلَى الْعِرَاقِ وأَكْتَرِي دَاراً عَلَى الشَّطِّ ولَا أُخْبِرُ أَحَداً فَإِنْ وَضَحَ لِي شَيْ‏ءٌ كَوُضُوحِهِ أَيَّامَ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع) أَنْفَذْتُهُ وإِلَّا تَصَدَّقْتُ بِهِ(39) فَقَدِمْتُ الْعِرَاقَ واكْتَرَيْتُ دَاراً عَلَى الشَّطِّ وبَقِيتُ أَيَّاماً فَإِذَا أَنَا بِرَسُولٍ مَعَهُ رُقْعَةٌ فِيهَا يَا مُحَمَّدُ مَعَكَ كَذَا وكَذَا فِي جَوْفِ كَذَا وكَذَا حَتَّى قَصَّ عَلَيَّ جَمِيعَ مَا مَعِي مِمَّا لَمْ أُحِطْ بِهِ عِلْماً فَسَلَّمْتُ المَالَ إِلَى الرَّسُولِ وبَقِيتُ أَيَّاماً لَا يُرْفَعُ لِي رَأْسٌ فَاغْتَمَمْتُ فَخَرَجَ إِلَيَّ قَدْ أَقَمْنَاكَ مَقَامَ أَبِيكَ فَاحْمَدِ اللهَ». أي من يريد أن يدفع الأموال يمكنه أن يدفعها إليك.
أقول: إن هذا الخبر يصلح مستنداً لفتح دكان لا لإثبات معجزة ومما يستدعي الأسف حقاً أن هؤلاء لا يفرقون بين المعجزة وفتح حانوت للاتجار والكسب.
الخبر الثالث والثلاثون: راويه «الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ زَيْدٍ الْيَمَانِيِّ» مهمل لم يذكر علماء رجال الشيعة اسَمُه بين راوة الشيعة ورجالهم، ولكن [الكليني] في «الكافي» والطوسي في كتابه «الغيبة» والمجلسي في «البحار» ينقلون عنه أخباراً مضطربة لا يمكن معرفة صدقها من كذبها، ويُعْلَم من جميعها أنه كان يرغب بإدعاء النيابة وفتح حانوت للكسب عن هذا الطريق، ويقول في الحديث: «وأردتُ أن أكتب» ولم يبيِّن لمن وإلى أين أراد الكتابة وما الذي أراد كتابته؟؟
الخبر الرابع والثلاثون: راويه «بدرٌ غلامُ أحمدَ بنِ الحسن» مهملٌ ومجهول الحال وهو يقول بنفسه: «.. وأنا لا أقول بالإمامة» ولا نعلم هل قال بعد ذلك بالإمامة أم بقي على عقيدته تلك؟ ثم يقول: «إِلَى أَنْ مَاتَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فَأَوْصَى إِلَيَّ فِي عِلَّتِهِ أَنْ يُدْفَعَ الشِّهْرِيُّ السَّمَنْدُ وسَيْفُهُ ومِنْطَقَتُهُ إِلَى مَوْلَاهُ..». ولا نعلم من هو يزيد المشار إليه وما هي مناسبة وصيته للراوي، ومن هو مولاه؟ ثم يقول: «فَخِفْتُ إِنْ لَمْ أَدْفَعِ الشِّهْرِيَّ إِلَى إِذْكُوتَكِينَ نَالَنِي مِنْهُ اسْتِخْفَافٌ» ولا ندري من هو «إذْ كوتكين» هذا ولماذا خاف إذا لم يدفع له ولم يعمل بالوصية؟ ثم يقول: «فَقَوَّمْتُ الدَّابَّةَ والسَّيْفَ والْمِنْطَقَةَ بِسَبْعِمِائَةِ دِينَارٍ فِي نَفْسِي ولَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً فَإِذَا الْكِتَابُ قَدْ وَرَدَ عَلَيَّ مِنَ الْعِرَاقِ أَنْ وَجِّهِ السَّبْعَمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي لَنَا قِبَلَكَ مِنْ ثَمَنِ الشِّهْرِيِّ السَّمَنْدِ والسَّيْفِ والْمِنْطَقَةِ». ولا ندري من أين ورد ذلك الكتاب (أي الرسالة) ومن الذي أرسله؟
أيها القارئ المحترم انظر إلى هذا الخبر المليء بالمبهمات والمهملات ثم انظر كيف يعتبره المجلسي من معجزات المهدي!.
الخبر الخامس والثلاثون: راويه «عيسى بن نصر» المهمل ومجهول الحال. عن علي بن زياد وهو - بقطع النظر عن هذا الخبر - مجهول الحال أيضاً. لكن المامقاني الذي ألف كتابه الرجالي لتطهير أمثال هؤلاء الرواة، اعتبره حسن الحال استناداً إلى هذه الرواية مع أن هذا ليس بصحيح. وعلى كل حال فمتن الرواية مخالف للقرآن حيث جاء فيه: «كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ الصَّيْمَرِيُّ يَلْتَمِسُ كَفَناً فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ فَمَاتَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْكَفَنِ قَبْلَ مَوْتِهِ».
أي أنهم أخبروه بتاريخ وفاته! هذا في حين أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان ينفي –كما في نهج البلاغة- علمه بوقت وفاته، وهذا الموضوع تكرر عدّة مرات في نهج البلاغة، وكان يجهل ميعاد وفاته إلى درجة أنه أتى بطبيبٍ ليشخص حالته ويخبره هل يبقى من مرضه أم يُتَوَفى، وفي نهج البلاغة أيضاً نصٌّ واضحٌ ينفي فيه الإمام علي عليه السلام علمه بميعاد وفاته [بعد الضربة الآثمة التي تلقاها من ابن ملجم] حيث يقول: «إن أبقَ فإنا ولي دمي وإن أفن فالفناء ميعادي». والقرآن كذلك يقول في آخر سورة لقمان بكل وضوح: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان/34).
الخبر 36: ينص متنه على أنه: «خَرَجَ [أي من ناحية الإمام الغائب] نَهْيٌ عَنْ زِيَارَةِ مَقَابِرِ قُرَيْشٍ والْحَائِرِ..».
أقول: هذا النهي مطابق للعقل ولسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الشيخ الطوسي والمجلسي صنعا منه معجزة، إذ قال الطوسي بعده: «فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَشْهُرٍ دَعَا الْوَزِيرُ الْبَاقَطَانِيَّ فَقَالَ لَهُ الْقَ بَنِي الْفُرَاتِ والْبُرْسِيِّينَ وقُلْ لَهُمْ لَا تَزُورُوا مَقَابِرَ قُرَيْشٍ فَقَدْ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُتَفَقَّدَ كُلُّ مَنْ زَارَ فَيُقْبَضَ عَلَيْهِ».
الخبر 37: رواه «محمد بن أحمد الصفواني» المهمل ومجهول الحال. وأما متن الخبر فقصة طويلة فحواها مدح القاسم بن العلاء - الذي كان يدّعي النيابة – وتمجيده، ولا عجب أن يقوم مدَّعو النيابة برواية أحاديث في مدح أنفسهم ومدح إمامهم، والعجيب أن الراوي يقول إن وكيل الإمام أخبره عن يوم وفاته، وأن صديقه الذي يُدْعى عبد الرحمن أنكر عليه ذلك وقال له: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ!ّ اتَّقِ اللهَ فَإِنَّكَ رَجُلٌ فَاضِلٌ فِي دِينِكَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ عَقْلِكَ، واللهُ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وقَالَ ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً..﴾ فَضَحِكَ الْقَاسِمُ وقَالَ لَهُ: أَتِمَّ الآيَةَ ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ ومَوْلَايَ هُوَ المُرْتَضَى مِنَالرَّسُولِ».
وأقول: إذن هؤلاء الرواة يعتبرون كلَّ إمام رسولاً!! مع أن من يعتقد بأن الإمام رسول يخرج من الإسلام. فالعجيب من أولئك المشايخ الذين يذكرون مثل هذه الروايات في كتبهم وهم يعلمون بطلانها..... وعلى كل حال في نهاية القصة يثبت الراوي مقام النيابة لابن القاسم بن العلاء الذي يُدعى «الحسن»، وهذا يذكرنا بما يحصل في زماننا، حيث أن كل من ينال مقام الرئاسة الدينية والنيابة العامة تُجبى إليه ملايين الأموال ويلتفُّ حوله كثير من المتملقين والمداحين.
الخبر 38: يذكر أن أموالاً كانت تُحمَل إلى صاحب الأمر من قم وما حولها ويؤتي بها إلى العراق لتُعَطي إلى وكيله، وأن وكيله هذا كان يخبر عن الغيب بالأموال التي جيء بها وبما بقي منها ولم يُسَلَّم.
أقول: ولكن الله تعالى يقول: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ... (الأنعام/50). وليت شعري إذا لم يكن عليُّ بن أبي طالب (ع) الذي هو أبو الأئمة وسيدهم يعلم الغيب، حتى أنه كان يعيِّن ولاةً على الأمصار ظانَّاً الخير فيهم، فيخرج أكثرهم خونة وسارقين، ويجهل - كما هو مسطور في كتب الشيعة - حكم المذي ويستحيي أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حكمه لأن ابنته فاطمة تحته، فيطلب من المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمر؛ فكيف يعلم وكيل أحد أحفاده الغيب؟!
الخبر 39 : تكرارٌ للخبر 35.
الخبران 40 و41: رواتهما مجهولو الحال: أحدهم أحمد بن محمد بن عباس والثاني محمد بن زيد بن مروان وكلاهما يرويان عن ابن أبي سورة أنه رأى شخصاً واعتبره المهدي صاحب الزمان أو تخيله كذلك.... والحقيقة أن مثل هذه التخيلات تحصل في زماننا لكثير من العوام.
الخبر 42: راويه «أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَيَّاشٍ» مختل العقل والدين وهو الذي اخترع دعاء الخامس من رجب وهو دعاء قبيح فيه قول الداعي لِلَّهِ تعالى: «لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك»!!. والمحور الأساسي لهذا الخبر -الذي عده المجلسي من المعجزات- إصلاح ذات البين بين أبي غالب الزراري وزوجته والذي يقول إنه تم بدعاء الإمام، وليس في هذا أي معجزة.
الخبر 43: نزاعٌ بين الشلمغاني وبين الحسين بن رَوْح حول النيابة والسفارة، حيث قال الشلمغاني أنا مستعد للمباهلة.
أقول: لماذا كل هذا الإصرار على النيابة؟ والجواب هو لأنها تشكل حانوتاً وفير الدخل لذا وجدت مدعين كُثُر وسنذكر أسماء مدعي النيابة قريباً. على كل حال اتفق أن تُوُفيَّ الشلمغاني قبل الحسين بن روح، فاعتبروا ذلك معجزةً! إنهم يعتبرون أي حادثة تقع لهم معجزةً.
فمثلاً هنا «الْبَزَوْفَرِيُّ» يجيب عن سؤال شرعي فيعدون ذلك من معجزات الإمام ويعتبرونه نائباً للإمام! أو يهب اللهُ الشيخَ الصدوقَ عليَّ بنَ بابوية أولاداً فيعتبرون ذلك من معجزات للإمام لأنه دعا له. ومثلاً محمد بن علي بن بابوية حفظ مقداراً كبيراً نسبيّاً من الحديث رغم أن فيها كثيراً من الخرافات فاعتبروها من معجزات الإمام في حين أنها لو كانت معجزةً لوجب ألا تختلط بالخرافات.
الخبر الرابع والأربعون: يذكر ما يفيد أن «مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ» كان من نواب الإمام [المهدي] وكان يخبر عن الغيب، في حين أن «مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ» هذا مجهول الحال ومشترك، والراوي الناقل عنه هو «مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ» وهو أيضاً مجهول الحال، رغم أن المامقاني يقول عنه: إنه ثقة بل ما فوق الثقة لأنه كان وكيل الناحية(40). ولكن هذا خطأ واشتباه لأن كثيراً من وكلاء الأئمة تبين فيما بعد أنهم كانوا فسقة وضالين وأشخاصاً فاسدين، مثل علي بن أبي حمزة البطائني وزياد القندي وعثمان بن عيسى فهؤلاء الثلاثة كانوا وكلاء للإمام موسى بن جعفر وقد اختارهم الإمام بنفسه وعينهم وكلاء له، لكنهم خانوه وأكلوا أمواله وإضافة إلى ذلك أوجدوا فرقة الواقفية وأنكروا الأئمة بعد الإمام موسى بن جعفر وكذبوهم في ادعائهم للإمامة وفسقوهم ومن أراد التأكد من ذلك فليراجع كتب رجال الشيعة.
الخبر الخامس والأربعون: راويه «إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوب» مجهول الحال، لكنه لما كان راوياً للخرافات اعتبره المامقاني جليل القدر. وقد روى المامقاني عنه أن الإمام الغائب كتب له عن غيبته قائلاً: «وَ أَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالِانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ وإِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ ولَا تَتَكَلَّفُوا عَلَى مَا قَدْ كُفِيتُمْ....»(41)
وأقول إن هذا التشبيه للإمام حال غيبته بالشمس المحتجبة وراء الغيوم ليس صحيحاً وخرافيٌ من عدة جهات، منها:
1- أن وجود الشمس معروفٌ وبديهيٌّ لكل الناس أمّا الإمام الغائب فليس كذلك.
2- أن وجود الشمس متقدم على كل شيء في الأرض، ومن نورها وأشعتها تنشأ النباتات والأشجار، والإمام الغائب ليس كذلك.
3- أنه حتى عندما تكون الشمس غائبة خلف الغيوم فإنها أثرها يبقى محسوساً مهما كانت الغيوم كبيرة فمثلا يمكن للناس أن يعرفوا أن الوقت نهار، والإمام الغائب ليس كذلك.
4- أن مدة استتار الشمس خلف الغيوم قصيرة وسرعان ما تظهر للناس، أما لو غابت مئات السنين ولم يرها أحد لأمكن أن ينكرها الناس، أما الإمام الغائب فإن استتاره المستمر والمتواصل على الدوام يستأهل إنكار أصل وجوده.
5- أنه إذا لم يشاهد الناس الشمس في نقطة من العالم شاهدها الآخرون في نقطة أخرى، أما الإمام الغائب فليس كذلك.
6- أن الانتفاع بالشمس مثل تسخين الكواكب التابعة لها أو تربية النباتات والأشجار والحيوانات والمعادن والمدّ والجزر للبحار وسائر المنافع التي لا تعد ولا تحصى لا يتوقف عند غيابها وراء الغيوم، أما الإمام الغائب فليس كذلك، لأنه لا يحصل أثناء غيبته أيٌّ منفعةٍ من المنافع المرجوة من الإمام مثل إحياء معالم الدين وإبطال البدع ورد الخرافات والشبهات وبيان الأحكام وتشكيل الحكومة الإسلامية وترويج الدين وإقامة الجهاد وتطبيق الحدود وإقامة الجمع والجماعات ودفع الأشرار والنهي عن المنكرات، فالناس في الغيبة ليسوا محرومين من رؤية الإمام فحسب بل من جميع المنافع المرجوّة والمطلوبة منه خلافاً للشمس، فتشبيه غيبته بغياب الشمس خلف الغيوم غير صحيح. ولكن «إسحق بن يعقوب» الوضّاع لم يستطع أن يخترع أفضل من هذا التشبيه! ولا غرو فقد كان رجلاً عامياً.
ثم يزعم أن الإمام قال له: «وَإِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ».
فأقول: وهذا أيضاً لا يصح لأن الذي يحفظ أهل السماوات ويؤمنهم هو الله تعالى القائل: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا (فاطر/41). أما بالنسبة إلى أهل الأرض فقد قال الله تعالى لرسوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (الأنعام/107). ولكن لمَّا لم يكن لِ- «إسحق بن يعقوب» وأمثاله اهتمام بالقرآن فإنهم كانوا يلفّقون ما يعن على خاطرهم ويعجبون به!
الخبر السادس والأربعون: فيه: «عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ (ع) بَعَثَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجُنَيْدِ وهُوَ بِوَاسِطٍ غُلَاماً وأَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ وقَبَضَ ثَمَنَهُ...».
أقول: في هذا الخبر عدة إشكالات: أولاً:لا ندري إلى من يعود الضمير في قوله: «بَعَثَ» أي من الباعث؟ إذا كان المقصود أنه الإمام الغائب فهو لا يحتاج إلى غلام. ثم إن بيع العبيد أمر قبيح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «شرُّ الناس من باع الناس». وثالثاً: لا ندري من هو أبو عبد الله الجنيد وما عمله. ثم يقول: «فَلَمَّا عَيَّرَ الدَّنَانِيرَ نَقَصَتْ فِي التَّعْيِيرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً وحَبَّةٌ فَوَزَنَ مِنْ عِنْدِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً وحَبَّةً وأَنْفَذَهَا فَرُدَّ عَلَيْهِ دِينَارٌ وَزْنُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً وحَبَّةٌ». وأقول: ما علاقة هذا بالمعجزة؟!
الخبر السابع والأربعون: رُوِي عن «محمد بن إبراهيم بن مهزيار» الذي ادعى البابية وكان من أصحاب حوانيت قبض الأموال الشرعية. ولا نجد في هذه الرواية أي مطلب مفيد سوى أن الراوي قلد نفسه النيابة وبين أنها أمر عظيم. يقول «محمد بن إبراهيم»: «وَفَدْتُ الْعَسْكَرَ زَائِراً فَقَصَدْتُ النَّاحِيَةَ فَلَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: انْصَرِفْ فَإِنَّكَ لَا تَصِلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وارْجِعِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّ الْبَابَ مَفْتُوحٌ لَكَ فَادْخُلِ الدَّارَ واقْصِدِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ السّرَاجُ فَفَعَلْتُ وقَصَدْتُ الْبَابَ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ ودَخَلْتُ الدَّارَ وقَصَدْتُ الْبَيْتَ الَّذِي وَصَفَتْهُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْقَبْرَيْنِ أَنْتَحِبُ وأَبْكِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً وهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللهَ وتُبْ مِنْ كُلِّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَلَّدْتَ أَمْراً عَظِيماً».
وأقول: ما العمل الذي ارتكبه مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نائب الإمام ووكيل الناحية المقدسة هذا حتى قيل له: يا محمد اتق لله وتب عن ذنوبك! وما الفعل الذي يجب أن يتوب منه؟! بالله عليكم هل هذا حديث؟! وكيف يُعتَبَر مثل هذا الخبر الذي لا يُعرَف أوله من آخره معجزة؟!
الخبر الثامن والأربعون: راويه «نصر بن الصبّاح» الذي يعتبره جميع علماء الرجال ضعيفاً وفاسد المذهب ومن الغلاة الذين لعنهم الأئمة. لكن المامقاني استناداً إلى أن هذا الراوي تكلم عن الناحية (أي ناحية المهدي الغائب) اعتبره حسن الحال ولكن هذه الرواية هي تكرار للرواية الخامسة ذاتها وكل ما فيها كلام عن إرسال الأموال إلى الناحية. وكذلك الخبر التاسع والأربعون الذي راويه «نصر بن الصبّاح» هذا ذاته ويتحدث عن إرسال الأموال إلى الناحية.
الخبر الخمسون: راويه «محمد بن شاذان بن نعيم» الذي بينا ضعفه في الخبر الرابع والأربعين وهو من مُدَّعِي نيابة الإمام ومخترعي المعجزات، وهنا أيضاً نرى كلاماً عن إرسال الأموال إلى الناحية المقدسة والقبض على السارقين.
الخبر الحادي والخمسون: راويه «محمد بن صالح» الذي كان بنفسه من وكلاء ونواب الإمام المهدي ويدعي أنه سأله والتمس منه الدعاء وجاءته الإجابة. فإذا عرفنا ذلك فإننا نسأل كيف اعتبر المجلسي هذا السؤال والجواب من المعجزات مع أن السؤال كان ما يلي: «عن مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ كَتَبْتُ أَسْأَلُ الدُّعَاءَ لباداشاكه وقَدْ حَبَسَهُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ واسْتَأْذَنَ فِي جَارِيَةٍ لِي أَسْتَوْلِدُهَا». وقد خرج إليه الجواب كما يلي: «اسْتَوْلِدْهَا ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ، والمَحْبُوسُ يُخَلِّصْهُ اللهُ، فَاسْتُولِدَتِ الْجَارِيَةُ فَوَلَدَتْ فَمَاتَتْ، وخُلِّيَ عَنِ المَحْبُوسِ يَوْمَ خَرَجَ إِلَيَّ التَّوْقِيعُ».
فبالله عليكم، أين المعجزة في ذلك، فمن الطبيعي أن يُخلى سبيل معظم المحبوسين بعد مدة من حبسهم. فلا علاقة لذلك بالمعجزة. ثم بعد ذلك نقل عدة إخبارات عن الغيب عن الإمام مما يخالف القرآن الذي ينفي علم الغيب عن غير الله.
الخبر الثاني والخمسون: راويه «الحسن بن الفضل اليماني» ذاته المهمل ومجهول الحالوالذي روى عنه الكافي وغير الكافي أخباراً عن الإمام الغائب، وهو يدَّعي أن الإمام أخبره عن الغيب وأنه كان مطَّلعاً على ما يجول في صدره وما يفكِّر في ذهنه، وهذه هي أفكار الغلاة بعينها. وقد مَرَّ ذِكْرُهُ سابقاً في الخبر الثامن والعشرين. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(الأنفال/43)، وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ...﴾ (التوبة/101). وجاء في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.....الآية﴾ (البقرة/204). إذن العليم بذات الصدور ونوايا العباد هو الله وحده.
الخبر الثالث والخمسون: رواه «عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدٍ الشِّمْشَاطِيّ رَسُولُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْيَمَانِيِّ قَالَ كُنْتُ مُقِيماً بِبَغْدَادَ وتَهَيَّأَتْ قَافِلَةُ الْيَمَانِيِّينَ لِلْخُرُوجِ فَكَتَبْتُ أَسْتَأْذِنُ فِي الْخُرُوجِ مَعَهَا فَخَرَجَ لَا تَخْرُجْ مَعَهَا فَمَا لَكَ فِي الْخُرُوجِ خِيَرَةٌ وأَقِمْ بِالْكُوفَةِ وخَرَجَتِ الْقَافِلَةُ فَخَرَجَ عَلَيْهَا بَنُو حَنْظَلَةَ واجْتَاحُوهَا..». أقول: أولاً: جعفر بن إبراهيم اليماني شخص مهمل لا ذكر له في كتب الرجال. وأما متن الرواية فهو أيضاً ادعاء للإخبار عن الغيب مما يتنافى وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ (النمل/65). والواقع أن هذه الأخبار أغلبها على هذا النحو المخالف للقرآن.
الخبر الرابع والخمسون: روي عَنِ «الأعْلَمِ الْبَصْرِيِّ» المهمل الذي لا ذكر له بين الرواة في كتب الرجال، عَنْ «أَبِي رَجَاءٍ الْبَصْرِيِّ» المجهول أيضاً، والذي يروي خيالات دوّنها الشيخ الصدوق والآخرون، من جملتها أنه سمع صوتاً ولم يرَ أحداً وقيل له: «يا نصر بن عبد الله!» مع أن اسمه لم يكن نصراً، فلا أدري من أين عرف أنه المقصود في الخطاب؟! على كل حال لقد أدرجوا هذه الروايات الضعيفة المتهافتة لإثبات معجزات للمهدي وإخباره بالغيب مما يخلف القرآن الكريم ومما لا نجد ما يشبهه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يُروَ عنه أبداً أنه كان يخبر أصحابه بمثل تلك الأمور الغيبية.
الأخبار من الخامس والخمسين وحتى الثامن والخمسين كلها على هذا النحو، في أسانيدها رواة مجاهيل أو غلاة، وفي متونها إخبارات عن الغيب، مما يخالف القرآن.
الخبر التاسع والخمسون: يروي أن علي بن محمد الصيمري طلب كفناً. ولا ندري من أين طلبه وممن طلبه. وقد أُخبِر في الإجابة عن طلبه عن سنة وفاته! وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان/34).
الخبر الستون: «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الأسْوَدُ قَالَ: دَفَعَتْ إِلَيَّ امْرَأَةٌ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ ثَوْباً وقَالَتِ احْمِلْهُ إِلَى الْعَمْرِيِّ فَحَمَلْتُهُ مَعَ ثِيَابٍ كَثِيرَةٍ فَلَمَّا وَافَيْتُ بَغْدَادَ أَمَرَنِي بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْقُمِّيِّ فَسَلَّمْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مَا خَلَا ثَوْبَ المَرْأَةِ فَوَجَّهَ إِلَيَّ الْعَمْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقَالَ ثَوْبُ المَرْأَةِ سَلِّمْهُ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةً سَلَّمَتْ إِلَيَّ ثَوْباً فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ فَقَالَ لِي: لَا تَغْتَمَّ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ. فَوَجَدْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ مَعَ الْعَمْرِيِّ نُسْخَةُ مَا كَانَ مَعِي».
أقول: أولاً: «محمد بن علي الأسود» مجهول الحالثانياً: «محمد بن عباس القمي» مهملولا ندري من هو وماذا كان عمله. وأما المتن فكسابقه فيه قدرة نواب الإمام على الإخبار بالغيب. ونلاحظ في هذه الرواية وفيما سبقها أن علم غيب هؤلاء يتعلق فقط بتوصيل الأموال والثياب ونحوها! وكل ذلك مخالف للقرآن. ويا ليت هؤلاء المدعين لعلم الغيب اكتشفوا لنا بفضل علمهم بالغيب دواءً أو اخترعوا اختراعاً يفيد العباد!.
الخبر الحادي والستون: تكرار لأخبار ذُكِرت من قبل.
الخبر الثاني والستون: راويه «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَتِّيلٍ» -مجهول الحال – قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ مِنْ أَهْلِ آبَهْ وكَانَتِ امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عِبْدِيلٍ الآبِيِّ مَعَهَا ثَلَاثُ مِائَةِ دِينَارٍ فَصَارَتْ إِلَى عَمِّي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَتِّيلٍ وقَالَتْ أُحِبُّ أَنْ أُسَلِّمَ هَذَا الْمَالَ مِنْ يَدِي إِلَى يَدِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ قَالَ فَأَنْفَذَنِي مَعَهَا أُتَرْجِمُ عَنْهَا فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللهُ أَقْبَلَ عَلَيْهَا بِلِسَانٍ فَصِيحٍ فَقَالَ لَهَا زَيْنَبُ چونا چويدا كوايد چون ايقنه ومَعْنَاهُ كَيْفَ أَنْتِ وكَيْفَ مَكَثْتِ ومَا خَبَرُ صِبْيَانِكِ قَالَ فامتنعت [فَاسْتَغْنَتْ‏] مِنَ التَّرْجُمَةِ وسَلَّمَتِ المَالَ ورَجَعَتْ». فأقول: أين المعجزة في ذلك؟؟ إذا كانت المعجزة قدرة غير الفارسي على التكلم بالفارسية فكل أهل بغداد أصحاب معجزات! ولكن في رأيي إن وصول مال امرأة مقداره ثلاثمئة دينار إلى الناحية هو المعجزة!.
الخبر الثالث والستون: راويه «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَتِّيلٍ» السابق ذاته يروي «أن مُحَمَّد بْنَ عُثْمَانَ السَّمَّان الْعَمْرِيِّ أرسله إِلَى وَاسِطٍ بِصُرَّةٍ فيها بضعة أثواب ليسلِّمها إلى شخص لأجل شخص آخر كان قَدْ مَاتَ، فتبين أن في الصُرَّة مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الميت مِنْ حِبَرَةٍ وثِيَابٍ وكَافُورٍ..». فما المعجزة في ذلك [ألن يموت كل إنسان بعد حين]؟؟
الخبر الرابع والستون: راويه «الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ» الذي تعتبره كتب الرجال من الضعفاء وأن حديثه منكر لذا فروايته لا تستحق الاعتناء.
الخبر الخامس والستون: راويه «مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ الشَّاذَانِيُّ» الذي يدَّعي النيابة, إضافة إلى أن حديثه ذكر سابقاً فهو مكرر.
الخبر السادس والستون: راويه بَزَّازٌ (أي تاجر أقمشة) مُؤْمِنٌ من قُمَّ – لا ندري ما اسمه - ولَهُ شَرِيكٌ مُرْجِئٌ (أي من فرقة المرجئة) فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ نَفِيسٌ فَقَالَ المُؤْمِنُ يَصْلُحُ هَذَا الثَّوْبُ لِمَوْلَايَ فَقَالَ شَرِيكُهُ لَسْتُ أَعْرِفُ مَوْلَاكَ ولَكِنْ افْعَلْ بِالثَّوْبِ مَا تُحِبُّ فَلَمَّا وَصَلَ الثَّوْبُ [إلى نائب الإمام الغائب] شَقَّهُ (ع) بِنِصْفَيْنِ طُولًا فَأَخَذَ نِصْفَهُ ورَدَّ النِّصْفَ وقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِي مَالِ المُرْجِئِ.
 أقول: لابد أنه علم بأن الثوب مشترك فليس في هذا الخبر شيء عجيب.
الخبر السابع والستون: رواه شخص خرج من وطنه ليفحص عن أمر المهدي ويبحث عنه فوصلت إليه رسالة تدعوه إلى عدم الفحص. أقول: هذه الرواية لا مفهوم لها ولا معجزة فيها, فكيف عدت في عداد المعجزات؟!.
الخبر الثامن والستون: رواه رجل مجهول وصف بأنه صاحب مولانا صاحب الزمان دون بيان اسمه ودون أن نجد ذكراً له في أي موضع آخر. وقد روى أن رجلاً كان معه سبائك كثيرة من الفضة والذهب يريد أخذها إلى «الحسين بن روح» فوقعت منه سبيكة ذهب في «سرخس» وغاصت في الرمل وفُقِدَت، ثم يقول: لما وصلتُ إلى بغداد وسلَّمتُ «الحسين بن روح» ما كان معي من السبائك «فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ بَيْنِ السَّبَائِكِ إِلَى السَّبِيكَةِ الَّتِي كُنْتُ سَبَكْتُهَا مِنْ مَالِي بَدَلًا مِمَّا ضَاعَ مِنِّي فَرَمَى بِهَا إِلَيَّ وقَالَ لِي لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبِيكَةُ! لَنَا سَبِيكَتُنَا ضَيَّعْتَهَا بِسَرَخْسَ حَيْثُ ضَرَبْتَ خَيْمَتَكَ فِي الرَّمْلِ!».
أقول: هذا الخبر مثله مثل أخبار كتاب «تذكرة الأولياء» ومعجزات الصوفية ولا يصدِّقها إلا من ليس له اطلاع كافٍ على الإسلام والقرآن. وينبغي أن نقول لهؤلاء إن أنبياء الله كانوا إذا أرادوا معرفة أمر أرسلوا من يبحث لهم عنه، فهاهو سليمان عليه السلام يرسل الهدهد ليتقصَّى له أخبار سبأ وملكتها، وهاهو حضرة يعقوب عليه السلام ما كان له علم بوجود ابنه يوسف في مصر وظل سنوات يبكيه حتى ابيضت عيناه، ولكن هؤلاء النواب المزعومين للإمام يعلمون كل شيء خاصة الأخبار المتعلقة بالذهب والفضة!
الخبر التاسع والستون: مثله مثل الذي قبله يتحدث عن معجزة مماثلة تماماً لما ذُكِر فيه (أي قصة السبائك التي فُقِدَت منها واحدة)، والتي تذكّرنا بمعجزات الصوفية، غير أنه أضاف إليها هنا قصة امرأة في بغداد جاءت إلى «الحسين بن رَوح» وقالت له «أَيُّهَا الشَّيْخُ أَيُّ شَيْ‏ءٍ مَعِي؟ فَقَالَ مَا مَعَكِ فَأَلْقِيهِ فِي دِجْلَةَ ثُمَّ ائْتِينِي حَتَّى أُخْبِرَكِ! قَالَ فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ وحَمَلَتْ مَا كَانَ مَعَهَا فَأَلْقَتْهُ فِي دِجْلَةَ ثُمَّ رَجَعَتْ ودَخَلَتْ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ الرَّوْحِيِّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِمَمْلُوكَةٍ لَهُ أَخْرِجِي إِلَيَّ الْحُقَّةَ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ هَذِهِ الْحُقَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَكِ ورَمَيْتِ بِهَا فِي دِجْلَةَ أُخْبِرُكِ بِمَا فِيهَا أَوْ تُخْبِرِينِي فَقَالَتْ لَهُ بَلْ أَخْبِرْنِي» فأخبرها بكل محتويات الحقة واحداً واحداً.
أقول: هذه الأخبار يصدقها كل ساذج جاهل ليس له علم بالإسلام والقرآن وهي أخبار تجعل أولئك الوكلاء أعلى رتبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعل الهدف أن يؤمن الناس بوكالتهم ويوقنوا بها.
إن حضرة موسى عليه السلام الذي كان من الأنبياء أولي العزم لم يعلم وهو في الطور بعبادة قومه العجل وبأن هارون لم يقصِّر في منعهم، كما لم يعلم بعلّة قيام صاحبه بخرق السفينة ولا بعلة بناء الجدار دون أجر، أما هؤلاء الوكلاء فهم يعلمون كل شيء ويخالفون بذلك القرآن الذي ينفي علم الغيب عن أي إنسان بما في ذلك الأنبياء. لقد كان حضرة نوح عليه السلام يقول: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الشعراء/112).
الخبر السبعون: يرويه «مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ الزَّرْجِيُّ» مجهول الحال عن رجل شاب لا نعلم اسمه ولا دينه أنه صاح بجارية اسمها متردد بين غزال وزلال وقال لها حدِّثي بحديث الميل (أي الكحل) والمولود، فقالت: «كَانَ لَنَا طِفْلٌ وَجِعٌ فَقَالَتْ لِي مَوْلَاتِي ادْخُلِي إِلَى دَارِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) فَقُولِي لِحَكِيمَةَ تُعْطِينَا شَيْئاً نَسْتَشْفِي بِهِ مَوْلُودَنَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وسَأَلْتُهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ حَكِيمَةُ ائْتُونِي بِالْمِيلِ الَّذِي كُحِلَ بِهِ المَوْلُودُ الَّذِي وُلِدَ الْبَارِحَةَ يَعْنِي ابْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) فَأُتِيَتْ بِالْمِيلِ فَدَفَعَتْهُ إِلَيَّ وحَمَلْتُهُ إِلَى مَوْلَاتِي فَكَحَلَتِ الْمَوْلُودَ فَعُوفِيَ وبَقِيَ عِنْدَنَا وكُنَّا نَسْتَشْفِي بِهِ ثُمَّ فَقَدْنَاهُ». وهذا خبر مجهول عن مجهول آخر ثم يسمونه معجزة.
هنا انتهت أخبار ما اعتُبِرَ معاجز المهدي الغائب وننتقل الآن إلى الباب التالي الذي يتحدث عن أحوال سفراء المهدي في زمن الغيبة الذين ادَّعَوا السفارة عنه والنيابة له:
باب 16 - أحوال السفراء الذين كانوا في زمان الغيبة الصغرى وسائط بين الشيعة وبين القائم:
إن ما يُستفاد مما مر في الأبواب السابقة وما سيأتي في هذا الباب هو أنّ أولئك السفراء والنوّاب كانوا مع الأسف وسائط لأخذ الأموال الشرعية (كالزكاة والخمس ونحوها) من الناس فقط. ولما كانت الأموال الشرعية التي تأتي إلى الإمام كثيرة للغاية فإن كثيرين بذلوا كل جهدهم ليدّعوا النيابة له سواء النيابة الخاصة أم النيابة العامة. ولقد رأينا من تتبّع جميع الأحاديث والأخبار في كتب الشيعة أن مدّعي النيابة والوساطة بين الإمام الغائب والناس سواء في زمن الغيبة الصغرى أو في زمن الغيبة الكبرى كانوا كُثُر. وفيما يلي قائمة ممن ذُكِر أنهم كانوا نواباً للإمام:
1-          أبو عمرو عثمان بن سعيد العَمْرِيّ.
2-          محمد بن عثمان المكنَّى بأبي جعفر.
3-          الحسين بن رَوْح المكنَّى بأبي القاسم.
4-          أبو الحسين علي بن محمد السَّمُرِيّ(42).
5-          الْبَاقَطَانِيّ.
6-          أَبو عَبْدِ اللهِ الْبَزَوْفَرِيّ.
7-          إِسْحَاق الأحْمَر.
8-          محمد بن جعفر (كما في ج 51/ص 325 ).
9-          مُحَمَّد بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْم.
10-   أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ المَادَرَائِيّ.
11-   حاجز.
12-   محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمى.
13-   أبو الحسن الأسدي.
14-   الْقَاسِمُ بْنُ الْعَلَاءِ.
15-   أحمد بن إسحاق القمي.
16-   أَبَا صِدَامٍ.
17-   الحَسَنُ بْنُ النَّضْرِ.
18-   محمد بن أحمد.
19-   إبراهيم بن مهزيار.
20-   محمد بن إبراهيم بن مهزيار.
21-   الحسنُ بنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ.
22-   محمد بن صالح بن محمد الهمداني الدهقان.
23-   ابنُ وَجْنَاءَ.
24-   أبو محمد الوجنائي.
25-   أبو القاسم الحسن بن أبي أحمد.
26-   أبو محمد الحسن الشَّرِيعِيّ (كما في ص 367).
27-   محمد بن نُصَيْر النُّمَيْرِيّ (كما في ص 367).
28-   أحمد بن هلال الكرخي الصوفي رياكار (كما في ص 368).
29-   أبو طاهر محمد بن علي بن بلال المعروف بالْبِلَالِيِّ (كما في ص 369).
30-   الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجُ.
31-   مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْعَزَاقِرِ (كما في ص 373).
32-   أبو بكر البغدادي (كما في ص 377).
33-   أبو دلف المجنون.
ويوجد غيرهم أيضاً وهؤلاء ذُكِرَت أسماؤهم في ما مر معنا في الجزء 51 من «بحار الأنوار» في باب «ما ظهر من معجزاته» أو هم مذكورون في الباب الحالي أي باب «أحوال السفراء». وغاية ما في الأمر أن بعض مدعي النيابة كانوا أشخاصاً تعرّضوا إلى لعن سفراء آخرين وسبّهم وتبادلوا الشتائم والسباب في صراعهم على ذلك المنصب، وأدى ذلك إلى فضح خرافاتهم وكفرهم بواسطة السفراء الآخرين. لكن معظم هؤلاء السفراء كانوا مع ذلك ممدوحين مِنْ قِبَلِ الشيعة وكان لهم مريدون وجاه ومنال وكانت تأتيهم الأموال الشرعية. ولقد ذكرنا أسماء بعضهم ممن ذُكِر في الصفحات الجزء 51 من «البحار» مع ذكر الصفحة.
وسنقوم هنا بتمحيص أخبار هذا الباب ثم نشير إلى حقيقة النيابة ومصير النواب استناداً إلى المصادر الحديثية والتاريخية:
يبدأ المجلسي برواية ينقلها عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي تقول: «قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمْ قَالُوا خُدَّامُنَا وقُوَّامُنَا شِرَارُ خَلْقِ اللهِ».
أقول وهذا الكلام صحيح لأن الذين كانوا خُدَّامهم وقوّامهم وأصحابهم وخواصّهم قاموا في أغلب الأحوال بسرقة أموال الناس باسم الدين والمذهب وكانوا يعتاشون على تلك الأموال وينشرون ما استطاعوا من البدع باسم الدين.
إحدى تلك البدع كان «سهم الإمام» حيث التفّ أولئك النواب حول كل إمام فكانوا يخترعون المعجزات لأئمتهم ليجذبوا قلوب العوامّ إليهم ويأخذوا باسمهم الأموال، فكانوا يخترعون مئات الكرامات لكل إمام ثم بنَوا على قبورهم قباباً وأضرحة من الذهب والفضة واخترعوا أدعية زيارة مليئة بالجمل المخالفة للقرآن وغَلَوا في الأئمة حتى جعلوهم القائمين بجميع أمور الدنيا والآخرة!. وإذا أردت أن تتطلع على ذلك فراجع أبواب الزيارات في كتاب «بحار الأنوار» أو اقرأ كتابنا «خرافات وفور در زيارات قبور» أي الخرافات الوافرة في زيارات القبور. وأصل القضية أن كثيراً من الأفراد الذين لم يستطيعوا أن يستفيدوا من الدولة القائمة في عصرهم كانوا يأتون إلى الأئمة ويجعلون أنفسهم من خواص أصحابهم ويذكرون معايب الخلفاء ويطعنون بهم ويلعنونهم ويحقّرون الخلافة الإسلامية ويبثّون الاختلاف ويبالغون في تعظيم أئمتهم في مواجهة الخلفاء الحاكمين فيخترعون لأئمتهم مقامات أسطورية ويبالغون في رفع منزلتهم حتى كأنهم كانوا فوق منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا يُضْعِفون دولة الإسلام ويثيرون القلاقل باسم الإمامة.
وهنا ينقل المجلسيّ عن شخص يُدعى «محمد بن صالح الهمداني» -الذي كان يدَّعي النيابة عن الإمام وكان يأخذ أموال الناس بالقوة كما ذُكِر في كتاب البحار وفي كتاب «الكافي» - قولَه: «كَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِ الزَّمَانِ (ع) أَنَّ أَهْلَ بَيْتِي يُؤْذُونِي ويُقَرِّعُونِي بِالْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ آبَائِكَ (ع) أَنَّهُمْ قَالُوا خُدَّامُنَا وقُوَّامُنَا شِرَارُ خَلْقِ اللهِ فَكَتَبَ (ع) وَيْحَكُمْ مَا تَقْرَءُونَ مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً فَنَحْنُ واللهِ الْقُرَى الَّتِي بَارَكَ اللهُ فِيهَا وأَنْتُمُ الْقُرَى الظَّاهِرَةُ».
أقول: هذا مع أن الآية لا علاقة لها بالأئمة أو أصحاب الأئمة أو خدامهم، وهذا التفسير هو من باب التفسير بالرأي. فلاحظوا أيها القراء كيف يتم اللعب بمعاني آيات القرآن. أجل، لقد كان أكثر خدام الأئمة وقوامهم من الغلاة البعيدين عن الله مثل «المفضَّل» و«جابر بن يزيد الجعفي», فاذهبوا واقرؤوا أحوالهم. مثلاً، تذكر كتب الرجال الشيعية أن ثلاثة أشخاص من خدام وقوام الإمام «موسى بن جعفر» (ع) أكلوا آلاف الدنانير التي كانوا قد قبضوها من الناس باسم مال الإمام وباسم نيابتهم عنه فاختلسوها ووضعوها في جيوبهم ووصل الأمر بهم إلى إنكار وفاته كي لا يدفعوا الأموال والإماء التي استملكوها باسم الإمام «موسى بن جعفر» إلى ورثته، وأوجدوا ما عُرِف بمذهب الواقفية، أي وقفوا على إمامة الإمام السابع وأنكروا إمامة الأئمة الذين جاؤوا من بعده وأكلوا بالباطل جميع الأموال التي كانت لديهم، وهؤلاء الثلاثة هم: «علي بن أبي حمزة البطائني» و«زياد القندي» و«عثمان بن عيسى».
أيها القارئ العزيز، راجع رجال المامقاني وكتب الرجال الشيعية الأخرى لكي ترى صدق ما نقول. إن أكثر أصحاب الأئمة كانوا مجهولي الحال أو أشخاصاً فاسدين ومطعون بهم، وفيما يلي من باب المثال نذكر نموذجاً لهؤلاء الأصحاب وندعوكم لقراءة أحوالهم كما تذكرها كتب رجال الشيعة:
1-          علي بن أبي حمزة البطائني.
2-          زياد القندي.
3-          عثمان بن عيسي.
4-          إبراهيم بن إسحاق النهاوندي.
5-          ابن فضال.
6-          المعلي بن خنيس.
7-          أبو هارون المكفوف.
8-          أبو البختري وهب بن وهب.
9-          أبو الخطاب محمد بن مقلاص.
10-   أحمد بن هلال عبرتائي.
11-   أحمد بن زكريا.
12-   أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
13-   إسحاق بن عمار الفطحي.
14-   عبد الله بن عبد الرحمن.
15-   جعفر بن المثنى الخطيب.
16-   الحسن بن علي بن أبي حمزة.
17-   الحسن بن علي بن أبي عثمان والخيبري.
18-   داود بن كثير الرقي.
19-   زكريا بن محمد أبو عبد الله.
20-   زياد بن مروان وسليمان بن عمرو النخعي.
21-   سيف بن عميره.
22-   صالح بن أبي حماد.
23-   عبد الرحمن بن كثير.
24-   يونس بن ظبيان.
كيفية إيجاد النواب والسفراء:
ذكرتُ في [حاشية] الصفحة 113 من كتابي «رهنمود سنَّت در رد اهل بدعت» أي (إرشاد السنة في ردّ أهل البدعة) وهو ترجمتي إلى الفارسية لاختصار ابن تيمية لكتابه «منهاج السنة النبوية» (43) ما يلي:
«النُّصَيْرِيَّة هم أتباع محمد بن نصير الشيعي الإمامي وهو من الأشخاص الذين كانوا في بيت الإمام الحسن العسكري في سامراء ( أي كان من جملة أصحاب الإمام) مدة تسع سنوات. وعندما تُوُفّي الحسن العسكري سنة 260 ه-، دون أن يخلِّفَ ولداً، طبقاً لكثير من الشيعة الذين كانوا يترددون إلى بيته، ذهب جميع أصحابه إلى أعمالهم وأشغالهم، وقام السيد جعفر أخو الإمام الحسن العسكري بأمر دفن أخيه وتقسيم تركته على أساس أنه لم يكن له خلف وأن الأخ يرث أخاه في مثل هذه الحالة، وكان هذا الأمر معلوماً لأسرته ولسائر العلويين (وحتى معلوماً لجميع المؤرخين) وكان هذا ما يعلمه نقيب السادات الذي كان يحتفظ بدفتر ولادة العلويين لديه، وكذلك كان رئيس العلويين يعلم بأن الحسن العسكري لم يكن له ولد، ولكن الغلاة وأتباع الأهواء الذين كانوا يخترعون أئمة من العدم وكانوا يترددون إلى منزل الإمام الحسن العسكري لم يتقبلوا هذه الحقيقة ورأوا أنهم يواجهون حالة لا تمكنهم بعد ذلك من الاستفادة والانتفاع، لذلك وضعوا أحاديث وأكاذيب تخالف الإسلام ليقدموها للإسلام والمسلمين باسم الإمام (حتى لا ينقطع سيل الأموال الشرعية الذي كان يتدفق عليهم)، فجلسوا وأخذوا يفكرون في حلٍّ يحول دون انقطاع ارتزاقهم من هذا السبيل وينقذهم من هذا الموقف، فرأوا أن أفضل حل هو اختراع إمام غائب بأن يقولوا أن الإمام الحسن العسكري أنجب ولداً وقد غاب هذا الولد (ولم يره أحد).
ويقول سعد بن عبد الله الأشعري وهو من كبار علماء الشيعة وأحد أصحاب الإمام الحسن العسكري في كتابه «المقالات والفرق» ص 102: «فلما تُوُفِّي الحسن بن علي [العسكري] اختلف أصحابه من بعده وافترقوا إلى خمس عشرة فرقة» ثم ذكر أن أربعة عشر منها قالوا أن الإمام لم يُخلِّف ولداً وأن فرقة واحدة قالت بل خلف ولداً ولكننا لم نره.
وكان «محمد بن نُصَيْر النُّمَيْرِيّ» أحد الوضّاعين والمخترعين لفكرة الإمام الغائب طمعاً في أن يجعل من نفسه نائباً لذلك الإمام ويأخذ الأموال الشرعية التي تأتي إليه، لذا أعلن عن نفسه أنه نائبٌ للإمام وسفيرٌ له وواسطةٌ بينه وبين شيعته. ولأجل ألا يستمع أحدٌ إلى «السيد جعفر» أخي الإمام المُتوفَّى الحسن العسكري ويصدِّق بما أخبر به من أن أخاه الإمام مات ولم يُخلِّف ولداً، اتّهم «محمد بن نُصَيْر» السيد جعفر بالكذب ولقّبه بالكذّاب. ولما كان «محمد بن نُصَيْر» رجلاً قوي الشخصية وصلباً ومتكلّماً فصيحاً خاف رفقاؤه أن يصبح باباً فعلاً فيزيح الآخرين عن هذا الأمر ويحرمهم من الأموال الشرعية، لذا رأوا أنه لا بد أن يكون الباب والسفير رجلاً بسيطاً ساذجاً ضعيفاً حتى يمكن الاستفادة منه والاستمرار في أخذ الأموال عن طريقه، لذا وجدوا رجلاً بائعاً للزيت والسمن يسكن إلى جانب بيت الإمام العسكري وكان يقوم هو وابنه بخدمة الإمام ويُدعى «عثمان بن سعيد» فجاؤوا إليهما (أي إلى عثمان وابنه محمد) وقرروا أن يجعلوا عثمان بن سعيد باباً وسفيراً (وأن يقتسموا فيما بينهم ما يأتيه من أموال شرعية).
وفي النهاية وبسعي الأعوان والشركاء حرموا «محمد بن نُصَيْر النُّمَيْرِيّ» من ذلك المنصب، فغضب وأنكر الإمام الغائب، مع أنه هو نفسه كان قد اخترع تلك الفكرة، واعتزلهم وأتى بعقائد وبدع جديدة وفضائح وصار له أتباع وكان أتباعه يُعرَفون حتى القرن السابع والتاسع باسم «النصيرية» وينتشرون في أطراف الشام وسورية، كما نُقِل عن تلميذ ابن تيمية.».
أقول: ولما أدركَتْ «عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ» [آخر النواب الأربعة] الوفاةُ، لم يُرِدْ أن يتحمل وزر ووبال النيابة وقبض الأموال الشرعية بعد وفاته، لذا أصدر توقيعاً باسم الإمام ينصّ على أن النيابة انتهت. وعبارة ذلك التوقيع موجودة في جميع كتب الشيعة، ومن جملتها في آخر كتاب «منتهى الآمال» تأليف الشيخ عباس القمّي(44)، وقد أوردها المجلسيّ أيضاً في هذا الباب وهي كما يلي: «يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ! أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَأَجْمِعْ أَمْرَكَ ولَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ وقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً وسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ والصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ».
أقول: إذا كان الأمر كذلك وكان جميع علماء الشيعة يقبلون بهذا التوقيع فكيف يدّعون النيابة عن الإمام ويعتبرون أنفسهم قائمين مقام عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ ويأخذون من الناس الأموال الشرعية وسهم الإمام. إذن، من المعلوم أنهم يستفيدون في هذا المجال من جهل العوام.
وينبغي أن نقول إنه عندما تُوُفِّي النواب الأربعة للإمام وانقطعت النيابة، رأى أصحاب الحوانيت المذهبية أن خبزهم قد انقطع ففكّروا في إيجاد تدبير جديد وهو أن كل من يروي أحاديث الأئمة يحل محلهم ويقوم مقامهم، وروَوا أن الإمام كتب: «وَأَمَّا الحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ».
أقول: لما لم يكن هناك في ذلك الزمن أي مجتهد أو مقلِّد بل وُجِدَت هذه العناوين بين المذاهب فيما بعد، فإن التوقيع صدر بحق رواة الحديث. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يعتبر المجتهدون في زماننا -الذين ليسوا رواة للحديث - أنفسهم نواباً للإمام دون مستند؟ فالجدير بالشيعة الذين يدفعون سهم الإمام إلى المجتهد أن يطالبوه بمستنده ودليله على نيابته للإمام. ونقول إن علامات الكذب والوضع ظاهرة في رواية: «وَأَمَّا الحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا» وفيما يلي تلخيص ذلك:
1 – عندما صدر ذلك التوقيع كان جميع رواة حديث الأئمة قد تُوُفُّوا فكيف يمكننا الرجوع إلى الأموات؟(45) فإن قيل: المقصود الرجوع إلى رواية الرواة وليس إلى الرواة أنفسهم فمعنى ذلك أنه حتى لو كان المجتهدون رواةً لحديث الأئمة فلا يمكن الرجوع إليهم بل لا بد من الرجوع إلى الروايات فقط.
2 – من المعلوم والمسلَّم به أن معظم رواة أحاديث الأئمة كانوا أشخاصاً أميين أو قليلي العلم وكان كثيرٌ منهم من الفطحيّة أو الواقفة أو الناووسية أو الجبرية أو كانوا من الوضاعين أو الكذابين أو الغلاة، فكيف يمكننا أن نرجع إلى أمثال هؤلاء وكيف يمكن لمثل أولئك الأفراد أن يكونوا حجة الله علينا.
3 – الله تعالى هو الذين يعيّن الحجة ولا يحقّ لأحد أن يعتبر نفسه حجة. لكن في هذه الرواية اعتُبرَ كلُّ راوٍ ولو مجهولاً حجةً، واعتبر الراوي (الإمام) نفسه حجة أيضاً، فما هو الدليل على ذلك؟ أَوَلَمْ يقل الله تعالى في سورة النساء أنه بعد الأنبياء والرسل لا يوجد أشخاص يعدون حجَّةً:﴿رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(النساء/165). كما أن الإمام علي (ع)– كما في نهج البلاغة – اعتبر أن القرآنَ حجةٌ كافيةٌ. وكذلك قال – كما في الخطبة 90 من نهج البلاغة – : «حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم حُجَّتُه»(46). فكيف يمكن للإمام إذن أن يعتبر نفسه حجة وأن يعطي للآخرين مثل رواة الحديث الحجيَّة؟!
4 – في هذا التوقيع يقول الإمام: «وأنا حجة الله عليهم» أي أنه حجة الله على الرواة، هذا في حين أنه في بداية الغيبة الكبرى كان جميع الرواة قد تُوُفُّوا فهل يحتاج الأموات إلى حجة؟ وكيف يكون ذلك الإمام الغائب حجة على الأموات؟ إنها أسئلة لا جواب لها. وبالطبع فإن الإشكالات في هذه الرواية كثيرة وقد أشرنا إلى بعضها أيضاً في كتابنا «تابشى از قرآن» (أي: إشعاع من القرآن).
في هذا الباب ملأ المجلسيّ صفحات عديدة وأتى بروايات كثيرة لإثبات عدالة النوَّاب الأربعة وأمانتهم ونيابتهم وسفارتهم وكلها منقولة عن أصحاب حانوت النيابة هؤلاء أنفسهم، وهذا عمل غير صحيح لأن حجية الشخص يجب أن تُعيَّن مِنْ قِبَلِ الله تعالى لا أن يجعل الشخص نفسه لنفسه الحجية.
بعض تلك الروايات عبارة عن توقيع أي كتاب يُقال إنه صدر عن الإمام، فينبغي أن نقول: كيف يعلم من لم ير الإمام الغائب ولم يعرف خطه أن هذا التوقيع والخط هو للإمام وأن الذي ينقله صادق فيما ينقل؟ لقد وجدنا كثيراً من الرواة يكذبون على الأئمة ويضعون على ألسنتهم الأحاديث الملفَّقة، فكيف يمكننا أن نستبعد أن يكون حال تلك التوقيعات مثل حال سائر الروايات الموضوعة؟! وبعد أن ذكر المجلسيّ فصولاً لكل واحد من النواب الأربعة عمد إلى ذكر أماكن قبورهم وأخذ في الترويج لتقديس القبور مخالفاً بذلك ما يدلّ عليه القرآن والسنة النبوية الواضحة. وقد أثبتنا في كتابنا «خرافات وفور در زيارات قبور» بطلان عبادة التردد إلى زيارة المشاهد والأضرحة، لذا نكتفي هنا بما ذكرناه في هذا الباب وننتقل إلى الباب التالي:
باب 17- ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية والسفارة كذباً وافتراءً:
يبدأ المجلسي في الصفحة 367 [من هذا الجزء الحادي والخمسين من بحار الأنوار] بذكر أسمائهم فيقول:
أحدهم «أَبو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ الشّرِيعِيُّ» الذي كان من أصحاب الإمام الهادي والإمام العسكري وهو أول من ادعى البابية ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد.
والثاني: «مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ» من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري وادعى البابيّة والنيابة وظهر منه الإلحاد والجهل وادعى أنه رسول نبيّ وأن عليّ بن محمد (أي الإمام الهادي) هو الذي أرسله، أي أنه ادعى للإمام الهادي الألوهية ولنفسه النبوة! وكان يقول بالتناسخ ويحلّل الزنا ونكاح الرجال بعضهم بعضاً (أي اللواط).
أقول: وذكرنا من قبل كيفية إيجاده لفكرة النيابة والسفارة وأنه كان هو مبتدع تلك الفكرة.
والمدعي الآخر هو «أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ الْكَرْخِيُّ» الذي كان من أصحاب الإمام الحسن العسكري وخواصه، وبعد أن ادعى «عثمان بن سعيد» وابنه النيابة لم يستطع تحمل ذلك ولم يُذعن لنيابته ورفض نيابة «محمد بن عثمان» لذا لعنه أحد النواب وهو «الحسين بن رَوْح» وتبرّأ منه.
أقول: هنا ينبغي أن نسأل: هل نيابة النوّاب للإمام من أصول الدين أم من فروعه حتى يستحق منكرها اللعن والتكفير؟!
ومن المدعين الآخرين: «الحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الحَلَّاجُ» وكفرياته وادعاؤه للألوهية مشهورة.
والمدعي الآخر «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْعَزَاقِرِ» الذي كان له وجهٌ عند الناس، وقد جعل له الشيخ «أبو القاسم الحسين بن رَوْح» [ثالث النواب الأربعة المعترف بهم للمهدي في غيبته الصغرى] منزلةً عند الناس وجاهاً فلما برزت منه كلمات الكفر تبرأ «الحسين بن رَوْح» منه ولعنه.
هنا يجدر أن نسأل: إن نواب المهدي الذين [قيل إن] لديهم علم الغيب إذ كانوا يعلمون بتفاصيل الأموال التي تأتيهم مِنْ قِبَل الناس فيخبرون الناس بمقاديرها وأنواعها وأصحابها وما عرض لها قبل أن يستلموها منهم، بل كذلك الإمام الحسن العسكري والد الإمام [أي المهدي الغائب حسب قول الإمامية]، كيف قبلوا في البداية في بطانتهم بأمثال «ابن أبي العزاقر» وغيره [من النواب الذين اكتُشِفَ فيما بعد أنهم غلاة وملحدون]، وجعلوهم نواباً لهم ومن خاصة أصحابهم ولم يعرفوا بحقيقة أمرهم إلا بعد أن ظهرت منهم أقوال الكفر عندئذٍ تبرّؤوا منهم وطردوهم؟!. أين ذهب علم الغيب إذن، وكيف يمكن للإمام أو نائب الإمام الذي يعرف بما لدى الناس من أموال ويخبرهم عنها قبل أن يراها أن يجهل حقيقة الأشخاص الذين في حاشيته ولا يخبر عن حقيقة أمرهم؟! أليس هذا تناقض واضح؟ ولكن ماذا نفعل إذا كان محدثو الشيعة وعلماؤهم قد جمعوا هذه المتناقضات في كتبهم؟!
وهكذا تعرض أبو جعفر محمد بن علي بن أبي العزاقر إلى اللعن والبراءة وصدر عن صاحب الزمان توقيع في لعنه. وكان يُعرَف باسم «الشلمغاني» وكان صاحب خرافات وكفريات وكتب كانت مقبولة سابقاً لدى الشيعة وخاصة لدى «الحسين بن روح» ثم طرده بعد ذلك ولَعَنَهُ.
والواقع أن أمثال أولئك الأشخاص كانوا كثيرين في حاشية الإمام فكيف لم يكن الإمام – الذي كان حسب قول أولئك الرواة عالماً بالغيب – مطّلعاً وعالماً بحقيقة الأشخاص في حاشيته؟!
ومن المدعين الآخرين للنيابة «أبو بكر البغدادي» ابن أخ الشيخ «أبي جعفر محمد بن عثمان» الذي تعرّض أيضاً للعن والطعن والبراءة. أقول: وفي زماننا هذا هناك كثير من المدعين للفقه الذين يعتبرون أنفسهم نواباً للإمام ويأخذون من الناس الأموال الشرعية وسهم الإمام ويصرفونه على مصارفهم الخاصة دون حسيب ولا رقيب ولا مستند ولا دليل! فكيف للعوام أن يعلموا أن هؤلاء ليسوا مصداقاً لقوله تعالى في سورة التوبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ... ﴾ (التوبة/34)؟!
هنا ننتهي من التعليق على أبواب وأحاديث الجزء 51 من البحار ولم نجد فيه شيئاً فيه الهداية.
وننتقل الآن إلى ما جاء في الجزأين 52 و53 من البحار وَالسَّلامُ عَلَى‏ مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى.‏
باب  18 – ذكر من رآه:
ذكر المجلسيّ وبعض كبار علماء الشيعة أسماء وأخبار أشخاص قالوا إنهم رأوا المهدي [الغائب]، ولكني ينبغي أن نعلم أن الذين رأوه مثلهم مثل من جزموا في زماننا أنهم رأوا صورة آية الله الفلاني [أو الرئيس الفلاني] في القمر، وادعى ذلك كثيرون جداً ثم تبين أن المسألة لا أساس لها من الصحة، ومثلهم مثل أهل المسجد الخمسمائة الذين أكدوا أنهم رأوا المهدي الغائب في قرية «آباده» في حين أنهم كانوا قد رأوني أنا عندما توقفت في مسجدهم وألقيت فيهم موعظة وأنا مسافرٌ في طريقي من قم إلى شيراز، فلما طلبوني وفقدوني (إذ كانت حافلة السفر تنتظرني وأقلتني فور خروجي من المسجد) تصوروا أن الذي جاء مسجدهم وألقى تلك الكلمة فيهم كان المهدي المنتظر فأخذوا ينشرون القصة وأبرقوا برقيةً إلى بعض علماء شيراز وأخبروهم بأن إمام الزمان قد ظهر لهم في مسجدهم.. الخ، وقد سبق أن ذكرت تفصيل هذه القصة في بداية هذا الكتاب(47). فأقول ما هي نتيجة وثمرة رؤية خمسمئة شخص لمهديهم في مسجد قرية «آباده»؟!! إن الذين تنقل روايات الشيعة عنهم أنهم رأوا المهدي هم أشخاص رأوا شخصاً فخمَّنوا أنه المهدي وإذا جاء في بعض الروايات أن المرئي قال لمن رآه صراحةً: «أنا المهدي» فلا بد أن يكون هذا المرئي قد قالها مازحاً أو أنه كان يستغفل من رآه ويخدعه، أو أن أصل رواية الرؤية موضوعة من أساسها لفَّقها بعض الرواة. فمجرد ادعاء المرئي كونه المهدي لا يثبت شيئاً.
والآن سنقوم بتمحيص وفحص أخبار الرؤية هذه واحداً واحداً:
الخبر الأول: [منقول عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي بسنده] عَنْ «أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ» وهو راو ضعيف ومن أهل الغلوّ، وليس محلاً للثقة، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ وَرَدَ الرَّيَّ (ولم يذكر لنا اسم الشيخ ولا مبلغ علمه وعقله ومذهبه)، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَدَكِيُّ -وهو شخص مجهول - قَالَ: قَالَ الأوْدِيُّ، وهو مجهول آخر! فهل تقوم بمثل هذا السند حجَّة؟! وهل هذا يصلح دليلاً؟!
ومتنه: «قَالَ الأوْدِيُّ بَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ... إِذَا أَنَا بِشَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ، هَيُوبٌ ومَعَ هَيْبَتِهِ مُتَقَرِّبٌ إِلَى النَّاسِ فَتَكَلَّمَ فَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ كَلامِهِ وَلا أَعْذَبَ مِنْ مَنْطِقِهِ... (فلم يعرفه فقال له ذلك الشاب): أَنَا المَهْدِيُّ أَنَا قَائِمُ الزَّمَانِ أَنَا الَّذِي أَمْلَؤُهَا عَدْلا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجَوْراً...وَقَدْ ظَهَرَ أَيَّامُ خُرُوجِي...».
 أقول: ولكن مضت حتى اليوم ألف ومئتا عام ولم يخرج بعد. لذا أراد المجلسيّ أن يوجِّه الرواية ويرتق فتقها فقال بعدها: «بيانٌ: لعل هذا مما فيه البداء وأخبر (ع) بأمر غير حتمي معلق بشرط أو المراد بالخروج ظهور أمره لأكثر الشيعة بالسفراء».
فلاحظوا بالله عليكم هذه التأويلات الباردة التي لا تقنع أحداً وقد ملأ كتابه بأمثالها.
الخبر الثاني: [عن كتاب الغيبة للطوسي] يرويه أيضاً مثل أولئك الرواة الغلاة والمذمومون أو مجهولو الحال، عن رجل مجهول من أهل قم باسم «مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ» أَنَّهُ كان يَسِيحُ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَلم يَصِلْ إلَى شَيءٍ، إلى أن رأى – وهو يطوف حول الكعبة - شاباً أسمرَ يقول: «لَمْ أرَ قَطُّ فِي حُسْنِ صُورَتِهِ وَاعْتِدَالِ قَامَتِهِ ثُمَّ صَلَّى فَخَرَجَ وَسَعَى فَاتَّبَعْتُهُ وَأَوْقَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسِي أَنَّهُ صَاحِبُ الزَّمَانِ!».
أقول: إن نقل وتدوين هذه القصص لا يفيد إلا في تضييع الوقت!
الخبر الثالث: [عن الغيبة للطوسي] يرويه مجهول ومهمل بِاسْمِ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشُّجَاعِيِّ الْكَاتِبِ عَنْ – مجهول آخر بِاسْمِ - أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النُّعْمَانِيِّ عَنْ –مجهول ثالث يدعى - يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَعْفَرِيّ قَالَ: «حَجَجْتُ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِمِائَةٍ وجَاوَرْتُ بِمَكَّةَ تِلْكَ السَّنَةَ ومَا بَعْدَهَا إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وثَلاثِمِائَةٍ ثُمَّ خَرَجْتُ عَنْهَا مُنْصَرِفاً إِلَى الشَّامِ فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وقَدْ فَاتَتْنِي صَلاةُ الْفَجْرِ فَنَزَلْتُ مِنَ المَحْمِلِ وتَهَيَّأْتُ لِلصَّلاةِ فَرَأَيْتُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ فِي مَحْمِلٍ فَوَقَفْتُ أَعْجَبُ مِنْهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ مِمَّ تَعْجَبُ تَرَكْتَ صَلاتَكَ وخَالَفْتَ مَذْهَبَكَ فَقُلْتُ لِلَّذِي يُخَاطِبُنِي ومَا عِلْمُكَ بِمَذْهَبِي فَقَالَ تُحِبُّ أَنْ تَرَى صَاحِبَ زَمَانِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! فَأَوْمَأَ إِلَى أَحَدِ الأرْبَعَةِ فَقُلْتُ إِنَّ لَهُ دَلائِلَ وعَلامَاتٍ فَقَالَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَرَى الْجَمَلَ ومَا عَلَيْهِ صَاعِداً إِلَى السَّمَاءِ أَوْ تَرَى المَحْمِلَ صَاعِداً إِلَى السَّمَاءِ؟؟ فَقُلْتُ: أَيُّهُمَا كَانَ فَهِيَ دَلالَةٌ. فَرَأَيْتُ الْجَمَلَ ومَا عَلَيْهِ يَرْتَفِعُ إِلَى السَّمَاءِ وكَانَ الرَّجُلُ أَوْمَأَ إِلَى رَجُلٍ بِهِ سُمْرَةٌ وكَانَ لَوْنُهُ الذَّهَبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ سَجَّادَةٌ».
أقول: بالله عليكم لاحظوا سند هذا الخبر ومتنه هل يصلح دليلاً لشيءٍ؟؟إنهم يريدون أن يثبتوا أصول دين الله بمثل هذه المهملات، وحقاً إن الإنسان ليحتار ماذا يقول لهؤلاء المحدِّثين.
الخبر الرابع: [أيضا عن الغيبة للطوسي] يروي عن مجهول عن مثله أنه حضر يوم وفاة الإمام الحسن العسكري، قال: «.. فَخَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ عُشَارِيٌّ حَافٍ عَلَيْهِ رِدَاءٌ قَدْ تَقَنَّعَ بِهِ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ قُمْنَا هَيْبَةً لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعْرِفَهُ فَتَقَدَّمَ وقَامَ النَّاسُ فَاصْطَفُّوا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ومَشَى فَدَخَلَ بَيْتاً غَيْرَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ».
أقول إن المجلسيّ جمع لنا هذه الروايات ليثبت أن المهدي شوهد ورآه الناس، هذا في حين أنه ليس في هذه الأخبار اسم للمهدي ولا أي دليل على أن من شوهد كان هو المهدي فعلاً، بل شاهد الرواة شخصاً فتصوروا وخمنوا أنه المهدي! فضلا عن أنها أخبار مروية عن مجهولين لا تقوم بروايتهم حجة.
الخبر الخامس: [عن الغيبة للطوسي‏] يرويه عن مجهول عن مجهول آخر عن مجهول ثالث باسم «أحمد الأنصاري» قَالَ كُنْتُ حَاضِراً عِنْدَ المُسْتَجَارِ بِمَكَّةَ وجَمَاعَةٌ زُهَاءُ ثَلاثِينَ رَجُلا... إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا شَابٌّ مِنَ الطَّوَافِ... ثم يذكر أن الشاب جلس بينهم وأخذ يدعو بأدعية، ثم قام، وذكر أن هذا تكرر عدة أيام إلى أن قال لهم شخص اسمه أَبُو عَلِيٍّ الْمَحْمُودِيُّ: يَا قَوْمِ! أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ هَذَا وَاللهِ صَاحِبُ زَمَانِكُمْ! فَقُلْنَا: وَكَيْفَ عَلِمْتَ يَا أَبَا عَلِيٍّ؟؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ يَدْعُو رَبَّهُ ويَسْأَلُهُ مُعَايَنَةَ صَاحِبِ الزَّمَانِ!
أقول: فهل يُعَدُّ هذا دليلاً؟؟!
ثم قال لهم (أي المحمودي): نِمْتُ مِنْ لَيْلَتِي تِلْكَ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ يَا أَحْمَدُ رَأَيْتَ طَلِبَتَكَ؟؟ فَقُلْتُ: ومَنْ ذَاكَ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي عَشِيَّتِكَ هُوَ صَاحِبُ زَمَانِكَ!.
أقول: بالله عليكم هل يمكن إثبات عقيدة من عقائد الدين بمثل هذه الخيالات والأحلام؟
الخبر السادس: [عن الغيبة للطوسي‏] يرويه عن أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ وهو من الغلاة عَنْ رَجُلٍ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ قَزْوِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ وَلا مذهبه يروي عن مجهول ثالث باسم حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ – (وهو أحد مُدَّعِي النيابة والسفارة عن الإمام) - فَسَأَلْتُهُ عَنْ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ: يَا أَخِي! لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، حَجَجْتُ عِشْرِينَ حَجَّةً كُلاً أَطْلُبُ بِهِ عِيَانَ الإمَامِ فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً!
أقول: هنا لا بد من سؤال: كيف كان ذلك الشخص (ابن مهزيار) نائباً لإمام الزمان تلك المدة وهو لا يملك أي خبر عن إمامه ويحج سنوات عديدة كي يراه دون جدوى؟! في النهاية لا ندري لماذا قام هذا النائب بوضع هذا الخبر؟؟ لعله أراد تقوية ثبوت نيابته وإحكامها.
ولقد كرَّرَ المجلسيّ رواية هذه القصة في عدة مواضع من كتابه البحار ويبدو أنه كان معجباً بها مع أنها مليئة بالعيوب. فينطبق عليه المثل القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة     وعين السخط تبدي المساويا
وفي النهاية يذكر هذا المدَّعِي للنيابة ضمن قصة طويلة مفصلة ومثيرة أنه رأى في النهاية صاحب الزمان في بادية الطائف بعيداً عن أعين الناس وأنه كان له باب وحاجب - خلافاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -... ثم دخل عليه فإذا به يراه جالساً قَدِ اتَّشَحَ بِبُرْدَةٍ... وأخذ في وصف محاسنه، وكيف تبادل شجون الحديث معه إلى أن سأله عن ميعاد خروجه فقال له: « إِذَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ سَبِيلِ الْكَعْبَةِ وَاجْتَمَعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ... (إلى قوله).. وتَخْرُجُ دَابَّةُ الأرْضِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَا والمَرْوَةِ... الخ».
أقول: وهذا مخالف للقرآن الذي بيَّن أن اجتماع الشمس والقمر من أحداث الساعة أي مما يقع يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (القيامة/9)، كما أن خروج الدابة من الأرض أيضاً من علامات الساعة الكبرى.
الخبر السابع: [عن الغيبة للطوسي‏] بسنده عَنْ بَعْضِ جَلاوِزَةِ السَّوَادِ – هكذا دون ذكر اسمه ولا حاله فهو مجهول الحال - قَالَ شَهِدْتُ نَسِيماً آنِفاً بِسُرَّ مَنْ رَأَى وقَدْ كَسَرَ بَابَ الدَّارِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وبِيَدِهِ طَبَرْزِينٌ فَقَالَ مَا تَصْنَعُ فِي دَارِي؟؟
أقول: وليس من المعلوم أن نسيماً هو الذي قال ذلك أم أن شخصاً آخر قال لنسيمٍ ذلك. وليت شعر ماذا يمكن إثباته بمثل هذا الخبر المبهم وغير المفهوم والمنقول عن شخص مجهول الاسم والهوية!! وما قصد مشايخنا من نقل مثل هذه القصص والأخبار؟؟
الخبر الثامن: [عن الغيبة للطوسي‏] – وهو خبرٌ أكثر فضيحة من كل ما سبقه – إذ يرويه عن «عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ» ولا ندري أي علي بن محمد هو فهم كثر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ وهُوَ غُلامٌ!
أقول : هكذا دون بيان المقصود من الضمير في قوله «رأيته» ولا بيان أي مسجدين!!
هكذا يواصل المجلسيّ ذكر هذا النموذج من الأخبار في الأخبار 9 إلى 12 وكلها تحتوي في أسانيدها على مجهول أو غالٍ.. يروي قصة مشاهدته شابّاً حسن الصورة يتصور أنه المهدي.. الخ، ونختصر ذكرها ضنَّاً بوقت القرّاء،
الخبر الثالث عشر: [ينقله المجلسي عن الاحتجاج للطبرسي و‏الغيبة للطوسي‏] يرويانه عن مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ رَفَعَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ - وهذا الرفع لا يصح للانقطاع بين محمد بن يعقوب والزهري. ثم إن الزهري من أهل السنة- قَالَ (أي الزهري): «طَلَبْتُ هَذَا الأمْرَ طَلَباً شَاقّاً حَتَّى ذَهَبَ لِي فِيهِ مَالٌ صَالِحٌ فَوَقَعْتُ [أي ذهبت‏] إِلَى الْعَمْرِيِّ وخَدَمْتُهُ ولَزِمْتُهُ وسَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ الزَّمَانِ فَقَالَ لِي لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ وُصُولٌ فَخَضَعْتُ فَقَالَ لِي بَكِّرْ بِالْغَدَاةِ فَوَافَيْتُ واسْتَقْبَلَنِي ومَعَهُ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وأَطْيَبِهِمْ رَائِحَةً بِهَيْئَةِ التُّجَّارِ وفِي كُمِّهِ شَيْ‏ءٌ كَهَيْئَةِ التُّجَّارِ فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ دَنَوْتُ مِنَ الْعَمْرِيِّ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ فَعَدَلْتُ [أي رجعت‏] إِلَيْهِ وسَأَلْتُهُ فَأَجَابَنِي عَنْ كُلِّ مَا أَرَدْتُ ثُمَّ مَرَّ لِيَدْخُلَ الدَّارَ وكَانَتْ مِنَ الدُّورِ الَّتِي لا نَكْتَرِثُ لَهَا فَقَالَ الْعَمْرِيُّ إِذْ أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ سَلْ فَإِنَّكَ لا تَرَاهُ بَعْدَ ذَا فَذَهَبْتُ لأسْأَلَ فَلَمْ يَسْمَعْ ودَخَلَ الدَّارَ ومَا كَلَّمَنِي بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَخَّرَ الْعِشَاءَ إِلَى أَنْ‏ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ...».
أقول: أولاً: لم يبيِّن الراوي من هو المقصود من«العَمْري» فإن قصد نائب صاحب الزمان فإن ما يذكره يصب في حانوت نيابته [ أي فلا تقبل شهادته فيه]. ثانياً: هناك كثير من الشبان ذوي الوجه الحسن فمن أين لنا أن نعلم أن الذي رآه الزهري – حسب الخبر المذكور – هو المهدي؟؟ثالثاً: قوله ملعون من أخَّر العشاء خطأ، لأن الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمملعون من أَخَّرَ المغرِبَ حتى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ(48)، أي يجب أن تؤدى صلاة المغرب في أول وقتها، أما بالنسبة إلى صلاة العشاء فالمستحب تأخيرها فعلاً كما ذكر ذلك مكرراً في كتب الحديث الشيعية كالذي ذكره الحر العاملي مثلاً في الوسائل (3/146) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» وفي رواية أخرى «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ».
رابعاً: إن رؤية صاحب الزمان في هذه الرواية وفي أمثالها مخالفٌ لعقائد الشيعة أنفسهم الذين رووا في كتبهم أن إمام الزمان كتب في توقيعه [الذي خَرَجَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ السَّمُرِيِّ]:... «وسَيَأْتِي مِنْ شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ والصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ ولَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»(49).
فبالله عليكم لاحظوا كيف أن المجلسيّ يروي -من جهة - أن من ادَّعى المشاهدة كذابٌ مفتر، ومن الجهة الأخرى يروي أخباراً وقصصاً مثيرةً وطويلةً لإثبات مشاهدة بعض الناس لإمام الزمان، فهل هذا إلا عين التناقض؟!!
الخبر الرابع عشر: [عن الغيبة للطوسي‏] يرويه أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ – من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين - عَنْ مجهول هو مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مجهول آخر هو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَابَانَ عَنْ مجهول ثالث باسم أَبِي سُلَيْمَانَ دَاوُدَ بْنِ غَسَّانَ الْبَحْرَانِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي سَهْلٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ النَّوْبَخْتِيِّ قَالَ: مَوْلِدُ م‏ح‏م‏د بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ..... وُلِدَ (ع) بِسَامَرَّاءَ سَنَةَ سِتٍّ وخَمْسِينَ ومِائَتَيْنِ وأُمُّهُ صَقِيلُ...الخ.
أولا: رواة الرواية مجاهيل لا يمكننا أن نعلم أكانوا صادقين فيما يروونه أم كاذبين.
ثانياً: لقد اتقى أبو سهل [النوبختي] (أي مارس التقية) من الراوي فقال: «مَوْلِدُ م‏ح‏م‏د» فعلامة الكذب في الرواية واضحة.
الخبر الخامس عشر: [عن الغيبة للطوسي‏]، وقد اشتبه المجلسي فعدَّهُ الحديث الرابع عشر، وعلى كل حال الحديث يرويه شخص من الغلاة(50) ومن مُدَّعي النيابة بِاسْمِ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ الذي كان يعتبر نفسه نائباً لإمام الزمان، والعجيب أنه يروي عن شخصمجهول هو الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ الأشْعَرِيُّ الْقُمِّيُّ عن مجهول آخر هو يَعْقُوبُِ بْنُِ يُوسُفَ الضَّرَّابِ الْغَسَّانِيُّ، وهذا الأخير يحكي قصة سفره إلى مكة ويبين كيف أخذ يتردَّد إلى دارٍ فيها آملاً أن يكون المهدي فيها!
وهنا نقول: إذا كان مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأسَدِيُّ نائباً للإمام كان ينبغي أن يسأله هل أنت ساكن في هذه الدار فعلاً أم الساكن فيها غيرك؟ وكان في غنىً عن كل ذلك التطويل والتفصيل في القصة، فهذا يبين أن القصة كلها مخترعة من أساسها.
ثم ينقل الراوي أدعية وصلوات عن ذلك المهدي المُتصوَّر تخالف القرآن الكريم إذ إنها تخترع 13 حجة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الله نفي في سورة النساء – كما ذكرنا مراراً- أي حجة بعد الأنبياء، كما أنه أثبت في ذلك الدعاء خليفةً لِلَّهِ وقد بينا أن هذا باطل.
في ذلك الدعاء المذكور يقول: «..وَ خَلِّصْهُ مِنْ أَيْدِي الجَبَّارِينَ» وهذا أيضاً باطل لأن المهدي ليس في أيديهم حالياً. ثم جاء في آخر تلك الصلوات الطويلة: «وَصَلِّ عَلَى وَلِيِّكَ ووُلاةِ عَهْدِهِ والأئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ ومُدَّ فِي أَعْمَارِهِمْ وزِدْ فِي آجَالِهِمْ». وهذا كلُّه غلط في غلط، لأنه إذا كان قصده من «وليك» المهدي، فإن جملة «الأئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ» خطأ لأن الأئمة ليسوا من أولاده. ثم إن جميع الأئمة قد توفي من قبل فما معنى قوله في الدعاء : «ومُدَّ فِي أَعْمَارِهِمْ وزِدْ فِي آجَالِهِمْ»؟؟
أقول: إن أخبار هذا الباب كلها على هذه الشاكلة، رواة مجهولون أو غلاة وقصص لا تقدم ولا تؤخر، فنكتفي بما ذكرناه لأننا لو أردنا أن نستعرض وننقد جميع روايات الباب لضيعنا العمر والوقت في ذلك دون فائدة. فضلا عن أن بعض الأخبار فيه مكررة.
وفي آخر هذا الباب ينقل المجلسيّ أخباراً تفيد أن المهدي شفى أشخاصاً من الأمراض وأبرأ الأعمى وخلَّص المشلول من شلله وغير ذلك. وفي هذه الأخبار إشكالات من عدة وجوه:
أولاً: جميع الفرق والأديان الباطلة تنقل عن أنبيائها أو أئمتها ما يشابه تلك الكرامات والمعجزات بل ما نقله المجلسيّ عن المهدي لا يعادل واحداً بالمئة مما يرويه الآخرون عن زعمائهم الروحيين. فإذا كان من اللازم قبول مثل هذه الأخبار لوجب قبولها جميعاً. اقرؤوا كنموذج ما يرويه الصوفية في كتاب «تذكرة الأولياء» أو «نفحات الأنس».
ثانياً: من المعروف أن امرأة يهودية(51) وضعت السمّ في شاة مصلية وأهدتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكل منها وتأثر بها ولم يتمكن من شفاء نفسه(52)، وهذه القضايا التي نقلها المجلسيّ عن المهدي لم يُروَ واحدٌ بالمئة منها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. كما ضُرب أمير المؤمنين علي عليه السلام بالسيف في جبهته فوقع صريعاً في فراش الموت ولم يستطع أولاده الذين كانوا أئمة كبار مثل حضرات الحسنين عليهما السلام ومحمد بن الحنفية وأبو الفضل العباس رضي الله عنهم أن يفعلوا له شيئاً سوى الالتفاف حول فراشه والبكاء ولم يستطيعوا شفاء رأس أبيهم الشريف. أضف إلى ذلك أن عقيلاً الأخ الأكبر لأمير المؤمنين أصبح ضريراً في آخر عمره ولم يستطع عليٌّ –عليه السلام- أن يشفيه ولو استطاع لفعل ذلك من باب صلة الرحم. وحتى أنبياء الله العظام مثل أيوب عليه السلام مرض ولم يستطع شفاء نفسه حتى شفاه الله تعالى. والإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام تسمّم ببضعة حبات من العنب قضت عليه وتُوُفِّي بسببها ولم يستطع شفاء نفسه. والإمام زين العابدين أُصيب بالحمى ليلة عاشوراء ولم يستطع الإمام الحسين شفاءه.
ثالثاً: ورد في دعاء الجوشن الكبير المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي غيره من الأدعية: «يا من يكشف البلوى يا من يَسمع النجوى يا من يُنقِذ الغرقى يا من يُنجِي الهلكى يا من يَشفِي المرضى»(53), فمن الذي ينفع الإنسان وينقذه من البلاء والمصائب سوى الله؟ إن القرآن يأمرنا إذا حلَّ بنا البلاء أن ندعو الله مخلصين له الدين كي يرفع عنَّا بلاءه بفضله، بل إن القرآن وصف المشركين بأنهم ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (العنكبوت/65) أي أنهم لن يكونوا موحدين إلا إذا كان حالهم في البر كحالهم في البحر من إخلاص الدعاء لِلَّهِ وحده وعدم التوجه لأحد سواه إيماناً بأنه لا يكشف الضُرَّ إلا هو ولا يشفي من الأمراض إلا هو، ولو أردنا أن نأتي بالآيات المتعلقة بهذا الموضوع لطال بنا البحث.
رابعاً: هل يستطيع أحد أن يقول إن الإمام المهدي أرحم من الله بخلقه وألطف منه بعباده!! فكيف يمكن لأحد أن يجترئ ويقول إن الله يصيب بالعمى والشلل والمهدي يشفي منهما، الله يُمْرِض والمهدي يشفي!؟
خامساً: يقول القرآن في سورة الشعراء عن قول حضرة إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (الشعراء/80)، كما أمر تعالى رسوله خاتم النبيين فقال:﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا. قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (الجن/20 - 22)، كما كرَّر الله تعالى قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ........ (الأنعام/17). بناء على كل ما سبق، لا يملك أحد كشف الضر والشفاء من الأمراض وإعطاء الخيرات سوى الله تعالى، وحتى خاتم النبيين نفسه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فدفع الضر وجلب النفع والشفاء وتلبية الحاجات بيد الله وحده لا يملكها أي مخلوق لا استقلالاً ولا وساطةً لأن الله لم يكل هذه الأمور إلى غيره بل هو القائم بها وحده.
نعود إلى أصل الموضوع: أحد الذين ذكر المجلسيّ أنهم رأوا المهدي «سعد بن عبد الله الأشعري» وعقد المجلسيّ لذلك باباً منفرداً هو التالي:
باب 19- خبر سعد بن عبد الله ورؤيته للقائم ومسائله عنه:
روى الصدوق في [إكمال الدين‏] قال: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْوَشَّاءِ – وهو مجهول الحال - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ الْقُمِّيِّ – وهو أيضاً مجهول ومهمل- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَحْرِ بْنِ سَهْلٍ الشَّيْبَانِيِّ – وهو من الغلاة الذين هم أسوأ من المشركين - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَسْرُورٍ – وهو أيضاً مهمل ومجهول - عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُمِّيِّ.
أقول: نقل الصدوق روايته هذه عن سعد بن عبد الله بواسطة خمس وسائط في حين أن هذا ليس بصحيح لأن الصدوق يروي دائماً عن سعد بن عبد الله في أحاديثه عبر واسطة واحدة هي والده (أي والد الصدوق) أو شيخه محمد بن الحسن الوليد.
والإشكال الثاني في هذه الرواية أن ثلاثة من رجال سندها مجهولون ومهملون وأحدهم من الغلاة وهذا يجعل هذا الخبر في غاية الضعف.
والإشكال الثالث أن علماء الرجال لم يعدّوا «سعد بن عبد الله» في عداد من روى عن إمام الزمان ولا في عداد من رأى معجزاته بعكس ما جاء في هذا الخبر الذي ينسب إلى سعد بن عبد الله مشاهدته لمعجزة للمهدي.
والإشكال الرابع أنه ذُكِرَ في متن الرواية أن أحمد بن إسحق تُوفّي زمن الإمام الحسن العسكري، وهذا يناقض الأخبار التي اعتبرته من نواب إمام الزمان.
والإشكال الخامس أن الرواية تقول إن صاحب الأمر كان يلعب برمانة ذهبية ويدحرجها بين يديه في حين أن الكُليني روى عن الإمام الصادق (ع) (في الجزء الأول من كتاب الكافي ص 311) أنه قال: إن صاحب هذا الأمر ليس من أهل اللهو واللعب. أضف إلى ذلك أن امتلاك رمانة ذهبية في منزل الإمام يُعَدّ نقصاً بحقه.
والإشكال السادس في هذه الرواية ما ذُكِرَ في متنها من أن إمام الزمان كان يُخبِر عن أموال الناس بالغيب مع أن الله نفى علم الغيب عن أحد سواه. أضف إلى ذلك أن هذه الرواية تذكر أن أحمد بن إسحاق نسي ثوب امرأة عجوز في حقيبته ولم يأت بها إلى الإمام فطالبه الإمام بها فاكتأب لذلك إلى أن وجد ذلك الثوب تحت قدمَي الإمام العسكري خلال الصلاة. أقول فبالله عليكم لاحظوا أي خرافات باسم الإسلام اخترعوا وافترَوا. إن الإنسان يحتار ماذا يقول لهؤلاء المحدّثين، هل إمامكم أعلى رتبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! عندما عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة بني المصطلق وحثّوا الجمال التي عليها الهودج على السير تحرك هودج عائشة دون أن تكون هي فيه حيث كانت تبحث عن عقد لها فقدته، فلما رجعت رأت الناس قد ذهبوا بهودجها وتركوها في البادية وحدها، فرآها صفوان بن المعطِّل، وكان قد بقي أيضاً وراء الجيش فعرفها فَقَدِمَ بها المدينة، عندئذ افترى المنافقون حديث الإفك الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتغيّر نحو عائشة حتى قالت إنها بقيت شهرين كاملين لا ترى اللطف الذي كانت تراه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه فكر بمفارقتها، إلى أن نزلت الآيات التي تبرِّئُها وتثبت طهارتها، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدر ببقاء أَهْلِهِ في البادية وحدها ولكن إمام هؤلاء الغائب كان يعلم ببقاء ثوب العجوز في الحقيبة!
كذلك لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قادراً على طيّ الأرض بل تحرّك ماشياً أو راكباً وكان يتوارى عن أنظار المشركين ويسلك وعر الطريق ولكن هؤلاء يستطيعون أن يأتوا بأموال الناس من فراسخ عديدة.
والإشكال السابع في هذه الرواية ما جاء في متنها من أن الله عز وجل قد أمر برجم الزانية المحصنة مع أن هذا افتراء على الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا (الأنعام/21) والله لم يأمر [في كتابه] بمثل ذلك الأمر والرجم لا يتفق مع القرآن.
والإشكال الثامن أنه فسّر الحروف المقطعة في أول سورة مريم أي «كهيعص» بأن المقصود من الكاف كربلاء ومن الهاء هلاك العترة ومن الياء يزيد ومن العين عطش الحسين ومن الصاد صبر الحسين! وهذا أيضاً غير صحيح ومخالف لقول المفسِّرين ولقول حضرة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي نقل عنه المجلسي في البحار ذاته تفسيره لتلك الحروف بأن المقصود من كل منها اسم من أسماء الله عز وجل، وقد ورد عن حضرة علي (ع) أنه كان يقول في دعائه: «يا كاف، هاء، ياء، عين، صاد، اغفر لي» يعني يا كريم يا هادي يا عليم يا صادق اغفر لي، يعني يمكننا أن نقول إن المقصود من «كهيعص» هو أن الله تعالى أقسم في بداية سورة مريم بصفاته على أن ما سيأتي في السورة حق وواقع.
على كل حال، ما ذكرناه هو بعض الإشكالات في متن ذلك الخبر ذي السند المتهافت وهناك إشكالات كثيرة أخرى، ففي متنه جمل تخالف كثيراً من آيات القرآن الكريم. وسعد بن عبد الله الأشعري هذا الذي تُنسب إليه هذه الرواية، قد ألف كتاباً بعنوان «المقالات والفرق» ولم يشر فيه أدنى إشارة إلى رؤيته صاحب الأمر، فلو كان هذا الخبر صحيحاً عنه لأشار إليه في كتابه.
باب 20-علة الغيبة وكيفية انتفاع الناس به في غيبته:
ذكر المجلسيّ هنا عدداً من أسباب غيبة المهدي وعِلَلَ استتاره، ولكن أياً من هذه الأسباب لا يصح [أي لا يصح أن يبرِّر غيبته]. كما ذكر عدداً من الأخبار التي لا تتفق مع العقل ولا مع القرآن وبالتالي فلا يمكن أن تكون من كلام الأئمة لأنهم لا يتحدثون قطعاً بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فهذه الأخبار من وضع الكذّابين والوضّاعين، وقد ألقى التعصُب المذهبي غشاوة على أبصار الذين أخذوا بهذه الأخبار من العلماء فحال دون تفكرهم بحقيقتها [واكتشاف وضعها]، مع أن الأئمة أنفسهم قالوا: اعرضوا ما يُرْوَى عنا من أحاديث على القرآن والسنة فما خالفهما فَدَعُوه [واضربوا به عرض الحائط].
وسنستعرض فيما يلي ما ذكره المجلسيّ من علل وأسباب لتبرير غيبة المهدي ونزنها بميزان العقل والقرآن ونترك الحكم بعد ذلك للقارئ. وبدايةً نقول إن أكثر هذه الأخبار مرويةٌ عن رواة مجهولين أو كذابين أو غلاة، لذا لن نتعرض لأسانيدها بل سنكتفي بفحص متونها.
العلة الأولى: الخوف من القتل
ذكر المجلسيّ هذه العلة – أي تفسير غيبة المهدي بخوفه على حياته من القتل - في الأحاديث رقم 1 و2 و5 و10 و16 و18 و20 إلى 22.
وأقول: إن تعليل الغيبة بمثل هذا السبب ليس بصحيح ومخالفٌ للسنة الإلهية وللقرآن، لأنه إذا وجب على من هو حجة الله على خلقه أن يغيب ويستتر عن الخَلْق خوفاً من الناس لوجب على جميع الأنبياء أن يختفوا عن الناس ولا يظهروا أنفسهم لأحد لأن كل نبي كان له أعداء يتربصون به وكان يحتمل أن يقتل على أيديهم، وبالتالي فكان عليه أن يستتر ولا يبلغ رسالة ربه، هذا في حين أن الله تعالى يقول ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ (النمل/10)، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران/175)، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ (المائدة/3)، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ (الأحزاب/39)، كما أن حجة الله يجب أن تصل لجميع الناس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ (الأنعام/149)، ولذلك فقد قال تعالى لنبيه:﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة/67).
ثانياً: إذا كان الموجب لغيبته خوفه من القتل، لوجب أن يبقى غائباً إلى يوم القيامة لأن هذه العلة موجودة دائماً بل إن الخوف من القتل يزداد يوماً بعد يوم.
ثالثاً: في زماننا حيث أصبح الحكم والرئاسة في بلاد الشيعة [إيران] بيد نائب الإمام الحقّ - حسب قولهم - فلماذا لا يظهر المهدي الغائب وهل يخاف من نائبه الحقّ؟! إذن إما أن لا يكون هذا النائب نائباً حقّاً أو أن يكون المهدي الغائب لا وجود له.
لاحظوا كم هو ضعيف هذا الدليل ومدى افتقاره إلى الأساس المحكم، فلو كان الخوف من القتل مبرَّراً لاختفاء من كان حجة الله على عباده واستتاره عن العباد لوجب أن لا ينهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً، وأن لا يخرج إلى الجهاد خوفاً من أن يُقْتَل، مع أن الوجود الشريف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهم من مئة إمام ومع ذلك لم يستتر عن الناس خوفاً من القتل.
العلّة الثانية: سنن الأنبياء
العلة الثانية، حسبما ذكره المجلسيّ في الأخبار رقم 3 و4 في هذا الباب هي أن الغيبة من سنن الأنبياء!
والحقيقة أن هذا غير صحيح، فلم يغب أيُّ أحدٍ من الأنبياء، وأما ما ذُكر في تلك الروايات من أمثلة فهو لا يُعَدُّ غَيبةٍ، بل هو انتقال من مكان لآخر لبضعة أيام أو أن ذلك تمَّ قبل النبوة مثل ذهاب حضرة موسى من مصر إلى مدين لدى شعيب، أو كان إرسالاً للنبيّ في مهمّة جديدة مثل حضرة إبراهيم الذي تلقى أمراً من الله بعد تحطيمه الأصنام للذهاب إلى مكة لتطهير بيت الله وبنائِه. أما حضرة يونس الذي ترك أمته وغادرها مغاضباً وركب البحر فالتقمه الحوت، فإن هذا لا يُعَدَّ غَيبةً بل انعزالاً مؤقتاً عن قومه وقد تعرض إلى تأديب الله بسبب ذلك [لأنه ترك قومه دون إذنٍ من الله]. والحاصل إذا غضب قومُ نبيٍّ من الأنبياء عليه فألقوه في الجبّ أو هجروه وابتعدوا عنه فهذا لا يُعَدُّ غَيْبةً.
ولا أدري لماذا لا يفكر هؤلاء الذين يأتون بمثل هذه الأدلة بتاريخ الأنبياء ويتأملوه بشكل صحيح؟
العلة الثالثة: أن حكمة غَيبته سرٌّ لم يُؤْذَن في الكشف عنه
العلة الثالثة هي أن هناك حكمة لغيبته ولكن لم يُؤْذَن في الكشف عنها وأنه ينبغي عدم السؤال عنها لأنها سرٌّ من أسرار الله كما ذكر المجلسيّ ذلك في الخبرين رقم 4 و7.
أقول: وهذا أيضاً تعليلٌ باطلٌ لعدة أسباب:
أولاً: لو صح هذا التعليل فلماذا إذن ذكرت الروايات الأخرى عللاً لغيبته كخوفه من القتل وغير ذلك؟
ثانياً: إن الله تعالى لا يكلف الناس بأشياء لا يستطيعون فهمها، فالقرآن الكريم إنما نزل لتعليم الناس وتوعيتهم ولم يكلفهم بما لا يعقلون، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا (الأنعام/104)، وقال: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ(الصافات/175)، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (آل عمران/13)، وقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (الجاثية/20)، وقال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (الأنفال/42).
فإذن تبريرات الغيبة بجمل من قبيل: أنتم لا تدركون الحكمة من ذلك، وهي سرٌّ من أسرار الله... ووجهها غير مُنْكَشِف... ولا تسألوا عنها... لا تدل إلا على العجز عن إثبات الأمر وجهل المبِّررين للغَيبة.
وقد جاء في بعض الأخبار تشبيه عدم كشف وجه الحكمة من غَيبته بعدم انكشاف وجه الحكمة مما فعله الخضر أمام حضرة موسى (ع) عندما قام الخضر بخرق السفينة أو قتل الغلام أو بناء الجدار حيث لم يكن موسى يعلم الحكمة من تلك الأعمال ولا سبب القيام بها.
فنقول في الجواب:
أولاً، لا يصح القياس في أمور العقائد الدينية فإذا لم يعلم موسى (ع) بحكمة عملٍ ما فهذا لا يُعَدُّ دليلاً على جواز أن يشرع الله لأمة الإسلام أمراً لا يمكنهم تعقُّلُه ولا فهمه.
ثانياً: ليس في القرآن ما يفيد أن الذي قام بتلك الأعمال كان الخضر بل كل ما فيه أن الذي فعل ذلك كان عبداً من عباد الله آتاه الله رحمةً من عنده وعلمه من لدنه علماً فهو أحد عباد الله المقربين وربما كان أحد الملائكة المطيعين لِلَّهِ.
ثالثاً: لقد سأل موسى ذلك العبد الصالح عن علة قيامه بتلك الأمور الثلاثة فبيّن له وجه الحكمة فيها كما جاء مفصلاً في سورة الكهف.
رابعاً، لقد أوحى الله تعالى لموسى أن يذهب ليتعلّم من ذلك العبد الصالح الذي علمه الله من علمه اللدني، وأمره باتِّباعه، أما نحن فلم يأتنا وحيٌ يأمرنا أن نقبل بكل ما يقوله المجلسيّ! فانظروا كيف قام عدة رواة أميين أو قليلي العلم بوضع روايات ثم جاء هؤلاء الكُتَّاب ودونوا رواياتهم دون تفكير ولا تمحيص وقبلوها تعصباً.
خامساً، إحدى الخرافات التي يعتقدها هؤلاء هي خرافة الحياة الخالدة للخضر، مع أن هذا يخالف القرآن الكريم، حيث جاء في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ(الأنبياء/34)، كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبَد في الأرض»(54) ولو كان الخضر حياً وباقياً ومشغولاً بعبادة الله لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك الكلام.
وعلى كل حال كلمة «بشر» في الآية التي ذكرناها من سورة الأنبياء نكرةٌ في سياق النفي فهي تفيد العموم، وتدل على أن جميع البشر بلا استثناء بما في ذلك الأنبياء لم يجعل الله لهم الخلد بل أماتهم ورحلوا عن الدنيا عند انقضاء آجالهم سواء كان ذلك حضرة موسى أم عيسى أم الخضر أم إلياس عليهم السلام.
وعلى كل حال لقد وجد في زماننا عددٌ من العوام يقولون باسم الخضر إن النبي والإمام لا يموتون! وقاموا أحياناً بإتلاف أموالهم في هذا السبيل، ودخل على هذا الخط بعض المستأكلين بالدين، ففي زماننا ادَّعى أحدهم أنه هو الخضر وأتى بفضائح، وهو جناب سلطان الواعظين الشيرازي صاحب كتاب «شبهاي بيشاور» (أي ليالي بيشاور) وهو مباحثة افتراضية بين سني خيالي أو سني أمِّيٍّ وصاحب الكتاب، بحيث أن كلما كان صاحب الكتاب يقوله كان السني يقتنع به ويقبل به!. وأما قصة صيرورة سلطان الواعظين هذا الخضر فهي أن منزل هذا السيد كان في فترة من الفترات على مقربة من حي الأرمن في طهران وكان في ذلك الشارع امرأةٌ شديدة الجمال زوجةٌ لضابطٍ عقيدٍ في الجيش، وكانت المرأة عقيماً لم تخلف أولاداً، فكانت تتوسل بالدعاء والثناء وتسأل هنا وهناك حتى قيل لها اغسلي باب بيتك بالماء واكنُسيه وتوسلي بحضرة الخضر أربعين يوماً فسترين أن الخضر سيمرّ من أمام باب بيتك وحينئذٍ تعلقي به واطلبي منه الولد!.
ففعلت المرأة ذلك واتفق أن مر ذلك الشيخ - أي السيد سلطان الواعظين الذي كان شخصاً ذا قامة وهيئة جميلة - من أمام باب بيتها فتعلقت بأهدابه قائلةً: أيها الخضر ليس لدي ولدٌ وأريد الولد منك، فقال لها السيد: وهل لك من زوج؟ فقالت نعم لكنه مسافر الآن! فقال السيد: حسناً فادخلي إذن لكي أعطيك الولد، ودخل مخدعها وعاشرها. ووصلت أنباء ذلك الأمر شيئاً فشيئاً إلى مسامع الضابط العقيد فاشتعل غضبه وصاح وصرخ وسب وشتم فاضطر السيد سلطان الواعظين إلى الهروب من ذلك الحي كلياً وانتقل إلى محلة أخرى اشترى فيها مسكناً جديداً وسكن فيه.
نعم هذه هي نتيجة القول ببقاء الخضر حياً دائماّ وسائر الخرافات الأخرى.
العلة الرابعة: لئلاً تكون في عنقه بيعةٌ لأحد
ذكر المجلسيّ علة رابعة لغيبة المهدي وهي أنه غاب عن خلقه «لِئَلا يَكُونَ لأحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ» وهذه العلة ذكرت في الروايات 11 و12 و13 و14 و15 من هذا الباب.
أقول: وهذه العلَّة أضعف من كل ما سبقها ولا تصلح تبريراً للغيبة، لأن أياً من الخلفاء والسلاطين لم يذهب إلى كل فرد من الناس ليجبره على البيعة له كرهاً، نعم الحجَّاج فعل ذلك بأهل المدينة ولكن الحجَّاج لم يكن خليفة ولا سلطاناً وكان عمله هذا مقتصراً على أهل المدينة فقط دون سائر البلدان.
ثانياً، لم يضطر أيٌّ من الآباء الكرام السابقون للحسن العسكري والأئمة الذين كانوا قبله إلى مبايعة أي أحد، ولم تكن في عنقهم بيعة لأحد، فهذا غير منحصر بالمهدي [و لا يقدم تفسيراً لغيبته].
ثالثاً، كثيرٌ من الناس والعلماء جاؤوا إلى الدنيا ورحلوا عنها دون أن تكون في عنقهم بيعة لأحد ولم يضطروا لأجل ذلك أن يغيبوا عن الناس.
كانت تلك الأدلة الواهية عمدة ما ذكروه في تفسيره الغيبة وتبريرها، وقد بقيت هذه الأدلة مئات السنين في الكتب يتعصب لها العلماء ويكررونها!!
أما وجه الانتفاع بالإمام الغائب:
معظم ما ذكره المجلسيّ في هذا الباب من روايات يتعلق ببيان علل الغيبة وأسبابها، ولكنه ذكر من ضمنها عدة روايات حول كيفية انتفاع الناس بالإمام المهدي حال غيبته، وعمدة تلك الروايات تشبيه انتفاع الخَلق بالمهدي الغائب بانتفاعهم بالشمس إذا سَتَرَتْها السُّحُبُ وغيّبتها عن الأبصار وقد سبق أن بيَّنَّا عدم صحة هذا القياس أو هذا التشبيه على الإطلاق فليراجع.
وعلى كل حال فلقد نقل المجلسيّ روايات في هذا الصدد عن رواة كذبة أو وضاعين أو مجهولي الحال، واليوم أصبح كل من لا يقبل بهذه الخرافات منحرفاً بل ربما لم يعدُّوه من المؤمنين! هذا مع أن هذه الموهومات لا علاقة لها بالإسلام، فيبدو أن القوم أخذوا معيار الكفر والإسلام بأيديهم ولم يجعلوه مستنداً إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وليت شعري هل قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه هذه الروايات واعتقدوا بشيءٍ من محتواها واعتبروها من أصول الدين أو فروعه؟! كلا والله.
في آخر هذا الباب أخذ المجلسيّ بالتفلسف والاستدلال الكلامي فقال (كما في الصفحة 99 من هذا الجزء 52 من البحار):
«فإن قيل أليس آباؤه (ع) كانوا ظاهرين ولم يخافوا ولا صاروا بحيث لا يصل إليهم أحد؟ قلنا: آباؤه (ع) حالهم بخلاف حاله، لأنه كان المعلوم من حال آبائه لسلاطين الوقت وغيرهم أنهم لا يرون الخروج عليهم ولا يعتقدون أنهم يقومون بالسيف ويزيلون الدول بل كان المعلوم من حالهم أنهم ينتظرون مهديا لهم وليس يضر السلطان اعتقاد من يعتقد إمامتهم إذا أمنوهم على مملكتهم. وليس كذلك صاحب الزمان لأن المعلوم منه أنه يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان ويبسط العدل ويميت الجور، فمن هذه صفته يُخاف جانبه وتُتَّقى ثورته فيُتَتبَّع ويُرصَد وتُوضع العيون عليه ويعنى به خوفاً من وثبته.... الخ».
وأقول إن هذا الكلام غير صحيح لما يلي:
أولاً - لقد تعرّض بعض آبائه إلى سلاطين زمانهم وثاروا عليهم، وفي الكافي بابٌ أن الإمام الباقر والصادق قالا: «كلنا قائم»(55). ثم ألم يثر الإمام الحسين على الحكم الأموي [ممثلاً بيزيد بن معاوية]؟؟ أولم يحارب الإمام علي (ع) معاوية؟ ألم يكن حضرة الباقر وحضرة الصادق يعتبران سلاطين بني أمية غاصبين؟ ألم يسجن هارون الرشيد الإمام موسى بن جعفر؟! إذا لم يكن الأئمة على خلاف ونزاع مع الخلفاء فلماذا كانوا يخافون من الخلفاء ويتقوّن منهم؟!
لاحظوا كيف ألقى التعصب على عيني وأذني المجلسيّ غشاوة حجبته عن رؤية هذه الحقيقة الواضحة؟
ثم إن المجلسيّ يقول إن المهدي «يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان..... الخ».
وأقول: إن هذا الكلام كلام خيالي، لأن المهدي إذا جاء وقام بالسيف وأمضى مئة سنة يقتل الناس بمعدل قتل ألف شخص في اليوم فإنه بعد مئة سنة لن يكون قد قتل سوى 36،5 مليون شخص فقط وهم أقل بكثير من عدد سكان إيران وحدها حاليا، فما بالك بالقضاء على سكان الممالك الأخرى!! إذن يجب على ذلك المهدي أن يبقى ألف سنة أخرى وهو يقتل غير المسلمين ليقضي عليهم جميعاً ويقطع رقابهم!.
بالله عليكم هل هؤلاء قوم يتفكرون؟ يبدو أن إراقة الدماء تروق لهم! هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة/256).
وكذلك قول المجلسيّ عن المهدي أنه «يقهر كل سلطان ويبسط العدل ويميت الجور..» مخالفٌ لما يُستفاد من القرآن حيث يقول تعالى:
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/14)، ويقول: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ.... (المائدة/64).
فالظلم والجور والعداوة والبغضاء والحروب وسفك الدماء باقية على الأرض مادام البشر باقون عليها ولن يتغير ذلك، وبالتالي فلن يقوم الله تعالى بعمل يخالف ما ذكره في كتابه بأن يرسل إماماً يُكرِهُ الناسَ بالقوة على السلم والوداد «حَتَّى لَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ ولَا نَصْرَانِيٌّ ولَا صَاحِبُ مِلَّةٍ إِلَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَأْمَنَ الشَّاةُ والذِّئْبُ والْبَقَرَةُ والْأَسَدُ والْإِنْسَانُ والْحَيَّةُ وحَتَّى لَا تَقْرِضَ فَأْرَةٌ جِرَاباً... الخ»، وحتى يصلح أمر جميع الناس وتغمرهم نعم الله ويرفع عنهم العذاب جميعاً. بل الله تعالى يصرح في كتابه بأنه سيبقى هناك مؤمن وكافر على وجه الأرض إلى يوم القيامة وأن أكثر أهل الأرض ليسوا من أهل الإيمان، وأنه لن توجد تلك المدينة الفاضلة الخيالية التي يكون جميع أهلها صالحون أتقياء ومؤمنون، بل ما من مدينة إلا وسينزل بها عذاب الله وبلاؤه كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (الإسراء/58).
أجل إن الذين وصفوا أو كتبوا ذلك الكلام الخرافي لم يكن لهم علم بقرآن ولا بعقل بل كان همهم نصرة مذهبهم وتبديل الإسلام الواحد إلى مذاهب.
أجل، إن يوم القيامة فقط هو اليوم الذي يفصل اللهُ فيه بين الحق والباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما بين تعالى هذه الحقيقة في مواضع عديدة من كتابه كقوله تعالى في سورة الحج ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (الحج/17) وقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(النحل/92) وقوله عز من قائل: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(الحج/69).
 ثم إن رواياتهم تقول إن الإمام يملك سبع سنوات فقط أو خمس سنوات، فأقول: هل من المعقول أن يقوم الإمام بكل ذلك القتل للناس حتى تصل الدماء إلى بطون الخيل – كما تقول الروايات – لأجل أن يحكم سبع سنوات؟! وتقول رواياتهم إن الإمام يأتي بالسيف ويقوم بالسيف، فأقول: فكيف يملأ الدنيا عدلاً وهو يستخدم الإكراه والإجبار وهل يجتمع العدل والجبر؟ هل دين الإسلام دين القتل والإكراه والعنف؟ إن هناك آيات كثيرة في القرآن تخالف هذا الكلام، ولكن ما الفائدة إذا كان التعصّب يحول دون قراءتها وتدبرها.
ثم يقول المجلسي في ص 99 من ج 52 [من البحار]: «وأيضاً فآباؤه (ع) إنما ظهروا لأنه كان المعلوم أنه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم مقامه ويسد مسده من أولادهم وليس كذلك صاحب الزمان لأن المعلوم أنه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف فلذلك وجب استتاره وغيبته».
أقول: وهذا يخالف ما جاء في بعض أخبارهم من أنه بعد هذا المهدي يأتي اثنا عشر مهدياً آخر أو أن بعد هذا المهدي يرجع عليٌ وأئمة آخرون إلى الدنيا, فيبدو أنهم ينسَون كلام أنفسهم.
ثم يقول المجلسي: «فإن قيل بأي شي‏ء يعلم زوال الخوف وقت ظهوره أ بالوحي من الله فالإمام لا يوحى إليه أو بعلم ضروري فذلك ينافي التكليف أو بأمارة توجب غلبة الظن ففي ذلك تغرير بالنفس. قلنا عن ذلك جوابان. أحدهما أن الله أعلمه على لسان نبيه وأوقفه عليه من جهة آبائه زمان غيبته المخوفة وزمان زوال الخوف عنه فهو يتبع في ذلك ما شرع له وأوقف عليه».
أقول في الجواب: ولكن المجلسي ذاته ينقل روايات تنصُّ على أنه لا أحد سوى الله يعلم متى تقوم الساعة ومتى يكون وقت الظهور، حتى الأئمة قالوا نحن لا نعلم ذلك، وقال الإمام الصادق وسائر الأئمة مراراً: «كَذَبَ الوقّاتون» (56).
إضافة إلى أنه رَوَى عن المهدي ذاته أنه أَمَرَ شيعتَه أن يسألوا الله أن يعجِّل له وقت الظهور. أضف إلى ذلك أنه رُوِيَت أخبار أن الأئمة عينوا وقتاً لأمر ثم حصل بداء لأن الشيعة عصوا الله أو فعلوا كذا وكذا فأجَّل الله الميعاد كما سيأتي في الباب التالي.
باب 21- التمحيص والنهي عن التوقيت وحصول البداء في ذلك:
روى المجلسي في هذا الباب خمسين رواية عن رواة مجاهيل أو غلاة أو كذابين. وأكثر هذه الروايات متعارضة يناقض بعضها بعضاً، وسنستعرض بعضها فيما يلي ونترك الحكم النهائي للقراء:
الروايات الثلاث الأولى في أسانيدها مجاهيل وغلاة وليس فيها ما يغني.
الرواية الرابعة يرويها عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ: قَالَ: «قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ (ع) (أي الإمام موسى بن جعفر): يَا عَلِيُّ! إِنَّ الشِّيعَةَ تُرَبَّى بِالأمَانِيِّ مُنْذُ مِائَتَيْ سَنَةٍ! (أي تربى على الأمل بقيام دولة العلويين دولة آل البيت). وَقَالَ يَقْطِينٌ لابْنِهِ عَلِيٍّ: مَا بَالُنَا قِيلَ لَنَا (أي أن دولة بني العباس ستقوم) فَكَانَ وَقِيلَ لَكُمْ (أي دولة العلويين ستقوم) فَلَمْ يَكُنْ؟! فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّ الَّذِي قِيلَ لَكُمْ وَلَنَا مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّ أَمْرَكُمْ حَضَرَكُمْ فَأُعْطِيتُمْ مَحْضَهُ وَكَانَ كَمَا قِيلَ لَكُمْ! وَإِنَّ أَمْرَنَا لَمْ يَحْضُرْ فَعُلِّلْنَا بِالأمَانِيِّ ولَوْ قِيلَ لَنَا إِنَّ هَذَا الأمْرَ لا يَكُونُ إِلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ أَوْ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ لَقَسَتِ الْقُلُوبُ ولَرَجَعَتْ عَامَّةُ النَّاسِ عَنِ الإسْلامِ ولَكِنْ قَالُوا مَا أَسْرَعَهُ وَمَا أَقْرَبَهُ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِ النَّاسِ وَتَقْرِيباً لِلْفَرَجِ».
أقول: إذن كان يتم خداع عوام الشيعة بالآمال والأماني الكاذبة! وقد أدرك المجلسيُّ ما في هذه الرواية من فضيحة فتمحَّلَ لهل تأويلات من عنده.
الرواية الخامسة: يرويها أشخاص مجهولو الحال عن الإمام الباقر أَنَّ الْفُضَيْلِ سَأَلَهُ: هَلْ لِهَذَا الأمْرِ وَقْتٌ؟ فَقَالَ: كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ.
أقول: إذن كل تلك الروايات المنقولة عن الأئمة والتي تقول إنه في الوقت الفلاني ستكون هناك الصيحة السماوية، وفي السنة كذا والشهر كذا........ الخ كلها كذب وتخالف هذه الرواية.
والروايات 6 إلى 9 تكرار لنفس فكرة الرواية الخامسة.
الرواية العاشرة: «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَلِهَذَا الأمْرِ أَمَدٌ نُرِيحُ إِلَيْهِ أَبْدَانَنَا وَنَنْتَهِي إِلَيْهِ؟؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّكُمْ أَذَعْتُمْ فَزَادَ اللهُ فِيهِ».
ومعنى الجملة الأخيرة أن الله غضب لما رآكم أذعتم موعد الظهور الذي كان قريباً، فأجله وزاد في تأخيره!! وأقول: هذه الرواية تناقض تماماً ما قيل من عدم التوقيت وعدم العلم بوقت الظهور....... الخ. فلاحظوا أيها القراء حال هذه الروايات المتناقضة التي يكذِّب بعضُها بعضاً.
الرواية الحادية عشرة: تخالف جميع الروايات السابقة إذ يقول فيها أَبِو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ: «قُلْتُ لأبِي جَعْفَرٍ (ع) إِنَّ عَلِيّاً (ع) كَانَ يَقُولُ إِلَى السَّبْعِينَ بَلاءٌ وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ الْبَلاءِ رَخَاءٌ وَقَدْ مَضَتِ السَّبْعُونَ وَلَمْ نَرَ رَخَاءً؟! فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع): يَا ثَابِتُ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ وَقَّتَ هَذَا الأمْرَ فِي السَّبْعِينَ فَلَمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى أَهْلِ الأرْضِ فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الحَدِيثَ وَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السِّتْرِ فَأَخَّرَهُ اللهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتاً عِنْدَنَا».
أقول: قوله «إن الله كان وقَّت هذا الأمر في السبعين ثم جعله في الأربعين ومائة» مناقضٌ لقول الإمام «كذب الوقَّاتون». ثم أقول: وهل كان الإمام الباقر (ع) يوحى إليه حتى علم بأن الله غضب لما أفشت الشيعة السرّ فأجَّل الموعد؟! فإن قلنا: إن الإمام لا يوحى إليه، وإن عليّاً (ع) قال - كما في نهج البلاغة - «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاء»(57)، وقال - كما في الخطبة 131 من النهج - «فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ»، قيل: دع عنك هذا الفضول فهذا ليس من شأنك!!
الرواية الثانية عشرة: يرويها شخص مجهول قال: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) (أي الإمام الصادق) يَقُولُ: كَانَ هَذَا الأمْرُ فِيَّ فَأَخَّرَهُ اللهُ ويَفْعَلُ بَعْدُ فِي ذُرِّيَّتِي مَا يَشَاءُ»!
ينبغي أن نقول: أولاً: ليس من الواضح في الحديث أي أمرٍ كان للإمام الصادق فأخره الله، ثم من أين علم الإمام بذلك وهل كان يوحى إليه؟ وثانياً: هذا يناقض الأخبار التي رووها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال عن المهدي: اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي.
الرواية الثالثة عشرة: يرويها «أبو لبيد المخزومي» الذي لا يعلم أحد عن دينه شيئاً عن الإمام الباقر ومتن الرواية كله ألغاز ورموز ومبهمات حتى قال عنه المجلسيّ إنه من مبهمات الأخبار.
والواقع أن الإمام يجب أن يكون مرشداً ومعلماً لا طارحاً للألغاز، ثم إن الأوقات التي عينها الإمام في هذه الرواية بطريقة الألغاز لا فائدة منها لأنه لن يفهمها أحد! وثانياً: هي تخالف قول الأئمة «كذب الوقّاتون».
وقد حاول المجلسي وتأويل الرواية والجمع بينها وبين ما يعارضها وملأ لأجل ذلك عدة صفحات ولكنه لم يستطع حل الإشكال.
الرواية الرابعة عشرة: لا علاقة لها بهذا الباب وراويها شخص مجهول الهوية ذُكِرَ بعبارة «عن بعض أصحابنا» يقول: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ أَتى‏ أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ قَالَ إِذَا أَخْبَرَ اللهُ النَّبِيَّ بِشَيْ‏ءٍ إِلَى وَقْتٍ فَهُوَ قَوْلُهُ أَتى‏ أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وقَالَ إِنَّ اللهَ إِذَا أَخْبَرَ أَنَّ شَيْئاً كَائِنٌ فَكَأَنَّهُ قَدْ كَانَ»
الرواية الخامسة عشرة: عدة من الكذابين وشخص لعنه الإمام يروون أن الإمام الباقر قال: «لا تَزَالُونَ تَنْتَظِرُونَ حَتَّى تَكُونُوا كَالمَعْزِ المَهُولَةِ الَّتِي لا يُبَالِي الْجَازِرُ أَيْنَ يَضَعُ يَدَهُ مِنْهَا لَيْسَ لَكُمْ شَرَفٌ تُشَرِّفُونَهُ وَلا سَنَدٌ تُسْنِدُونَ إِلَيْهِ أُمُورَكُمْ». فينبغي أن نقول: ما علاقة هذا بالمهدي؟! وثانياً:لقد ذم الإمام انتظاركم فَدَعُوا إذن هذا الانتظار وكُفُّوا عنه!!
الرواية السادسة عشرة: يسأل فيها البزنطي الإمام الرضا عن رؤيا رآها فأمسك الإمام عن تعبيرها له ووعظه موعظة قصيرة، فما علاقة هذا بالمهدي؟
الرواية السابعة عشرة: يقول راويها «قُلْتُ لِلرِّضَا (ع) جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْا عَنْ شِهَابٍ عَنْ جَدِّكَ (أي الإمام الصادق) (ع) أَنَّهُ قَالَ: أَبَى اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى أَنْ يُمَلِّكَ أَحَداً مَا مَلَّكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلاثاً وعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ إِنْ كَانَ أَبُوعَبْدِ اللهِ (ع) قَالَهُ جَاءَ كَمَا قَالَ. فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيَّ شَيْ‏ءٍ تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ الصَّبْرَ وانْتِظَارَ الْفَرَجِ.... (إلى قوله): ولَكِنْ قَدِ ابْتَلاكُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِالإذَاعَةِ وأَنْتُمْ قَوْمٌ تُحِبُّونَّا بِقُلُوبِكُمْ ويُخَالِفُ ذَلِكَ فِعْلُكُمْ.... إلى آخر الرواية».
أقول: وهذه الرواية لا علاقة لها بالمهدي [أو لا تثبت شيئاً بشأنه]، أما قوله الإمام: «وأنتم قوم تحبونا بقلوبكم ويخالف ذلك فعلكم» فهو صحيح لأن عقائد وأعمال مدعي التشيع أولئك تخالف عقائد وأعمال علي بن أبي طالب (ع).
الرواية الثامنة عشرة: عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ قَالَ: «قُلْتُ لأبِي الْحَسَنِ مُوسَى (بن جعفر) (ع): مَا بَالُ مَا رُوِيَ فِيكُمْ مِنَ الْمَلاحِمِ لَيْسَ كَمَا رُوِيَ ومَا رُوِيَ فِي أَعَادِيكُمْ قَدْ صَحَّ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: إِنَّ الَّذِي خَرَجَ فِي أَعْدَائِنَا كَانَ مِنَ الْحَقِّ فَكَانَ كَمَا قِيلَ وأَنْتُمْ عُلِّلْتُمْ بِالأمَانِيِّ فَخَرَجَ إِلَيْكُمْ كَمَا خَرَجَ».
ومعنى الرواية استشكال السائل من أن ما روي فيكم من الوقائع والملاحم لم يقع كما روي - أي تبيَّن كذبه - ولكن ما روي في أعدائكم وقع صحيحاً كما رُوِيَ؟!!
وقد أجاب الإمام بما معناه أن ما قيل لكم حول أعدائنا كان حقاً فوقع كما قيل ولكنكم أضعتم الوقت في الأماني الفارغة فنقلت إليكم تلك الأماني والآمال!!
أقول: إذن فالمستفاد من هذه الرواية ومن أمثالها أن روايات الفرج والظهور وقيام دولة الإمامية كله من آمال وأماني الرواة والناقلين وليست مطابقة للواقع.
الرواية التاسعة عشرة: يرويها مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ(58) – الذي كان يعتبر نفسه وكيلاً وسفيراً لإمام الزمان – فيقول: «أَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللهِ وكَذَبَ الْوَقَّاتُونَ».
أقول: فهذه الرواية تناقض تلك الأخبار التي جاء فيها تعيينٌ للوقت كما أنها مناقضة للخبر السادس في باب: «ذكر من رآه» الذي جاء فيه عن «عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ الأهْوَازِيِّ»، الذي كان يدَّعي النيابة للمهدي والسفارة له، أنه سأل الإمام – [ضمن حديث طويل] - عن زمان ظهوره فقال له الإمام: «... فِي سَنَةِ كَذَا وكَذَا تَخْرُجُ دَابَّةُ الأرْضِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَا والْمَرْوَةِ ومَعَهُ عَصَا مُوسَى... الخ».
فلاحظوا بالله عليكم كيف جمع المجلسيّ في هذا الباب المتناقضات وأتلف وقت الناس بها.
الروايتان العشرون والحادية والعشرون: يرويهما رواة مجهولون ومتنهما لا يثبت شيئاً.
الرواية الثانية والعشرون: راويها المعروف بالكذب يروي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ بِلا إِمَامٍ هُدًى ولا عَلَمٍ يَبْرَأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُمَيَّزُونَ وتُمَحَّصُونَ وتُغَرْبَلُونَ وعِنْدَ ذَلِكَ اخْتِلافُ السِّنِينَ وإِمَارَةٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وقَتْلٌ وقَطْعٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ».
فينبغي القول: في زماننا هذا رغم وجود مئات النواب للإمام ومئات مدعي العلم، لا يزال يبرأ بعضنا من بعض ولا يزال الضلال والخلاف والنزاع، والسبيل إلى رفع ذلك أن يجعل الناس القرآن الكريم إمامهم وليس المهدي أو شخص آخر.
الروايات التالية (من 20 إلى 31) ذات مضامين متشابهة حول امتحان الشيعة وغربلتهم قبل ظهور دولتهم وأن عليهم عدم الاستعجال......... وهذه أمور عامة لا علاقة لها بإثبات الإمام الثاني عشر الحي الغائب.
الرواية الثانية والثلاثون: يقسم فيها الإمام الباقر قائلاً: «واللهِ لَتُمَيَّزُنَّ، واللهِ لَتُمَحَّصُنَّ، واللهِ لَتُغَرْبَلُنَّ كَمَا يُغَرْبَلُ الزُّؤَانُ(59) مِنَ الْقَمْحِ».
وأقول هذا الأمر مطابق للواقع لأن الله تعالى سيمتحن جميع الناس ويفتنهم مؤمنهم وكافرهم حتى يتبين الذين صدقوا من الكاذبين، وهذا الأمر لا علاقة له بوجود مهديٍّ أو عدم وجوده.
الرواية الثالثة والثلاثون: رواةٌ مجهولون يروون عن الإمام الحسن بن علي (ع) أنه قال: «لا يَكُونُ الأمْرُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ حَتَّى يَبْرَأَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ويَتْفُلَ بَعْضُكُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ وحَتَّى يَلْعَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وحَتَّى يُسَمِّيَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَذَّابِينَ!».
وهكذا يواصل المجلسيُّ نقل روايات أخرى كلها على هذه الشاكلة، ومن الواضح أنه لما لم يكن يملك دليلاً قاطعاً وبيناً حول المهدي الغائب أخذ يجمع كل ما تيسَّر له من أخبار على مبدأالغريق يتشبَّث بكلِّ حشيش.
 الروايات من الأربعين حتى الثامنة والأربعين تحوي متوناً يناقض بعضها الآخر، ففي إحداها يقول: «كذَّب الوقاتون» وفي رواية أخرى قول الإمام: «قَدْ كَانَ لِهَذَا الأمْرِ وَقْتٌ وكَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ ومِائَةٍ فَحَدَّثْتُمْ بِهِ وأَذَعْتُمُوهُ فَأَخَّرَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ» وفي رواية ينسب للإمام الصادق أنه قال لشخصٍ فطحي المذهب(60) [إسحاق بن عمار] لا يعتقد بالمهدي أصلاً «يَا إِسْحَاقُ! إِنَّ هَذَا الأمْرَ قَدْ أُخِّرَ مَرَّتَيْنِ». وفي راوية أخرى ينسب للإمام الصادق قوله: «أَبَى اللهُ إِلا أَنْ يُخَالِفَ وَقْتَ المُوَقِّتِينَ». وفي الخبر 45 يُنْسبَ إلى الإمام الصادق ما هو أسوأ من كل ما سبق إذ يقول: «فَإِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ فَجَاءَ عَلَى مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ فَقُولُوا صَدَقَ اللهُ وإِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِحَدِيثٍ فَجَاءَ عَلَى خِلافِ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ فَقُولُوا صَدَقَ اللهُ تُؤْجَرُوا مَرَّتَيْنِ»!!.
أقول: بالله عليكم هل هذا حديث؟! أجل هذا ما جمعه المؤلف من أخبار وروايات باسم المهدي وقد أدرك ما تحويه من إشكالات فحاول إصلاح ما فيها من باطل بطرحة مسألة البداء، وهذه الأخبار [إن صحت عن الأئمة] فإنها تبين أنهم هم أنفسهم لم يكونوا مطمئنين أو متأكدين من الإخبارات التي كانوا يخبرون بها، فما بالك بالآخرين!
 حقاً أن قراءة هذه الروايات لا يفيد إلا في إتلاف الوقت ولكن لم يكن أمامنا مندوحة إلا أن ننقلها كي نتمكن من فحصها وتمحيصها.
الرواية 49: رواةٌ غلاةٌ ينسبون إلى الإمام الصادق (ع) قوله: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى عِمْرَانَ أَنِّي وَاهِبٌ لَكَ ذَكَراً سَوِيّاً مُبَارَكاً يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وجَاعِلُهُ رَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَحَدَّثَ عِمْرَانُ امْرَأَتَهُ حَنَّةَ بِذَلِكَ وهِيَ أُمُّ مَرْيَمَ فَلَمَّا حَمَلَتْ كَانَ حَمْلُهَا بِهَا عِنْدَ نَفْسِهَا غلام [غُلاماً] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏... ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثى‏ أَيْ لا تَكُونُ الْبِنْتُ رَسُولا يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ واللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ فَلَمَّا وَهَبَ اللهُ لِمَرْيَمَ عِيسَى كَانَ هُوالَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِمْرَانَ‏ ووَعَدَهُ إِيَّاهُ فَإِذَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ مِنَّا شَيْئاً فَكَانَ فِي وَلَدِهِ أَووَلَدِ وَلَدِهِ فَلا تُنْكِرُوا ذَلِكَ».
فأقول: أولاً: قصة وحي الله تعالى إلى عمران بأنه سيهب له ذكراً سوياً لا ذكر لها في القرآن.
ثانياً: الذي ذكره القرآن الكريم هو أن امرأة عمران [ذكروا أنها حنّة] أم مريم كانت امرأة طاهرة مطهرةً ومقدّسةً وتقيّةً جداً وكانت تمضي أكثر أوقاتها بالدعاء ومناجاة الله تعالى وعندما حملت نذرت إن رزقها الله بولدٍ ذَكَرٍ أن تهبه لِلَّهِ وتَقِفَهُ على خدمة الدين والدعوة إليه، فيكون من خدام بيت الله، وظنَّت بعد هذا النذر أنها سترزق بذكر فرزقت بأنثى سمتها مريم وهي التي ولدت عيسى فيما بعد.
فإذا عرفنا ذلك فالسؤال المنطقي الآن: ما علاقة كل ذلك بإثبات وجود المهدي الغائب؟! أليس أن هؤلاء لما لم يكن في أيديهم دليل صحيح يتمسكون بكل خبر؟
هنا يقول المجلسيُّ ما مفاده إنه لو قال الأئمة قولاً حول القائم ولم يقع ما قالوه فقد وقع في خبرهم البداء وسيتحقق الخبر في وقت آخر أو بشأن شخص آخر، فاحذروا من الإنكار!! وقال: «... فإن مرَّ هذا الزمان ولم يظهر الفرج والعياذ بالله كان ذلك من سوء فهمنا والله المستعان مع أن احتمال البداء قائم في كل من محتملاتها كما مرت الإشارة إليه في خبر ابن يقطين والثمالي وغيرهما فاحذر من وساوس شياطين الإنس والجان!!».
أقول: نعم إنه بهذه التأويلات يريد المجلسيّ إلباس المضامين المُختَلَقَة لرواياته لباس الحقيقة والصواب.
ماذا يعني البداء؟
فسّر المجلسي وآخرون البداء بأن يُخبر رسلُ الله أو الأئمةُ الناسَ بخبر كما تلقوه من وحي الله فيعلنوه للناس، مع علم الله أن ذلك الخبر لن يقع إلا أنه لم يُظهر هذه الحقيقة لرسله في بداية الأمر ولم يظهرها إلا في وقت لاحق. فإذا أخبر رسلُ اللهِ بخبر ولم يتحقق ذلك الخبر فسبب ذلك أن واقع الأمر كان مخفياً عنهم ولكن الله تعالى كان يعلم بذلك وأظهر حقيقة الأمر لاحقاً.
وقد كتب أحد علماء الإسلام يقول: إن علماء الشيعة جعلوا من مسألتين حصناً ودرعاً لهم يستطيعون بهما أن يحافظوا على مقام أئمتهم إذا أفتَوا بحكم فظهر خطؤه أو أخبروا عن شيء فوقع خلافه: إحداهما مسألة التقية والثانية مسألة البداء، فإذا أفتى الإمام بفتوى خلافاً لما أنزل الله قالوا إنه قال ذلك تقيّة (وينبغي أن يُقال لهم أنه إذا أراد التقيّة فيمكنه السكوت لا أن يفتي بخلاف ما أنزل الله فيضل الناس، أضف إلى ذلك أن الإمام والمأموم يجب عليهما أن يفديا نفسيهما لأجل الدين لا أن يفديا الدين لأجل بقاء نفسيهما). وإذا وعد إمامهم وعداً بحصول شيء في المستقبل فلم يحصل قالوا بَدَا لِلَّهِ فيه. وهكذا ولما كان الشيعة يعتقدون بعصمة أئمتهم وأنهم يعلمون بما كان وما هو كائن وما يكون إلى يقوم القيامة اضطروا إلى التمسّك بمسألتي التقية والبداء ليحلوا الإشكالات التي يجدونها في أخبار الأئمة والأحكام المتعارضة والمتناقضة التي تُنقل عنهم.
يقول المجلسي (البحار، ج52/ص120): «قد تحمل المصالح العظيمة الأنبياءَ والأوصياءَ على أن يتكلّموا في بعض الأمور على وجه المجاز والتورية وبالأمور البدائية على ما سطر في كتاب المحو والإثبات ثم يظهر للناس خلاف ما فهموه من الكلام الأول فيجب عليهم أن لا يحملوه على الكذب ويعلموا أن المراد منه غير ما فهموه كمعنى مجازي أو كان وقوعه مشروطاً بشرط لم يتحقّق.».
كان ذلك مختصراً لما أورده المجلسي في هذا الباب. ولاحظنا أنه ينطبق عليه القول: أتى بعذر أقبح من ذنب، وأقول: ما الذي يجبركم على أن تدَّعوا لأئمتكم العصمة خلافاً لتعليم القرآن وأن تدّعوا للإمام العلم بما كان وما يكون خلافاً لكتاب الله ثم بعد ذلك تأتوا وتحاولوا رَتْق الفَتْق وإصلاح الخرق؟!
باب 22- فضل انتظار الفرج ومدح الشيعة في زمان الغيبة وما ينبغي فعله في ذلك الزمان:
أورد المجلسيُّ في هذا الباب 77 حديثاً حسب الظاهر، إلا أن الواقع أن معظمها مكرر إما في هذا الباب ذاته أو في الأبواب السابقة.
طرح المجلسيُّ في هذا الباب موضوعين: الأول فضيلة انتظار الفرج والثاني مدح الشيعة والثناء عليهم.
فأقول: إن ما يُسَلِّي جميع شعوب العالم التي تتعرض إلى المشقات والشدائد والابتلاءات هو الأمل بذهاب الشدائد وارتفاع البلاء وأن تكون تلك المشقات مؤقتة وانتظار الفرج من الله، وهذا لا يختص بمجيء المهدي اُلَمتَخيَّل الذي لم نجد حتى الآن مستنداً [محكماً وموثوقاً] على وجوده. كما أن كل ملة وفرقة سعيدة بعقائدها وأعمالها.
هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإننا لا نستطيع أن نقبل هذه الأخبار والروايات التي جاء بها المجلسيّ في هذا الباب لأنّ معظم رواتها أشخاصٌ مجهولو الحال أو كذابون أو ملعونون على لسان الأئمة مثل أبي الجارود، أو هم من أتباع مذهب الفطحية أو الواقفة الذين لا يعتقدون بإمامة الإمام الحادي العشر ولا الإمام الثاني عشر بل ينكرونهما من الأصل، أمثال الحسن بن علي بن الفضال أو علي بن أبي حمزة البطائني وأمثالهما، ولا يمكن لأي عاقل أن يثبت أمراً بأقوال أشخاص ينكرون هذا الأمر من أساسه.
وسنستعرض هذه الأخبار والأحاديث ونتبيّن أنها إما غير صحيحة، كما هو حال معظمها، أو إن صحت فاستدلال المجلسي فيها في غير محله أي أنه يستدل بها على أمر لا تثبته ولا تدل عليه، ولنرى أيضاً كيف تم اللعب بمعاني آيات القرآن الكريم وتفسيرها بأمور لا تدل الآيات عليها من قريب ولا من بعيد.
الحديث الأول: «قَالَ الصَّادِقُ (ع) مِنْ دِينِ الأئِمَّةِ الْوَرَعُ والْعِفَّةُ والصَّلاحُ إِلَى قَوْلِهِ وانْتِظَارُ الْفَرَجِ بِالصَّبْرِ».
أقول: هذا الأمر عام في كل دين صحيح، فلا علاقة لمثل هذا بالمهدي [الحي المنتظر] ضرورةً.
الحديثان الثاني والثالث: مرويان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن عليٍّ (ع) بأنَّ: «أَفْضَلَ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ فَرَجِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ» وأن «انْتِظَارَ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ».
أقول: القول فيهما كالقول في الحديث السبق، أي أن انتظار الفرج أمر عام وليس مرتبطاً بالضرورة بانتظار مهديٍّ حيٍّ غائبٍ.
الحديث الرابع: مرويٌّ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ الذي كان شاكّاً في إمامة علي بن الحسين (أي إمام الشيعة الرابع) أي شاكاً بينه بين محمد بن الحنفية(61)، ومتن روايته يقول: «المُنْتَظِرُونَ لِظُهُورِهِ أَفْضَلُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ لأنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَعْطَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ والأفْهَامِ والمَعْرِفَةِ مَا صَارَتْ بِهِ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ المُشَاهَدَةِ».
أقول: إن اعتباره»«المنتظرين» أَفْضَلَ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ مبالغةٌ وإغراقٌ، فقد جعلهم بذلك أفضل حتى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! وهذا إغراق وكذب يخالف آيات القرآن ولا يمكن لعاقل أن يقول به فضلاً عن الإمام.»
الحديث الخامس: راويه علي بن إبراهيم القمي القائل بتحريف القرآن وآخرون أمثاله، وأما متنه ففي البداية ينسب الرواة إلى الإمام الباقر (ع) أنه يوصي أصحابه قائلاً: «..واكْتُمُوا أَسْرَارَنَا». فأقول: ليس من المعلوم ما هي أسرارهم؟ فإن كانت أموراً دينيّة أي من عقائد الدين وأحكامه فإن كتمانها حرام وكل من يكتم أحكام الله فإنه يستوجب اللعن من الله كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة/159) إضافة إلى أن أحكام الدين ليست من الأسرار بل لا بد من إعلانها على نحو متساو لجميع الناس كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿...فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء... (الأنبياء/109)، وبناء عليه فلم يبلّغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً على نحو سري لأحد.
ثم يواصل الإمام الباقر كلامه – حسب ما تنسبه إليه الرواية – فيقول: «وانْظُرُوا أَمْرَنَا ومَا جَاءَكُمْ عَنَّا فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ فِي الْقُرْآنِ مُوَافِقاً فَخُذُوا بِهِ وإِنْ لَمْ تَجِدُوا مُوَافِقاً فَرُدُّوهُ».
أقول: وهذا أمر صحيح لكن للأسف كثير من الشيعة لا يطبّقونه فتجد في كتبهم كثيراً من الأمور المخالفة للقرآن.
ثم بعد هذا الكلام الصحيح تنتهي الرواية بأمر مهمل وخرافي حيث تقول: «.. فَإِذَا كُنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ ولَمْ تَعَدَّوْا إِلَى غَيْرِهِ فَمَاتَ مِنْكُمْ مَيِّتٌ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ قَائِمُنَا كَانَ شَهِيداً ومَنْ أَدْرَكَ قَائِمَنَا فَقُتِلَ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ...الخ».
ونقول في الإجابة: لقد بيّن الله تعالى في كتابه أوصاف الشهيد وقد استُشهِد كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أن يكون لهم أي خبر عن الوصيّ والقائم الخيالي الموهوم. إن كل من بذل روحه وماله خالصة لِلَّهِ وفي سبيل الله وجاهد واستشهد فإن منزله الجنة سواء عمل بوصية كتم الأسرار تلك وانتظار خروج القائم أم لا، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ (التوبة/111). وقال كذلك في سورة الحديد: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ (الحديد/19).
إذن كل من آمن بالله ورسله إيماناً صادقاً وانعكس ذلك بأن كان عمله واعتقاده مطابقين للقرآن الكريم هو من أهل النجاة ولا علاقة لهذا الموضوع بالمهدي. نعم، إن الحديث المذكور وأمثاله من الأحاديث التي تؤدي إلى الاغترار هي من الموضوعات. إن القرآن الكريم بيّن آثار كل عمل خيراً كان أم شراً ففي سورة الزلزلة يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/7و8). فقانون الثواب والجزاء الإلهي ليس اعتباطياً ودون حساب بحيث أن مجرّد كون الشخص شيعياً يضمن له الذهاب إلى الجنة، بل حساب الله دقيق حتى أنه سبحانه يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا..........﴾ (البقرة/214). فالقول بأن كل من كان من شيعة الأئمة ومات قبل خروج القائم دخل الجنة خيال باطل.
الحديث السادس: سنده عَنِ الْعَمْرَكِيِّ والْبُوفَكِيِّ وكلاهما من الغلاة(62) عَنِ «الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ» وهو ذاته ممن لا يؤمن بالإمام الثاني عشر لأنه كان فَطَحياً مشهوراً.
وأما متن الحديث فلا يعدو تلاعباً بآيات القرآن لأنه يقول في تفسير الآية 29 من سورة الرعد أي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (الرعد/29): «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ (ع) طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَمْرِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ بَعْدَ الْهِدَايَةِ فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! ومَا طُوبَى؟ قَالَ: شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) ولَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلا وفِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا وذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ طُوبى‏ لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ».
أقول: لاحظوا بالله عليكم كيف يتلاعب هؤلاء الغلاة بمعاني آيات القرآن ويفسّرون الآية الواضحة التي لا علاقة لها بالمهدي بهذا الأمر. فالله تعالى يقول: ﴿آمنوا وعملوا الصالحاتبشكل عام وهم يفسّرونها بأن المقصود منها من تمسّك بأمر الأئمة في غيبة قائمهم فقط!.
الحديث السابع: «قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) انْتَظَرُوا الْفَرَجَ ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ فَإِنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ انْتِظَارُ الْفَرَجِ». وأقول: هذا أمر صحيح ولكن لا علاقة له بالمهدي.
الحديث الثامن: يرويه أبو الجارود الذي قال عنه الإمام إنه أعمى في الدنيا والآخرة(63).مثل هذا الراوي يأتينا برواية مخالفة للقرآن فيقول: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ‏ اللهُمَّ لَقِّنِي إِخْوَانِي مَرَّتَيْنِ فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَ مَا نَحْنُ إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: لا إِنَّكُمْ أَصْحَابِي وإِخْوَانِي قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ آمَنُوا ولَمْ يَرَوْنِي لَقَدْ عَرَّفَنِيهِمُ اللهُ بِأَسْمَائِهِمْ وأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ أَصْلابِ آبَائِهِمْ وأَرْحَامِ أُمَّهَاتِهِمْ...».
أقول: ولكن الله تعالى قال لرسوله في القرآن الحكيم: ﴿قُلْ... وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ(الأحقاف/9) كما أنه لما جاءه ابن أم مكتوم الضرير يسعى وكان صلى الله عليه وآله وسلم مشغولاً بدعوة كبار قريش فعبس وتولى عنه عاتبه ربه تعالى قائلاً: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى(عبس/3-4). كما قال تعالى لنبيه في سورة التوبة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ....﴾(التوبة/101). وبناء على ذلك، فليس من وظيفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلم السعداء من الأشقياء بل وظيفته الإبلاغ والبشارة والإنذار كما قال تعالى:﴿قُلْ.......... إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف/188).
الحديث التاسع: مرويّ عن دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ - الغالي(64) – «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قَالَ مَنْ أَقَرَّ بِقِيَامِ الْقَائِمِ أَنَّهُ حَقٌّ».
أقول: ينبغي أن نسأل هذا الراوي: يا تُرى إذا ظهر المهدي ولم يعد غيباً فكيف عندئذ سيؤمن المؤمنون بالغيب, وهل يبقى لهذه الآية معنى، ألا تصبح عندئذ لغواً والعياذ بالله؟! لاحظوا أي خرافات يتحفنا بها الغلاة في تأويلهم للقرآن. وعلى كل حال فالمفسّرون مجمعون على أن المراد من الغيب في هذه الآية هو الله عز وجل كما تكرر ذلك المعنى في القرآن مراراً.
الرواية العاشرة: مثلها مثل التاسعة، ومن رواة سندها الأسَدِيُّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ والثلاثة ضعفاء أو من الغلاة وهؤلاء الرواة المجروحون رووا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ الواقفي - الذي لا يؤمن أصلاً بالإمام الثاني عشر- قال: «عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ سَأَلْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فَقَالَ المُتَّقُونَ شِيعَةُ عَلِيٍّ (ع) والْغَيْبُ فَهُوالْحُجَّةُ الْغَائِبُ».
أقول: هل يُعقَل أن ينقل هؤلاء الغلاة عن الإمام الصادق تفسيره للغيب بأنه الحجة الغائب وفي الوقت ذاته يكون هؤلاء الغلاة ممن لا يؤمن بهذا الحجة الغائب؟! والعجيب أن الإمام الصادق يستشهد في تتمة الرواية– حسب ادعاء الرواة – على صحة تفسيره بقوله: «وشَاهِدُ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ويَقُولُونَ لَولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أَنَّ الآيَةَ هِيَ الْغَيْبُ والْغَيْبُ هُوالْحُجَّةُ» مع أن الآية لا علاقة لها أصلاً بالمهدي! فينبغي أن نقول لو كان لهؤلاء الغلاة دين وخوف من الله لما تلاعبوا هكذا بآيات الله.
الحديثان 11 و12: تكرار لموضوع الحديثين 2 و3 ذاته ومفهومهما عام لا علاقة له بالمهدي.
الحديث 13: يرويه علي بن إبراهيم الذي يعتقد بتحريف القرآن، عن شخص مجهول باسم بسطام بن مرة عن عمرو بن ثابت الذي تلعنه الشيعة وتعتبره عثمانياً، فلاحظوا ما هي قيمة مثل هذه الرواية؟ وأما متنها فقد روى هؤلاء الوضّاعون عن سيد العابدين أنه قال: «مَنْ ثَبَتَ عَلَى وَلايَتِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا أَعْطَاهُ اللهُ أَجْرَ أَلْفِ شَهِيدٍ مِثْلِ شُهَدَاءِ بَدْرٍ وأُحُدٍ». ولا نملك إلا أن نقول لعنة الله على الغلاة الكذابين.
الأحاديث من 14 إلى 16: منقولة عن كتاب المحاسن للبرقي الذي كان ذاته شاكاً في أمره، وقد أتحفنا بنسبته إلى الإمام الصادق أنه قال: «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الأمْرِ مُنْتَظِراً لَهُ كَانَ كَمَنْ كَانَ فِي فُسْطَاطِ الْقَائِمِ (ع) ».
فبالله عليكم هل هذا يُعَدّ حديثاً؟! وماذا نقول لهؤلاء الوضاعين؟
عندما يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ختام النبيين تابعاً للوحي ولا يملك الحق أن يضيف على الدين شيئاً أو أن ينقص منه ولو تقوّل على الله قولاً لسُئل عنه كما قال تعالى: ﴿قُلْ........ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (الأحقاف/9)، و﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (الأنعام/15)، و﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (الحاقة/44و45و46)، فكيف يمكن لأحد أن يشرع أموراً زائدة لم تكن في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم؟
ونقول في الإجابة عن هذه الأقاويل المهملة للغلاة: أولاً: الإمام لا يوحى إليه فلا يمكن أن يخترع أموراً في الدين من عند نفسه لاسيما إذا كانت تلك الأمور مخالفة للقرآن. وثانياً: لقد جعل القرآن الكريم النجاة والسعادة رهينة بإيمان الإنسان وعمله الصالح، فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(النساء/123)، فبناء عليه مجرد الوجود في فسطاط القائم لا يؤمن النجاة لأحد!
الحديثان السابع عشر والثامن عشر: تكرار للمضامين المذكورة في الحديث السابق ذاتها والمنقولة عن كتاب المحاسن للبرقي الشاكّ.
الحديث التاسع عشر: يروي عن الإمام الصادق أنه قال: «لَمَّا دَخَلَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْكُوفَةَ ونَظَرَ إِلَيْهَا ذَكَرَ مَا يَكُونُ مِنْ بَلائِهَا حَتَّى ذَكَرَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ قَالَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَالْزَمُوا أَحْلاسَ‏ بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَظْهَرَ الطَّاهِرُ بْنُ الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ ذُوالْغَيْبَةِ الشَّرِيدُ الطَّرِيدُ».
أقول: أولاً: لعلّه يقصد الإمام علي بن أبي طالب (ع). ثانياً: لم يكن سلمان عالماً بالغيب. وثالثاً: ما علاقة هذه الرواية بالمهدي الحي الغائب؟
الحديث العشرون: في سنده عمار الساباطي الذي كان فطحيّاً، لا يعتقد بالإمام الثاني عشر أصلاً، فمن العجيب أن يؤتى بقوله للاحتجاج على ثبوت المهدي. ثم إن متن الحديث يشهد بكذبه وغلوه، حيث فيه: «....أَمَا واللهِ يَا عَمَّارُ! لا يَمُوتُ مِنْكُمْ مَيِّتٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا إِلا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وأُحُداً فَأَبْشِرُوا.»
أقول: من هذا يتبين أن كثيراً من أولئك من أولئك الرواة لم يكن لهم همٌّ سوى الإنقاص من قدر ومنزلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وينبغي أن يُقال في الرد عليهم إن الله تعالى أنزل أكثر من مائة آية في كتابه العزيز في مدح وتمجيد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهد لهم بأنهم مؤمنون حق الإيمان فقال:﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا (الأنفال/74)، وجعلهم أسوةً وقدوةً للآخرين فأوجب على الجميع اتِّباعهم بإحسان كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة/100).
الحديثان 21 و22: كالحديثين 2 و3 [بيان لفضيلة انتظار الفرج] كما ليس لمتنهما أي ارتباط بالمهدي الحي الغائب. وفي الحديث 22 استشهد الراوي الوضاع بالآية ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ (الأعراف/71) على مقصده والذي بينا في تعليقنا على الحديث العاشر أن مثل هذا الاستشهاد بالآيات على غير معناها ليس سوى لعب بآيات الكتاب.
الحديث 23: في سنده «سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ»»الكذَّاب الذي يتفق جميع علماء فن الرجال على تكذيبه(65)، ومتن الرواية لا ربط له بالمهدي وأما الآية التي استشهد بها فقد بينا في تعليقنا على الحديث العاشر عدم ارتباطها بالموضوع.
الحديث 24: في سنده «عَنِ الأسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ» والثلاثة إما ضعفاء ومجروحون أو من الغلاة ولا ينبغي الاعتناء بروايتهم.
الحديث 25: اثنان من رجال سنده أي «أَيْمَنَ بْنِ مُحْرِزٍ» و«مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ»» مجهولا الحال.
الحديثان 26 و27: متنهما لا يخلو من إغراق ومغالاة، ففيه يُنسَب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «سَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! نَحْنُ كُنَّا مَعَكَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ ونَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَو تَحَمَّلُوا [تُحَمَّلُونَ‏] لِمَا حُمِّلُوا لَمْ تَصْبِرُوا صَبْرَهُمْ». إضافةً إلى أنه لا علاقة لهذا المتن بالمهدي الغائب. يُضاف إلى ذلك أن أحد رجال سند الحديث 27 هو «عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى» الذي كان واقفياً [بل شيخ الواقفة] واستولى على أموال الإمام موسى بن جعفر [ولم يدفعها إلى الإمام الرضا](66)، والرجل الثاني في السند هو «أَبو الْجَارُود» الذي سبق أن بينا أن الإمام دعا عليه ووصمه بأنه أعمى الدنيا والآخرة.
وليت شعري! هل يروي مثل هؤلاء الرواة الفاسدين شيئاً سوى ما فيه إضلال الناس؟
الأحاديث من 28 إلى 33: مماثلة كلُّها للحديثين 2 و3 ومفهومها عام ولا علاقة لها بإثبات المهدي، إضافة إلى أن في أسانيدها رواةٌ مجهولو الحال أو غلاة أو شاكين في أمر عقيدتهم كالبرقي.
الحديث 34: راويه «الْفَضْل بْن أَبِي قُرَّةَ» ضعيفٌ ومتنه يتعارض مع قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الأنعام/164) لأنه ينسب إلى الإمام الصادق قوله:
«أَوْحَى اللهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَيُولَدُ لَكَ فَقَالَ لِسَارَةَ فَقَالَتْ: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ؟! (هود/72)فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنَّهَا سَتَلِدُ ويُعَذَّبُ أَوْلادُهَا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِرَدِّهَا الْكَلامَ عَلَيَّ! قَالَ‏: فَلَمَّا طَالَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَذَابُ ضَجُّوا وبَكَوْا إِلَى اللهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى وهَارُونَ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ فَحَطَّ عَنْهُمْ سَبْعِينَ ومِائَةَ سَنَةٍ!».
وبمعزل عن فساد المتن، ما علاقة هذا الحديث بإثبات المهدي الغائب؟؟
الحديث 35: يرويه «العيّاشي» الذي كان شخصاً قليل العلم [وكثير الرواية عن الضعفاء] وكان يفسر القرآن طبقاً لقلة علمه وخرافاته، وقد فسر الآية 77 من سورة النساء التي تتحدث عن المنافقين الذين كانوا بين المسلمين قبل أن ينزل الإذن بالقتال أي عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصى أصحابه بأن [يصبروا ويتحملوا الأذى و] يكفوا أيديهم عن القتال، فكان بعض هؤلاء يظهرون الشوق إلى قتال الكفار والرغبة به، لكنهم لما أذن الله بالقتال في المدينة خافوا من الناس وتحجّجوا بحجج وأعذار مختلفة ليمتنعوا عن الجهاد كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (النساء/77).
فأقول: رغم أن معنى الآية واضح كما بينَّاه، ورغم أن الأفعال التي وردت فيها مثل «قيل» و«كُتبَ» و«قالوا» كلها أفعال ماضية ولا علاقة لها بالمهدي، رغم ذلك نجد العياشي يعتبر أن المقصود من فعل «كُتِبَ» الماضي هو الإمام الحسين الآتي في المستقبل! وأن المقصود من «قالوا ربنا... لَوْلَا أَخَّرْتَنَا» الماضي هو التأخير إلى زمن القائم!! أفليس هذا لعب بآيات القرآن؟ لاحظوا نص الحديث:
«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي قَوْلِهِ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الإمَامِ فَطَلَبُوا الْقِتَالَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحُسَيْنِ قَالُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَرَادُوا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَائِمِ (ع»)
ولم يستح أولئك الرواة أن ينسبوا هذا التفسير إلى الإمام الباقر (ع) ويبدو أنهم كانوا يتصورون أن الإمام مثلهم لا يفقه اللغة العربية. والأمر ذاته نجده في تأويل العياشي للآية 44 من سورة إبراهيم بإمام الزمان مع أنها تتحدث عن القيامة ولا علاقة لها بإمام الزمان من قريب ولا من بعيد. وفيما يلي نأتي بالآية وتأويلهم لها ليتضح عمل هؤلاء الوضاعين أكثر يقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (إبراهيم/44).
أقول: فمن الواضح [من سياق الآيات] تماماً أن قول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجلٍ قريب يتعلق بيوم القيامة، ولا ارتباط له من قريب ولا من بعيد بمهدي منتظر، ورغم ذلك نجد العيّاشي يستشهد بهذه الآية ويروي في الحديث المذكور: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع)... قَالُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ: أَرَادُوا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَائِمِ (ع)!!». وليت شعري هل يعتبرون المهدي من الرسل حتى أوَّلوا الآية به على هذا النحو؟!
الأحاديث من 36 إلى 38 : كالحديثين 26 و27 لا يتضمن متنهما سوى المغالاة ولا علاقة لها بإثبات مهدي غائب حي.
الحديث 39: راويه «يمان التمّار» مهمل ولا ذكر له في كتب الرجال، ولكن الممقاني أراد من خلال هذا الخبر أن يعتبره حسن الحال في حين أن الأصل أن يكون حاله معلوماً [وأن توجد بحقه تزكية] بقطع النظر عن روايته لهذا الخبر.
وأما متن الخبر فيقول: «عَنْ يَمَانٍ التَّمَّارِ قَالَ قَالَ أَبُوعَبْدِ اللهِ (ع): إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأمْرِ غَيْبَةً الْمُتَمَسِّكُ فِيهَا بِدِينِهِ كَالْخَارِطِ لِشَوْكِ الْقَتَادِ بِيَدِهِ ثُمَّ أَوْمَأَ أَبُوعَبْدِ اللهِ (ع) بِيَدِهِ هَكَذَا قَالَ فَأَيُّكُمْ تُمْسِكُ شَوْكَ الْقَتَادِ بِيَدِهِ ثُمَّ أَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأمْرِ غَيْبَةً فَلْيَتَّقِ اللهَ عَبْدٌ عِنْدَ غَيْبَتِهِ ولْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ».
وأقول: ما المقصود من كلمة الدين في قوله: «وليتمسَّك بدينه»؟ إذا كان المقصود دين الكتاب والسنّة فهذا لا يتعلق بأمر المهدي بل كل مسلم مأمور أن يتمسك بالكتاب والسنة وبالطبع فإن التمسك بالدين يستتبع تحمل الإنسان للمصاعب والمكاره والمشقات ومجاهدة أهواء النفس وكل هذا أمر عام لا علاقة له بإثبات المهدي.
الحديث 40: في سنده «علي بن أبي حمزة البطائني» الواقفي الذي لا يؤمن بشيء اسمه الإمام الثاني عشر. وأما متنه فألغاز وأحاجي مع أن وظيفة الإمام هي الهداية والإرشاد لا طرح الألغاز.
الحديث 41: في سنده «أبو الجارود» أعمى البصر والبصيرة، أي الأعمى في الدنيا والآخرة حسبما ورد عن الإمام الصادق في حقه، وأما متن الحديث فمخالف للعقل وللقرآن إذ يقول: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قال:....... واعْلَمْ أَنَّهُ لا تَقُومُ عِصَابَةٌ تَدْفَعُ ضَيْماً أَوتُعِزُّ دِيناً إِلا صَرَعَتْهُمُ الْبَلِيَّةُ حَتَّى تَقُومَ عِصَابَةٌ شَهِدُوا بَدْراً مَعَ رَسُولِ اللهِ لا يُوَارَى قَتِيلُهُمْ ولا يُرْفَعُ صَرِيعُهُمْ ولا يُدَاوَى جَرِيحُهُمْ قُلْتُ مَنْ هُمْ قَالَ المَلائِكَةُ»
وأقول: ينبغي على القارئ الكريم أن يتأمل جيداً هذه الروايات ليدرك حجم خرافات المجلسيّ.
الحديث 42: في سنده «مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ» أحد الكذّابين والوضّاعين(67)، وفي سنده أيضاً «أبو الجارود» الذي ذمه الإمام كما مر، وأما متن الحديث فتلفيق خيالي.
الأحاديث من 43 إلى 49 كلها في الأمر بالصمت وكف الألسنة والابتعاد عن الفتن ولزوم البيوت، ولا تثبت مهدياً حياً غائباً، إضافة إلى أن معظم رواتها من الكذابين أو الغلاة، وفي الخبر 48 نهيٌ لسادات أهل البيت عن الثورة والنهوض حيث يُنسب إلى الإمام الباقر قوله: «مَثَلُ مَنْ خَرَجَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ مَثَلُ فَرْخٍ طَارَ ووَقَعَ فِي كُوَّةٍ فَتَلاعَبَتْ بِهِ الصِّبْيَانُ».
الأحاديث من 50 إلى 57 تكرار للأحاديث السابقة وفي أسانيدها رواةٌ من الواقفة أو من الخرافيين أو من الكذابين المشهورين مثل «سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ». وقد تم الاستشهاد في الروايتين 53 و57 بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (الإسراء/71) مع أن الآية لا علاقة لها بالمهدي ولا تثبت وجوده [وغيبته].
الحديث 58: نقله المجلسيُّ عن كتاب «الكافي» بسنده عَنْ الإمام الصادق (ع) قَالَ: «كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ (ع) فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ»!. أقول: إذن بناء على هذه الرواية ينبغي أن نقول للسادة الذين نهضوا في زماننا واعتبروا أنفسهم نواباً للإمام: إن كنتم تقبلون بصحة هذه الروايات فإنكم ستكونون طواغيت لا يواقيت!
الحديث 59: هو حديث اللوح الذي نسبوه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري مع أن روحه بريئة منه ولا علم له به وقد أوردنا في كتابنا «كسر الصنم» وكتابنا «الخرافات الوافرة في زيارات القبور» 28 دليلاً على كذب هذا الحديث فلتراجع ثمة. ومن أهم الدلائل على كذبه أنه يقول إن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أحضر اللوح لما احتضر الإمام محمد بن علي الباقر (ع) وكان على فراش الموت، فقرأه في حضور الإمام الصادق والإمام زيد بن علي عليهما السلام هذا في حين أن جابر بن عبد لله توفي سنة 74 ه- في حين أن احتضار الإمام الباقر ووفاته كانت سنة 117 ه- أي بعد 40 سنة من وفاة جابر!! ألا لعنة الله على الكاذبين.
الحديث 60: كالحديث التاسع وفيه تلاعب بمعنى آية من القرآن وتفسيرها بغير ما تدل عليه!
الحديث 61: منقول عن تَفْسِيرِ النُّعْمَانِيِّ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : «يَا أَبَا الحَسَنِ! حَقِيقٌ عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَ أَهْلَ الضَّلالِ الجَنَّةَ!! وإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَامُوا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ عَلَى الائْتِمَامِ‏ بِالإمَامِ الخَفِيِّ المَكَانِ المَسْتُورِ عَنِ الأعْيَانِ فَهُمْ بِإِمَامَتِهِ مُقِرُّونَ وبِعُرْوَتِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ولِخُرُوجِهِ مُنْتَظِرُونَ مُوقِنُونَ غَيْرُ شَاكِّينَ صَابِرُونَ مُسْلِمُونَ وإِنَّمَا ضَلُّوا عَنْ مَكَانِ إِمَامِهِمْ وعَنْ مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ.. الخ».
وأقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزَّهٌ وأجل وأكرم من أن يقول: حَقِيقٌ عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَ أَهْلَ الضَّلالِ الْجَنَّةَ!! ويترك الكلام هكذا مبهما حتى يأتي الراوي ليفسره بعد ثلاثمئة عام!!
الحديث 62: في سنده «أحمد بن هلال» الخبيث والملعون والذي كان صوفيّاً مرائياًومتصنِّعاً(68) وادعى النيابة عن المهدي وغم أن الشيعة تبرؤوا منه إلا أن محدثي الشيعة تمسكوا برواياته وأكثروا منها(69)، إن هذا لشيء عجيب!
وقد روى عن الإمام الصادق رواية جاء فيها: «عَنْ رَجُلٍ قَالَ قُلْتُ لأبِي عَبْدِ اللهِ (ع) أَيُّمَا أَفْضَلُ نَحْنُ أَوأَصْحَابُ الْقَائِمِ (ع)؟ قَالَ فَقَالَ لِي: أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ.... الحديث».
فأقول: إن هذا يناقض الأحاديث السابقة التي جاء فيها أن أصحاب المهدي القائم أفضل من الجميع بما في ذلك أصحاب رسول الله! فلاحظوا كيف يروون المتناقضات ولا يشعرون.
الحديث 63: عبارة عن جمل مأخوذة من نهج البلاغة ولا علاقة لها على الإطلاق بالمهدي. هذا فضلاً عن أن أحاديث نهج البلاغة مرسلة. على كل حال جاء في هذا الحديث أن الإمام علي (ع) قال لأصحابه: «الْزَمُوا الأرْضَ واصْبِرُوا عَلَى الْبَلاءِ ولا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وسُيُوفِكُمْ وهَوَى أَلْسِنَتِكُمْ ولا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وهُو عَلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وحَقِّ رَسُولِهِ وأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً وَوَقَعَ‏ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ....».
وينبغي القول: إن شأن عليٍّ (ع) أرفع وأعلى من أن يقول مثل هذا الكلام. علاوة على أن هذا يتعارض مع الخطب الكثيرة المروية عن الإمام علي والتي يرغِّبَ فيها أصحابه بالجهاد ويأمرهم به. هذا فضلاً عن أن هذا الحديث لا علاقة به بالمهدي أبداً، ولا صلة له به. ونقول مرة أخرى: «الغريق يتشبث بكل حشيش».
الحديث 64: راويه علي بن الحسن بن فضال الواقفي(70) والذي اعتبر من الكلاب الممطورة(71).
الأحاديث: من 65 إلى 70 جميعها تكرار للمبالغات والمغالاة التي مرت في الأحاديث السابقة فضلاً عن أن أسانيدها لا تخلو من رجال فاسدين ورواةٍ مجروحين.
الأحاديث من 71 إلى 75 تتعلق بمن فقدوا أحياناً إمامهم فلم يعرفوه أنه ماذا عليهم أن يفعلوا؟ والإمام يجيب بأن عليهم أن يتمسّكوا بالأمر الأول أي يعملوا بذات العقائد والأعمال التي كانوا عليها قبل فقدهم لإمامهم أو أن يدعو الله أن يثبّتهم على دينهم.
ولكن ينبغي أن نقول إن من كان إمامه القرآن فإنه لا يبقى بلا إمام في أي وقت من الأوقات ولا يفقد إمامه أبداً.
الحديث 76: في سنده «علي بن أبي حمزة البطائني» واقفّي المذهب(72) [والضعيف] والذي لا يؤمن بإمام ثاني عشر من أساسه، وقد نسب للإمام الصادق أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (الأنعام/158) وهي آيات واضحة المعنى ولا يوجد أي علاقة لها - كما هو مُلاحَظ - بالمهدي المنتظر ولكن الراوي ينقل عن الإمام الصادق ما يلي:
«قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَو كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ يَعْنِي يَوْمَ خُرُوجِ الْقَائِمِ المُنْتَظَرِ مِنَّا!»
ومن الواضح أن هذا التأويل يخالف معنى الآية تماماً. ثم لماذا لا ينفع الناس إيمانهم إذا آمنوا يوم خروج القائم؟ أليس المهدي المنتظر – حسب قولكم - إنما سيظهر لأجل أن يدعو الناس للإيمان؟! فإذا كان الهدف من ظهوره آخر الزمان نشر العدل والدعوة إلى الإيمان فكل من آمن عندئذٍ سينفعه إيمانه، وإلا ما الفائدة من قيام المهدي إذن؟!.
الحديث 77: وهو آخر أحاديث الباب: يقول راويه: «كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (ع) أَسْأَلُهُ عَنِ الْفَرَجِ فَكَتَبَ إِلَيَّ إِذَا غَابَ صَاحِبُكُمْ عَنْ دَارِ الظَّالِمِينَ فَتَوَقَّعُوا الْفَرَجَ».
أقول: أقول: هذه الإجابة غير صحيحة لأنه إذا كان المقصود من «صاحبكم» صاحب الزمان فإنه قد غاب منذ أكثر من ألف عام ولم يحصل الفرج. فكتابة هذا الحديث تدل على جهل رواته وكتبته.
وعلى كل حال فإني أرى أن دولة بني العباس الإسلامية كانت في ذلك الزمن دولة قوية وكانت الأمور صعبة بالنسبة إلى هؤلاء الرواة المعارضين لتلك الدولة فلم يكونوا قادرين على الاستفادة من تلك الدولة، لذا كانوا دائماً ينتظرون زوالها وأن يأتي شخص (قائم بالسيف) ويثور بسيفه وأن تقع الدولة بيد العلويين كي يصل أولئك الرواة إلى هدفهم ويتمكنوا تحقيق منافعهم لذا كانوا يسألون الأئمة متى الفرج؟ متى يقوم قائمكم؟ فكان الأئمة يقولون «كذب الوقّاتون» وكانوا أحياناً يذكرون علامات لوقت الظهور وذلك لأجل تسلية أولئك المتشوقين وتسكين شوقهم، وكانت تلك العلامات تقع أحياناً دون أن تحصل ثورة أو أنها كانت علامات لا يمكن وقوعها مثل طلوع الشمس من المغرب والصيحة السماوية وأمثالها.
إلا أن الذي كان ينبغي أن يُقال لأولئك المنتظرين: أيها المساكين! ما يدريكم أنه لو قامت دولة العلويين لن يكون ظلمها أكثر من ظلم العباسيين؟؟ كما حصل ذلك فعلاً عندما وقع الحكم جزئياً بيد العلويين فكان ظلمهم وجورهم أكثر مما فعله بنو العباس مثل حكم زيد النار بن موسى بن جعفر الذي وصل إلى سدة الإمامة والرئاسة فكان يلقي معارضيه ومناوئيه في النار حتى قال الناس رحمة الله على العباسيين! ومثل الحسن بن زيد الذي وصل إلى الإمامة والحكم في طبرستان وقتل كثيراً من السادات من بني أعمامه، أو مثل الصفوية الذين كانوا أيضاً من العلويين وقتلوا مئات الآلاف من المسلمين في أماكن متعددة من جملتها المذبحة التي فعلوها في مدينة هرات واستولوا فيها على أموال المسلمين من أهلها ونهبوها، وكذلك ما فعلوه في شالداران وبغداد وسائر الأمكنة.
أجل، لقد كان الرواة في زمن الأئمة الذين يعدّون أنفسهم من الشيعة يتطلّعون إلى رئاسة العلويين ويتمنونها لأنهم يتصورون أنها ستكون تجسيداً للعدالة بل للعصمة ولم يدروا أن تلك مجرد أحلام طوباوية وأن الحقيقة هي أنه لا يوجد أي بشر معصوم، ونأمل ألا يكون حال ذلك الذي ينتظر الشيعة ظهوره في المستقبل مثل حال من سبقوه بأن يسفك كثيراً من الدماء -كما جاء في رواياتهم- حتى تصل الدماء إلى بطون الخيل وكل ذلك لأجل أن يحكم خمس أو سبع سنوات كما ذكروا في الروايات! فإذا كان الأمر كذلك فإن ما ينتظره الشيعة لن يكون فرجاً بل بلاءً ومصيبةً وضيقاً!!
باب 23- من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى:
عقد المجلسيّ هذا الباب لكي يذكر فيه الأشخاص الذين رأوا المهدي في غيبته الكبرى. والواقع أن كتب الروايات الشيعية مملوءة بالمتناقضات. ففي بداية هذا الباب بالذات وفي أول حديث أورده المجلسي فيه - وهو بالمناسبة حديث يقرُّ به سائر علماء الشيعة - جاء أن توقيعاً (من صاحب الزمان) خرج إلى أَبِي الحَسَنِ السَّمُرِيِّ وفيه: «يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ اسْمَعْ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ الغَيْبَةُ التَّامَّةُ فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ وَقَسْوَةِ القُلُوبِ وامْتِلَاءِ الأَرْضِ جَوْراً وَسَيَأْتِي مِنْ شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ والصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.».
ويجب أن ننتبه إلى أنه إذا صح هذا التوقيع، فلن يبقى أي معنى إذن لعقد بابٍ لذكر مدّعي الرؤية في الغيبة الكبرى. لأن هذا التوقع يصرّح بأن كل من ادعى رؤية صاحب الزمان فهو كذّاب مفتر. وقد انتبه المجلسي إلى هذا التعارض بين هذا النص أي توقيع علي بن محمد السَّمُرِيّ وذكره لأشخاص رأوا المهدي، لذلك لم يذكر أشخاصاً معيّنين رأوا المهدي بل ذكر أخباراً تتضمن أن المهدي كان يأتي إلى الناس ويرى الناس ولكن الناس لا يرونه. وقد ذكر هنا واحداً وعشرين خبراً عن رواة معظمهم من الخبثاء والكذابين والوضّاعين أو الغلاة أو الواقفة، ويبدو أنه لم يعثر على راو صحيح واحد يروي هذا النمط من الأخبار.
فمثلاً الخبر الثاني: الذي أورده في هذا الباب مرويّ عن «يحيى بن المثنى» المهمل والمجهول. والخبر الثالث مروي عن ابن فضّال الواقفي والذي اعتبرته كتب الرجال من الكلاب الممطورة(73). في الخبر الثاني يقول: «يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ فَيَشْهَدُهُمُ المَوْسِمَ فَيَرَاهُمْ ولَا يَرَوْنَهُ».
والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان المهدي إنساناً أفليس له جسم فيكف لا يراه الناس؟ وإن لم يكن له جسم أليس له لباس؟ هل ثيابه أيضاً ليست جسمية ولا تُرى؟
وفي الخبر الثالث جاء تشبيه المهدي الغائب بالخضر ونُسِب إلى الإمام الرضا قوله: «إِنَّ الخَضِرَ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الحَيَاةِ فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ....». أي مثل الله الذي هو حي لا يموت! وهذا التشبيه خطأ لأن كل الذين ادعوا لقاء الخضر سواء من الشيعة أم من الصوفية أم غيرهم قالوا إنهم رأوه، فإذن هو قابل للرؤية وللمعرفة ولكنكم تقولون إن المهدي لا يُرى فتشبيه من يُرى بمن لا يُرى ليس صحيحاً. هذا بمعزل عن أن فكرة حياة الخضر الأبدية فكرة تخالف الآية 34 من سورة الأنبياء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ؟، والحديث الذي يخالف القرآن مردود يجب رفضه.
الخبر الرابع: تكرار للخرافة التي وردت في الخبر الثاني وهؤلاء الرواة ينسبون خرافاتهم في الغالب إلى الإمام الصادق (ع) وقد شوّهوا للأسف الشديد صورة ذلك الإمام الهمام.
الخبر الخامس: يقول إن صاحب الأمر لا يطلع على موضعه أحد حتى أولاده لا يرونه، وهنا ينبغي أن نقول إن من له أولاد له زوجة فهل زوجته أيضاَ لا تراه، فإن كانت لا تراه فكيف عاشرته وأنجبت منه الأولاد؟! انظروا أي علوم ينسبها أولئك الرواة إلى آل محمد عليهم السلام.
الخبر السادس: يقول: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ مِنْ عُزْلَةٍ ولَا بُدَّ فِي عُزْلَتِهِ مِنْ قُوَّةٍ ومَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ ونِعْمَ المَنْزِلُ طَيْبَةُ.».
لاحظوا أنه جاء في الأخبار الأخرى أن أباه الإمام الحسن العسكري قال له: لا تسكن المدن بل اسكن في البيادي والصحاري، ولكن الراوي نسي هنا هذا الأمر وذكر أن منزله طيبة (أي المدينة المنورة). ولكن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هنا إذا كان الناس لا يرونه فلماذا يخاف منهم، وإذا كان هو يرى الناس فلماذا يخشاهم ويحتاج إلى العزلة وإلى ثلاثين شخصاً يلازمونه؟!.
الخبر السابع: مناقض للخبر السادس لأنه يتضمن ما يفيد أن مسكن المهدي جبل يُدْعَى رَضْوَى مِنْ جِبَالِ فَارِسَ, وهذه خرافة انتقلت إليهم من أتباع «محمد بن الحنفية» الذي كانوا يعتقدون أنه غاب في جبل رَضْوَى والخرافة الأخرى في الحديث قوله إن جبل رضوى كان من جبال فارس فأحبنا الله فنقله إلينا أي وضعه ما بين مكة والمدينة!!
الخبر الثامن: مرويٌ عن شخص يُدعى «حازم بن حبيب» لا وجود له في كتب الرجال فهو شخصية مختلقة ووهمية. وفي هذا الخبر جاء منسوباً إلى الإمام الصادق قوله: «يَا حَازِمُ إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ يَظْهَرُ فِي الثَّانِيَةِ إِنْ جَاءَكَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ نَفَضَ يَدَهُ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ فَلَا تُصَدِّقْهُ» وهنا نسأل أي صاحب أمر كان في زمن حضرة الإمام الصادق حتى يقول لحازم هذا الكلام؟
الخبر التاسع في سنده «أحمد بن هلال» المرائي الذي ذمّه الإمام ولعنه يروي عن الإمام الصادق أنه قال: «إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ لَشَبَهاً مِنْ يُوسُفَ... دَخَلُوا عَلَيْهِ فَكَلَّمُوهُ وخَاطَبُوهُ وتَاجَرُوهُ ورَادُّوهُ [رَاوَدُوهُ‏] وكَانُوا إِخْوَتَهُ وهُوَ أَخُوهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ... الخ».
أقول: وهذا تشبيه خاطئ لأن يوسف كان مرئياً، غاية ما في الأمر أنه لما مضى على فراق إخوته له سنوات طويلة كبر خلالها يوسف وتغيّر عما كان عليه في فترة طفولته إضافة إلى أنه كان وزيراً يلبس لباس الوزراء ويتوسّد مقامهم لذا لم يحتمل إخوته أن يكون الشخص الذي التقوا به يوسف لكنهم على أي حال رأوه وكلموه, فكيف يُشبَّه بالمهدي الذي لا يُرى؟ لاحظوا كيف أن هؤلاء الرواة الكذابين ينسبون أوهامهم هذه إلى الإمام الصادق ليشوّهوا صورته ويظهروه بمظهر الجاهل مثلهم.
الأخبار من العاشر حتى العشرين: كلها تكرار للخيالات المذكورة في الأحاديث السابقة ورواتها إما «حازم بن حبيب» الشخصية الوهمية التي لا وجود لها، أو أشخاص آخرون مهملون مثله أو إسحاق بن عمّار الفطحي أو من هو أسوأ منهم.
الخبر الحادي والعشرون: راويه علي بن أبي حمزة البطائني الذي كان من الواقفة واختلس أموال الإمام موسى بن جعفر واخترع مذهب الوقف وقال إن موسى بن جعفر لم يمت بل غاب وسيظهر في آخر الزمان ويفعل كذا وكذا في الدنيا. مثل هذا الشخص ينسب إلى الإمام الصادق قوله: «إِنَّ لِصَاحِبِ الأَمْرِ بَيْتاً يُقَالُ لَهُ بَيْتُ الحَمْدِ فِيهِ سِرَاجٌ يَزْهَرُ مُنْذُ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَقُومُ بِالسَّيْفِ لَا يُطْفَى».
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هذا السراج يعمل بالنفط أم بنوع آخر من الزيوت؟ وكيف لا يجفّ زيته رغم مرور آلاف السنين؟ وأي فضيلة في ذلك، وهل الإمام وبيته مثل بيوت المجوس تبقى فيها النار مشتعلة ليل نهار لا تُطفأ؟ ألم تكن مصابيح الأنبياء تطفأ فهل المهدي أعلى رتبة من الأنبياء؟ أضف إلى ذلك أنه أثناء النهار ومع وجود نور الشمس لا تبقى هناك حاجة إلى السراج وكذلك في الليل أثناء النوم فلماذا يبقى السراج مشتعلاً طوال الوقت، أليس هذا إسراف والله لا يحب المسرفين!؟ إلى هنا تنتهي خرافات هذا الباب.
باب 24 – نادرٌ في ذكر من رآه في الغيبة الكبرى قريباً من زماننا:
هنا شرع المجلسيّ بحكاية القصص، فقصَّ علينا عدّة قصص مُختَلَقَة وخيالية مثل قصة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض والتي كتب محقق كتاب البحار في الحاشية عنها بصراحة: «هذه قصة مصنوعة تخيّليّة، قد سردها كاتبها على رسم القصاصين، وهذا الرسم معهود في هذا الزمان أيضاً يسمونه " رمانتيك " وله تأثير عظيم في نفوس القارئين لانجذاب النفوس إليه. فلا بأس به، إذا عرف الناس أنها قصة تخيلية.»(74)
أقول: إذن من الواضح أن هذه القصص الخيالية إنما حيكَتْ لجذب نفوس العامّة. وعلى كل حال فمن الأمور المضلّة والخطيرة الواردة في هذه القصة الخرافية الادّعاء بأن القرآن الحقيقي الكامل لم يجمعه إلا علي بن أبي طالب وأنه أتى به الصحابة فلم يقبلوه منه فاحتفظ به وهو الآن محفوظٌ عند صاحب الأمر أي إمام الزمان، وأما القرآن الذي جمعه الخلفاء ففيه نقص وحذف وخلل في ترتيب الآيات وعلى حد قول الرواية: «فقد أسقطوا ما كان فيه [أ ي في القرآن الذي بأيدي المسلمين] من المثالب التي صدرت منهم بعد وفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة».
إذن على قول واضع هذه الرواية لم يكن الله تعالى صادقاً – والعياذ بالله – عندما وعد بحفظكتابه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر/9)!!
من هنا نعلم أن أولئك القصاصين الوضاعين لم يكن لهم إيمان بالقرآن بل كان همهم الرئاسة وخداع العوام.
وقد تضمنت القصة خرافات كثيرة، فمن خرافاتها ما ذكر فيها من أنه يوجد الآن ثلاثمئة ناصر من جند إمام الزمان مع الإمام في الجزيرة ولا ينقصهم إلا ثلاثة عشر ناصراً آخر حتى يعجِّل الله لوليه الفرج!! (يجدر أن نسأل: هل لا يزال أولئك الأنصار الثلاثمئة أحياء أيضاً مع المهدي إلى اليوم؟؟).
ومن ذلك أن المهدي لن يظهر إلا عندما: «ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه ويتكلم بلسان عربي مبين قم يا ولي الله على اسم الله فاقتل بي أعداء الله.»! وهنا أيضاً نتساءل كيف سيقضي هذا المهدي على كل أعدائه في الأرض بهذا السيف؟!
ومن ذلك ما جاء فيها من أن من العلامات والأمارات التي تدل على خروج المهدي: «ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلهم الصوت الأول أَزِفَتِ الآزِفَةُ يا معشر المؤمنين والصوت الثاني أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ لآل محمد (ع) والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول إن الله بعث صاحب الأمر م‏ح‏م‏د بن الحسن المهدي (ع) فاسمعوا له وأطيعوا.».
وفي آخر هذه الرواية أو القصة الطويلة يسأل الراوي من شمس الدين «الذي يعتبر نفسه نائباً خاصاً للإمام في تلك الجزيرة وحفيداً للإمام):
«يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر (ع) أنه قال لما أمر بالغيبة الكبرى من رآني بعد غيبتي فقد كذب فكيف فيكم من يراه؟!
فقال: صدقتَ إنه (ع) إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس حتى إن الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدث بذكره وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم وببركته (ع) لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول إلينا»؛
يعني أنه لو ادعى الآن شخصٌ الرؤية فلا إشكال في ذلك.
وأقول: وعلى كل حال لما كان الناس في زماننا قد سبروا كل أصقاع الدنيا وجابَ أهل الأسفار والسياحة والاكتشافات جميع نواحي المعمورة ولم يجدوا مثل هذه الجزيرة الخضراء بتلك الصفات المذكورة في هذه القصة الخيالية فإننا نصرف النظر عنها ولا نضيّع عمرنا في هذه المهملات.
وقد أورد المجلسيّ عدة قصص أخرى بعد هذه القصة وهي قصص وحكايات لا يمكننا أن نعرف صدقها من كذبها [فلا يمكن أن نبني عليها عقيدة] ولذلك ننتقل إلى الباب التالي:
 
باب 25-علامات ظهوره من السفياني والدجال وغير ذلك وفيه ذكر بعض أشراط الساعة:
أعلم أن المجلسيّ ذكر هنا علاماتٍ عديدةٍ لظهور المهدي وجَمَعَ أخباراً كثيرةً في هذا الموضوع. ولكن كل هذه الروايات لا تفيد شيئاً ولا تجعل أي مجهولٍ معلوماً لأن علامات الظهور التي تذكرها تلك الروايات على عدة أقسام:
بعضها يتحدث عن سوء الزمان وفساد الأحوال وهو أمر عام لا يخلو منه زمن من الأزمان سواء وجد المهدي أم لم يوجد، ومن هذا النمط ما أورده المجلسيّ في الحديث الثاني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
«كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَ نِسَاؤُكُمْ وفَسَقَ شُبَّانُكُمْ ولَمْ تَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؟ فَقِيلَ لَهُ: ويَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المَعْرُوفِ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ويَكُونُ ذَلِكَ؟! قَالَ: نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ المَعْرُوفَ مُنْكَراً والمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟.. ».
أو ما أورده في خبر آخر من قول الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المعراج أن خروج المهدي سيكون:
«إِذَا رُفِعَ العِلْمُ وظَهَرَ الجَهْلُ وكَثُرَ القُرَّاءُ وقَلَّ العَمَلُ وكَثُرَ الفَتْكُ وقَلَّ الفُقَهَاءُ الهَادُونَ وكَثُرَ فُقَهَاءُ الضَّلَالَةِ الخَوَنَةُ وكَثُرَ الشُّعَرَاءُ واتَّخَذَ أُمَّتُكَ قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ وحُلِّيَتِ المَصَاحِفُ وزُخْرُفَتِ المَسَاجِدُ وكَثُرَ الجَوْرُ والفَسَادُ وظَهَرَ المُنْكَرُ وأَمَرَ أُمَّتُكَ بِهِ ونَهَوْا عَنِ المَعْرُوفِ واكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ والنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وصَارَتِ الأُمَرَاءُ كَفَرَةً وأَوْلِيَاؤُهُمْ فَجَرَةً وأَعْوَانُهُمْ ظَلَمَةً وذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ فَسَقَةً....»(75)
وهذه العلامات كلها من الأمور التي كانت قبل الإسلام وبعده ولا ربط لها بزمن ظهور المهدي، وأغلب روايات هذا الباب من هذا القبيل.
القسم الثاني: أخبار تنفي جميع تلك الأحاديث السابقة إذ تثبت أن الإمام لا يعلم الغيب ولا علم له بحوادث المستقبل. ولما كانت هذه الأخبار موافقة للقرآن الكريم الذي يقول: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ (النمل/65)، لذا تم الاستشهاد فيها بالقرآن، وذلك مثل الخبر السابع الذي [ينقله المجلسيّ عن كتاب قرب الإسناد] بإسناده قال:
«سَمِعْتُ الرِّضَا (ع) يَقُولُ يَزْعُمُ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ أَنَّ جَعْفَراً زَعَمَ أَنَّ أَبِي القَائِمُ وَمَا عَلِمَ جَعْفَرٌ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ أَمْرِ اللهِ فَوَاللهِ لَقَدْ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَحْكِي لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿قُلْ.... مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ.. (الأحقاف/9)..».
فأقول: إن مثل هذا الخبر يكذِّبُ جميع الأخبار الأخرى في هذا الباب ويناقضها. والعجيب أن المجلسيّ وأمثاله لاينتبهون إلى هذا التناقض والتضارب وإلا لما جمعوا هذه الروايات في كتبهم. مثلاً في الخبر السادس والعشرين من هذا الباب يسأل الراوي الإمام علياً فيقول: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَتَى يَخْرُجُ الدَّجَّالُ؟؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (ع):... وَاللهِ مَا المَسْئُولُ عَنْهُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ!..»
يعني أن الإمام لا علم له بزمن خروج الدجال.
والقسم الثالث: أخبار موضوعة مخالفة للقرآن كالخبر الأول الذي في سنده «عبد الله بن سليمان» مجهول الحال الذي لا نعلم شيئاً عن دينه ولا مذهبه ولا صدقة ولا كذبه، يقول: «قَرَأْتُ فِي الإِنْجِيلِ وذَكَرَ أَوْصَافَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى أَنْ قَالَ تَعَالَى لِعِيسَى أَرْفَعُكَ إِلَيَّ ثُمَّ أُهْبِطُكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِتَرَى مِنْ أُمَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ العَجَائِبَ ولِتُعِينَهُمْ عَلَى اللَّعِينِ الدَّجَّالِ أُهْبِطُكَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتُصَلِّيَ مَعَهُمْ إِنَّهُمْ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ».
أقول فهذا الخبر كذبٌ وموضوعٌ قطعاً لعدة دلائل:
أولاً: لا يوجد مثل هذا الكلام في الإنجيل. ثانياً: هذا الكلام مخالف لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ (آل عمران/55)، ومخالفٌ أيضاً لقوله تعالى عن قول عيسى: ﴿كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي...﴾ (المائدة/117)، ولقوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (الأنبياء/34).
وكلمة «بشر» هنا نكرة في سياق النفي فهي تفيد العموم وتدل على أنه ما من بشر جعل الله له الخلد فكل من كان قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم توفي ومات، فالقول بأن عيسى بقي حياً وسيبقى إلى أن يهبط ويعين أمه محمد صلى الله عليه وآله وسلم على حرب الدجال كذب، لأنه إذا كان هناك دجال فعلاً فإن الله تعالى قادر على أن يعين الأمة على دفع شره ولا حاجة لإنزال عيسى وإعانته.
والقسم الرابع من الأخبار: يتضمن محاولات تخالف سنن الله في خلقه كالخبر الرابع الذي يذكر أن من علامات الظهور: «طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» مع أن المجلسيّ نفسه أورد في هذا الباب ذاته (الحديث 26) أن هذه العلامة من علامات يوم القيامة.
وفي الخبر 43 يقول: «تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ (ع) »، ولكنه يقول في الخبر 41: «آيَتَانِ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الأَمْرِ خُسُوفُ القَمَرِ لِخَمْسٍ وَخُسُوفُ الشَّمْسِ لِخَمْسَ عَشْرَةَ»، وفي الخبر 48 بقول أيضاً خسوف الشمس وفي الخبر 67 يقول: «تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ والقَمَرُ فِي آخِرِهِ...» ومثله في الأخبار 82 و84، فهذه الأخبار يناقض بعضها بعضاً.
أقول: ومن المناسب هنا أن نذكر حديثاً صحيحاً ذكره الشيعة والسنة مراراً في كتبهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصححوه، عن موضوع الخسوف والكسوف، وسأنقله من كتاب «وسائل الشيعة» المعتمد والمقبول لدى جميع الشيعة:
«عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ مُوسَى (ع) يَقُولُ إِنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم جَرَتْ فِيهِ ثَلَاثُ سُنَنٍ أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِفَقْدِ ابْنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ مُطِيعَانِ لَهُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا انْكَسَفَتَا أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَصَلُّوا ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْكُسُوف‏».
وعلى كل حال لو فرضنا أن طلوع الشمس من المغرب من علامات القيامة كما جاء في بعض الأخبار فإن هذا لا علاقة له بظهور إمام زمان الشيعة بل يخالفه.
والقسم الخامس من الأخبار: أحاديث مجملة أو مبهمة لا يمكن الخروج منها بشيء مفيد، كقولها أنه ستكون حرب بين بني فلان وبني فلان وأن بني فلان سيفعلون كذا وكذا.. الخ
 وفي النهاية لا نجد في مجموع هذه الروايات والأخبار أي شيءٍ يفيد في هداية الناس وإرشادهم نيل أحدٍ من الناس الفَرَج، خاصة أن بين رواتها أشخاص وضاعون وكذابون.
القسم السادس: أخبار تربط وقت حدوث أمر مجهول بوقوع أمر مجهول آخر كقولها مثلاً إن من علامات القائم خروج السفياني [من الشام] وخروج اليماني [من اليمن] أو ثورة الحسيني وقتله أو خَسْفٌ بالبيداء وخسف بالمغرب وخسف بالمشرق أو خروج الدجال أو الصيحة السماوية.
أقول: أفلم يسألهم أحد من هو اليماني؟ ومن الحسيني الذي يثور؟ وهكذا..... فهذه الأخبار كلها رجمٌ بالغيب.
والقسم السابع: أخبار تحدد وقت الظهور ولكن بينها خلاف، إضافة إلى معارضتها لروايات «كذب الوقّاتون» وذلك مثل الرواية الثامنة التي تنسب إلى الإمام الباقر قوله:
 «أَوَّلُ عَلَامَاتِ الفَرَجِ سَنَةَ خَمْسٍ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ وفِي سَنَةِ سِتٍّ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ تَخْلَعُ العَرَبُ أَعِنَّتَهَا وفِي سَنَةِ سَبْعٍ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ يَكُونُ الفَنَاءُ وفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ يَكُونُ الجَلَاءُ فَقَالَ أَ مَا تَرَى بَنِي هَاشِمٍ قَدِ انْقَلَعُوا بِأَهْلِيهِمْ وأَوْلَادِهِمْ فَقُلْتُ لَهُمُ الجَلَاءُ قَالَ وغَيْرُهُمْ [غَيْرِهِمْ‏] وفِي سَنَةِ تِسْعٍ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ يَكْشِفُ اللهُ البَلَاءَ إِنْ شَاءَ اللهُ»
ولقد مضت هذه الأزمنة كلها ولم يحدث شيء!!
وفي خبر آخر جاء عن الإمام علي (ع) أنه قال: إذا قُتِلَ ملوك نبي العباس قام القائم، هذا مع أنه مضت اليوم سبعمئة سنة على انقراض ملك نبي العباس ولم يقم القائم!!
فهذا كله يبين أن تلك الأخبار هي من وضع الرواة الوضاعين الذين نسبوا إلى الأئمة العلم بالغيب ففضح الله كذب أولئك الرواة لأن علم الغيب خاص بالله تعالى وحده.
أو ما جاء في إحدى الروايات: «وَ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ!...»، فأقول أي شيء يثبته مثل هذا الكلام؟ ففي السنوات التالية أيضاً يفعل الله ما يشاء؟!
وعلى كل حال من أوضح الدلائل على كذب أولئك الرواة أن الأئمة لو كان لديهم فعلاً علم الغيب لكشفوا لنا الكهرباء وكيفية توليدها ولعلّموا المسلمين المخترعات كي لا يحتاجوا إلى غير المسلمين فيها، أو لكشفوا لنا الجراثيم قبل أن يصل الدور إلى باستور ليكتشفها وهكذا...
ولكن ماذا نفعل إذا كان معظم أصحاب الأئمة والملتفين حولهم أشخاص أميون أو علمهم محدود جداً فكانوا يخترعون هذه الأوهام ويُسَرُّون بها، خاصة أنه لم تكن هناك في ذلك الزمن جامعات ولا حوزات علمية، فكان كل محدِّثٍ وراوٍ يروي ما يحلو له ويجد لروايته آذاناً صاغيةً تُصدَّق ما يقول دون أن تتأمّل فيه.
أحد رواة المجلسيّ في هذا الباب هو «عُمَر بن سَعْد» قاتل الإمام الحسين (ع) ومع ذلك ينقل المجلسيّ رواية عنه مع أنه لا يؤمن بإمامة الإمام الحسين [فضلاً عن أن يؤمن بإمامة الإمام الثاني عشر!!]، فانظروا إلى أي حد يذهب المجلسيّ في محاولته لاستخراج دليل على إمامة الإمام الثاني عشر [المهدي الغائب].
وينقل المجلسيّ في خبر آخر عن «مُعَمَّرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَامٍ» مجهول الحال عن الإمام الباقر (ع) قوله:
«كَأَنِّي بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا بِالمَشْرِقِ يَطْلُبُونَ الحَقَّ فَلَا يُعْطَوْنَهُ ثُمَّ يَطْلُبُونَهُ فَلَا يُعْطَوْنَهُ فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ وَضَعُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا فَلَا يَقْبَلُونَهُ حَتَّى يَقُومُوا ولَا يَدْفَعُونَهَا إِلَّا إِلَى صَاحِبِكُمْ». ويقول المجلسيّ بعد هذه الرواية:
 «بيان لا يبعد أن يكون إشارة إلى الدولة الصفوية شيدها الله تعالى ووصلها بدولة القائم (ع )! »
إنه يتصور أن الدولة الصفوية رغم كل الجرائم التي ارتكبتها كانت دولة حق وستتصل بدولة المهدي!
وعلى كل حال نقول: من أين لنا أن نعلم أو نصدق أن هذه الإخبارات عن الغيب التي يرويها أولئك الرواة صادقة وواقعة فعلاً؟ وكيف كان الإمام الفلاني يعلم الغيب في حين أن الإمام الآخر لم يكن يعلمه؟
فإن قيل: لقد حدّث الإمام عن خروج السفياني والصيحة السماوية فوقوع ذلك حتميَّ، قلنا: كلا، ليس وقوع ذلك حتمياً، وبأي وجهٍ نُصَدقَ أموراً ليس لدينا عليها أي دليل سماوي من وحي الله عز وجل؟؟ إنها أقاويل من باب الرجم بالغيب، قد يظهر كذبها جميعاً وقد يكون بعضها صحيحاً.
والعجيب أن الذين يروون عن الأئمة هذه الروايات يروون ما يناقضها جميعاً كالرواية التي يرويها الكليني في الكافي (ج 1 /ص 257) «عَنْ سَدِيرٍ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأَبُو بَصِيرٍ ويَحْيَى الْبَزَّازُ ودَاوُدُ بْنُ كَثِيرٍ فِي مَجْلِسِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا وَهُوَ مُغْضَبٌ فَلَمَّا أَخَذَ مَجْلِسَهُ قَالَ: يَا عَجَباً لِأَقْوَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّا نَعْلَمُ الْغَيْبَ! مَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ عَزَّ وجَل لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَرْبِ جَارِيَتِي فُلَانَةَ فَهَرَبَتْ مِنِّي فَمَا عَلِمْتُ فِي أَيِّ بُيُوتِ الدَّارِ هِيَ؟!...‏».
وينبغي أن نقول: إذا أمر الله تعالى نبيه بأن يقول: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ...﴾ رغم أنه كان يوحى إليه من الله، فمن باب أولى أن ينتفي علم الغيب عن الإمام الذي لا يأتيه الوحي, هذا بمعزل عن أن أسانيد تلك الأخبار مليئة برواة مجهولي الحال أو وضاعين معروفين بالكذب أو غلاة أو ضعفاء.
واعلم أنه تم الاستشهاد في بعض هذه الروايات بآيات من القرآن لبيان علامات الظهور في حين أن الآيات المذكورة لا علاقة لها بذلك، وسأذكر هنا أمثلة على الآيات التي ذُكِرَت في الروايات وفُسِّرت معانيها بأمور تتعلق بعلامات ظهور المهدي، رغم عدم مساعدة ألفاظ الآيات على ذلك مطلقاً:
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (الأنعام/37).
كان المشركون يطالبون بآيات ومعجزات ويقترحون اقتراحات على الله تعالى ويتوقعون توقعات في غير محلها كأن ينزل الله عليهم الملائكة مثلاً كما ذُكِر في الآية الثامنة من سورة الأنعام هذه ذاتها، وكانوا يقولون للنبي أحياناً لماذا لا تأتينا بمعجزات كمعجزات الأنبياء الذين سبقوك، لذلك رد الله تعالى عليهم في هذه الآية مخاطباً نبيه فقال: قل إن المعجزات بيد الله وهو القادر على أن ينزّل الآيات والمعجزات متى شاء وليس الأمر باختيار الأنبياء، وهذه المطالبات والاقتراحات التي يقوم بها المشركون في غير محلها ولن يستجيب الله لها ولن تكون نتيجة هذا الموقف الجاحد والمتبجح من الكافرين سوى أن يحيق بهم العذاب الأليم.
إذا عرفنا هذا المعنى الواضح للآيات أدركنا مدى خطأ التفسير الذي رواه أبي الجارود عن الإمام الباقر أن المقصود من كلمة «الآية» في هذه الآية هو دابة الأرض والدجال ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها!
الآية الأخرى التي يرويها أبي الجارود أيضاً عن الإمام الباقر والتي أوردها المجلسيّ واعتبرها أحد علامات الظهور هي ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (الأنعام/65).
لاحظوا أن معنى الآية واضح ولكن أبا الجارود يروي: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي قَوْلِهِ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ هُوَ الدَّجَّالُ والصَّيْحَةُ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ وَهُوَ الخَسْفُ». وينبغي أن نقول إن حصر الآيات بمثل هذه الأمور لا دليل عليه لأن الآية عامة.
الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(يونس/24).
يشبّه الله تعالى في هذه الآية الحياة الدنيا بالنبات الذي يُسقى بماء السماء ويصبح خضراً نضراً ثم تنزل جائحة فتجعله حصيداً، ووجه التشبيه في هذا المثل هو الرجاء واليأس فكما أن صاحب البستان يعلّق أمله بالمطر وبالنبات النضر لكنه في النهاية ييأس منه كذلك طلاب الدنيا عندما تحل بهم الأمراض ويحل بهم الموت في النهاية يدركون زوال ذلك الذي تعلقوا به. ولا شك أنه يمكن أن نجد وجوهاً أخرى أيضاً لهذا التشبيه. ولكن المجلسيّ يروي عن الإمام الباقر أن المقصود من ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ..﴾ هم بنو العباس الذين وصلوا إلى سُدَّة الخلافة ثم أخذتهم الصيحة فأهلكتهم. فبالله عيكم لاحظوا كيف يتم التلاعب بمعاني آيات الكتاب.
ومن الآيات الأخرى التي اُسْتُشهد فيها في روايات هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (يونس/50).
أقول: المقصود من الآية واضح وهو الرد على الكفّار الذين كانوا يستعجلون نزول عذاب الله ويقولون إن كان عذاب الله حقاً فلماذا لا يأتينا؟.
لكن أبا الجارود يروي عن الإمام الباقر رواية يقول فيها: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً يَعْنِي لَيْلًا أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المُجْرِمُونَ فَهَذَا عَذَابٌ يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى فَسَقَةِ أَهْلِ القِبْلَةِ وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُزُولَ العَذَابِ عَلَيْهِمْ».
أقول: أولاً ما علاقة الآية بالمهدي وعلائم ظهوره, وهل كان المجرمون يستعجلون قيام القائم؟ وثانياً الآية عامة، ولكن يبدو أن هؤلاء ما كان همهم إلا تفسير الآيات حسب هواهم.
الآية الأخرى المُسْتشهد بها في هذا الباب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة/155).
أقول: ضمير «كم» في هذه الآية خطاب للحاضرين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولسائر المؤمنين إلى يوم القيامة، كما جاء في مواضع أخرى من القرآن أن الله سيمتحن جميع الناس ويختبرهم.
لكن المجلسيّ روى في هذا الباب عن الإمام أن المقصود من «الجوع» في هذه الآية الجوع قبل قيام القائم, وأن المقصود من«الخوف» الخوف بعد قيام القائم!. وذكر المجلسيّ عدة أنواع من الروايات حول هذه الآية.
الآية الأخرى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ(فصلت/53). المراد من ضمير الهاء في قوله «أنه الحق»: اللهُ أو القرآنُ بمعنى أنه كلما تقدم الزمان واكتشف البشر آيات الله في خلقهم وفي الكون أدركوا أكثر حقية القرآن. ولكن المجلسيّ يروي هنا عن الإمام قوله: إن المقصود من «أنه الحق»: المهدي وظهوره الذي سيفهم الناس أنه الحق. وليت شعري من أي موضع في الآية استخرج موضوع المهدي؟؟ لا ندري!
الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا (النساء/47).
المعنى واضح ولكن المجلسيّ يروي عن حضرة الباقر أن الآية نزلت في جيش السفياني ولا ندري ما دليله على ذلك.
الآية الأخرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ (البقرة/222).
يروي المجلسي عن الإمام الصادق قوله: إن المقصود من التوابين في هذه الآية جيش اليماني وجيش خراسان وأمثالهم من آل محمد!
الآية الأخرى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا (البقرة/149).
الآية تتحدث عن يوم القيامة باتفاق المفسّرين. ولكن المجلسيّ روى أن المقصود من الإتيان بجميع الناس هو ما يحصل عند ظهور المهدي!
الآية الأخرى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ(مريم/37).
يشير الحق تعالى في هذه الآية إلى أنّ الناس بعد عيسى اختلفوا في شأنه أحزاباً وفرقاً فكان لكل حزب عقيدة مختلفة. وعلى كل حال فجميع المفسّرين متفقون على أن الآية تتعلق بحضرة عيسى. لكن المجلسيّ روى عن الإمام الباقر في رواية: «...وَ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَخْتَلِفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ رَايَاتٍ الأَصْهَبِ وَالأَبْقَعِ والسُّفْيَانِيِّ مَعَ بَنِي ذَنَبِ الحِمَارِ مُضَرُ وَمَعَ السُّفْيَانِيِّ أَخْوَالُهُ مِنْ كَلْبٍ فَيَظْهَرُ السُّفْيَانِيُّ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى بَنِي ذَنَبِ الحِمَارِ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتْلًا لَمْ يَقْتُلْهُ شَيْ‏ءٌ قَطُّ وَيَحْضُرُ رَجُلٌ بِدِمَشْقَ فَيُقْتَلُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَتْلًا لَمْ يَقْتُلْهُ شَيْ‏ءٌ قَطُّ وَهُوَ مِنْ بَنِي ذَنَبِ الحِمَارِ وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَاخْتَلَفَ الأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.».
فبالله عليكم لاحظوا كيف نسب هؤلاء الرواة الكذابون إلى الأئمة أقوالاً تجعل القرآن ملعبة وتفسّر الآيات على غير معناها.
وعلى كل حال لقد أتينا هنا ببعض الآيات التي ذكرها المجلسيّ في هذا الباب وهناك آيات أخرى ذكرها على هذا النحو لا علاقة لها أصلاً بموضوع علائم ظهور المهدي لكنه جعلها نازلة في تلك الأمور. فمن أراد التفصيل فليراجع ذلك الباب من البحار.
باب 26- يوم خروجه وما يدلّ عليه وما يحدث عنده وكيفيته ومدة ملكه:
أورد المجلسيّ في هذا الباب أخباراً، معظم متونها مخالف للسنة الإلهية في خلق الإنسان أو مخالفٌ للقرآن. وبعض هذه الأخبار لا يدل على شيء في هذا الباب ولا فائدة منه بل هو من المهملات.
ذكر المجلسيّ في هذا الباب 84 خبراً معظمها عن أولئك الرواة المجروحين والمطعون بهم الذين مروا معنا في أسانيد الروايات السابقة. وسنستعرض نماذج من هذه الأخبار ونمحّصها ونترك للقارئين الكرام الحكم النهائي. ومن المؤسف أن المجلسيّ كرر في هذا الباب وفي غيره من الأبواب كثيراً من الروايات إلى درجة أنه يروي الخبر الواحد أحياناً في عشرة أبواب بل يكرره أحياناً في عشرين موضع.
الخبر الأول: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ يَخْرُجُ قَائِمُنَا أَهْلَ البَيْتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ»، هذا في حين أن الخبر السابع عشر المروي عن الإمام الباقر يقول: «يَخْرُجُ القَائِمُ يَوْمَ السَّبْتِ», فالخبران متناقضان متعارضان وإذا تعارضا تساقطا.
الخبر الثاني: خبر مضحك وخرافي في وصف الحجر الأسود يقول: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي وَصْفِ الحَجَرِ والرُّكْنِ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ قَالَ (ع) ومِنْ ذَلِكَ الرُّكْنِ يَهْبِطُ الطَّيْرُ عَلَى القَائِمِ (ع) فَأَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ ذَلِكَ الطَّيْرُ وَهُوَ وَاللهِ جَبْرَئِيلُ (ع) وَإِلَى ذَلِكَ المَقَامِ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ وهُوَ الحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى القَائِمِ وَهُوَ الشَّاهِدُ لِمَنْ وَافَى ذَلِكَ المَكَانَ».
ولنا أن نسأل وهل ينزل جبريل على غير الأنبياء أيضاً؟!
الخبر الثالث: كذب يخالف سنن الله في خلقه لأنه يقول عن المهدي: «يُطِيلُ اللهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ ثُمَّ يُظْهِرُهُ بِقُدْرَتِهِ فِي صُورَةِ شَابٍّ ذو [دُونَ‏] أَرْبَعِينَ سَنَةً»، هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (يس/68) ويقول: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب/62).
الخبر الرابع: مرويٌّ عن علي بن إبراهيم القائل بتحريف القرآن والمحرّف لمعانيه, وهو يرويه عن كذابين وغلاة من أمثال العمركي ومحمد بن جمهور وغيرهم. ومتن الرواية خرافي ونصه: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حم عسق عِدَادُ سِنِي القَائِمِ وق جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ فَخُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ الجَبَلِ‏».
ينبغي أن نقول: لا يمكننا أن نتوقع من مثل أولئك الرواة الكذابين أفضل من هذه المعلومات القيّمة!
الخبر الخامس: «عَنِ الأَزْدِيِّ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وأَبُو بَصِيرٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع): أَنْتَ صَاحِبُنَا؟ فَقَالَ: إِنِّي لَصَاحِبِكُمْ؟! ثُمَّ أَخَذَ جِلْدَةَ عَضُدِهِ فَمَدَّهَا فَقَالَ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَصَاحِبُكُمْ شَابٌّ حَدَثٌ.».
أي أن صاحبكم خلافاً لسنة الله في خلق الإنسان سيبقى شاباً رغم أن عمره يبلغ آلاف السنين.
الخبر السادس: ينقله المجلسيُّ عن كتاب الاحتجاج للطبرسي عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الجُهَنِيِّ «عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا قَالَ: يَبْعَثُ اللهُ رَجُلًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَلَبٍ(76) مِنَ الدَّهْرِ وَجَهْلٍ مِنَ النَّاسِ يُؤَيِّدُهُ اللهُ بِمَلَائِكَتِهِ وَيَعْصِمُ أَنْصَارَهُ وَيَنْصُرُهُ بِآيَاتِهِ وَيُظْهِرُهُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى يَدِينُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً وَنُوراً وَبُرْهَاناً يَدِينُ لَهُ عَرْضُ البِلَادِ وَطُولُهَا لَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا آمَنَ وَلَا طَالِحٌ إِلَّا صَلَحَ وَتَصْطَلِحُ فِي مُلْكِهِ السِّبَاعُ وَتُخْرِجُ الأَرْضُ نَبْتَهَا وَتُنْزِلُ السَّمَاءُ بَرَكَتَهَا وَتَظْهَرُ لَهُ الكُنُوزُ يَمْلِكُ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ أَيَّامَهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ».
أقول: أولاً: الحديث رواه الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج من علماء القرن السادس الهجري، مباشرة ودون واسطة عَنْ «زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الجُهَنِيِّ» الذي كان من أصحاب علي بن أبي طالب وتوفي سنة (96) ه-(77)! أي بين الشخصين خمسة قرون!! فالسند منقطع ومرسل لا تقوم به حجة. وثانياً: الرواية تقول يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وهذا ليس فيه أي إثبات لمهدي حي غائب، بل هو أعم من ذلك فقد يقصد به أن رجلا سيولد في المستقبل ويكلفه الله بتلك المهمة، هذا فضلا عن أن كلمة البعث خاصة بالأنبياء ولا نبي بعد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وثالثاً: في هذا المتن مخالفة لكثير من آيات القرآن، فمن ذلك أنه يذكر أن هذا المبعوث آخر الزمان سيُدْخِلُ الناسَ في الإسلام «طَوْعاً أَوْ كَرْهاً»!! مع أن الله تعالى يقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟؟ (يونس/99) ويقول: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ..﴾ (الشورى/48). ومن ذلك أن متن الرواية يقول: «لَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا آمَنَ وَلَا طَالِحٌ إِلَّا صَلَحَ» وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (المائدة/64).
وأخيراً في آخر الرواية جاء أن المهدي «يَمْلِكُ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً»، وهذا يتناقض مع روايات عديدة أخرى مرت معنا تذكر أن المهدي يملك خمس أو سبع سنوات فحسب!! وقد حاول المجلسي أن يحل هذا التناقض الواضح ويجمع بين الروايات المتعارضة فقال:
«بيانٌالأخبار المختلفة الواردة في أيام ملكه (ع) بعضها محمول على جميع مدة ملكه وَبعضها على زمان استقرار دولته وَبعضها على حساب ما عندنا من السنين وَالشهور وَبعضها على سنيه وَشهوره الطويلة وَالله يعلم».
ولا يخفى ما في هذا التمحُّل من تعسف واضح لا يغني عن الحق شيئاً.
الخبر السابع: عن كتاب إكمال الدين للصدوق بسنده «عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : المَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ يُصْلِحُ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ!».
أقول: بغض النظر عن ضعف بعض رجال سنده وجهالة حالهم، فإنا نسأل الراوي مجهول الحال أن يفسِّر لنا معنى هذا الخبر وما المقصود من عبارة «يصلحه الله في ليلة»! فهل كان فاسداً حتى يتم إصلاحه؟!
الخبر الثامن: يرويه «المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الجُعْفِيِّ» الذي كان من أهل الغلوّ (78)ومن أتباع «أبي الخطاب» الخبيث وقد عدّه علماء الرجال الشيعة مثل المرحوم النجاشي والعلامة الحلي «ضعيفاً» و«فاسد المذهب» لا يعتمد على كتبه، ومع الأسف فإن كتب الشيعة مملوءة من أحاديثه، وعلى أي حال فقد روى هذا الشخص عن الصادق (ع) قوله: «إِذَا قَامَ القَائِمُ قَالَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ‏»
الخبر التاسع: في سنده «المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الجُعْفِيِّ» الذي بينا حاله في الحديث السابق، يروي عن الإمام الصادق ضمن حديث طويل: «أَمَا وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ وَلَيُمَحَّصُ حَتَّى يُقَالَ مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ المُؤْمِنِينَ... وَلَتُرْفَعَنَّ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍ؟؟.. قَالَ فَبَكَيْتُ فَقَالَ لِي مَا يُبْكِيكَ يَا بَا عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَقُولُ تُرْفَعُ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أَيٌّ مِنْ أَيٍّ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟؟ قَالَ فَنَظَرَ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ يَا أبَا عَبْدِ اللهِ تَرَى هَذِهِ الشَّمْسَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَاللهِ لَأَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ!»
أقول: ينبغي أن نقول لهذا الراوي الخرافي: لا داعي للبكاء من اثنا عشر راية، فإن كان الخوف من التيه والضلال، فإنه لن يقوم قائم في زمن حضرة الإمام الصادق!
الخبر العاشر: في سنده أحد الغلاة المعروفين وهو الأسدي عن راوٍ معروف بالكذب هو «سهل بن زياد»(79) عن الإمام الجواد أنه قال أن المقصود من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة/149) هو اجتماع أصحاب المهدي الثلاثمئة والثلاثة عشر إليه من أنحاء الأرض! يقول: «يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ العِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ»!
وعلى كل حال يواصل الراوي الكاذب بقية روايته فيقول:
«أُكْمِلَ لَهُ العَقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ عَبْدُ العَظِيمِ (الحسني) فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي! وَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ قَدْ رَضِيَ؟ قَالَ: يُلْقِي فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ»!
أقول: إذن لم تكن في قلبه الرحمة حتى ألقاها الله تعالى في قلبه!
ثم يقول: «فَإِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ أَخْرَجَ اللَّاتَ وَالعُزَّى فَأَحْرَقَهُمَا».
قال المجلسيُّ معقّباً على الرواية وشارحاً لهذه الجملة الأخيرة فيها: «بيانٌ: يعني باللات وَالعزى صنمي قريش أبا بكر وَعمر»!!
فأقول: أجل هذا ما كان يفتريه أولئك الرواة المنافقون الذي كانوا يلتفون حول الإمام ثم يفترون عليه مثل هذه الأكاذيب للتفرقة بين المسلمين وإيقاع البغضاء بينهم.
الخبر الحادي عشر: [عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي] بسنده عن المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ – الذي تقدم بيان حاله وأنه من الغلاة – «قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) (أي الإمامَ الصادقَ) عَنْ تَفْسِيرِ جَابِرٍ، فَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ بِهِ السَّفِلَةَ فَيُذِيعُونَهُ أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾؟ إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُسْتَتِراً فَإِذَا أَرَادَ اللهُ إِظْهَارَ أَمْرِهِ نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ اللهِ».
أي أن الإمام - حسب ادعاء المفضل - أوَّل الآية 8 من سورة المدثر التي تتحدث عن يوم القيامة بأن المراد منها هو المهدي القائم المنتظر!، هذا مع أن سورة المدثر من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن المراد من الآية واضح تماماً إذا نظرنا إلى سياق الآيات: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (المدثر/8و9و10)، لكن الشيخ الطوسي و«المفضل» جعلا المقصود منها هو المهدي، وليت شعري كيف يعقل أن يدعى الكفار الذين لا يؤمنون برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً ولا بالقيامة إلى الإيمان بالمهدي المنتظر؟! ولماذا لا يعمل أولئك الرواة عقلهم؟؟ الله وحده يعلم!
الروايتان 12و 13، يرويهما مجموعة من الغلاة ينسبون في الرواية 12 إلى ابن عباس تأويل قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ بأنها «نَزَلَتْ فِينَا وَفِي بَنِي أُمَيَّةَ تَكُونُ لَنَا دَوْلَةٌ تَذِلُّ أَعْنَاقُهُمْ لَنَا بَعْدَ صُعُوبَةٍ وَهَوَانٍ بَعْدَ عِزٍّ» وفي الرواية 13 عن «سدير» أنه سأل الإمام الباقر (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ فقَالَ: نَزَلَتْ فِي قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يُنَادَى بِاسْمِهِ مِنَ السَّمَاءِ!!
الخبر 14: عدة من الغلاة يروون عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَظِرُوا الفَرَجَ فِي ثَلَاثٍ! قِيلَ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اخْتِلَافُ أَهْلِ الشَّامِ بَيْنَهُمْ وَالرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ خُرَاسَانَ وَالفَزْعَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَقِيلَ لَهُ وَمَا الفَزْعَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُرْآنِ ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ »؟؟
مع أن الآية المستشهد بها ليس بينها وبين المذكور أي صلة ولا أي تناسب.
الخبر 15: كالخبر الذي قبله.
الخبر 16: [ينقله المجلسيُّ عن كتاب إكمال الدين للصدوق بسنده] عَنِ الهَرَوِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِلرِّضَا (ع) مَا عَلَامَةُ القَائِمِ (ع) مِنْكُمْ إِذَا خَرَجَ قَالَ عَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخَ السِّنِّ شَابَّ المَنْظَرِ حَتَّى إِنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِ لَيَحْسَبُهُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا وَإِنَّ مِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ لَا يَهْرَمَ بِمُرُورِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ أَجَلُهُ».
أقول: وهذا مخالف لسنة الله في خلقه وهو يقيناً من وضع الرواة الجاهلين بالله.
الخبر 17: في سنده «علي بن أبي حمزة البَطَائِنِيّ» - الذي لا يؤمن بأي إمام بعد الإمام السابع فضلا عن إيمانه بالإمام الثاني عشر – يروي عن الإمام الباقر (ع) «يَخْرُجُ القَائِمُ (ع) يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ».
أقول: وهذا مناقضٌ للخبر الأول – الذي يقول إن القائم يخرج يوم الجمعة – كما هو مناقض للروايات الأخرى التي تقول إن القائم يخرج في شهر شعبان أو في شهر رمضان.
الخبر 18: تكرار للخبر الثاني.
الخبر 19: ينسب إلى الإمام الصادق قوله: «سَيَأْتِي فِي مَسْجِدِكُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَعْنِي مَسْجِدَ مَكَّةَ يَعْلَمُ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّهُ لَمْ يَلِدُهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أَجْدَادُهُمْ عَلَيْهِمُ السُّيُوفُ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ سَيْفٍ كَلِمَةٌ تَفْتَحُ أَلْفَ كَلِمَةٍ فَيَبْعَثُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِيحاً فَتُنَادِي بِكُلِّ وَادٍ هَذَا المَهْدِيُّ يَقْضِي بِقَضَاءِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ (ع) لَا يُرِيدُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً»!!
أقول: أما لهذا الراوي الكاذب من يسأله: هل المهدي يهودياً حتى يقضي بقضاء داود وسليمان؟!
والأخبار التالية كلها شأنها شأن الأخبار التي مرت وتكرار لمضامينها فضلا عن أنها مروية عن غلاة أو ضعفاء ونحوهم ونكتفي بذكر الأخبار الآتية:
الخبر 29: راويه محمد بن علي الكوفي الكذاب(80) عن مجهول آخر منسوباً إلى الإمام الصادق: «إِنَّ القَائِمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ يُنَادَى بِاسْمِهِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَيَقُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ».
أقول: ولم يذكر الراوي ليلة ثلاث وعشرين من أي شهر، ويبدو أنه كان مستعجلاً ففاته تحديد الشهر!
الخبر 33: منقول عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي‏، أسنده إلى حُذَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِصلى الله عليه وآله وسلم وَذَكَرَ المَهْدِيَّ فَقَالَ: «إِنَّهُ يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ اللهِ وَالمَهْدِيُّ فَهَذِهِ أَسْمَاؤُهُ ثَلَاثَتُهَا».
أقول: هذا الخبر يرد تلك الأخبار التي تقول إن المهدي هو محمد بن الحسن، إضافة إلى أن هذا الخبر جعل المهدي اسماً من أسماء القائم. كذلك يناقض هذا الخبر تلك الأخبار الواردة في النهي عن تسمية المهدي وأنه يحرم ذكر اسمه. والعجيب أن المجلسيُّ هنا لم يحاول أن يجمع بين هذه المتناقضات.
الخبر 34: متنه مخالف لكثير من آيات القرآن لأنه يقول: «...وَيُقْتَلُ النَّاسُ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا دِيْنُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يَسِيرُ بِسِيرَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ».
أي يظل يقتل في البشر حتى لا يبقى كافر على وجه الأرض! ثم يعمل بسيرة اليهود! فأقول: إن أولئك الرواة الوضاعون يريدون أن يصوروا أن أنبياء الله العظام كانوا قتَّالين للبشر، مع أن جميع أنبياء الله لم تكن وظيفتهم أمام كفر وعناد المكذّبين سوى الإنذار وإبلاغ رسالات الله، فذبح الناس والمبادرة إلى تقتيلهم مخالف لسنة وسيرة جميع الأنبياء، ولا ندري لماذا كان أولئك الرواة الوضاعون متعطشين إلى هذا الحد إلى قتل النفوس البشرية؟!
الخبر 42: في سنده «علي بن أبي حمزة البطائني» الواقفي المنكر للقائم من الأساس، يروي عن حضرة الإمام الصادق أنه يقال: «إِذَا صَعِدَ العَبَّاسِيُّ أَعْوَادَ مِنْبَرِ مَرْوَانَ أُدْرِجَ مُلْكُ بَنِي العَبَّاسِ وَقَالَ (ع) قَالَ لِي أَبِي يَعْنِي البَاقِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ آذَرْبِيجَانَ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْ‏ءٌ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَكُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ وَأَلْبِدُوا مَا أَلْبَدْنَا وَالنِّدَاءُ وَخَسْفٌ بِالبَيْدَاءِ فَإِذَا تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ فَاسْعَوْا إِلَيْهِ وَلَوْ حَبْواً وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى كِتَابٍ جَدِيدٍ عَلَى العَرَبِ شَدِيدٌ وَقَالَ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ».
أقول: ينبغي على الراوي الوضاع أن يأتي ويفسر لنا هذه الجمل المضطربة. وقد مضى على زوال ملك بني العباس سبعة قرون ولكن روايات الطامعين لا زالت في الكتب! إن ما يؤلم الإنسان ويحزنه أن هذه المهملات تحفظ وتقدم للناس باسم الدين.
الخبر 54: [ينقله المجلسيُّ عن كتاب الغيبة للنعماني‏] بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ - أحد الغلاة الكذابين المطعون بهم(81) - عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ – الذي اعتبره علماء الرجال من الغلاة والوضاعين والمشهورين بالكذب ورَوَوْا أن الإمام الرضا (ع) لعنه ألف لعنة (82) – يروي عن الإمام الصادق (ع) حديثاً مظلماً يقول فيه: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ أَهْبَطَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَكاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ نَصَبَ لِمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (ع) مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عِنْدَ البَيْتِ المَعْمُورِ فَيَصْعَدُونَ عَلَيْهَا وَيَجْمَعُ لَهُمُ المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ وَالمُؤْمِنِينَ وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا رَبِّ مِيعَادَكَ الَّذِي وَعَدْتَ فِي كِتَابِكَ وَهُوَ هَذِهِ الآيَةُ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآيَةَ وَيَقُولُ المَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَخِرُّ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سُجَّداً ثُمَّ يَقُولُونَ يَا رَبِّ اغْضَبْ فَإِنَّهُ قَدْ هُتِكَ حَرِيمُكَ وَقُتِلَ أَصْفِيَاؤُكَ وَأُذِلَّ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ فَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ وَذَلِكَ وَقْتٌ مَعْلُومٌ».
أقول: إن هؤلاء الرواة الكذابين يتصوَّرون أنه كما يتم خداع الطفل عن طريق الصياح والجلبة كذلك يقوم الأنبياء والملائكة بالصياح والجلبة بحضرة الحقّ عزّ وجلّ ليحملوا الله تعالى على فعل شيء!! وقد أبهم الراوي ما يفعله الله تعالى عندئذ بقوله: «فَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ»!! فلا ندري ماذا يفعل وأي أمر يثبت بهذا الخبر؟!
وينبغي أن نقول لهؤلاء الرواة الكذابين الغلاة: روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال: «أَْدْنى ما يخرُجُ به الرجلُ عن الإيمان أن يجلس إلى غالٍ فيستمع إلى حديثه ويصدِّقُهُ على قوله، إن أبي حدَّثني عن أبيه عن جدِّه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صنفان من أمتي لا نصيب لهما في الإسلام، الغُلاةُ والقدرِيَّةُ.»(83).
نعم، هذا هو حال جميع أخبار الباب: رواة غلاة، ومتون خرافية مخالفة للسنن الإلهية في الخلق أو مخالفة لتعاليم القرآن وأصول الإسلام دين الرحمة والدعوة بالحسنى، واستشهادات في غير محلها بآيات من القرآن الكريم بعيدة كل البعد عن المعاني التي يحملون الآيات عليها، أو متون مُعادَة ومُكَرَّرة أو متناقضة فنكتفي بما ذكرناه فهو نموذج يدل على ما سواه.
 
باب 27- سيره وَأخلاقه وَعدد أصحابه وَخصائص زمانه وَأحول أصحابه:
أولاً: ينبغي أن نعلم أن ما يجب اتباعه في الإسلام هو كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي طريقته العملية، فقط لا غير، وليس لدينا في الإسلام شيء اسمه سنة الإمام. ويوضّح ذلك أن الله تعالى قال في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (الأحزاب/21)، وقد قال عليٌّ عليه السلام – كما جاء في نهج البلاغة - : «وَصِيَّتِي لَكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً ومُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله) فَلا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وخَلاكُمْ ذَمٌّ».
وروى الشيخ الصدوق في معاني‏الأخبار (ص 155) : «قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السُّنَّةِ والْبِدْعَةِ وعَنِ الْجَمَاعَةِ وعَنِ الْفِرْقَةِ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَالْبِدْعَةُ مَا أُحْدِثَ مِنْ بَعْدِهِ...»(84). وجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام – كما في نهج البلاغة (الخطبة 203)-: «...نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللهِ ومَا وَضَعَ لَنَا وأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ ومَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) فَاقْتَدَيْتُهُ» – وكذلك روى المجلسي في بحار الأنوار (ج 2 /ص 225): « قَالَ رَسُولُ اللهٍ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ [الْكِذَابَةُ] وسَتَكْثُرُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَإِذَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ وسُنَّتِي فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ وسُنَّتِي فَخُذُوا بِهِ ومَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ وسُنَّتِي فَلَا تَأْخُذُوا بِه‏».
وكذلك روى الكُلَيْني في أصول الكافي: «قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلمعَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(85).
وفي أصول الكافي أيضاً ( ج 2 /ص606، ح 9) بسنده عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللهَ عَزَّ وجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وسُنَّتِي».
وكذلك جاء في بحار الأنوار (ج2 /ص301): « [الأمالي للشيخ الطوسي‏] بسنده عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ (ع) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ فِي خُطْبَتِهِ إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ...».
وروى الحر العاملي في وسائل‏الشيعة (ج 11 /ص 511): «وَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وكُلُّ ضَلَالَةٍ سَبِيلُهَا إِلَى النَّارِ ».
وفي مستدرك ‏الوسائل (ج 12/ ص 322): «وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
وفي الكافي أيضاً (ج7 /ص274): «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ وُجِدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم صَحِيفَةٌ.... (وذكر ما فيها أموراً من جملتها:).. ومَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً أَوْ آوَى مُحْدِثاً لَمْ يَقْبَلِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً ».
وفي مستدرك‏ الوسائل (ج12 /ص322): «وَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ»، وفي أصول الكافي، باب البدع والرأي والمقاييس (ج1/ص54): «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ رَفَعَهُ قَالَ مَنْ أَتَى ذَا بِدْعَةٍ فَعَظَّمَهُ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي هَدْمِ الْإِسْلَامِ».
وفي بحار الأنوار (جلد 2/ص 296) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ رَفَعَهُ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : أَبَى اللهُ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ بِالتَّوْبَةِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّهَا»(86).
وأيضاً في وسائل الشيعة، (ج 12/ص 249): «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلممَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وفي بحار الأنوار (ج2 /ص171): «نقلاً عن كتاب المحاسن بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الجَنَّةِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ وأَمَرْتُكُمْ بِهِ »(87).
بناء على هذه النصوص الواضحة: الدينُ هو ما قال الله وقال رسوله والبدعة ما أُحدِث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فليس في الإسلام وجوبٌ لاتباع سنة الإمام أوخط الإمام [مستقلاً عن طاعة الله ورسوله] بل كل إمام وكل مأموم يجب أن يتبع كتاب الله وسنة رسولهصلى الله عليه وآله وسلم.كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ (النساء/80). وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (الأحزاب/66و67). وكذلك قال تعالى في سورة محمد: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (محمد/33)، وقال أيضاً: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ(النساء/59).
وفي هذا المجال جاء عن عَلِيٍّ عليه السلام في تفسيره للآية الأخيرة قوله: «فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللهِ الأخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ والرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الأخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ». وجاء عنه مثل هذا في موضع آخر في نهج البلاغة، (خطبة 128): «وقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ فَرَدُّهُ إِلَى اللهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ ورَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ».
ولو أردنا أن نستقصي جميع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الأمر لطال بنا الكلام.
وقد ورد عن أئمة الشيعة أيضاً أحاديث عديدة تأمرنا أن نعرض كل ما يصلنا عنهم على الكتاب والسنة, فما وافقهما أخذنا به وما خالفهما تركناه.
بناء على ذلك, إن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هما فقط واجبا الاتباع أما سنة وسيرة القائم الذي لم يأت بعد ولا ندري هل ستكون سيرته وأخلاقه مطابقة لكتاب الله أم لا فليست واجبة الاتباع على أحد، خاصة أن سير الأئمة اختلفت عن بعضها البعض فأحدهم عمل بالتقية ولم يثُرْ ولم يقاتل في حين نهض الآخر وثار، وأحدهم جلس في بيته وآخر صالح عدوه، فلذلك ينبغي أن يكون مرجعنا كتاب الله وسنة رسوله فقط وأما الآخرون فأقصى ما في الأمر أنهم قدوة لنا في كيفية اتباعهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
بعد أن عرفنا ذلك نقول إن الروايات التي أوردها المجلسيّ في هذا الباب حول سير وأخلاق المهدي متناقضة متعارضة. فهل يلزم على المسلم أن يعلمها ويقتدي بها؟ وهل هناك سند من كتاب الله يدل على حجية أفعال هذا لمهدي المنتظر أو سلوكه وأخلاقه؟ إن كتاب الله ينص على حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط لا غير.
 مثلاً الخبر الثاني في هذا الباب يقول إن الإمام الصادق والإمام الكاظم كلاهما قالا: «لَوْ قَدْ قَامَ القَائِمُ لَحَكَمَ بِثَلَاثٍ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ يَقْتُلُ الشَّيْخَ الزَّانِيَ وَيَقْتُلُ مَانِعَ الزَّكَاةِ وَيُوَرِّثُ الأَخَ أَخَاهُ فِي الأَظِلَّةِ».
هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(المائدة/44).
وبناء عليه، لا يلزمنا أن ننقل جميع متون روايات هذا الباب، ولكننا سنشير باختصار إلى ما فيه من خرافات وموهومات كي يتيقّظ القراء الكرام:
الخبر الأول: راويه «سهل بن زياد»(88) الكذاب الذي نسب إلى حضرة الإمام الباقر أنه قال: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا اضْمَحَلَّتِ القَطَائِعُ(89) فَلَا قَطَائِعَ». وأقول: وعلى أي أساس واستناداً إلى أي قانون يتم ذلك؟
الخبر الثاني: أشرنا إليه أعلاه والذي يقول إنه عندما يقوم القائم سيحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله.
الخبر الرابع: خبر طويل منسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه «قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي وَصْفِ القَائِمِ (ع): إِنَّ اللهَ تَعَالَى رَكَّبَ فِي صُلْبِ الحَسَنِ (ع) نُطْفَةً مُبَارَكَةً زَكِيَّةً طَيِّبَةً طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً.... الخ»، وهو حديث واضح الكذب والبطلان، ومن أراد تفصيل الأدلة على وضعه وبطلانه فليرجع إلى كتاب «طريق الاتحاد أو تمحيص روايات النص على الأئمة».
الخبر الخامس: ثلاثة مجهولين مهملين يروي أحدهم عن الآخر، هم: مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الهَمْدَانِيِّ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، يروون عن الرضا عن آبائه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول المعراج، وفيه أن الله تعالى عيَّن اثني عشر حجَّةً على خلقه! وهو كلام يخالف ما جاء في القرآن الكريم في سورة النساء الآية 165 من نفي أي حجة [للناس على الله] بعد الرسل، وفي هذه الرواية يذكر أنه عندما يصل الإمام الثاني عشر من هؤلاء الحجج إلى الخلافة: «وَلَأُطَهِّرَنَّ الأَرْضَ بِآخِرِهِمْ مِنْ أَعْدَائِي وَلَأُمَلِّكَنَّهُ مَشارِقَ الأَرْضِ وَمَغارِبَهَا وَلَأُسَخِّرَنَّ لَهُ الرِّيَاحَ وَلَأُذَلِّلَنَّ لَهُ السَّحَابَ الصِّعَابَ وَلَأُرَقِّيَنَّهُ فِي الأَسْبَابِ وَلَأَنْصُرَنَّهُ بِجُنْدِي وَلَأَمُدَّنَّهُ بِمَلَائِكَتِي حَتَّى يُعْلِنَ دَعْوَتِي وَيَجْمَعَ الخَلْقَ عَلَى تَوْحِيدِي ثُمَّ لَأُدِيمَنَّ مُلْكَهُ وَلَأُدَاوِلَنَّ الأَيَّامَ بَيْنَ أَوْلِيَائِي إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
أقول: وهذا كله لا يتفق مع آيات القرآن الكريم التي بيّنت أن الكفر والشرك واليهود والنصارى سيبقون إلى يوم القيامة على الأرض.
الخبر السادس: ينسب إلى حضرة الإمام الرضا (ع) أنه قال: «إِذَا خَرَجَ القَائِمُ قَتَلَ ذَرَارِيَّ قَتَلَةِ الحُسَيْنِ»!! وأنه «إِذَا قَامَ قَالَ يَبْدَأُ بِبَنِي شَيْبَةَ فَيَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ لِأَنَّهُمْ سُرَّاقُ بَيْتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»!!.
أقول: هذا مع أن بني شيبة إنما كانت مفاتيح حجابة الكعبة بيدهم قبل ألف وثلاثمئة عام وقد صاروا الآن تراباً.
الخبر السابع: ينسب إلى حضرة الإمام الصادق (ع) قوله: «إِنَّ القَائِمَ يَسِيرُ فِي العَرَبِ بِمَا فِي الجَفْرِ الأَحْمَرِ قَالَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا الجَفْرُ الأَحْمَرُ قَالَ فَأَمَرَّ إِصْبَعَهُ عَلَى حَلْقِهِ فَقَالَ هَكَذَا يَعْنِي الذَّبْحَ»!.
أقول: إذن ستكون سيرته مخالفة لسيرة جميع الأنبياء الذين كانوا رحمة للعالمين!.
الخبر الثامن: ينسب إلى الإمام الصادق (ع) تفسيره الآية 18 من سورة سبأ التي تتحدث عن قوم سبأ بأن المقصود منها الإمام القائم!.
وأقول: يبدو أن واضع الحديث يريد أن يقول إن الله تعالى – والعياذ بالله – وضع هذه الآية ضمن كلامه عن قوم سبأ خطأً!! أو يريد أن يقول إن الإمام الصادق كان جاهلاً بالقرآن!.
وكذلك جاء في هذا الخبر تلاعبٌ بمعنى قوله تعالى في الآية 97 من سورة آل عمران: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا والذي يشير إلى بيت الله تعالى في مكة المكرمة وأنه يحرم فيه القتال وسفك الدماء وقتل الأنفس قطعاً حتى لو لجأ قاتل إلى الحرم لما جاز قتله فيه بل لا يُؤوَى ولا يُطْعَم ولا يُسقَى حتى يخرج منه فإذ خرج أُخِذ بِجُرْمه وطُبِّق عليه القصاص، أي أن ضمير الغائب في كلمة «دخله» تعود إلى «أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ» المذكور في الآية السابقة، وهذا أمر في غاية الوضوح. ولكن الخبر الحالي ينسب إلى الإمام الصادق إنكار ذلك حيث يقول: «... فَقَالَ يَا أبَا حَنِيفَةَ! أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ أَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الأَرْضِ؟ قَالَ: الكَعْبَةُ. قَالَ: أَفَتَعْلَمُ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ حِينَ وَضَعَ المَنْجَنِيقَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الكَعْبَةِ فَقَتَلَهُ كَانَ آمِناً فِيهَا؟ قَالَ فَسَكَتَ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الحَضْرَمِيُّ جُعِلْتُ فِدَاكَ الجَوَابُ فِي المَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالَ مَعَ قَائِمِنَا أَهْلَ البَيْتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فَمَنْ بَايَعَهُ وَدَخَلَ مَعَهُ وَمَسَحَ عَلَى يَدِهِ وَدَخَلَ فِي عَقْدِ أَصْحَابِهِ كَانَ آمِناً... الخَبَرَ».
أقول: إن قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً إخبارٌ بمعنى الإنشاء أي من دخل الحرم وجب أن يكون آمناً، فلا يناقض ذلك انتهاك بعض الطواغيت أمن الحرم، وفَهْمُ ذلك لا يخفى على أدنى طالب علم فضلاً عن الإمام الصادق (ع)، فلاحظوا مدى الجهل بالقرآن والتلاعب بمعاني آياته الذي ينسبه هؤلاء الرواة الوضاعون إلى الإمام وأي مصيبة أوقعوها في الإسلام. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الخبر التاسع: وهو أفسد وأسوأ أخبار هذا الباب، إذ يتهم راويه الإمام الباقر أنه يقول: «أَمَا لَوْ قَامَ قَائِمُنَا لَقَدْ رُدَّتْ إِلَيْهِ الحُمَيْرَاءُ حَتَّى يَجْلِدَهَا الحَدَّ وَحَتَّى يَنْتَقِمَ لِابْنَةِ مُحَمَّدٍ فَاطِمَةَ (ع) مِنْهَا», أي أن سيرة وسنة «قائم» هؤلاء الرواة هي إخراج الموتى من قبورهم لإجراء الحد عليهم!!! (ويا ليته كان حدّاً في محله ولم يكن حداً باطلاً انتقامياً لا يرضى به رسول الله ولا ابنته فاطمة، نسأل الله تعالى اليقظة لهذه الأمة وأن ينقذها من مصائب هذه الكتب وهذه الروايات).
ثم يسأل الراوي الإمام فيقول: «جُعِلْتُ فِدَاكَ وَلِمَ يَجْلِدُهَا الحَدَّ قَالَ لِفِرْيَتِهَا عَلَى أُمِّ إِبْرَاهِيمَصلى الله عليه وآله وسلم قُلْتُ فَكَيْفَ أَخَّرَهُ اللهُ لِلْقَائِمِ (ع) فَقَالَ لَهُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم رَحْمَةً وَبَعَثَ القَائِمَ (ع) نَقِمَةً»!!!
أي أن هذا الحدّ يعود إلى تهمة اتهمت عائشة بها مارية أم إبراهيم - في إشارة إلى رواية موضوعة في هذا الأمر- وهذا على فرض صحته لا علاقة له بفاطمة فلماذا تقوم هي بالانتقام؟؟ ألم يقل الله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام/164)؟؟ وأغرب ما في هذه الرواية الكاذبة قولها إن علة تأخير الحد حتى قيام القائم أن محمداً إنما بعث رحمة أما القائم فقد بعث نقمة!! [في حين أن إجراء الحد على مستحقه رحمة وواجب وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته مراراً].
أيها القارئ العزيز بالله عليك ماذا عسانا أن نتوقع من مثل هذا القائم المزعوم الذي يصرحون أنه نقمة وعذاب؟! أفلم يوجد من يسأل هؤلاء الرواة المفترين الكذبة القائلين بالرجعة: أَإِمامكم إمام حقد وانتقام؟! فأي إمام وأي قدوة هذا؟! أضف إلى ذلك إذا كانت المجازاة الكاملة ستتم في الدنيا فما فائدة الوعد والوعيد الأخرويين والحساب والعذاب والعقاب يوم القيامة ألن يصبح كله زائداً؟.
ملاحظة: لا يمكن لقائل أن يقول: إن المقصود أن القَائِمَ نَقِمَةٌ وعذابٌ للكافرين فقط لا للمؤمنين. لأن الراوي قابل في هذا الحديث وأمثاله مقابلة تباين بين المهدي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً إن مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان رَحْمَةً وَأما القَائِمُ فسيكون نَقِمَةَ الله، ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان نقمة الله على الكافرين، فلا تتم المقابلة والتباين والاختلاف إلا إذا عممنا نقمة المهدي -حسب هذا الحديث وأمثاله - على الكل!!.
وبهذه المناسبة ينبغي أن نبيِّن أن القول بالرجعة - أي رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل قيام القائم - يخالف كثيراً من آيات القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون/15و16)، وقوله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون/99و100).
وكذلك حكا الله تعالى لنا في سورة الصافات تعجُّب أهل الجنة وسعادتهم من أنهم ماتوا مرة واحدة في الدنيا ولن يموتوا بعد ذلك بالجنة مع أنه لو كان هناك في الدنيا رجعة لكان هناك موت ثان ولما قالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(الصافات/58 و59).
وكذلك قال تعالى في سورة الدخان ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ (الدخان/56)، وقال أيضا في سورة الزمر:﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ (الزمر/30 و31).
وتوجد آيات كثيرة أخرى تبطل عقيدة الرجعة وتردها، فرجعة إذن كذبة من أساسها ومن وضع واختراع الوضاعين والكذابين (90).
الخبر العاشر: ينسب إلى الإمام الباقر بعد كلام طويل عن القائم : «هُوَ وَاللهِ المُضْطَرُّ فِي كِتَابِ اللهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل/62).»
أقول هذه الآية لا علاقة لها أصلا بقيام المهدي، ولكن هؤلاء الرواة يزعمون أن الله تعالى خاطب كفار مكة قائلاً لهم: من الذي يجيب الإمام القائم إذا دعاه ويكشف السوء عنه يا مشركي مكة؟! فبالله عليكم هل يُعقل أن يخطَب أهل مكة الذين ما كانوا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصلاً بمثل هذا الخطاب؟ إن حل هذا اللغز برسم الرواة الكذابين.
وقد جاء في هذا الخبر تفسير عدد من الآيات –دون أي مناسبة- بالقائم وأصحابه مع أنه لا علاقة لها أصلا بذلك. فهل يرضى الله تعالى عن هذا التلاعب بمعاني آيات الكتاب؟.
الخبر الحادي عشر: ينسب إلى أمير المؤمنين جملاً يمدح فيها نفسه ويمجِّدها بمدائح لا تخلوا من إغراق فيقول: «بِنَا يَفْتَحُ اللهُ وَبِنَا يَخْتِمُ اللهُ وَبِنَا يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَبِنَا يُثْبِتُ وَبِنَا يَدْفَعُ اللهُ الزَّمَانَ الكَلِبَ وَبِنَا يُنَزِّلُ الغَيْثَ»، مع أنه عليه السلام كان ينهى بشكل متكرر- كما جاء فينهج البلاغة- عن مدحه وإطرائه.
ثم يواصل عليٌّ – حسب الرواية - قوله: «وَلَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا لَأَنْزَلَتِ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَلَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ نَبَاتَهَا وَلَذَهَبَتِ الشَّحْنَاءُ مِنْ قُلُوبِ العِبَادِ وَاصْطَلَحَتِ السِّبَاعُ وَالبَهَائِمُ...».
وينبغي أن نقول أن هذا يخالف السنة الإلهية في الخلق. وثانياً: يخالف القرآن الكريم الذي بيَّن مراراً أن العداوة والبغضاء ستبقيان بين فئات من الناس في الأرض إلى يوم القيامة كما في قوله تعالى: ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة/64). فهل يعقل أن يتلفظ مولى الموحدين وأمير المؤمنين عليه السلام بعبارات شركية في مدح نفسه ثم يذكر أموراً تتعارض مع القرآن الكريم؟! ألا يصوِّر هؤلاء الرواة الكاذبين علياً عليه السلام وكأنه عدوٌ للقرآن؟! [حاشاه].
الخبر الثاني عشر: ينسب إلى الإمام علي بن الحسين (ع) قوله: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا أَذْهَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ شِيعَتِنَا العَاهَةَ وَجَعَلَ قُلُوبَهُمْ كَزُبَرِ الحَدِيدِ وَجَعَلَ قُوَّةَ الرَّجُلِ مِنْهُمْ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَيَكُونُونَ حُكَّامَ الأَرْضِ وَسَنَامَهَا».
حقَّاً إنها لوعود خياليّة لا نملك إلا أن نقول للمصدّقين بها اجلسوا وانتظروها.
الخبر الثالث عشر: في سنده«محمد بن جمهور» الذي نص علماء الرجال على أنه كان فاسد المذهب يستحل محرمات الله ويروِّج للكفر والفسوق في أشعاره، فكيف لنا أن نصدق ما ينسبه إلى حضرة الإمام الصادق من قوله: «كَأَنِّي أَرَى نُزُولَ القَائِمِ فِي مَسْجِدِ السَّهْلَةِ بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ..... ثُمَّ إِذَا قَامَ قَائِمُنَا انْتَقَمَ اللهُ لِرَسُولِهِ وَلَنَا أَجْمَعِينَ».
ولنا أن نسأل: ما الذي فعله الناس الذين سيكونون فِي مَسْجِدِ السَّهْلَةِ حين قيام القائم للرسولصلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة عليهم السلام حتى ينتقم لهم منهم، مع أن أولئك الناس ما كانوا في زمن الأئمة ولا رأوهم أصلاً؟!
الخبر الرابع عشر: هو الخبر السادس ذاته وتكرار لخرافاته عينها.
الخبر الخامس عشر: من رواة سنده « عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ» أحد الغلاة، ومتن الرواية إثبات أجر وثواب مغرق: «مَنْ أَدْرَكَ قَائِمَنَا فَقُتِلَ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ وَمَنْ قَتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَدُوّاً لَنَا كَانَ لَهُ أَجْرُ عِشْرِينَ شَهِيداً».
أقول في هذا الخبر وفي غيره من الأخبار ما يفيد أن «القائم» سيقوم بالسيف ويبادر إلى قتل كل الكافرين، في حين أن ما يستفاد من كتاب الله أنه لا بد من دعوة الكفار إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فإن تولوا فما على الرسول إلا البلاغ المبين، بل إذا قتل مسلمٌ كافراً غير حربيٍّ وغير معتدٍ كان عليه دفع ديته. نعم إذا شهر الكفار أسلحتهم على المسلمين وابتدؤوهم بالعدوان وسعوا إلى قتلهم وجب على المسلمين حينئذ أن يدافعوا عن أنفسهم حتى تنتهي فتنة الكفار وينتهي ظلمهم وعدوانهم ويقبلوا بالمصالحة والسلم. والحاصل أنه ليس من وظيفة المسلمين أن يبتدئوا قتل أعدائهم ومخالفيهم بل وظيفتهم الدعوة والإرشاد فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر،﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ (النحل/82).
الخبر السادس عشر: ينسب إلى الإمام الباقر قوله: «إِنَّ العِلْمَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِصلى الله عليه وآله وسلم لَيَنْبُتُ فِي قَلْبِ مَهْدِيِّنَا كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ عَلَى أَحْسَنِ نَبَاتِهِ...»، والسؤال الذي يجدر طرحه: وهل العلم زرعة تنبت في لحظات؟! لا شك أن الرواة الجاهلين بكتاب الله وسنة رسوله سيقولون: نعم!.
الخبر السابع عشر: يرويه مجهول عن مجهول آخر عن حضرة الإمام الباقر (ع) أنه قال: «حَدِيثُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ أَوْ مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ فَإِذَا وَقَعَ أَمْرُنَا وَجَاءَ مَهْدِيُّنَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ شِيعَتِنَا أَجْرَى مِنْ لَيْثٍ وَأَمْضَى مِنْ سِنَانٍ يَطَأُ عَدُوَّنَا بِرِجْلَيْهِ وَيَضْرِبُهُ بِكَفَّيْهِ!...».
أقول: هل نجد أفضل من هذا الهوس والأنانية لدى الرواة؟ وهل هذه هي علوم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ ينبغي أن نقول إذا كان هناك مهدي فلن يعمل سوى بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الله لرسوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (الأعراف/199). وقد ورد في أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه: «كان ألين الناس وأكرم الناس»(91). ولما كُسرت رباعيته وشُجَّ في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد وقال له أصحابه ادع عليهم أجابهم قائلاً: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ولكني بُعِثْتُ داعياً ورَحْمَةً، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»(92).
أجل، هكذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن سيرة قائم أولئك الرواة هي أن يطأ أعداءه برجليه ويضربهم بكفيه!!
كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوة الخلق بالحكمة إلى سبيل الله وهدايتهم وإرشادهم بالحسنى كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … (النحل/125)، ولكن سيره قائم هؤلاء الرواة هي القتل بدلاً من الهداية والإرشاد.
الخبر الثامن عشر: يقول فيه رُفيد مولى أبي هُبَيْرة – وهو رجل مجهول – أن الإمام الصادق (ع) قال له: «يَا رُفَيْدُ! كَيْفَ أَنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَصْحَابَ القَائِمِ قَدْ ضَرَبُوا فَسَاطِيطَهُمْ فِي مَسْجِدِ الكُوفَةِ ثُمَّ أَخْرَجَ المِثَالَ الجَدِيدَ عَلَى العَرَبِ شَدِيدٌ؟؟ قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! مَا هُوَ؟ قَالَ: الذَّبْحُ! قَالَ قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْ‏ءٍ يَسِيرُ فِيهِمْ بِمَا سَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي أَهْلِ السَّوَادِ؟؟ قَالَ: لَا يَا رُفَيْدُ! إِنَّ عَلِيّاً سَارَ بِمَا فِي الجَفْرِ الأَبْيَضِ وَهُوَ الكَفُّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَى شِيعَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِنَّ القَائِمَ يَسِيرُ بِمَا فِي الجَفْرِ الأَحْمَرِ وَهُوَ الذَّبْحُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ عَلَى شِيعَتِهِ»
أقول إذن سيعمل القائم بالجفر الأحمر لا بالقرآن الكريم!! ويُقال في هذا الأمر ما قلناه في شأن الروايات السابقة المشابهة.
الخبر التاسع عشر: ينسب إلى الإمام الباقر قوله: «كَانَ عَصَا مُوسَى (ع) لآِدَمَ فَصَارَتْ إِلَى شُعَيْبٍ ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنَّهَا لَعِنْدَنَا وَإِنَّ عَهْدِي بِهَا آنِفاً وَهِيَ خَضْرَاءُ كَهَيْئَتِهَا حِينَ انْتُزِعَتْ مِنْ شَجَرِهَا وَإِنَّهَا لَتَنْطِقُ إِذَا اسْتُنْطِقَتْ أُعِدَّتْ لِقَائِمِنَا لِيَصْنَعَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَصْنَعُ بِهَا وَإِنَّهَا لَتَرُوعُ وَتَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ وَتَصْنَعُ كَمَا تُؤْمَرُ وَإِنَّهَا حَيْثُ أَقْبَلَتْ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ تُفْتَحُ لَهَا شَفَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الأَرْضِ وَالأُخْرَى فِي السَّقْفِ‏ وبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً وَتَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ بِلِسَانِهَا».
أقول: هذا ما يدّعون أنه العلوم التي خرجت من جامعة آل محمد!
الخبر العشرون: ينسب إلى الصادق قوله «إِنَّ أَبِي لَبِسَ دِرْعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَانَتْ تُسْحَبُ عَلَى الأَرْضِ وَإِنِّي لَبِسْتُهَا فَكَانَتْ وَكَانَتْ وَإِنَّهَا تَكُونُ مِنَ القَائِمِ كَمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُشَمَّرَةً كَأَنَّهُ تُرْفَعُ نِطَاقُهَا بِحَلْقَتَيْنِ وَلَيْسَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ مَنْ جَازَ أَرْبَعِينَ».
ينبغي أن نقول: لقد قال الله تعالى في كتابه لرسوله: ﴿قل.... لا أعلم الغيب فإذا كان كذلك فعدم معرفة الآخرين بالغيب من باب أولى.
الأخبار من 21 إلى 25: فكرة تكررت خمس مرات في هذه الأخبار الخمسة وهي أن حضرة الإمام الصادق والإمام العسكري قالا: «إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ حَكَمَ بِحُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ بَيِّنَةً». فلا أدري هل ينسخ الإمام القائم القرآن ولا يكون تابعاً له؟!
الخبر السادس والعشرون: يتضمن متنه تلاعباً بمعنى آية من القرآن الكريم وهي قوله سبحانه:﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (الرحمن/41و43)، حيث نسب الرواة إلى الإمام الصادق أنه قال في تفسيرها: «عَنْ مُعَاوِيَةَ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ! مَا يَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قُلْتُ: يَزْعُمُونَ أَنَ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَعْرِفُ المُجْرِمِينَ بِسِيمَاهُمْ فِي القِيَامَةِ فَيَأْمُرُ بِهِمْ فَيُؤْخَذُ بِنَوَاصِيهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ. فَقَالَ لِي: وَكَيْفَ يَحْتَاجُ الجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى مَعْرِفَةِ خَلْقٍ أَنْشَأَهُمْ وَهُمْ خَلْقُهُ؟؟ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! وَمَا ذَلِكَ؟؟ قَالَ: لَوْ قَامَ قَائِمُنَا أَعْطَاهُ اللهُ السِّيمَاءَ فَيَأْمُرُ بِالكَافِرِ فَيُؤْخَذُ بِنَوَاصِيهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ ثُمَّ يَخْبِطُ بِالسَّيْفِ خَبْطاً».
أقول: هذا الراوي يصوِّر الإمام الصادق وكأنه لم يقرأ القرآن ولم يَرَ كلمة «هَذِهِ جَهَنَّمُ» في تلك الآيات، وأن الله تعالى لم ينزل تلك الآيات على المسلمين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أنزلها لأجل زمان القائم!! أجل هذه هي المعارف والمعلومات القيمة لمنتظري المهدي.
الخبران 27 و28: يتضمنان أن الفرق بين ذي القرنين والمهدي – طبقاً لما نسبه الرواة إلى الإمام الصادق والباقر – هو «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ ذَا القَرْنَيْنِ السَّحَابَيْنِ الذَّلُولَ وَالصَّعْبَ فَاخْتَارَ الذَّلُولَ وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ بَرْقٌ وَلَا رَعْدٌ وَلَوِ اخْتَارَ الصَّعْبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ ادَّخَرَهُ لِلْقَائِمِ (ع)!».
إذن، فليفرح شيعة هذا المهدي المنتظر فكل أموره صعبة.
الخبر التاسع والعشرون: ينسب رواته إلى الإمام الرضا (ع) أنه فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات/13) - والذي يعرف معناه الواضح كل ناطق بالعربية - بأن معناه: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعْمَلُكُمْ بِالتَّقِيَّةِ قَبْلَ خُرُوجِ قَائِمِنَا فَمَنْ تَرَكَهَا قَبْلَ خُرُوجِ قَائِمِنَا فَلَيْسَ مِنَّا»!! فنسبوا إلى ذلك الإمام [العربيّ] المتحدِّث صاحب الفصاحة والبيان مثل هذا التفسير الذي يظهره وكأنه من أجهل الناس باللسان العربي!
ويواصل الراوي الحديث فيقول فيه:
 فَقِيلَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ! وَمَنِ القَائِمُ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ قَالَ: الرَّابِعُ مِنْ وُلْدِي ابْنُ سَيِّدَةِ الإِمَاءِ يُطَهِّرُ اللهُ بِهِ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ وَيُقَدِّسُهَا مِنْ كُلِّ ظُلْمٍ‏ وهُوَ الَّذِي يَشُكُّ النَّاسُ فِي وِلَادَتِهِ وَهُوَ صَاحِبُ الغَيْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَإِذَا خَرَجَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوَضَعَ مِيزَانَ العَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً وَهُوَ الَّذِي تُطْوَى لَهُ الأَرْضُ وَلَا يَكُونُ لَهُ ظِلٌّ وَهُوَ الَّذِي يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِاسْمِهِ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الأَرْضِ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ يَقُولُ أَلَا إِنَّ حُجَّةَ اللهِ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّ الحَقَّ مَعَهُ وَفِيهِ وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء/4).».
هذا في حين أن الآية التي أشار إليها في آخر الحديث لا علاقة لها بالنداء السماوي لأجل القائم من قريب ولا من بعيد.بل هذه الآية ليست غير مرتبطة بالقائم الخياليّ فحسب بل هي تنفيه!(93) لاحظوا أي بلاء أوقعوه بالإسلام، لقد أوّلوا ما شاؤوا من آيات القرآن حسب أهوائهم، ويجدر أن نسأل هؤلاء الرواة الكذبة: هل هذه هي علوم آل محمد؟
الخبران 30 و31: في سنديهما علي بن إبراهيم القمي الذي كان يقول بتحريف القرآن و«عمرو بن شمر» الضعيف و«جابر الجعفي»(94) الذي كان من الغلاة. ورواية مثل هؤلاء الأشخاص لا تستحق الاعتناء بها.
الخبر الثاني والثلاثون: مضمونه مخالف لما عليه الشيعة لأنه ينسب إلى حضرة الإمام العسكري أنه قال: «إِذَا قَامَ القَائِمُ أَمَرَ بِهَدْمِ المَنَارِ وَالمَقَاصِيرِ الَّتِي فِي المَسَاجِدِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لِأَيِّ مَعْنَى هَذَا؟ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مُبْتَدَعَةٌ لَمْ يَبْنِهَا نَبِيٌّ وَلَا حُجَّةٌ». فينبغي أن نقول: إذا كان الشيعة يقبلون هذا الخبر فلماذا يعملون خلافاً له ويزيدون كل يوم عدد المنارات والمآذن والمقاصير في المساجد؟.
الخبران 33 و34: يتحدثان عن أصحاب القائم «المَفْقُودُونَ عَنْ فُرُشِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ فَيُصْبِحُونَ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً وَهُمْ أَصْحَابُ القَائِمِ (ع) ».
وأقول إن الآية التي استشهد بها الراوي الوضاع هي ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة/148). وهي تتعلق بيوم القيامة كما هو واضح تماماً ولا علاقة لها أصلاً بالمهدي.
الخبر الخامس والثلاثون: في سنده رجل مجهول باسم « بَكَّارِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ» عن مجهول آخر هو «عَبْدُ اللهِ بْنُ عَجْلَانَ» قَالَ: «ذَكَرْنَا خُرُوجَ القَائِمِ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ لَنَا بِعِلْمِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ وَتَحْتَ رَأْسِهِ صَحِيفَةٌ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ». أي أن الله يُرسل لكل واحد من الناس صحيفة يجدها تحت رأسه! وهذا كذب واضح، ومخالف للقرآن.
الخبر السادس والثلاثون: ينسب إلى الإمام الصادق قوله: «إِذَا خَرَجَ القَائِمُ لَمْ يَبْقَ كَافِرٌ بِاللهِ العَظِيمِ وَلَا مُشْرِكٌ بِالإِمَامِ إِلَّا كَرِهَ خُرُوجَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ لَقَالَتْ يَا مُؤْمِنُ فِي بَطْنِي كَافِرٌ فَاكْسِرْنِي وَاقْتُلْهُ!»، وقد ذكرنا مراراً أن هذا يخالف القرآن الذي يبيّن أن الكفر والشرك باقيان إلى يوم القيامة.
الخبر السابع والثلاثون: يرويه حفنة من الكذابين الملعونين على لسان الأئمة أمثال عثمان بْن عِيسَى وَابْن أَبِي الخَطَّابِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الجَارُودِ!
هذا مع علماء الشيعة يؤكدون على أن الخبر لا يصح ويعتمد إلا إذا كان جميع رجال سنده مؤمنين عدولاً، فلست أدري ما الذي كان يحمل المجلسيُّ على تجميع مثل هذه الروايات التي يعلم أنها تفتقد شروط الصحة والقبول؟!
والحاصل أن أولئك الرواة ينسبون للإمام الباقر أنه قال: «إِذَا خَرَجَ القَائِمُ (ع) مِنْ مَكَّةَ يُنَادِي مُنَادِيهِ أَلَا لَا يَحْمِلَنَّ أَحَدٌ طَعَاماً وَلَا شَرَاباً وَحَمَلَ مَعَهُ حَجَرُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (ع) وَهُوَ وِقْرُ بَعِيرٍ فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا انْفَجَرَتْ مِنْهُ عُيُونٌ فَمَنْ كَانَ جَائِعاً شَبِعَ وَمَنْ كَانَ ظَمْآناً رَوِيَ وَرَوِيَتْ دَوَابُّهُمْ حَتَّى يَنْزِلُوا النَّجَفَ مِنْ ظَهْرِ الكُوفَةِ».
أقول: أفلم يكن هناك من يسأل أولئك الرواة القصاصين ما هي الفائدة من تلفيق هذه المهملات؟ يبدو أن أولئك الرواة كانوا عاطلين عن العمل فأخذوا يروون كلما خطر على بالهم ويكتبون كلما أملته عليهم أهواؤهم [ثم ينسبونه إلى الأئمة من آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الخبر الثامن والثلاثون: يفسر الآيتين 75 و76 من سورة الحجر واللتان تتكلمان عن قوم لوط بأنهما نزلتا بشأن أهل زمان قيام القائم!! تكرار للعب بمعانى آيات الكتاب.
الخبر التاسع والثلاثون: كالخبر 21 ومخالف للقرآن.
الخبر الأربعون: ينسب للإمام الصادق قوله: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَائِمِ عَلَى ظَهْرِ النَّجَفِ.... (إلى أن يصل إلى قوله) انْحَطَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ مَلَكاً كُلُّهُمْ يَنْتَظِرُونَ القَائِمَ (ع)... وَأَرْبَعَةُ آلَافِ مَلَكٍ الَّذِينَ هَبَطُوا يُرِيدُونَ القِتَالَ مَعَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فَصَعِدُوا فِي الِاسْتِئْذَانِ وَهَبَطُوا وَقَدْ قُتِلَ الحُسَيْنُ (ع) فَهُمْ شُعْثٌ غُبْرٌ يَبْكُونَ عِنْدَ قَبْرِ الحُسَيْنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَمَا بَيْنَ قَبْرِ الحُسَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ مُخْتَلَفُ المَلَائِكَةِ!!».
أقول: من الواضح تماما أن الرواة وضعوا هذا الكلام على لسان الإمام الصادق (ع) بدليل أن الإمام لم يكن يوحى إليه فمن أين له أن يعلم بوجود أمثال أولئك الملائكة وأشكالهم وأعمالهم؟! ثم إن البكاء عند قبر الحسين (ع) إلى يوم القيامة عمل لغو وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مراراً عن أن يفعل مثل ذلك مع الميت. فضلاً عن الحسين وصل إلى السعادة والراحة وجنة الخلد فمثل هذا العويل والبكاء لا يرضيه.
الخبر الحادي والأربعين: أكثر جميع الأخبار السابقة خرافةً إذ يتّهم راويه حضرةَ الإمام الباقر (ع) وينسب إليه أنه يقول: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَائِمِ قَدْ ظَهَرَ عَلَى نَجَفِ الكُوفَةِ فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى النَّجَفِ نَشَرَ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَمُودُهَا مِنْ عُمُدِ عَرْشِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَائِرُهَا مِنْ نَصْرِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ لَا يَهْوِي بِهَا إِلَى أَحَدٍ إِلَّا أَهْلَكَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ قُلْتُ تَكُونُ مَعَهُ أَوْ يُؤْتَى بِهَا؟ قَالَ بَلْ يُؤْتَى بِهَا يَأْتِيهِ بِهَا جَبْرَئِيلُ (ع) ».
أقول إذن هذا القائم قام لإهلاك الناس، ثم انظر أيها القارئ الكريم كيف سخر هؤلاء الرواة من عرش الله بقولهم: إن عمودَ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ عُمُدِ عَرْشِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى!! وأن جبريل هو الذي يأتي بهذه الراية أي قطع أحد أعمدة عرش الله تبارك وتعالى ليصنع منه عموداً للراية وينزل به على القائم!!
الخبر الثاني والأربعون: نجد فيه شيئاً عجيباً إذ يقول: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَائِمِ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ...حَتَّى يَسْتَخْرِجَ مِنْ قَبَائِهِ كِتَاباً مَخْتُوماً بِخَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ عَهْدٌ مَعْهُودٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَيُجْفِلُونَ عَنْهُ إِجْفَالَ الغَنَمِ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا الوَزِيرُ وَأَحَدَ عَشَرَ نَقِيباً.. فَيَجُولُونَ فِي الأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ عَنْهُ مَذْهَباً فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ الكَلَامَ الَّذِي يَقُولُ لَهُمْ فَيَكْفُرُونَ بِهِ». يعني أن زبدة الناس والأنصار ال 313 هؤلاء - [الذي جمعهم الله له من أنحاء الأرض حسب الروايات الأخرى] - بمجرد سماعهم لشيء يقوله لهم القائم يكفرون به إلا 12 منهم!! فما هذا الكلام المشوش التائه!
الخبر الثالث والأربعون: نص مليء بالغرائب يقول: «كَأَنِّي بِأَصْحَابِ القَائِمِ وَقَدْ أَحَاطُوا بِمَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ لَيْسَ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ لَهُمْ حَتَّى سِبَاعُ الأَرْضِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ تَطْلُبُ رِضَاهُمْ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تَفْخَرَ الأَرْضُ عَلَى الأَرْضِ وَتَقُولَ مَرَّ بِي اليَوْمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ القَائِمِ!». أقول: فما هذا الإغراق وهذه المبالغات، أليس هذا لعب بالدين؟ إن لم يكن هذا مدعاة للهزء بالدين فما الذي يدعو للسخرية بالدين إذن؟؟
الخبر الرابع والأربعون: متنه غرائب كسابقيه إذ يقول: «مَا كَانَ يَقُولُ لُوطٌ (ع) لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ إِلَّا تَمَنِيّاً لِقُوَّةِ القَائِمِ (ع) وَلَا ذَكَرَ إِلَّا شِدَّةَ أَصْحَابِهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يُعْطَى قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَإِنَّ قَلْبَهُ لَأَشَدُّ مِنْ زُبَرِ الحَدِيدِ وَلَوْ مَرُّوا بِجِبَالِ الحَدِيدِ لَقَطَعُوهَا لَا يَكُفُّونَ سُيُوفَهُمْ حَتَّى يَرْضَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ».
بالله عليكم هل هذا يصح أن يطلق عليه علوم آل محمد عليهم السلام.
وبمثل هذه الغرائب أو بتكرار للمضامين التي سبقت تستمر الأخبار من 44 حتى 51.
الخبر الثاني والخمسون: أغرب مما سبقه إذ ينسب إلى الإمام الصادق قوله: «إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَاسْتَغْنَى العِبَادُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَيُعَمَّرُ الرَّجُلُ فِي مُلْكِهِ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لَا يُولَدُ فِيهِمْ أُنْثَى وَيَبْنِي فِي ظَهْرِ الكُوفَةِ مَسْجِداً لَهُ أَلْفُ بَابٍ وَيَتَّصِلُ بُيُوتُ الكُوفَةِ بِنَهَرِ كَرْبَلَاءَ بِالحِيرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى بَغْلَةٍ سَفْوَاءَ يُرِيدُ الجُمُعَةَ فَلَا يُدْرِكُهَا»!!
أقول، أجل هذا ما ينسبه الغلاة من تخريفات إلى الأئمة باسم علوم آل محمد!
والأخبار اللاحقة كلها على شاكلة ما مر وسنجتزئ بذكر نماذج مما تبقى منها فقط ضنا بوقت القراء فيما لا طائل تحته:
الخبر الثامن والخمسون: في سنده عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ كثير الرواية للخرافات عن مجهول يدعى سُفْيَان الجَرِيرِيِّ روى عن حضرة الإمام الباقر أنه قال: «دَوْلَتُنَا آخِرُ الدُّوَلِ وَلَنْ يَبْقَى أَهْلُ بَيْتٍ لَهُمْ دَوْلَةٌ إِلَّا مَلَكُوا قَبْلَنَا لِئَلَّا يَقُولُوا إِذَا رَأَوْا سِيرَتَنَا إِذَا مَلِكْنَا سِرْنَا مِثْلَ سِيرَةِ هَؤُلَاءِ وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف/128)!».
أقول: في هذا الخبر عُجْبٌ ومدحٌ للنفس مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم/32). فمن المقطوع به إذن أن الإمام لا يقول مثل هذا الكلام. وهذا يشابه العجب بالنفس الذي نشاهده لدى بعض من تولى بعض الأمور في عصرنا فكان كثير الغرور والعجب بنفسه معتبراً نفسه من المتقين مع أن الظلم والجور وخنق الحريات الذي مارسه لا سابقة له. فقد قام كاتب هذه السطور بكتابة كتاب منطقي ومدلَّل بالأدلة والبراهين وأردتُ طباعته والحصول على الموافقة على طباعته (الفسح) لكنهم بعد أن أخروني وعطلوني مدة من الزمن لم يسمحوا لي بطباعته لأن كتابي يوقظ الناس ويوعِّيَهُم. وقالوا في إجابتهم لي: «أرأيت كيف وصلنا إلى الحكم ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾!»، هذا في حين أن الذي قال لي هذا الكلام كان لا يجرؤ أن يخرج من مكتب دائرته دون حراسة، فقلتُ له: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾(الدخان/51) فلماذا أنتم خائفون وتعيشون دائماً في حالة الرعب؟!
الخبر 73: ينسِبُ رواتُهُ إلى الإمام الصادق (ع) قوله: «العِلْمُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً، فَجَمِيعُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ حَرْفَانِ فَلَمْ يَعْرِفِ النَّاسُ حَتَّى اليَوْمِ غَيْرَ الحَرْفَيْنِ، فَإِذَا قَامَ قَائِمُنَا أَخْرَجَ الخَمْسَةَ وَالعِشْرِينَ حَرْفاً فَبَثَّهَا فِي النَّاسِ وَضَمَّ إِلَيْهَا الحَرْفَيْنِ حَتَّى يَبُثَّهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفاً»!.
أقول: لقد لفَّق الراوي فكرة خرافية قللَّ بها من شأن جميع الرسل ليرفع من شأن القائم ويجعله أفضل منهم جميعاً!!
الخبر 77: عن المُفَضَّل بْنِ عُمَرَ – [الذي مرّ معنا بيان حاله وأنه من الغلاة الذين لُعِنُوا على لسان الإمام الصادق (ع)] – قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) يَقُولُ: إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَاسْتَغْنَى العِبَادُ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَذَهَبَتِ الظَّلَمَةُ وَيُعَمَّرُ الرَّجُلُ فِي مُلْكِهِ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لَا تُولَدُ فِيهِمْ أُنْثَى وَتُظْهِرُ الأَرْضُ كُنُوزَهَا حَتَّى تَرَاهَا النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا وَيَطْلُبُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ مَنْ يَصِلُهُ بِمَالِهِ وَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاتِهِ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ يَقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ اسْتَغْنَى النَّاسُ بِمَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ».
أقول: من الواضح أن معلومات واضع هذا الحديث كانت محدودة جداً، إذ ما جاء في متنه لا يتفق مع القرآن الذي اعتبر أن استمرار الضياء والذهاب الدائم لليل والظلمة عذابٌ من الله كما قال سبحانه في سورة القصص: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (القصص/71و73)، إذن فالقول أن الأرض ستشرق بالنور على الدوام في زمن القائم وتذهب الظلمة ويستغني العباد عن ضوء الشمس ليس سوى كذباً واضحاً. وأما قول الحديث «وَيُعَمَّرُ الرَّجُلُ فِي مُلْكِهِ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لَا تُولَدُ فِيهِمْ أُنْثَى»!
فينبغي أن نقول إن هذا مخالف لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»(95)، ورُوِيَ أيضاً: «إِنَّ رَسُولَ اللهِصلى الله عليه وآله وسلم أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»(96).
إضافة إلى ذلك يجب أن نقول لهؤلاء الوضاعين إن الإمام لا يوحى إليه ولا يعلم الغيب. ثم نسأل هذا الراوي الوضاع: وهل هناك عيب أو نقص في الأنثى حتى يهب الله للناس ألف ذكر ولا يهبهم أنثى واحدة؟! [أليست هذه العقلية في احتقار الأنثى من أخلاق الجاهلية التي كان أهلُها إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ؟!!]، وليت شعري كيف سيتزوج هؤلاء الذكور الذين لن يجدوا إناثاً إزاءهم؟! أليس النكاح من سنة الأنبياء؟!
بالله عليكم لاحظوا كيف يلفقون كل هراء وكلام فارغ ويجعلون منه حديثاً.
يجدر أن نقول لهذا الراوي الوضاع إن الله تعالى لما أراد أن يذكر لنا نعمة هبته الأولاد لنا، قدم الإناث على الذكور مما يُبيِّن أنه تعالى يوليهن عنايةً أكثر، فقال عزّ من قائل: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (الشورى/49)
الخبر 81: عن أبي الجارود – [الذي مرّ معنا بيان حاله التعيسة فيما سبقٍ] – ينسب إلى الإمام الباقر أنه يقول ضمن حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «... إِذَا قَامَ القَائِمُ (ع) سَارَ إِلَى الكُوفَةِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِضْعَةَ عَشَرَ آلاف [أَلْفَ‏] أَنْفُسٍ يُدْعَوْنَ البُتْرِيَّةَ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ فَيَقُولُونَ لَهُ ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي بَنِي فَاطِمَةَ! فَيَضَعُ فِيهِمُ السَّيْفَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ، ثُمَّ يَدْخُلُ الكُوفَةَ فَيَقْتُلُ بِهَا كُلَّ مُنَافِقٍ مُرْتَابٍ وَيَهْدِمُ قُصُورَهَا وَيَقْتُلُ مُقَاتِلِيهَا حَتَّى يَرْضَى اللهُ عَزَّ وَعَلَا»!!.
إذن هذا القائم علاوة على قتله النفوس يهدم البيوت أيضاً، أجل هذا هو معنى العدل الذي سيملأ به الأرض!! وليت شعري كيف سيحارب المهدي أعداءَه ويضع فيهم السيف في حين أنهم يملكون المدافع والدبابات والطائرات والقنابل! فكيف سيقضي عليهم بالسيف؟!!
هذا ولقد حارب حضرة أمير المؤمنين علي (ع) معاويةَ ومع ذلك لم يتّمكن من الانتصار عليه وكان سلاح الفريقين واحداً، رغم أن الإمام علياً بذل كل جهده وكان جادّاً في القضاء على معاوية وهزيمته وإنهاء فتنته، ولم يوفر في ذلك سعياً كما قال - كما جاء في الرسالة 45 من نهج البلاغة - : «وسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الأرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ المَعْكُوسِ والْجِسْمِ المَرْكُوسِ» وكما قال في كتابه الذي كتبه إلى عمرو بن العاص - كما في الرسالة 39 من النهج - : «فَإِنْ يُمَكِّنِّي اللهُ مِنْكَ ومِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا وإِنْ تُعْجِزَا وتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا»، ورغم كل ذلك لم ينجح في القضاء عليهما؛ إذن لم تكن لدى الإمام [علي بن أبي طالب (ع)] قوة خارقة وما كان يعلم الغيب فلم يدْرِ أنه لن ينتصر في المعركة لذا حارب وواجه كل تلك المصائب والمصاعب، فكيف يمكن أن تكون لأحد أولاده تلك القوى الخارقة وعلم الغيب الذي تذكره هذه الأخبار؟! على الرواة الوضاعين أن يعطونا الجواب.
الخبر 85: مرويٌّ عن جابر بن يزيد الجعفي – الذي تقدم بيان حاله – عن الإمام الباقر (ع): «إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) ضَرَبَ فَسَاطِيطَ لِمَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ القُرْآنَ عَلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فَأَصْعَبُ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ اليَوْمَ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ فِيهِ التَّأْلِيفَ».
أقول: ظاهر هذا الخبر أن القرآن الذي بين أيدي الناس اليوم مختل الترتيب للآيات وهذا نوع من التحريف؛ فويح هذا الراوي الوضَّاع من هذه العقيدة التي ينسبها إلى الشيعة [وأئمة آل البيت].
الخبر 90: [ينقله المجلسيُّ عن تفسير العياشي‏] «عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ (ع) عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا..﴾(97)؟؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي القَائِمِ (ع) إِذَا خَرَجَ بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالزَّنَادِقَةِ وَأَهْلِ الرِّدَّةِ وَالكُفَّارِ فِي شَرْقِ الأَرْضِ وَغَرْبِهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلَامَ فَمَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَمَا يُؤْمَرُ بِهِ المُسْلِمُ وَيَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ضَرَبَ عُنُقَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ أَحَدٌ إِلَّا وَحَّدَ اللهَ! قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّ الخَلْقَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟؟ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَمْراً قَلَّلَ الكَثِيرَ وَكَثَّرَ القَلِيلَ!!».
فأقول: بمعزل عن مخالفة هذا الخبر للقرآن الكريم [الذي يؤكد أنه لا إكراه في الدين] ويؤكد أن اليهود والنصارى باقون على الأرض إلى يوم القيامة [كما مر معنا مراراً]، فإنه ينسب إلى الإمام موسى بن جعفر تفسيره للآية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(آل عمران/83 ) بأنها : «أُنْزِلَتْ فِي القَائِمِ»!! [مع أنه من الواضح تماماً أنها تتحدث عن ربّ العزّة الذي يخضع له كل ما في الوجود]. وليت شعري إذا فسرنا الآية بالقائم فمعناه أن القائم لا يكره أهل الأرض على الإسلام فحسب بل أهل السماء أيضاً؟!
لا أدري ما هو هَدَف أولئك الغلاة من تأليه إمامهم القائم؟!
الخبر 95: [ينقله المجلسيُّ عن تفسير العياشي‏] أن رجلاً ذكر بعض بيوت العباسيين في محضر الإمام الصادق (ع) وقال: «أَرَانَاهَا اللهُ خَرَاباً أَوْ خَرَّبَهَا بِأَيْدِينَا» فقال له الإمام الصادق - [حسب ادعاء واضع الرواية] - : «لَا تَقُلْ هَكَذَا بَلْ يَكُونُ مَسَاكِنَ القَائِمِ وَأَصْحَابِهِ أَمَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؟؟».
أقول: ولقد تبين كذب هذا الخبر فبيوت بني العباس اندرست منذ قرون ولم يظهر القائم وأصحابه حتى يسكنوها!
الخبر 108: [ينقله المجلسيُّ عن كتاب الغيبة للنعماني‏] أن الراوي سأل الإمام الصادق عَنْ سِيرَةِ المَهْدِيِّ كَيْفَ سِيرَتُهُ؟؟ فقَالَ: «يَصْنَعُ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ كَمَا هَدَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ وَيَسْتَأْنِفُ الإِسْلَامَ جَدِيداً».
أقول وهذا الخبر يناقضه الخبر الذي يليه مباشرة:
الخبر 109: [ينقله المجلسيُّ أيضاً عن كتاب الغيبة للنعماني‏] بسنده عَنِ البَزَنْطِيِّ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زُرَارَةَ أن رجلاً سأل الإمام الباقر عن القائم: «أَيَسِيرُ بِسِيرَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم؟؟ قَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا زُرَارَةُ مَا يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ! قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! لِمَ؟! قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَارَ فِي أُمَّتِهِ بِاللِّينِ كَانَ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ وَالقَائِمُ (ع) يَسِيرُ بِالقَتْلِ بِذَلِكَ أُمِرَ فِي الكِتَابِ الَّذِي مَعَهُ أَنْ يَسِيرَ بِالقَتْلِ وَلَا يَسْتَتِيبَ أَحَداً وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاهُ!!».
أقول إذن القائم لا يسير لا بكتاب الله – لأن معه كتاب خاص فيه أوامر الله إليه بالقتل بالجملة – ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي سار باللين والرفق لأن القائم سيسير بالذبح والقتل وعدم استتابه أحد!! فهل هذا معنى العدالة لدى منتظري القائم؟!!
الخبر 119: [ينقله المجلسيُّ أيضاً عن كتاب الغيبة للنعماني‏] بسند فيه «عَبْد الرَّحْمَنِ بْن كَثِيرٍ» - الذي اعتبره علماء الرجال ضعيفاً وفاسد العقيدة - عَنْ الإمام الصادق (ع) فِي قَوْلِ اللهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (النحل/1) قَالَ: «هُوَ أَمْرُنَا!! أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا نَسْتَعْجِلَ بِهِ يُؤَيِّدُهُ بِثَلَاثَةِ أَجْنَادٍ بِالمَلَائِكَةِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالرُّعْبِ...».
أقول: إن الراوي الوضاع لم يلاحظ أن الآية تبدأ بفعل «أتى» الماضي ولا علاقة لها بالقائم الذي سيأتي بعد آلاف السنين.وإضافة إلى ذلك، هذه الآية مكية فهل يعقل أن يخاطب الله تعالى أهل مكة قائلاً لا تستعجلوا سيأتي المهدي بعد آلاف السنين من موتكم! والحال أن أهل كانوا ينكرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته؟! هل هذا يُعْقَل؟!
الخبر 129: كذبٌ واضحٌ من وضع الغلاة ينسبون إلى الإمام الصادق (ع) قوله إن «رَايَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قد نَزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ يَوْمَ بَدْرٍ.. مَا هِيَ وَاللهِ مِنْ قُطْنٍ وَلَا كَتَّانٍ وَلَا قَزٍّ وَلَا حَرِيرٍ! فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ هِيَ؟؟ قَالَ مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ نَشَرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ لَفَّهَا وَدَفَعَهَا إِلَى عَلِيٍّ (ع) فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَ عَلِيٍّ (ع) حَتَّى كَانَ يَوْمُ البَصْرَةِ فَنَشَرَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَفَّهَا وَهِيَ عِنْدَنَا هُنَاكَ لَا يَنْشُرُهَا أَحَدٌ حَتَّى يَقُومَ القَائِمُ (ع) فَإِذَا قَامَ نَشَرَهَا فَلَمْ يَبْقَ فِي المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ أَحَدٌ إِلَّا لَعَنَهَا...».
أقول: أليست هذه الأكاذيب المضحكة مدعاة للهزء بالدين والسخرية منه؟؟
وبقية الحديث تكرار لمضامين ذكرت في الأخبار السابقة من أن القائم «يَخْرُجُ مَوْتُوراً غَضْبَانَ أَسِفاً لِغَضَبِ اللهِ عَلَى هَذَا الخَلْقِ عَلَيْهِ قَمِيصُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ... يُجَرِّدُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ يَقْتُلُ هَرْجاً فَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِبَنِي شَيْبَةَ فَيَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَيُعَلِّقُهَا فِي الكَعْبَةِ وَيُنَادِي مُنَادِيهِ هَؤُلَاءِ سُرَّاقُ اللهِ! -(هذا مع أن بني شيبة قد ماتوا عندئذ منذ آلاف السنين)- ثُمَّ يَتَنَاوَلُ قُرَيْشاً فَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا إِلَّا السَّيْفَ وَلَا يُعْطِيهَا إِلَّا السَّيْفَ...» إلى آخر هذا الهراء.
الخبر 136: حفنة من الرواة الأميين الذين لا يعلمون شيئاً عن الجغرافيا والدنيا ينسبون إلى الإمام قوله: «ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَدِينَةً وَطَائِفَةً يُحَارِبُ القَائِمُ أَهْلَهَا وَيُحَارِبُونَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَهْلُ المَدِينَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ وَبَنُو أُمَيَّةَ وَأَهْلُ البَصْرَةِ وَأَهْلُ دميسان وَالأَكْرَادُ وَالأَعْرَابُ وَضَبَّةُ وَغَنِيٌّ وَبَاهِلَةُ وَأَزْدٌ وَأَهْلُ الرَّيِّ».
أقول: من الواضح أن واضع الرواية كان يتصور أن الدنيا وكفار الدنيا هم أهالي تلك الأماكن والبقاع الثلاثة عشر فقط!
والسؤال الذي لا نجد له جواباً: لماذا جمع علماؤنا مثل هذه الروايات التي يعلمون بطلانها؟!!
الخبر 141: [ينقله المجلسيُّ عن كتاب الغيبة للنعماني‏]: «أَحْمَدُ بْنُ هَوْذَةَ – المجهول الذي لا يُعْرف حاله - عَنِ النَّهَاوَنْدِيِّ - الضعيف المطعون به(98) - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَمَّادٍ(99) عَنْ صَبَّاحٍ المُزَنِيِّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ: كَأَنِّي بِالعَجَمِ فَسَاطِيطُهُمْ فِي مَسْجِدِ الكُوفَةِ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ القُرْآنَ كَمَا أُنْزِلَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا أُنْزِلَ فَقَالَ لَا مُحِيَ مِنْهُ سَبْعُونَ مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسْمَائِهِمْ‏ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَمَا تُرِكَ أَبُو لَهَبٍ إِلَّا لِلْإِزْرَاءِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِأَنَّهُ عَمُّهُ»!!!.
أقول: ألا لعنة الله على الكاذبين. إذا لم يكن هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين عين القرآن المنزل [لفظاً وترتيباً وتأليفاً] فلماذا اعتبر عليٌّ عليه السلام في عشرات الخطب المنقولة عنه في نهج البلاغة أن هذا القرآن الذي بين أيدي المسلمين حجة الله وحبل الله المتين؟؟ انظر إلى الخطب 1 و2 و18 و83 و110 و127 و132 و138 و156 و158 و176 و183 و198 و115 في نهج البلاغة وغيرها (100).
وثانياً: إذا كانت هناك آياتٌ قد حُذفت من القرآن الكريم فلماذا لم يقم عليٌ في زمن خلافته [التي دامت خمس سنوات] بإصلاح الأمر وإدراج المحذوف.
وثالثاً: إن الله تعالى هو الذي ذكر أبا لهب في القرآن ولو كان في ذلك إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكره تعالى في القرآن، فإذا كان من ملامة في هذا الأمر فإنها ستوجه - والعياذ بالله - إلى الله تعالى، أما الناس فلا دخل لهم في ذلك!
رابعاً: لماذا يذكر الله تعالى - الذي هو ستار العيوب- اسم سبعين من المنافقين في القرآن؟؟
خامساً: لقد ذكر الله تعالى صريحاً في كتابه أن سيحفظ هذا القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فينبغي أن نقول إن هدف أولئك الرواة الغلاة الأفاكين أن يعملوا على هدم الإسلام والقرآن من خلال افتراء الأكاذيب ونسبتها إلى الأئمة، وفي الواقع كانت هذه هي حاجتهم إلى الأئمة [أي أن يتظاهروا بالتتلمذ عليهم ليتمكنوا فيما بعد من نسبة أكاذيبهم وأقاويلهم إلى الأئمة وروايتها عن ألسنتهم لتلقى القبول].
[وهكذا يواصل المجلسيّ ذكر أمثال هذه الروايات المروية عن كذابين ووضاعين أو غلاةٍ مفترين أو واقفة أو مجهولين أو ضعفاء ومجروحين يروون غرائب وخرافات تخالف القرآن وسنّة خير الأنام وتجافي العقل والمنطق وتناقض قواعد الإسلام أو تفسير آيات القرآن بما لا تدل عليه أو تحكي أقاصيص عجيبة تثير السخرية والهزء بالدين، وسنكتفي بذكر ثلاث مما تبقى منها]:
الخبر 160: في سنده رجل من الواقفة [الغلاة] ينسب إلى الإمام الصادق حديثاً يتضمن تأويل آيتين من القرآن بالقائم وأصحابه مع أن الآيتين لا علاقة لهما بذلك مطلقاً. الآية الأولى قوله تعالى في سورة الأنعام :﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الأنعام/89).
ومعناها واضح وهو أنه لما كان أكثر قريش في بداية البعثة كافرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله تعالى بين أن كفر هؤلاء لن يضر الدعوة لأنه تعالى قد قيَّض لهذه الدعوة من آمن بها ولم يكفر بها، وهم كل من آمن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار والمهاجرين ثم كل من تبعهم بالإيمان من أهل إيران وسائر بلاد المشرق.
ولكن الراوي ينسب إلى الإمام الصادق قوله في هذا الخبر «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ مَحْفُوظٌ لَهُ لَوْ ذَهَبَ النَّاسُ جَمِيعاً أَتَى اللهُ لَهُ بِأَصْحَابِهِ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ»!
فلاحظوا كيف يلعب أولئك الرواة بمعاني آيات الكتاب.
والآية الثانية هي قوله تعالى في سورة المائدة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهٍ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ...﴾ (المائدة/54)، والتي فسرها أكثر المفسرين بأن المقصود من«القوم الذين سوف يأتي الله بهم» فيها: أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاةالثائرين على حكم الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقضوا على فتنتهم وثبَّتوا أركان دولة الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا علاقة للآية مطلقاً بأصحاب القائم، إذْ لا يمكن أن يقول الله تعالى للمرتدين زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أيها القوم من يرتد منكم عن دينه فإن الله سيأتي بعد آلاف السنين بأصحاب القائم ليحاربوكم وينتصروا عليكم!!!
الخبر 165: [يرويه المجلسيُّ نقلاً عن تفسير فرات بن إبراهيم‏ بسند ينتهي إلى] «عِمْرَانَ بْنِ دَاهِر» المهمل المجهول الذي لا ذكر له بتاتاً في كتب الرجال يروي قائلاً: «قَالَ رَجُلٌ»! -هكذا بلا بيان لاسمه ولا لوصفه- لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع): «لَنُسَلِّمُ عَلَى القَائِمِ بِإِمْرَةِ المُؤْمِنِينَ قَالَ لَا ذَلِكَ اسْمٌ سَمَّاهُ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَا يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ إِلَّا كَافِرٌ قَالَ فَكَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَالَ تَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللهِ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ جَعْفَرٌ (ع): ﴿بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(هود/86)!! ».
أيها القارئ اللبيب انظر كيف يخرب أولئك الرواة المجاهيل الإسلام ويتخذون القرآن ملعبة يفسرونه حسب أهوائهم:
1-          فالراوي يسأل كيف نسلم على القائم؟ فهل كان القائم موجوداً زمن جعفر بن محمد (ع) حتى يسلم عليه السائل؟؟!
2-          يقول إن «أمير المؤمنين» اسم اختص الله به علياً في حين أن عبارة «أمير المؤمنين»ليست اسماً بل مجرد لقب لمن صار أميراً على جماعة من المؤمنين سواء كان علياً أم زيد بن حارثة أم أي شخص آخر.
3-           ينسِبُ الراوي الكاذب إلى جعفر بن محمد قوله: إن أمير المؤمنين «اسْمٌ سَمَّاهُ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ [أي عليّ] لَا يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ إِلَّا كَافِرٌ»!! فهو لم يفهم أن أمير المؤمنين لقب وليس اسماً! ثم ما الدليل على أن كل من أُطْلِقَ عليه لقب أمير المؤمنين قبل أو بعد علي (ع) يكون كافراً؟؟ أين البرهان على هذا الادعاء؟ هذا الراوي المحتال الكاذب يرمي إلى القول بأنه لما لُقِّبَ عُمَرُ قبل عليِّ بلقب أمير المؤمنين فقد كفر! ألا يعلم هذا الراوي الأفاك أن الكفر هو إنكار أصل من أصول الدين أو فرعٍ من فروعه القطعية المعلومة منه بالضرورة [على نحو يُكَّذَّبُ فيه اللهُ ورسولُه]؟ وأنه لا يجوز إصدار حكم الكفر جزافاً دون دليل أو برهان؟
4-          يقول: تَقُولُ في سلامك على القائم: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللهِ! فليت شعري هل ذهب أكثر الله تعالى وبقي منه جزء هو المهدي القائم حتى يكون بقية الله؟!
5-           الآية التي نسب الراوي إلى الإمام الاستشهاد بها لا توجد بينها وبين القائم أية مناسبة، وفيما يلي نذكرها لتزداد فضيحة واضع الرواية الكذوب:
يقول تعالى في سورة هود قاصَّاً علينا ما قاله النبي شعيب (ع) لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (هود/85و86).
من الواضح أن قصد شعيب (ع) من الجملة الأخيرة نهي قومه عن التطفيف والبخس وأكل أموال الناس بالباطل وأن يقول لهم: ما يُبْقِيه اللهُ تعالى لكم من المال الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيراً وبركةً بإذن الله من الزيادة التي تأخذونها من التطفيف والبخس، فاكتفوا بالرزق الحلال ولا يحملنكم الطمع على أكل أموال الناس بالباطل. هذا هو معنى الآية الواضح باتفاق جميع المفسرين ولا علاقة للآية من قريب ولا من بعيد بالمهدي ولا تناسب بينها وبين موضوع المهدي إطلاقاً وسياق الآية أي ما قبلها وما بعدها كله يتحدث عن قصة شعيب وقومه كما جاء في الآية التي بعدها: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
فينبغي أن نسأل الراوي الكذاب: هل كان جعفر بن محمد الذي قرأ تلك الآية لا يفهم معناها؟! هل كان – نعوذ بالله - جاهلاً إلى هذا الحد باللغة العربية؟! وما هدف العلماء الطائفيين من ذكر أمثال هذه الروايات الباطلة [وتكرار استخدام هذه الآية بحق المهدي بغير مناسبة]؟!
الرواية 167: [نقلها المجلسيُّ عن تفسير فرات بن إبراهيم‏] قال : القَاسِمُ بْنُ عُبَيْدٍ – (وهو راو مجهول)- مُعَنْعَناً -( هكذا دون ذكر رجال السند الذين عَنْعَنَ أحدهم منهم عن الآخر، فرواة الحديث إذن مجهولو الاسم والصفة) - عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) «قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا... إِلَى قَوْلِهِ... حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً قَالَ هُمُ الأَوْصِيَاءُ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً فَإِذَا قَامَ القَائِمُ عَرَضُوا كُلَّ نَاصِبٍ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَرَّ بِالإِسْلَامِ وَهِيَ الوَلَايَةُ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ أَوْ أَقَرَّ بِالجِزْيَةِ فَأَدَّاهَا كَمَا يُؤَدِّي أَهْلُ الذِّمَّةِ»!!
أقول: قول الراوي: «ثلاث عشرة آية هم الأوصياء» احتكار وتحجير لا محل له في الإسلام، وقوله: «فإن أقر بالإسلام وهي الولاية وإلا ضربت عنقه أو أقر بالجزية» فنسأل: هل الولاية من أصول الدين حتى تضرب عنق كل من لا يؤمن بها؟! وحتى لو فرضنا جدلاً أنها من أصول الدين، هل حكمٍ من ينكر أصلاً من أصول الدين أن تقطع رقبته حتى لو كان مسالماً [أم حكمه الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؟]، وإذا كان الله تعالى قد قال في حق الكفار وأهل الكتاب [الذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن من أساسها]: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة/8)، فما بالك بمن كل مسلماً لكنه لا يؤمن ببعض ما يعتبره أهل مذهب ما أصلاً من أصول الدين؟].
 
الجزء 53 من بحار الأنوار
باب 28-ما يكون عند ظهوره برواية المُفَضَّل بن عُمَر :
أراد المجلسيّ أن يزيد من حجم كتابه فأتى بحديث باسم رواية «المُفَضَّل بن عُمَر» ليزيد من حجم هذا الباب بهذا الخبر الطويل. ونقول:
أولاً - لقد مررت أغلب مضامين هذا الخبر جملةً جملةً في ما تقدم من الأبواب.
ثانياً - المفضل لا اعتبار لنقله ولا يستحق أن يروي عنه أي خبر لأن علماء الرجال اعتبروه غالياً وفاسد المذهب، وقال عنه النجاشي:
 «المُفَضَّل بن عُمَر أبو عبد الله وقيل أبو محمد، الجُعْفِيّ، كوفيٌّ، فاسدُ المذهب، مضطربُ الرواية، لا يُعبأ به. وقيل إنه كان خطَّابياً(101)وقد ذُكِرت له مصنفات لا يُعَوَّل عليها.»(102)
وذكر العلامة الحلي والممقاني وآخرون أنه كان يحدث بمنكرات وأحاديث كذبٍ موضوعة وكان خطابياً. ووصفه ابن الغضائري بقوله:
«المُفَضَّلُ بْنُ عُمَر الجُعْفِيُّ أبو عبد الله، ضعيفٌ متهافتٌ مرتفعُ القول خطابيٌّ وقد زيد عليه شي‏ء كثيرٌ وحمل الغلاةُ في حديثه حملاً عظيماً، ولا يجوز أن يُكتَب حديثُهُ وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام»(103).
والعلامة المجلسيّ رغم معرفته بتلك الأقوال التي مرت بحق «المُفَضَّل» وقبوله لها إلا أنه رغم ذلك يذكر هذا الخبر الطويل باسم رواية المفَضَّل بن عُمَر، وينقلها عن كتاب لا ندري ما اسمه ولا من هو مؤلفه فيقول في بداية هذا الخبر: «رُوِيَ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا»!!
وثمة راوٍ آخر في سلسلة سند هذا الخبر الطويل هو «الحسين بن حمدان» نصَّ علماء الرجال على أنه كذاب فاسد المذهب، وهو يروي بدوره عن شخص مجهول عن «محمد بن نُصَيْر» الملعون على لسان الإمام علي النقي (الإمام الهادي) ولسان الإمام الحسن العسكري، فقد غلا «محمد بن نصير» في الإمام الهادي فادعى فيه الربوبية وقال إنه هو (أي محمد بن نصير) رسوله! إضافة إلى أنه ادعى النيابة للمهدي الغائب وكان «يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ.. وَيَقُولُ بِإِبَاحَةِ الْمَحَارِمِ وَيُحَلِّلُ نِكَاحَ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً فِي أَدْبَارِهِمْ» (أي اجتمعت فيك المحاسن التي تفرقت في سواك)!!
فلاحظوا سند هذا الخبر: مجهولٌ عن فاسدٍ كذَّابٍ عن مجهول آخر عن كذاب كافر عن مجهول آخر عن شخص غالٍ المذهب.
هل هناك أي قيمة لمثل هذا الخبر الطويل الخرافي بمثل هذا السند الفاسد؟؟
والعجيب أن يجتمع مثل أولئك الأشخاص [الغلاة الكذابين] حول الأئمة ويفترون علهم والأكاذيب وينسبون إليهم كل خرافة، ثم يأتي بعض العلماء المتأخرين فيعتبرون تلك الروايات والأخبار حجة؟!!
إن هذا الخبر مليء بالإساءة إلى خلفاء المسلمين في صدر الإسلام وبالغلوّ بالمهدي ونسبة موهومات خارقة إليه، ومن الحيف أن نضيع وقت القراء الكرام ونسود صفحات كتابنا هذا بنقد ما جاء في متنه، ومما يُذْكَر أن هذا الخبر ذكر ما يخالف ما ذكرته الأخبار السابقة إذ قال إن ولادة المهدي كانت في الثامن من شهر شعبان سنة 257 ه-! فمن الواضح أن الوضاعين لم يستطيعوا أن يتفقوا على قول واحد بشأن تاريخ ولادة المهدي وأن يضعوا له يوماً محدداً، لذا كان تاريخ ولادة المهدي مجهولاً.
فإذا كان الأمر كذلك فنقول إن الشخص الذي لا نعرف اسمه ولا يوم ولادته بل لا نعرف سنة ولادته ولا نجد له في كتاب الله أي ذكر وليس من أصول الدين ولا من فروعه ولم يجعله اللهُ حجَّةً على الناس، بأي حق يعتبره الشيعة حجة الله على الناس؟!! هل جعل شخص حجة على الناس يتم بجعل الله له واختياره لهذا المنصب أم أنه موكول إلى الشيعة؟ ولقد عقد المجلسيّ بعد هذا الباب باباً بعنوان «باب الرجعة» [ذكر فيه أخبار وروايات الرجعة] ولكن لما كان الآخرون، لاسيما المرحوم العالم الرباني الشيخ عبد الوهاب فريد تنكابني تلميذ المرحوم الشيخ شريعت سنكلجي قد فنّد هذا الموضوع بشكل كافٍ ورد عليه، لذا نمتنع عن تمحيص ذلك الباب ولا نكرر ما ذكره.
إنه مما يؤسف له جداً أن تُخْدَع الشعوب دائماً ولا تسعى وراء التفكير والتعقل والاستفادة من نعمة العقل. فمثلاً بدلاً من توجه الناس إلى الله تعالى الذي أغرقهم بنعمه وهو الحاضر الناظر في كل مكان وهو القادر على كل شيء وهو القائل ﴿... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾ (غافر/60) والقائل:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ..﴾ (البقرة/186)
فكأنه يقول لنا ادعوني أنا فأنا أرحم بكم من أي شخص آخر وأنا أعلم بحالكم، أقول: بدلاً من توجه الناس إلى هذا الإله الرحيم القادر الكريم، يتوجهون إلى عبدٍ مفترضٍ [أي موهوم لا دليل على وجوده] فيسألونه حوائجهم ويطلبون منه المدد وكأنه أعلم بهم من الله وأرحم بهم وأقرب إليهم من الله!! فيقولون «يا مهدي أدركني» غير عابئين بخطورة إشراك آخرين مع الله تعالى بمخ العبادة أي الدعاء والمسألة، مع أنه الشرك الذي بعث جميع الأنبياء لمحاربته وإبعاد الناس عنه.
ومن الجهة الأخرى يقوم المسؤولون وولاة الأمور الذين يأكلون عرق جبين هؤلاء العوام البسطاء والذين كان من المفروض أن يُوَّعُوهم ويرشدوهم ويخلصوا في نصحهم، يقومون بدلاً من ذلك بخداعهم وإبقائهم في الجهل والخرافات، كما اعتاد [الشاه] محمد رضا بهلوي على القول - مخادعاً شعبه - إن إمام الزمان المهدي حفظني من السوء حين وقعت من على صهوة الجواد وأخذ بيدي وحال دون كسر عظم جنبي!! وكما قام آخرون بإلباس جنودهم في جبهة الحرب لباساً أبيضاً وحملهم على خيول بيضاء وإرسالهم إلى الجبهة باسم المهدي ليحرِّضوا الناس على القتال والاستبسال!
هنا يصدق قول الشاعر:
دردا كه دواى درد پنهانى ما        افسوس كه چاره‌ى پريشانى ما
در دست كسانى استكه پنداشته اند آبادى خويش را به ويرانى ما
 
أي:
وا ألماه، دواء دائنا الخفيّ            وا أسفاه، حل مشكلة اضطرابنا
بِيَدِ أشخاصٍ قد حسبوا               أن عمرانهم لا يكون إلا بخرابنا
أجل منذ أن وجدت الدنيا كان الأمر كذلك، ولذا لا حل إلا أن تستيقظ الشعوب نفسها وتنطلق نحو التفكير والتعقُّل ولا تتخلَّى عن نعمة العقل الذي هو حجة الله الباطنة على كل إنسان، بل تستخدمه حق الاستخدام.
آمل أن يرحم أصحاب الحوانيت المذهبية هذا الشعب المسكين وأن يخافوا الله فيه ويتقوه ويكفوا عن التكسب بالدين على حسابه.
في الختام آمل من القارئ المحترم إذا لاحظ في كتابي هذا قصوراً أو أخطاء أن يعفو عني ويعلم أنني كتبته في زمن الشيخوخة والاكتئاب والضعف، في زمنٍ لم يبق لدينا فيه أمل باهتداء الناس، إذْ كل من يُظهر بعض الحقائق [المرَّة] تنهال عليه آلاف التهم والافتراءات. ورغم أنني لم أكن أملك الصبر والبال لتحمل ومواجهة هذه الأمور إلا أنني أقدمت على تأليف هذا الكتاب طلباً لرضا الله تعالى واستجابةً لطلب إخوتي في الإيمان ورغبتهم إلي أن أكتب كتاباً في هذا الشأن.
وأرى مناسباً أن أختم كتابي بالأبيات التالية:

ما بر سر عهديم كه داديم خدا را


 

همت نبود در سر ما غير وفا را


گفتاكه نگوئيد ونخوانيد ونياريد


 

جز گفته‌ى من گركه صفائى است شما را


ما بنده‌ى گفتار اوييم اركه نگويد


 

از خويش نسازيم بر او مدح وثنا را


وصفش بجز آنوصف كه خود كرده نياريم


 

زان سو نرود فهم بشر غير خطا را


أي:

نحن على العهد الذي عاهدنا الله عليه


 

لم يكن في فكرنالِلَّهِ إلا الوفاء 


قال لا تقولوا ولا تدعوا ولا تأتوا


 

إلا بكلامي إذا أردتم لأنفسكم الصفاء


نحن تَبَعٌ لما يقوله لنا فإن لم يقل شيئاً


 

لا نخترع من عند أنفسنا مدحاً أو ثناء


لا نصفه إلا بما وصف به نفسه


 

لا يذهب فهم البشر عن ذلك إلا إلى أخطاء


 
والسلام على من اتبع الهدى وخاف عواقب الردى
28 ذي العقدة الحرام 1402 هجرية قمرية
الأقل سيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي.
 
قائمة المصادر والمراجع
1.        القرآن الكريم.
2.        ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة.
3.        ابن داود الحليّ، رجال‏ ابن ‏داود، طهران، انتشارات دانشگاه، 1383ه- شمسي.
4.        ابن منظور الأفريقي، لسان العرب.
5.        ابن هشام، السيرة النبوية.
6.        ‏الترمذي، الشمائل المحمدية.
7.        الحر العاملي (الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن) (1104ه-.)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط1، قم، مؤسسه آل البيت لإحياء التراث، 1409ه- [29 مجلداً].
8.        الحلي، العلامة، الخلاصة.
9.        الحليّ، العلامة الفقيه الحسن بن يوسف بن المطهر (726 ه-)، رجال العلامة الحلي، قم، انتشارات دار الذخائر، ‏1411ه-.
10.سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي (301 ه-)، المقالات والفرق، صححه وعلق عليه د. محمد جواد مشكور، طهران، 1963 م.).
11.الشريف الرضي، نهج البلاغة، جمعه من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، قم، انتشارات دار الهجرة.
12.الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي (381ه-)، «الخصال»، طهران، المطبعة الإسلامية.
13.الصدوق، «من لا يحضره الفقيه» ط3، قم، 1403ه-.
14.الصدوق، الأمالي.
15.الطبرسي، الشيخ أمين الإسلام أبو على الفضل بن الحسن (560 ه-)، «إعلام الورى بأعلام الهدى»، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1417ه-.
16.الطبرسي، كتاب الاحتجاج، تحقيق السيد محمد باقر الخراسان، النجف، دار النعمان، 1386ه-/1966م.
17.الطهراني، آقا بزرگ (1388ه- أو 1389 ه-)، «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، إعداد: السيد أحمد الحسيني، ط2، 1406ه-/1986م، بيروت، دار الأضواء.
18.الطوسي، شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن (460 ه-.)، رجال الكشي.
19.الطوسي، شيخ الطائفة، الأمالي.
20.الطوسي، شيخ الطائفة، الفهرست.
21.الطوسي، شيخ الطائفة، رجال الطوسي، تصحيح وتعليق: ميرداماد الأسترابادي.
22.علي الخاقاني، الشيخ (1334ه-)، رجال الخاقاني، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، ط2، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404ه-.
23.علي النمازي الشاهرودي، الشيخ، مستدركات علم رجال الحديث.
24.الغضائرى، احمد بن الحسين بن الواسطي البغدادي (قبل 450 ه-؟)، رجال ابن الغضائري، قم، مؤسسه اسماعيليان، ط2، 1364 هجري شمسي، [7 أجزاء في 3 مجلدات].
25.الكفعمي، الشيخ تقى الدين إبراهيم بن علي (905 ه-)، مصباح الكفعمي.
26.الكُلَيْنِي، المحدث محمد بن يعقوب (329 ه-)، «الكافي» (الأصول والفروع والروضة)، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1365 هجرية شمسية.
27.مالك بن أنس، الإمام، الموطأ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، دار إحياء التراث العربي،
28.المامَقَانيّ، آية الله عبد الله (1350ه-)، تنقيح المقال في أحوال الرجال، ط حجرية.
29.المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي (1111ه-)، «بحار الأنوار»، تحقيق محمد باقر البهبودي، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403ه-/1983م. [110 مجلدات].
30.محسن الأمين العاملي، السيد آية الله، أعيان الشيعة.
31.مسلم بن الحجاج النيشابوري، صحيح مسلم.
32.النجاشي، أحمد بن علي (450ه-)، رجال ‏النجاشي، قم‏، مؤسسة انتشارات اسلامى، 1407ه-.
33.النوبختي، أبو محمد الحسن بن موسى (300 أو310 ه-)، فرق الشيعة، صححه وعلق عليه السيد محمد صادق آل بحر العلوم، النجف 1355ه-.
34.النوري الطبرسي، الميرزا حسين (1320ه-)، «مستدرك الوسائل»، ط حجرية.
 
الهوامش
(1) يشير إلى الحديث الذي جاء فيه: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَال قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حَدِيثٍ: إِذَا التَبَسَتْ عَليْكُمُ الفِتَنُ كَقِطَعِ الليْل المُظْلمِ فَعَليْكُمْ بِالقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ومَاحِل مُصَدَّقٌ ومَنْ جَعَلهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلى الجَنَّةِ ومَنْ جَعَلهُ خَلفَهُ سَاقَهُ إِلى النَّارِ»، الحر العاملي (الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن) (1104ه-. )، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ط1، قم، مؤسسه آل البيت لإحياء التراث، 1409ه- [29 مجلدا]، أَبْوَابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ ولوْ فِي غَيْرِ الصَّلاةِ/ 3- بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّفَكُّرِ فِي مَعَانِي القُرْآنِ، ج 6 /ص171، ح (7657). ويؤيده الحديث الآخر: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي حَدِيثٍ: يُدْعَى ابْنُ آدَم‏ الْمُؤْمِنُ لِلْحِسَابِ فَيَتَقَدَّمُ الْقُرْآنُ أَمَامَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنَا الْقُرْآنُ وهَذَا عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ قَدْ كَانَ يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِتِلاوَتِي ويُطِيلُ لَيْلَهُ بِتَرْتِيلِي وَتَفِيضُ عَيْنَاهُ إِذَا تَهَجَّدَ فَأَرْضِهِ كَمَا أَرْضَانِي قَالَ فَيَقُولُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ عَبْدِي ابْسُطْ يَمِينَكَ فَيَمْلَؤُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ ويَمْلأُ شِمَالَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ثُمَّ يُقَالُ هَذِهِ الْجَنَّةُ مُبَاحَةٌ لَكَ فَاقْرَأْ وَاصْعَدْ فَإِذَا قَرَأَ آيَةً صَعِدَ دَرَجَة»، وسائل الشيعة، أَبْوَابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ ولوْ فِي غَيْرِ الصَّلاةِ /1- بَابُ وُجُوبِ تَعَلمِ القُرْآنِ وتَعْليمِهِ، ج 6 /ص 166، ح (7638).
(2) في الواقع ليس هناك من تناقض بين أن يأتم المسلم بأئمة الفقه العدول الصالحين ويتخذهم أئمة له وبين أن يأتم بالقرآن ويجعله إمامه، طالما أن ائتمامه بالأئمة هو في إطار القرآن والسنة، لاسيما أئمة أهل البيت الذين أكدوا على شيعتهم المؤتمين بهم قائلين: «لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله»، وأن «كلُّ شيءٍ مردودٌ إلى كتاب الله والسنَّة، وكلُّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف». انظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج18/ص 79، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.
(3) لقد اشتبه المؤلف في معنى الآية موضع الاستشهاد، فالآية إنما تتحدث عن براءة إبراهيم والذين آمنوا معه من قومهم المشركين ولا علاقه لها باليهود ولا بالمسلمين.
(4) ملاحظة هامة: لقد ترجمتُ اقتباسات السيد البرقعي من كتاب الشيخ «عبد الله بن زيد آل محمود» عن ترجمته الفارسية لها، أي ترجمتُ عن الترجمة، وبالتالي قد لا تتطابق عباراتي مع عبارات الأصل العربي حرفياً، والسبب أنني لم أظفر بكتاب: «لا مهدي ينتظر بعد سيد البشر» فلم أتمكن من نقل عين ألفاظ الأصل. فلْيُتَنَبَّه.
(5) المسماة بدائرة معارف القرن العشرين.
(6) قال العلامة الحلي في رجاله: «قال النجاشي قال بعض أصحابنا إنه كان في مذهبه ارتفاع وحديثه قريب من السلامة قال ولا أدري من أين قال ذلك وقال ابن الغضائري إنه ضعيف في مذهبه ارتفاع والذي أراه التوقف في حديثه.» رجال العلامة الحلي، قم، انتشارات دار الذخائر، ‏1411ه-، ص252.
(7) أخرجه المحدث الكليني في الكافي، باب الصناعات، ج 5 / ص 114.
(8) ثالث السفراء الأربعة المتتالين للمهدي المنتظر خلال غيبته الصغرى حسب عقيدة الإمامية.
(9) رواه الشيخ الصدوق في الأمالي فِي مَنَاهِي النَّبِيِّ (ص) أَنَّهُ نَهَى عَنْ إِتْيَانِ العَرَّافِ وَقَال مَنْ أَتَاهُ فَصَدَّقَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِل عَلى مُحَمَّدٍ (ص). (بحار الأنوار، ج 76 / ص 213).
(10) هو أبو الحسن على بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي‏ من علماء الإمامية البارزين في القرن السابع الهجري، أكمل كتابه هذا عام 687 ه-، وتوفي في بغداد عام 693 ه- ودفن فيها. وأشهر كتبه هو كتابه المشار إليه: «كشف الغمة في معرفة الأئمة عليهم ‏السلام‏».
(11) قال عنه ابن داود الحليّ في رجاله: «محمد بن جمهور أبو عبد الله العمي ضا [كش‏] ضعيف الحديث فاسد المذهب [جش‏] قيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها [جخ‏] عربي بصري غال[غض‏] غال فاسد الحديث، رأيت له شعراً يحلل فيه حرمات الله تعالى.» رجال‏ ابن ‏داود، طهران، انتشارات دانشگاه، 1383هجري شمسي، ص 502.
(12) سبقت ترجمته قبل صفحات وأنه من علماء الإمامية في القرن السابع وتوفي 693 ه-.
(13) لا يخفى ما في استدلال المؤلف هنا من ضعف شديد لأن المقصود بالرواية أن المهدي الحقيقي (صاحب اللقب) سيكون من ذرية الحسين (ع) وليس المقصود كل من اسمه المهدي.
(14) الكليني، أصول الكافي، كتاب الحجة، باب ما يفصل به بين دعوى.. ح16، ج1/ص357.
(15) اسم الكتاب الكامل: «الفصول المهمة في معرفة الأئمة» تأليف علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي المعروف ب- «ابن الصبَّاغ المالكي» المتوفى سنة 855 ه-.
(16) هو أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القمِّيّ، من أكابر علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري ومن رواة عصر الحضور، إذْ كان من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع) ومن مشايخ الكليني صاحب الكافي، حيث اعتمد الكليني عليه كثيراً في كتابه الكافي. وكان عليُّ بن إبراهيم من أوائل رواة الحديث في قم ومن رؤوس فقهاء الشيعة فيها حتى عدُّوه أستاذ مشايخ القمِّيين، وله كتاب في التفسير بالمأثور باسم «تفسير علي بن إبراهيم القمِّيّ» مليءٌ بالروايات المغالية والغريبة الباطلة، مما جعل البرقعي يضعِّف «علي بن إبراهيم» هذا لكثرة روايته الغرائب والغلوّ وما ينافي القرآن. ويقول الشيخ عبد الوهاب فريد التنكابني في كتابه «اسلام ورجعت»: «ولا ينقضي العجب من المرحوم «علي بن إبراهيم القميّ» -الذي كان طبقاً لقول علماء رجال الشيعة: عالماً جليل القدر -، كيف يذكر في تفسيره مثل تلك التأويلات التي هي بكل وضوح من تأويلات الملاحدة والباطنية! اللهم إلا أن نقول أن ذلك التفسير المنسوب إليه تفسيرٌ موضوعٌ مختلقٌ وليس من تأليف ذلك العالم الجليل، وإلا فكيف يمكن لمثل ذلك العالم أن يكون عديم الاطلاع على مباني القرآن الكريم إلى ذلك الحدّ فيلوثه بمثل تلك التأويلات الباطلة عديمة الأساس!!»اه-. (الإسلام والرجعة، ص171)
(17) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج16/ص 109.
(18) نهج البلاغة، خطبة رقم 146.
(19) العياشي: هو الشيخ أبو النضر محمد بن مسعود بن العياش التميمي الكوفي السمرقندي من أعيان علماء الشيعة وأساطين الحديث والتفسير بالرواية. من مشايخ الكشي ومن المعاصرين للكليني. عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري. قال ابن النديم عنه (إنه أوحد دهره وزمانه في غزارة العلم). ورغم أن علماء الرِّجال الشيعة وثّقوه، إلا أن المرحوم الشيخ «محمد» ابن «الشهيد الثاني» طعن في توثيقه، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى حتى لو كان ثقة في ذاته إلا أن معظم رواته غير موثقين، فالنجاشيُّ يقول عنه: (كان يروي عن الضعفاء كثيراً) (رجال النجاشي، ص247) وبمثله قال العلامة الحلي (خلاصة الأقوال: ص246)، وعليه فلما كانت أغلب روايات «العيَّاشِيّ» عن الضعفاء فلا ثقة بها ولا يُعْتَمَدُ عليها.
(20) النعماني هو الشيخ أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني المعروف بابن زينب، من محدِّثي الشيعة الإمامية وعلمائهم في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، كان تلميذاً للمحدث الكليني وأخذ عنه أكثر علمه. خرج إلى الشام سنة 333ه- ليسمع الحديث من أهلها واستقر في حلب وتوفى فيها. وله من الكتب كتابه «الغيبة» الذي ألفه في حلب وذكر أنه فرغ من تأليفه سنة 342ه- وقد طبع في إيران في 1318ه-، وله «الرد على الإسماعيلية» وكتاب «الفرائض»، كما له كتاب في التفسير يعرف باسم «تفسير النعماني». (نقلاً عن الذريعة إلى تصانيف الشيعة للطهراني).
(21) الكَرَاجِكيّ هو الشيخ الفقيه والمتكلم الإمامي أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان، من تلامذة المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي، روى عنهم وعن آخرين من أعلام الشيعة والسنة. كان نزيل الرملة، وأخذ عن بعض المشايخ في حلب والقاهرة ومكة وبغداد وغيرها من البلدان، وتوفي بصور عام 449ه-. وكتابه «كنز الفوائد» كما يقول السيد بحر العلوم في رجاله يدل على فضله، وبلوغه الغاية في التحقيق والتدقيق والاطلاع على المذاهب والأخبار. له مؤلفات كثيرة بلغت السبعين منها كنز الفوائد والاستنصار في النص على الأئمة الأطهار والبرهان على صحة طول عمر صاحب الزمان والبيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان... الخ (نقلاً عن كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي، باختصار وتصرف، ج 9/ ص400 – 401)
(22)هو أبو القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي من رواة الحديث في فترة الغيبة الصغرى (النصف الثاني من القرن الثالث الهجري) ومن معاصري الكليني. لم يصل من كتبه سوى التفسير المعروف باسمه، قال عنه المجلسي في البحار: «لم يتعرض الأصحاب لمؤلفه بمدح ولا ذم لكن كون أخباره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة وحسن الضبط في نقلها مما يعطي الوثوق لمؤلفه وحسن الظن به». روى الصدوق عنه بواسطة الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي وروى عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل. يرى البعض استناداً إلى كثير من النصوص في تفسيره وكثرة نقله عن أئمة الزيدية وروايته عن الإمام زيد حصر العصمة في الخمسة من آل الكساء، أنه كان من الزيدية، ويرى هذا البعض أن هذا هو السر في عدم ذكر رجاليي الإمامية القدماء له بين رجالهم وعلمائهم.
(23) وراجعوا أيضاً ما ذكره آية الله مرتضى مطهّري في كتابه «جامعه وتاريخ» أي المجتمع والتاريخ، حول هذه الآية والآيتين الرابعة والسادسة من سورة القصص. (ط).
(24) هكذا في الأصل، فقد سقط من المؤلف سهواً التعليق على الخبر الثاني والثلاثين. ولكنه عاد فأشار إلى ذلك خلال تعليقه على الخبر السادس والثلاثين
(25) من أظهر علامات الوضع في هذا الخبر وأمثاله أنه يخالف القرآن الكريم الذي تبين آياته العديدة أن الله إنما شرع القتال في سبيله لدفع ظلم الظالمين الذين يقاتلون المؤمنين على دينهم، ولرد المعتدين ورفع الظلم عن المستضعفين المضطهدين بسبب إيمانهم، ولضمان حرية العقيدة ونشر الدعوة، وليس لأجل قتل كل غير مسلم حتى ولو كان مسالماً أو معاهداً!! بل لقد جعل الله تعالى الحفاظ على دور العبادة بما في ذلك الصوامع والبيع من غايات الجهاد القتالي!
(26) الحديث رواه الحر العاملي في «وسائل الشيعة»، ج 17 /ص 150.
(27) الوارد هو «لا تجتمع أمتي على ضلالة» انظر بحار الأنوار ج 5 /ص 20 و68 (نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي وتحف العقول لابن شعبة الحراني)، وهو اللفظ الوارد في كتب حديث أهل السنة أيضاً كالذي رواه ابن ماجه في سننه (ج2/ص1303) عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة, فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم». وسنده ضعيف، كما قال البوصيري في الزوائد، ومثله رواية الترمذي في سننه (ج4/ص466) عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى ضَلالَةٍ...» وقال هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه.
(28) الواقفة: فرقة من الشيعة وقفت على إمامة الإمام السابع موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهما السلام فقالت إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وأنه غاب واستتر، وهو القائم المهدي، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته... فهو الإمام، وزعموا أن علي بن موسى الرضا وكل من ادعى الإمامة من ولده وولد موسى بن جعفر فمبطلين كاذبين، غير طيبي الولادة ونَفَوْهُم عن أنسابهم، وكَفَّروهم لدعواهم الإمامة وكَفَّروا القائلين بإمامتهم... وقالوا بإباحة المحارم وبالتناسخ ومذاهبهم في التفويض مذاهب الغلاة المفرطة. (من كتاب المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعري، وكتاب فرق الشيعة للنوبختي).
(29) علي بن أبي حمزة البطائني من شيوخ الواقفة الغلاة وأعمدتهم، قال عنه العلامة الحلي «رحمه الله» في كتابه الرجالي «خلاصة الأقوال» (ص 362 – 363): «كوفي.. روى عن أبي الحسن موسى (ع) وعن أبي عبد الله (ع) وهو أحد عمد الواقفة. قال الشيخ الطوسي رحمه الله في عدة مواضع: إنه واقفي، وقال أبو الحسن علي بن الحسن بن فضال: علي بن أبي حمزة كذاب واقفي، متهم ملعون وقد رويت عنه أحاديث كثيرة، وكتبت عنه تفسير القرآن كله من أوله إلى آخره إلا أني لا أستحل أن أروي عنه حديثاً واحداً، وقال ابن الغضائري: علي بن أبي حمزة لعنه الله أصل الوقف، وأشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم (ع) ».
(30) يؤيد ذلك أن الأئمة كانوا يرفضون فكرة بقاء أي إمام حياً وغيبته ليعود في المستقبل والتي بدأ بعض جماعات الشيعة يقولون بها منذ وقت باكر، كالكيسانية الذين ادعوا مثل ذلك بحق محمد بن الحنفية، وكالواقفة الذين ادعوا مثل ذلك بحق الإمام موسى بن جعفر (ع) ولعل الرواية التالية التي يرويها الكشي في رجاله (ص 458) عن الإمام الرضا (ع) تلقي الضوء على ذلك، قال: «قلت للرضا (ع) جعلت فداك قوم قد وقفوا على أبيك يزعمون أنه لم يمت، قال، قال كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.».
(31) هو: الشيخ فريد الدين محمد بن إبراهيم المعروف: بالعطار النيشابوري المتوفى سنة 637ه-، له عديد من الكتب في التصوف (بالفارسية) منها كتابه المذكور «تذكرة الأولياء» ترجم فيه لسبعين شيخاً من مشاهير رجال التصوف وأقطابهم.
(32) هو: عبد الرحمن بن أحمد الجامي الأديب الصوفي ولد سنة 817 وتوفي سنة 898 ه-، له في التصوف عشرات الكتب بالعربية والفارسية، منها كتابه الذي أشار إليه أي «نفحات الأنس من حضرات القدس في طبقات المشايخ» يذكر فيه مناقب مشايخ الصوفية ونبذ من أقوالهم وكراماتهم.
(33) انظر تفصيل الحادثة في: ابن هشام، السيرة النبوية، 2/183-184.
(34) هو ثالث السفراء في عهد الغيبة الصغرى حسب اعتقاد الإمامية، توفي سنة 326ه-.
(35) يقصد السفراء الأربعة للمهدي الغائب في عهده غيبته الصغرى حسب اعتقاد الإمامية.
(36) كتاب «الخرائج والجرائح» تأليف قطب الدين الراوندي من علماء الشيعة الإمامية في القرن السادس الهجري، توفي في قم سنة (573 ه-).
(37) السفاتج ج. السفتجة: لفظ معرب، وهو ما يعرف اليوم بالحوالة المالية، وهي أن يدفع زيدٌ مثلاً ماله في بلد لشخص ليقبضه من وكيل ذلك الشخص في بلد آخر، درءاً لخطر الطريق ومؤنة الحمل.
(38) يشغل هذا الخبر الطويل الصفحات من ص 300 إلى ص 306 من الجزء 51 من بحار الأنوار أي يملأ خمس صفحات ونصف كاملة كل صفحة عشون سطراً!!.
(39) يقول كاتب هذه السطور: إن هذا الشخص هو أحد النواب ورغم ذلك فإنه بذاته لا يدري هل قضية المهدي الغائب صحيحة أم لا؟! (المؤلف)
(40) المقصود بالناحية في هذه الروايات الناحية المقدسة أي المهدي الغائب في فترة غيبته الصغرى حسب قول الإمامية.
(41) هذا الرواية رواية مشهورة عن «إسحاق بن يعقوب» وقد أوردها المجلسيّ في بحار الأنوار: ج52/ص 92، حديث 7، نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي.
(42) هؤلاء الأربعة هم النواب الرسميون الشرعيون – إذا صح التعبير – الذين تؤمن الشيعة الإمامية الاثني عشرية بأنهم كانوا – واحدا تلو الآخر- نوابا للإمام المهدي الغائب في عهد غيبته الصغرى.
(43) اسم الكتاب: «منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال» للإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (728 ه‍-) لخص فيه كتابه الكبير «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية». هذا والواقع أن الذي ترجمه البرقعي في كتابه «رهنمود سنت» هو أقسام من كتاب «المنتقى من منهاج الاعتدال» للحافظ والمؤرخ الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز) (748ه-) الذي اختصر فيه كتاب «منهاج الاعتدال».
(44) هو المحدِّث الأخباري الإمامي المشارك الحاج الشيخ عباس القمي، صاحب كتاب الأدعية الشهير «مفاتيح الجنان»، وله في الحديث «سفينة البحار»، وفي التراجم والتاريخ «منتهى الآمال»، توفي عام 1359ه- ق.
(45) لا يخفى ما في استدلال المؤلف هنا من ضعف شديد، إذ هو يعتمد على أن المقصود من رواة حديثنا من يروون عنا مباشرة، مع أن كلمة الرواة أعم من ذلك وتشمل كل من يروي حديثهم سواء مباشرة أو عبر وسائط، والأخيرون موجودون في كل عصر.
(46) نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، قم، انتشارات دار الهجرة، الخطبة 91 المعروفة بخطبة الأشباح، ص 133-134.
(47) راجع الصفحات 90 – 91 من هذا الكتاب.
(48) الحديث رواه الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» (1/220) عن الإمام الصادق (ع) قال: «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ طَلَباً لِفَضْلِهَا فقِيلَ لَهُ إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يُؤَخِّرُونَ الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكُ النُّجُومُ فَقَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي الْخَطَّابِ».
(49) هذا الخبر رواه المجلسيّ في البحار ج52/ص151 نقلا عن كتاب الاحتجاج للطبرسي.
(50) لم أجد من الرجاليين من وصفه بالغلو، بل وصفوه بالثقة وصحة الحديث، وإن طعنوا فيه لوجهين الأول لروايته عن الضعفاء والثاني لقوله بالجبر والتشبيه. مثلاً قال عنه النجاشي في رجاله (ص 373): «محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي أبو الحسين الكوفي: ساكن الري. كان ثقة، صحيح الحديث، إلا أنه روى عن الضعفاء. وكان يقول بالجبر والتشبيه وكان أبوه وجها... مات سنة 312ه-». وذكره ابن داود الحلي في رجاله (ص 302) في عداد الضعفاء وقال: «محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي أبو الحسين الكوفي ساكن الري يقال له محمد بن أبي عبد الله لم [جش‏] كان ثقةً صحيحَ الحديث غير أن فيه طعناً أوجب ذكره في الضعفاء.». فالمحصلة أن رواياته غير موثَّقة تحتاج إلى ما يجبر ضعفها.
(51) هي «زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، امْرَأَةُ سَلامِ بْنِ مِشْكَمٍ» من نساء خيبر والحادثة وقعت بعد فتح خيبر انتقاماً لمن قُتِل فيها من اليهود. (السيرة النبوية لابن هشام 2/337-338).
(52) وذكر أرباب السير أنه صلى الله عليه وآله وسلم احتجم بعد ذلك وأنه تأثر من الأكلة رغم أنه لفظها من فمه بعد أن لاكها حيث أخبره الله تعالى بالسم فيها، وقال يوم مرضه الذي توفي فيه: «إنّ هَذَا الأوَانَ وَجَدْتُ فِيهِ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ الأكْلَةِ الّتِي أَكَلْت.. بِخَيْبَرِ، قَالَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلّمَ - مَاتَ شَهِيدًا، مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللّهُ بِهِ مِنْ النّبُوّةِ» السيرة النبوية لابن هشام، 2/337-338.
(53) الكفعمي، مصباح الكفعمي، ص 252.
(54) انظر ابن هشام، السيرة النبوية، 1/626.
(55) الكليني، أصول الكافي، باب أن الأئمة كلهم قائمون بأمر الله تعالى، الحديث رقم 2، ج1/ ص536.
(56) الكليني، أصول الكافي، بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّوْقِيتِ، ج1/ص368، ح2 ونصه: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِهْزَمٌ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي نَنْتَظِرُ مَتَى هُوَ؟ فَقَالَ: يَا مِهْزَمُ! كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وَهَلَكَ الْمُسْتَعْجِلُونَ وَنَجَا الْمُسَلِّمُونَ» وح 3 ونصه: «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ الْقَائِمِ؟؟ (ع) فَقَالَ: كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ! إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لا نُوَقِّتُ».
(57) نهج‏ البلاغة، 235- ومِنْ كَلامٍ لَهُ (ع) قَالَهُ وَهُوَ يَلِي غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَتَجْهِيزَهُ، ص 355.
(58) هو ثاني السفراء الأربعة المتتالين المعتمدين لدى الإمامية في فترة الغَيبة الصغرى.
(59) الزُّؤَانُ والزُّوَانُ: ما يخرج من الطعام فيرمى به، والزُّؤان: ردي‏ء الطعام وغيره. وهو حبٌّ يكون في الطعام، وفي الصحاح: هو حبٌّ يخالط البُرَّ، وخص بعضهم به الدَّوْسَر، واحدته زُؤَانة وزُوَانة. (لسان العرب: ج 13 / ص 193 وص 200).
(60) من الجدير بالذكر أن الفطحية فرقة من الشيعة قالت بإمامة عبد الله بن جعفر، بعد وفاة أبيه الإمام جعفر الصادق (ع)، لأنه كان أكبر أولاده سناً وجلس مجلس أبيه بعده، وادعى الإمامة ووصية أبيه له، وسُمُّوا بالفطحية لأن عبد الله بن جعفر هذا كان أفطح الرأس وقال بعضهم كان أفطح الرجلين، وقد مال إلى إمامة عبد الله عامة مشايخ الشيعة وفقهاؤها بعد وفاة جعفر الصادق ولم يشكوا إلا أن الإمامة في عبد الله وفي ولده من بعده. (انظر النوبختي (أبو محمد الحسن بن موسى) (300 أو310 ه-)، فرق الشيعة، صححه وعلق عليه السيد محمد صادق آل بحر العلوم، النجف 1355ه-.، وسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي (301ه-)، المقالات والفرق، صححه وعلق عليه د. محمد جواد مشكور، طهران، 1963 م.).
(61) الوارد في كتب الرجال أن أبا خالد الكابلي كان يخدم محمد بن الحنفية دهراً وما كان يشك في أنه إمام، حتى أتاه ذات يوم فقال له جعلت فداك! إن لي حرمةً ومودةً وانقطاعاً فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟؟ قال، فقال: يا أبا خالد حلَّفْتَني بالعظيم، الإمام علي بن الحسين (ع) عليَّ وعليك وعلى كل مسلم. عند ذلك صار أبو خالد الكابلي إلى القول بإمامة علي بن الحسين (زين العابدين). انظر رجال ‏الكشي (ص 120-121).
(62) هذا من أوهام المؤلف ربما بسبب اعتماده على ذاكرته، فالواقع أنهما ليسا شخصين بل شخص واحد هو الْعَمْرَكِيِّ الْبُوفَكِيِّ كما في أصل نص الحديث في كتاب بحار الأنوار حيث لا وجود لواو العطف بينهما، هذا من جهة ومن الجهة الأخرى لم أرَ من وصف الْعَمْرَكِيِّ الْبُوفَكِيِّ بأنه من الغلاة، بل على العكس وصفته جميع كتب الرجال بأنه ثقة. مثلاً قال عنه النجاشي في رجاله (ص303): «العمركي بن علي أبو محمد البوفكي وبوفك قرية من قرى نيشابور. شيخ من أصحابنا، ثقة، روى عنه شيوخ أصحابنا...». وبمثل ذلك قال ابن داود الحليّ في رجاله (ص 147) والعلامة الحلي في الخلاصة (ص 227).
(63) انظر رجال الطوسي، تصحيح وتعليق: ميرداماد الأسترابادي، ج2/ص495. وفيه : «عن أبي أسامة، قال، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما فعل أبو الجارود؟! أما والله لا يموت إلا تائها.» و«عن أبي بصير، قال: ذكر أبو عبد الله عليه السلام كثير النواء، وسالم بن أبي حفصة، وأبا الجارود، فقال: كذابون مُكَذَّبون كفار عليهم لعنة الله، قال قلت: جعلت فداك كذابون قد عرفتهم فما معنى مُكَذَّبون؟ قال: كذابون يأتونا فيخبرونا أنهم يصدقونا وليسوا كذلك، ويسمعون حديثنا فيكذبون به.».
(64) قال عنه ابن الغضائري في رجاله (ص 58): « داوود بن كثير بن أبي خالد، الرقي [أو البرقي]، مولى بني أسد. يروي عن أبي عبد الله (ع). كان فاسد المذهب، ضعيف الرواية، لا يُلتَفَت إليه».
(65) انظر مثلا قول النجاشي عنه في رجاله (ص 185): «490 - سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي: كان ضعيفاً في الحديث، غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها».
(66) انظر مثلا قول النجاشي في رجاله (ص 300) عنه: «817- عثمان بن عيسى أبو عمرو العامري الكلابي... كان شيخ الواقفة ووجهها، وأحد الوكلاء المُسْتَبِدِّين بمال موسى بن جعفر عليه السلام».
(67) انظر مثلا ما قاله عنه العلامة الحلي في رجاله (ص251): «18- محمد بن الحسن بن جمهور العمِّيّ عربي بصري روى عن الرضا عليه السلام كان ضعيفاً في الحديث غالياً في المذهب فاسداً في الرواية لا يلتفت إلى حديثه ولا يعتمد على ما يرويه.».
(68) جاء في رجال الكشي (ص 535-536): «ورد على القاسم بن العلا نسخة ما خرج من لعن ابن هلال، وكان ابتداء ذلك، أن كتب (ع) إلى قوامه بالعراق احذروا الصوفي المتصنع قال، وكان من شأن أحمد بن هلال أنه قد كان حج أربعا وخمسين حجة، عشرون منها على قدميه، قال، وكان رواه أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في مذمته، فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره فخرج إليه قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال لا رحمه الله، بما قد علمت لم يزل لا غفر الله له ذنبه ولا أقاله عثرته يداخل في أمرنا بلا إذن منا ولا رضى، يستبد برأيه، فيتحامى من ديوننا، لا يمضى من أمرنا إلا بما يهواه ويريد، أراده الله بذلك في نار جهنم، فصبرنا عليه حتى تبَّر اللهُ بدعوتنا عمرَه، وكنا قد عرفنا خبره قوما من موالينا في أيامه، لا رحمه الله وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا رحمه الله، وممن لا يبرأ منه.»
(69) كما قال عنه الشيخ الطوسي في الفهرست (ص 36) : «97- أحمد بن هلال العبرتائي: وعبرتاء قرية بنواحي بلد إسكاف وهو من بني جنيد، ولد سنة 180، ومات سنة 267ه-، وكان غالياً، متّهماً في دينه، وقد روى أكثر أصول أصحابنا.».
(70) هذا من أوهام المؤلف حيث خلط بين الواقفة والفطحية، فعلي بن الحسن بن فضال كان فطحياً ولم يكن واقفياً لذا لم يُذكر وصفه بأنه من الكلاب الممطورة في أيٍّ من كتب الرجال، إذ هي صفةٌ وصفوا بها الواقفة لا الفطحية (انظر رجال الكشي ص 460-461)، بل قد وثّقه أغلب رجاليِّي الشيعة رغم قولهم بفساد مذهبه إذ من المعروف أنه كان فطحيّاً، وقال بعضهم أنه رجع عن ذلك. مثلا قال عنه العلامة الحلي في رجاله (ص 37): «روى عن الرضا عليه السلام وكان خصيصا به وكان جليل القدر عظيم المنزلة زاهداً ورعاً ثقةً في رواياته» أما ابن داود الحليّ فقد ذكره في رجاله في قسم الضعفاء ربما لكونه فطحياً. وأما الفقيه محمد بن إدريس الحلي «رحمه الله» فقد طعن فيه طعناً شديداً في كتابه «السرائر» (ج1/ص495) وقال عنه في معرض تعليقه على روايتين مرسلتين: «وراوي أحدهما فطحي المذهب، كافر ملعون، وهو الحسن بن الفضال، وبنو فضال كلهم فطحية، والحسن رأسهم في الضلال..».
(71) قال الشيخ علي الخاقاني (1334ه-) في كتابه الرجالي بالمعروف ب- «رجال الخاقاني»: «الواقفية حال وقفهم يسمونهم الكلاب الممطورة تشبيها لهم بالكلاب المبتلة من المطر كل ذلك من التحاشي عنهم والتجنب لهم.». رجال الخاقاني، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، ط2، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404ه-، ص86.
(72) انظر رجال النجاشي ص 36 حيث وصفه بأنه كان من وجوه الواقفة وانظر الفهرست للطوسي ص 96 ورجال العلامة الحلي ص 97 حيث وصفه بأنه «ضعيفٌ جداً».
(73) راجع ما ذكرناه حول ذلك في الحاشية قبل أربع صفحات.
(74) المجلسي، بحار الأنوار، تحقيق محمد الباقر البهبودي، ط 3 مصححة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403ه-/1983م. ج52/هامش ص 159.
(75) جاء هذا ضمن الحديث الطويل رقم 172 الذي أورده المجلسيُّ في هذا الباب في الجزء 52 من بحار الأنوار: ص 277- 278.
(76) الكَلَب: شبيه بالجنون.
(77) زَيْد بْن وَهْبٍ الجُهَنِيّ: ذكره العلامة الحلي في أولياء علي عليه السلام في القسم الأول من خلاصته ص 194 والشيخ الطوسي في رجاله ص 42 في أصحاب علي (ع).. وفي أسد الغابة لابن الأثير ج2/ص243 أنه كان في جيش علي (ع) حين مسيره إلى النهروان وقال ابن عبد البر في هامش الإصابة ج1/ص544: إنه ثقة، توفي سنة (96). (انتهى ملخصاً من تعليقات السيد محمد باقر الخراسان على كتاب الاحتجاج للطبرسي، النجف، دار النعمان، 1386ه-/1966م، ج 2/هامش ص 10).
(78) جاء عنه في رجال ‏الكشي (ص 323): «عن عبد الله بن مسكان، قال، دخل حجر بن زائدة وعامر بن جذاعة الأزدي على أبي عبد الله (ع) فقالا جعلنا فداك، إن المفضَّل بن عُمَرَ يقول إنكم تُقدِّرون أرزاق العباد؟ فقال: والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إلى الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبري‏ء منه. قالا: أفتلعنه وتتبرأ منه؟؟ قال: نعم، فالعناه وابرأا منه بري‏ء الله ورسوله منه.». ثم ذكر في (ص 324) تصريحاً آخر للإمام الصادق عنه فقال: « قال أبو عمرو الكشي قال يحيى بن عبد الحميد الحماني، في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين (ع)، قلت لشريك إن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف في الحديث فقال: أخبرك القصة! كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، يستأكلون الناس بذلك ويأخذون منهم الدراهم، فكانوا يأتون من ذلك بكل منكر، فسمعت العوام بذلك منهم فمنهم من هلك ومنهم من أنكر، وهؤلاء مثل المفضَّل بن عُمَرَ وبيان وعمرو النبطي‏».
(79) سبق أن بينا حاله فراجعه ص 154.
(80) «محمد بن علي الكوفي» ذكر الشيخ في «الفهرست» والكشي في رجاله أن محمد بن علي الصيرفي الكوفي المعروف ب- «أبو سمينة» غال ومدلِّس، وعن الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذَّابون المشهورون: أبو الخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصايغ ومحمد بن سنان ومحمد ين علي الكوفي (أبو سمينة)، وأبو سمينة أشهرهم. (انظر المامَقَانيّ، تنقيح المقال، ج3 /ص157).
(81) محمد بن سنان: قال عنه الشيخ المفيد في رسالة «جوابات أهل الموصل في العدد والرؤيا» (ص20): «..محمد بن سنان، وهو مطعونٌ فيه، لا تختلفُ العصابةُ في تُهْمَته وَضَعْفه، وما كان هذا سبيلُهُ لم يُعْمَلْ عَلَيْهِ في الدِّين»، وقال عنه النجاشي في رجاله (ص252): «هو رجلٌ ضعيفٌ جداً لا يُعَوَّل عليه، ولا يُلتفت إلى ما تفرّد به». ويقول ابن الغضائري عنه: «محمد بن سنان غالٍ لا يُلتفت إليه». وقال ابن داوود في رجاله (ص505) بعد ذكره لمحمد بن سنان في قسم الضعفاء: «إن محمد بن سنان كان يقول: «لا تَرْوُوا عنِّي مما حدثتُ شيئاً، فإنَّما هي كُتُبٌ اشتريتُها من السوق!» ثم قال: والغالب على حديثه الفساد وعلماء الرجال متَّفِقُون على أنه من الكذَّابين.».
(82) يونس بن ظبيان: جاء عنه في «رجال الكشي» ( ص309) روايةً عن الإمام الرضا (ع) قال: «لعن الله يونس بن ظبيان ألف لعنة، تتبعها ألف لعنة، كل لعنة تبلغك قعر جهنم، أشهد ما ناداه إلا الشيطان، أما إن يونس مع أبي الخطّاب في أشد العذاب مقرونان»، وقال عنه ‏العلامة الحلي في رجاله (ص 266): «قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذابون المشهورون: أبو الخطاب ويونس بن ظبيان ويزيد الصائغ ومحمد بن سنان وأبو سمينة أشهرهم. وقال النجاشي إنه مولى ضعيفٌ جداً لا يُلْتَفَتُ إلى ما رواه، كلُّ كُتُبِهِ تخليطٌ. قال ابن الغضائري: يونس بن ظبيان كوفيٌّ غالٍ كذَّابٌ وضَّاعٌ للحديث روى عن أبي عبد الله (ع) لا يُلْتَفَتُ إلى حديثه، فأنا لا أعتمد على روايته لقول هؤلاء المشايخ العظماء فيه».
(83) الشيخ الصدوق، «الخصال»، المطبعة الإسلامية، ص 63
(84) بحار الأنوار 2/266.
(85) أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، ح1.
(86) الحديث رواه الكليني في أصول الكافي، بَابُ الْبِدَعِ وَالرَّأْيِ وَالْمَقَايِيسِ، ج1/ص54.
(87) والحديث رواه الكُلَيْني في الكافي ج2 /ص74 بلفظ قريب هو: «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! واللهِ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلا وقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ ومَا مِنْ شَيْ‏ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا وقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ...»‏.
(88) بينا حاله في حاشية التعليق على الحديث 23 من باب (22) فضل انتظار الفرج ومدح الشيعة في زمان الغيبة، فراجعه ثمة.
(89) المقصود بالقطائع الأراضي التي كان يُقطعها الخلفاء والملوك لبعض الناس ويهبونها لهم.
(90) من أراد التفصيل في بيان بطلان عقيدة الرجعة فعليه الرجوع إلى كتاب المرحوم الشيخ عبد الوهاب فريد التنكابني الموسوم ب- «الإسلام والرجعة».
(91) لم أجده بهذا اللفظ والمعروف قول الإمام علي بن أبي طالب في وصفه شمائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كما في بحار الأنوار (ج 16/ص147) نقلاً عن الأمالي للشيخ الطوسي): «... أَكْرَمُ النَّاسِ عِشْرَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَجْوَدُهُمْ كَفّاً...الحديث» والحديث رواه من أهل السنة الترمذي في كتابه الشمائل المحمدية (ص33) بلفظ قريب هو: «أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عِشْرةً... الحديث). ويشبه معناه ما رواه أبو الشيخ الأصفهاني في كتاب أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كان رسول الله من أحلم الناس وأصبرهم وأكظمهم للغيظ»، (أخرجه انظر هامش إحياء علوم الدين للغزالي ج7/ ص1282).
(92) ذكره الشيخ أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله (548ه-) في «إعلام الورى بأعلام الهدى» ص 83. والوارد في كتب أهل السنة في صحيح مسلم مثلاً: «قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ! قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» صحيح مسلم، ج4 /ص 2006 ح (2599).
(93) لم يوضح المؤلف كيف تنفي الآية القائم المنتظر، معتمداً على فهم القارئ، ولكن الفكرة قد لا تظهر لكل قارئ لذا أوضحها هنا فأقول: إن الآية موضع الاستشهاد تقول ما معناه «أننا لو أردنا أن ننزل آية صريحة قاطعة تجعلهم يستسلمون رغما عنهم لفعلنا ذلك والجواب المقدر: لكننا لم نفعل ذلك لأنه خلاف سنتنا في امتحان الخلق»، وعليه فالآية القرآنية تنفي إنزال الآية السماوية ولا تثبته. لكن واضع الرواية لم ينتبه إلى هذا المعنى وفسر الآية السماوية بأنها القائم المنتظر مع هذه الآية الكريمة تنفي إنزال الآية السماوية ولا تثبته!! ومن الواضح أن أولئك الوضاعين كانوا من أجهل الناس بمعاني آيات كتاب الله تعالى وبلغة العرب.
(94) «جابر بن يزيد الجعفي» قال عنه النجاشي في رجاله (ص 12): «روى عنه جماعةٌ غُمِزَ فيهم وضُعِّفُوا، منهم: عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح، ومنخل بن جميل، ويوسف بن يعقوب.وكان في نفسه مختلطاً... وقلَّ ما يورد عنه شيءٌ في الحلال والحرام.» وقال العلامة الحلي عنه في رجاله (ص35): «قال ابن الغضائري إن جابر بن يزيد الجعفي الكوفي ثقة في نفسه، ولكن جل من روى عنه ضعيفٌ، فممن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمر الجعفي ومفضل بن صالح والسكوني ومنخل بن جميل الأسدي. وأرى الترك، لما روى هؤلاء عنه، والوقف في الباقي إلا ما خرج شاهداً.... والأقوى عندي (أي عند العلامة الحلي) التوقف فيما يرويه هؤلاء، كما قاله الشيخ ابن الغضائري (ره).» وعلّق الشهيد الثاني على قول العلامة الحلي هذا قائلاً: «التوقُّف في ما رواه الضعفاء عن جابر لا محل له بل الواجب ردها جميعاً، والأجدر بالمصنف – أي العلامة – أن يتوقف بالروايات التي رواها جابر نفسه لأن الناس اختلفوا في مدحه وذمه، هذا إنْ لم نُقَدِّم قولَ الجارح».
(95) أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما، وأما في المصادر الشيعية فرواه الديلمي في إرشاد القلوب ج1 /ص40 بلفظ: «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وقَلَّ من يتجاوزها».
(96) الحديث أخرجه الإمام مالك بن أنس في الموطأ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، دار إحياء التراث العربي، (ج1/ص321، ح 698) قال: وحَدَّثَنِي زِيَاد عَنْ مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أُرِيَ... وذكر الحديث.
(97) سورة آل عمران/الآية 83.
(98) النَّهَاوَنْدِيِّ هذا هو إبراهيم بن إسحاق أبو إسحاق الأحمري النهاوندي: ضعيف، كما قال النجاشي والشيخ الطوسي وغيرهما (انظر: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مستدركات علم رجال الحديث، ج1/ص119 الراوي رقم: 101).
(99) قال عن ابن الغضائري في رجاله: «عبد الله بن حماد، أبو محمد، الأنصاري، نزل قم. لم يرو عن أحد من الأئمة وحديثه يعرف تارة وينكر أخرى، ويخرج شاهدا» أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي البغدادي، رجال ابن الغضائري، ص 78 – 79. وأيده العلامة الحلي في خلاصة الأقوال ( ص 110، رقم 40 ) إلا أنه قال: «وحديثه نعرفه تارة وننكره أخرى».
(100) لأهمية الموضوع أرى من المفيد أن أذكر بعض تلك النصوص التي أشار إليها المؤلف:  1- «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ» (نهج البلاغة، الخطبة 110). 2-  «وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، نَاطِقٌ لا يَعْيَا لِسَانُهُ، وَبَيْتٌ لا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ، وَعِزٌّ لا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ» (نهج البلاغة، الخطبة 133). 3- «وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ، لا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ ووُلُوجُ السَّمْعِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ..» (نهج البلاغة، الخطبة 156). 4- «ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ لَكُمْ، ولَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا مَضَى وَعِلْمَ مَا يَأْتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحُكْمَ مَا بَيْنَكُمْ» (نهج البلاغة، الخطبة 158). 5-  «وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ: زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، وَلا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنَىً؛ فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لأْوَائِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ، وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ، فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ، إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ..» (نهج البلاغة، الخطبة 176).
(101) الخطابية فرقة من الفرق الشيعية القديمة المغالية والمنقرضة كانوا أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع الملعون على لسان الإمام الصادق (ع) زعموا أنه لا بد من رسولين في كل عصر ولا تخلو الأرض منهما: واحدٌ ناطقٌ وآخر صامتٌ، فكان محمدٌ صلى الله عليه وآله ناطقاً وعليٌّ صامتاً، وتأوّلوا في ذلك قول الله: ثم أرسلنا رسلنا تترى، ثم ارتفعوا عن هذه المقالة إلى أن قال بعضهم هما آلهة، ثم إنهم افترقوا لما بلغهم أن جعفر بن محمد (ع) لعنهم ولعن أبا الخطاب وبرئ منه ومنهم، فصاروا أربع فرق، فرقةٌ منهم قالت إن جعفر بن محمد هو الله وأن أبا الخطاب نبي مرسل أرسله جعفر وأمر بطاعته! وأباحوا المحارم كلها من الزنا واللواط والسرقة وشرب الخمور... ومن أتباع أبي الخطاب سموا المخمّسة لأنهم زعموا أن الله عز وجل هو محمد وأنه ظهر في خمسة أشباح وخمس صور مختلفة أي ظهر في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين... إلى آخر خرافاتهم. (انظر سعد بن عبد الله الأشعري القمي، المقالات والفرق، الصفحات من 27 إلى 57.).
(102) أحمد بن علي النجاشي (450ه-)، رجال‏النجاشي، قم‏، مؤسسة انتشارات اسلامى، 1407ه-، ص416.
(103) احمد بن الحسين بن الغضائرى (قبل 450 ه-؟)، رجال ابن الغضائري، قم، مؤسسه اسماعيليان، ط2، 1364 هجري شمسي، [7 أجزاء في 3 مجلدات]، ج 6 /ص 131.
 
+            +             +
 
 
 
 
 
 
 
B
 
 
المصدر
 
http://ijtehadat.com/subjects/tahkikilmi/tahkikilmi.htm
 

عدد مرات القراءة:
278
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :