آخر تحديث للموقع :

الجمعة 2 شوال 1442هـ الموافق:14 مايو 2021م 10:05:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الجسم الهورقليائي ..
الكاتب : فيصل نور ..
     مصطلح يتردد كثيراً عند الشيعة وعلى الأخص الشيخية (الأحسائية) منهم. وتعريفه أنه جسم لطيف بين المادة والروح ، كالبرزخ أو الحد الفاصل بين العالم المحسوس وعالم الغيب.
     وأصل اللفظة سريانية، ومعناها : عالم المثال.
     وجاء إستخدام الأحسائي لهذا المصطلح في سياق كلامه عن معاد الأجسام يوم القيامة ومعراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال مثلاً أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم عرج ببدنه البرزخي (الهورقليائي)، ثم استدل لذلك بقوله : أن الصاعد كلّما صعد ألقى في كل رتبة من المراتب المذكورة ما فيها، فمثلاً إذا تجاوز كرة الهواء ألقى ما فيه من الهواء، وإذا تجاوز كرة النار ألقى ما فيه وإذا رجع أخذ ماله من كرة النار، وإذا وصل إلى كرة الهواء أخذ ماله من الهواء. ومن هنا فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم عندما عرج إلى السماء ألقى في كل كرة واحداً من تلك العناصر الأربعة في كرته، فعرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببدن فاقد لهذه العناصر. ومثل هذا البدن لا يمكن أن يكون بدناً عنصرياً، فليس هو إلا البدن البرزخي (الذي أسماه الهورقليائي).
     فالعوالم عند الأحسائي ثلاثة أولها عالم الأجسام ويعني به عالم الدنيا وعالم الملك وهو المختص بالجسد العنصري، وثانيها: عالم النفوس وهو ما يعني به عالم الملكوت وهو المتعلق بالجسد الباقي بعد المعاد، وثالثها: عالم البرزخ وهو وسط بين الأول والثاني فهو عند خروج الروح بالجسم الأول الفاني ثم تعود إلى الجسم الثاني وهو الباقي فتخرج للحساب.
     وأثر وتأثر الأحسائي بكلام الفلاسفة واضح في عقيدة هذه، إذ أن الفلاسفة يرون أن الفلك غير قابل للخرق والالتئام فمرور البدن يستلزم ذلك لما له من كثافة، فحاول أن يرضي كلاً الطرفين سواء أولئك القائلين بروحانية المعراج النبوي أو القائلين بجسمانيته،  فقال بالبدن الهورقليائي وكثافة ولطافة الأجسام وأن الجسم اللطيف حال مروره بالفلك لايحدث خرق بعكس الجسد العنصري. فالأجسام في هذا العالم على نوعين : أجسام عنصرية، وأجسام فلكية. والجسم العنصري هي العناصر الأربعة المعروفة : الماء، والتراب، والهواء، والنار.
     وأوّل كرة تبدو لنا هي كرة التراب وهي مركزُ العالم، ثم تليها كرة الماء ثم كرة الهواء، وتأتي بعد كل هذه الثلاثة كرة النار، وكل من هذه الكرات محيطة بالأخرى، وهنا (أي وعند كرة النار) تنتهي الكرات، وتبدأ الأجسام الفلكية.
     والمقصود من الأجسام الفلكيّة هي الأفلاكُ التسعة التي تقع الواحدة فوق الأخرى وتحيط الواحدة بالأخرى على هيئة قشور البصل، وهي متصلة بعضها ببعض من دون فاصلة بينها وهي غير قابلة للاختراق والالتئام (أي الشق والالتحام) والفصل والوصل ولا يستطيع أيّ شيء من اختراقها والتحرك فيها بصورة مستقيمة لأن ذلك يستلزم انفصام أجزاء الفلك.
     من هنا يكون المعراج الجسماني مستلزماً لأن ينطلق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من مراكز العالم ويصعد بصورة مستقيمة إِلى الأعلى عابراً الكرات العنصرية الأربع، ومخترقاً الأفلاك التسعة الواحد تلو الآخر، بينما يستحيل خرق هذه الأفلاك ثم التحامها حسب نظرية بطليموس وفرضيّته الفلكية[1].
     وكذلك يتعلق الأمر بالمعاد، وخلاصته عند الأحسائي أنه قال بالمعاد الروحاني في الجسد الهورقليائي وأنكر المعاد الجسماني بالبدن العنصري[2].
     وثمرة كلامه عن المعاد يتضح من خلال إجابته عن شبهة الآكل والمأكول وهي من أقدم الشبهات التي استدل بها منكرو المعاد الجسماني ولها صورتان:
      الصورة الأولى : إذا أكل إنسان إنساناً بحيث عاد بدن الثاني جزءاً من بدن الإنسان الأول، فالأجزاء التّي كانت للمأكول ثم صارت للآكل، إمّا أن تعاد في كل واحد منهما، أو تعاد في أحدهما، أو لا تعاد أصلا.
     الصورة الثانية: لو أكل إنسان كافر، إنساناً مؤمناً، فيلزم تعذيب المؤمن، لأن المفروض أن بدنه أو جزءاً منه، صار جزء من بدن الكافر، والكافر يُعَذَّب، فيلزم تعذيب المؤمن.
     فرد الأحسائي على هذه الشبهة بأن جسد الإنسان مثل الخيال لايفنيه شيء لا حرق بالنار ولا أكل حيوان لأنه جسد باقي فقال : وفك الشبهة هو أن أجزاء بدن زيد الأصلية التي تتعلق بها نفسه في الدنيا والآخرة ليست من هذه الدنيا وأنما هي من عناصر هورقليا أهبطها الله تعالى بحكمته إلى هذه الدنيا التي هي دار التكليف فلحقها من هذه الدار أعراض غريبة أجنبية فإذا أكله عمرو اغتذى بالغريبة الأجنبية.
     وأما الأصلية فلا يغتذى بشيء منها ولا يستحيل منها غذاء بوجه من الوجوه لأنها ليست من هذا العالم فلو أكلها ألف حيوان وحرقت مع ما تعلق منها من الأعراض الغريبة في الدنيا بجميع النيران ما ذهب منها قدر ذرة وهي التي خلق منها أول مرة وهي الطينة التي تبقى مستديرة[3].
     ويزيد في شرح الأمر فقال:أن الشخص بحقيقته وطينته الأصلية نزل بتمامه من عالم هورقليا وهو عالم البرزخ الذي فيه جنان الدنيا ونيران الدنيا وفيه جنة أبينا آدم عليه السلام وجميع من كان من ذرية آدم عليه السلام فجسده خلق من عناصر هذا العالم أعني عالم هورقليا وعالم البرزخ فلما نزل إلى هذه الدنيا لحقته أعراض عرضت له من دار الدنيا وبها كانت الأجساد كثيفة وثقيلة ومحجوبة فإذا أكله شخص آخر اغتذى الأكل بتلك العوارض لأن الأجزاء الأصلية هي الشخص المأكول وهذه العوارض في الأصلية كالوسخ في الثوب فإن الثوب إذا لحقه الوسخ وغسل رجع إلى أصله من غير أن يذهب منه شيء وإنما ذهب الوسخ العارض والأجزاء الأصلية لا تتسلط عليها المعدة ولا تهضمها القوة الهاضمة بل لو حرق في نار هذه الدنيا ألف مرة لم تحترق منها ذرة ولم تتسلط عليها النار فلم يكن شيء من المأكول جزءا من الآكل فهما يعادان معا[4].
     ويدل كلامه على أن الأجزاء الأصلية من جسد الإنسان نزلت من عالم هورقليائي ولايمكن الوصول إليها ولا يلحقها فناء لا بحرق ولا هضم وأما الذي يؤكل ويحرق من هذا الجسد فهي العناصر الغريبة الأجنبية التي عرضت له مثل الوسخ في الثوب فإذا أنت أمام جسد خيالي لايرى ولاتصل إليه الحواس[5].

[1] أنظر للمزيد : سيد المرسلين، لجعفر السبحاني، 1/546
[2] الشيخية، لمحمد الطالقاني، 262
[3] شرح العرشية، لأحمد الأحسائي، 2/358
[4] شرح العرشية، لأحمد الأحسائي، 2/375
[5] أنظر فرقة الشيخية (نشأتها وعقائدها) في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، لعادل صمهود.

عدد مرات القراءة:
1218
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :