آخر تحديث للموقع :

الخميس 24 رمضان 1442هـ الموافق:6 مايو 2021م 12:05:50 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ماذا بعد أن صارت إيران وطناً "قومياً" للشيعة؟ ..
ماذا بعد أن صارت إيران وطناً "قومياً" للشيعة؟
د. مدحت أحمد حماد
مدرس الدراسات الإيرانية بآداب سوهاج
مختارات إيرانية – العدد 46 مايو 2004 ( بإختصار )
 
هذا المقال يسلط الضؤ على العلاقة بين " التشيع " و " النزعة الفارسية " وأن هذه العلاقة علاقة استراتيجية تطمح للسيطرة على المنطقة المحيطة بها بداية لتعم العالم كله ! وهذه الإستراتيجية الإيرانية لا يقابلها للأسف أي إستراتيجية سنية ؟! ...... الراصد
ستظل الدولة الصفوية التي أعلن إسماعيل الصفوي قيامها في عام 1486 تمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ إيران على الإطلاق, فقد شكلت تلك الدولة الإطار الذي كان الإيرانيون يسعون إلى تحقيقه لكي تكون لهم شخصيتهم ومكانتهم الإقليمية والدولية خاصة بعد إقرارهم وتسليمهم بحتمية الدور الإسلامي الناتج عن إقرار إيران بقبولها الدين الإسلامي ديناً رسمياً لها بعد الفتح العربي الإسلامي لها في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فمنذ تلك اللحظة التاريخية التي دخل الإسلام فيها إيران والإيرانيون في سعي دائم لبلورة نمط جديد, ورؤية جديدة وفكر جديد يكون من أهم نتائجه المحافظة على "التميز" النوعي. النسبي الذي تتمتع به "الهضبة الإيراينة" منذ ما قبل الميلاد في إطار الحضارة البشرية.
الترحيب الإيراني بالإسلام ظل ينقصه دوماً هدف يتوازى مع هذا الترحيب فقد ظلت إيران طوال تسعة قرون تلهث أو تمضي من أجل بلورة شخصية ذات ملامح وخصائص وسمات مستقلة تتفق كما سبق القول مع المكانة الإقليمية والدولية التي كانت تتمتع بها إيران قبل الإسلام.
عندما وقعت حادثة كربلاء في عام 642هـ أدرك المسلمون فعلياً أن مذهباً جديداً قد تشكل في رحم الإسلام إن جاز لنا هذا التشبيه أو الوصف, وهو المذهب الذي ظل يمثل جدلية دينية فقهية مذهبية منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
لقد مثل المذهب الشيعي منذ ولادته وتشكله رسمياً هذا النمط من الجدلية المركبة في عناصرها وتوجهاتها وطموحاتها بل وفي طبيعتها وعناصرها المكونة لها.
لم تكن حادثة السقيفة التي شهدت مبايعة بعض أفراد النخبة للخليفة أبو بكر الصديق أحد ثاني اثنين سوى البذرة التي غرست من جانب المبايعين من دون قصد في رحم الإسلام, وهي البذرة التي أخرجت وأنتجت لنا المذهب الشيعي ومنذ تبلور "الرؤية" داخل مؤسسي وأصحاب هذا المذهب وجدناهم في حالة من السعي الدائم من أجل تحقيق:
أ-الاستقرار الجغرافي.
ب-إدراك المشروعية من جانب عامة المسلمين.
فمنذ بلورة هذا المذهب وهو يعاني حالة من التشرد الجغرافي بسبب السياسات الأموية والعباسية من بعدها هذه واحدة والثانية ان هذا المذهب ظل يعاني من فقدان "المشروعية" بين عامة المسلمين وكلا العنصرين شكلاً معاً الدوافع الحقيقية من أجل تحقيق الهدف المقدس لهم الذي يمكن بلورته في السعي من أجل تحقيق وإيجاد وطن قومي للشيعة.
وطوال قرون تسعة عانى الشيعة من حالة التذبذب الجغرافي والشرعي رغم نجاحهم النسبي في اتخاذ مصر وطناً قومياً لهم في فترة الفاطميين.
ولكن نظراً لأن تقديراً إلهياً آخر كان قد قدر في الكتاب ومنذ الأزل بأن إيران هي التي ستصبح وطناً قومياً للشيعة فقد تبدلت المقاعد وصارت مصر قلعة لأهل السنة عبر بوابة الأزهر الذي أسسه قائد فاطمي شيعي ثم أصبحت إيران وطناً قومياً للتشيع بعد أن كانت أرضاً صالحة ومنتجة لفقهاء المذهب السني طوال قرون تسعة.
من هنا فإنه عندما خرج إسماعيل الصفوي حفيد الشيخ صفي الدين الأردبيلي مؤسس الأسرة الصفوية ليعلن اتخاذ المذهب الشيعي الاثنى عشري مذهباً رسمياً إيران كانت إيران هي الأخرى قد أعلنت عن استعدادها لاحتضان هذا المذهب ولأن تصبح بالفعل وطناً قومياً للشيعة.
في ظل هذه الثنائية والمزاوجة المتبادلة تعيش إيران منذ أكثر من خمسة قرون وانطلاقاً من أرض إيران نجح الاستعمار الحديث طوال القرون الماضية في تغذية العداء التاريخي بين السنة والشيعة وهو العداء الذي أراق دماءً إسلامية كما نعتقد أكثر مما سببته العناصر الخارجية الأخرى.
لن نخوض في حديثنا في غياهب الفقه السني والشيعي ولكن هذا لا يمنعنا من التقاط عدد من المفردات الاستراتيجية التي ترسم من خلالها وعلى أساسها الرؤى والسياسات والممارسات خاصة فيما يتعلق بالمذهب الشيعي.
في البداية أكاد أجزم بأن "طموحاً استراتيجياً" هو الذي يميز المذهب الشيعي عن المذهب السني بعبارة أخرى أعتقد بأن المذهب الشيعي لديه رؤية واضحة المعالم والحدود ترتبط بكل عناصر المستقبل وتحدد أو تشكل في الوقت نفسه طموحاً استراتيجياً يسعى الشيعة إلى تحقيقه ونظن أن كلمة السر أو المفتاح الرئيسي في هذا الطموح يتمثل في عقيدة الإمامة التي تمثل ركناً ركيناً في الفقه الشيعي حيث توجب وتفرض على الشيعي ضرورة الاعتقاد في الإيمان بـ الإمامة.
والإمامة في أبسط تعريف لها تعني ضرورة وجود إمام للأئمة يقوم على أمرها ويتولى شأنها ويحقق طموحاتها ويرسم سياساتها مهما كانت طبيعة الزمان أو المكان والإمامة أيضاً تعني نوعاً أو مستوى من التفويض الإلهي للإنسان - أي الإمام - لكي يخلفه على الأرض بوصفه خليفة الله في أرضه وفي البدء كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإمام وكان له ما لـ "خليفة الله" في الأرض وقد حدد الله تعالى ما للإمام أي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم.
وبوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام انتقلت مهام "الإمام" إلى خليفته وهو يعد أول الأئمة الحقيقيين بعد الرسول والمقصود به الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, ثم انتقلت بعد وفاته إلى أبنائه وأحفاده الذين يرى الشيعة بأنهم هم الأئمة المهديون المعصومون الأطهار.
الإمامة في المذهب الشيعي يبدو أنها ذات طبيعة ثلاثية فهي غاية وهدف ووسيلة وقبل هذا وبعده هي عقيدة أساسية حتمية تعني أن هناك إطاراً عقائدياً محدداً ومرسوماً هو الذي يقود الحركة الإنسانية حتى تصل في نهايتها إلى الهدف المنشود ألا وهو ملء الأرض بالعدل بعد أن كانت أو تكون قد امتلأت بالظلم والزور.
نحن إذاً أمام هدف استراتيجي حدوده الجغرافية هي الأرض أي "كل الكرة الأرضية" لسبب بسيط وهو أن الدين الإسلامي آخر الديانات وهو دين خاص بالناس كافة وهو دين عالمي إذن الكرة الأرضية كلها هدف استراتيجي للعقيدة الإمامية لست أنا الذي يقول بهذا بل يقوله فقهاء الشيعة أنفسهم.
من هنا يتضح لنا في قفزة نوعية في حديثنا هذا أن "ولاية الفقيه" ما هي إلا "مرحلة انتقالية" ذات طبيعة تكتيكية من أجل الوصول إلى وتحقيق الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إلى تحقيقه عقيدة الإمامية.
لقد كانت إيران إحدى الدولتين اللتين كانتا تقتسمان العالم طوال قرون طويلة, وهي أيضاً واحدة من أهم المناطق الجغرافية على طول الرقعة الجغرافية الإسلامية التي شهدت تشكيل امبراطوريات ممتدة الأطراف كما يحلو للمؤرخين أن يستخدموا مثل هذه الأوصاف الامبراطورية العثمانية, الامبراطورية الصفوية والدولة التيمورية في الهند كانت هذ الدول أو الأسر الثلاث التي تحكم وتتحكم في أمر المسلمين بداية من القرن التاسع الهجري وحتى الربع الأول من القرن العشرين.
هل اتضحت لنا أوجه الشبه أو العلاقة بين إيران وبين المذهب الشيعي؟ القاسم المشترك الأول والرئيسي بين هذين العنصرين إيران والمذهب الشيعي يتمثل فيها أسميناه وأطلقنا عليه الطموح الاستراتيجي.
نعم إن الطموح الاستراتيجي هو الذي زوّج بين هذين العنصرين وهو الذي يشكل أهم سمات وخصائص تلك الرقعة الجغرافية .
نكاد نجزم أيضاً بأن هذا الطموح الاستراتيجي هو العامل الوحيد الذي سهل ويسر من أن تصبح إيران وطناً قومياً للشيعة.
تساؤلات عدة تطرح نفسها في هذا الصدد وهي ما مدى التسليم من جانب الآخرين بهذا الطموح الاستراتيجي؟ ومن هم هؤلاء الآخرون؟ وما موقف كل فئة منهم؟ وإلى أي مدى يمكن استثمار هذا الطموح الاستراتيجي لخدمة قضايا المنطقة ولخدمة التطور الإنساني والبشري؟ وهل يرى هؤلاء أن هذا الطموح الاستراتيجي مشروعاً أم لا؟ وهل يرون أنه يمثل إضافة أم قد صار عبئاً؟ وإن كان إضافة فلصالح من؟ وإن كان عبئاً فعلى من؟ وما هي آليات التعامل في كلا الاحتمالين؟
أتصور أن هناك خططاً استراتيجية قد باتت جاهزة للتطبيق الفعلي من جانب "إيران" في هذا الصدد وهي الخطط التي بدأ الإفراج عنها بما أطلق الإيرانيون عليه الخطة العشرينية لتنمية وتحديث إيران.
لكن هل لدينا إدراكاً حقيقياً بهذا "الطموح الاستراتيجي" القائم وفق ما ذكرناه على عنصري "التشيع" و"إيران"؟
وإن كان لدينا إدراك بهذا فهل قمنا نحن أيضاً بتحديد "طموحنا الاستراتيجي" وإن لم نكن قد قمنا بهذا فإن السؤال الأهم والأخطر هو: إلى متى سنظل الوحيدين بلا طموح استراتيجي؟ 
عدد مرات القراءة:
431
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :