آخر تحديث للموقع :

الأحد 27 رمضان 1442هـ الموافق:9 مايو 2021م 04:05:24 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الشيخ اليعقوبي يصب الزيت على نار الفتنة الطائفية ..
صوت العراق) - 25-03-2015 | www.sotaliraq.com

ضياء الشكرجي

dia.shakarchi44@yahoo.de

www.nasmaa.org

أمر غريب. لا أدري كيف يريد الشيخ محمد اليعقوبي المرجع الأعلى لحزب الفضيلة أن يتحمل مسؤولية هكذا خطاب في هذا الظرف الحساس والخطير.

خطبته في مناسبة ذكرى وفاة فاطمة الزهراء كانت موجهة ضد مشاعر السنة، عبر المساس برموزهم، وكذلك موجهة ضد الديمقراطيين والديمقراطية، بل ضد الدستور كما سأبين.

عندما سمعت مساء هذا اليوم مقتطفات من كلمة الشيخ محمد اليعقوبي على قناة (الحرة – عراق) في أخبار الثامنة بتوقيت بغداد (العراق اليوم)، فزعت من الكلمات التي وردت، ولم أرد أن أصدق سمعي، فسارعت إلى الغوغل، وبحثت فورا عن النص الكامل للكلمة.

لا أدري، هل يعي هذا الرجل ما يقول؟ هل الآن وقت إثارة موضوع سلب عليّ حق الخلافة من قبل أبي بكر وعمر؟ هل الآن وقت إثارة النعرات الطائفية بهذه الصورة، وتشبيه رموز السنة، أبي بكر وعمر وسائر من كان معهما، تشبيههم بفرعون وآل فرعون، ناهيك عن كلامه ضد الديمقراطية والحداثة وما سواها من مفردات ثقافتنا نحن الديمقراطيين العلمانيين.

في الوقت الذي نتطلع فيه إلى وحدة العراقيين من شيعة وسنة ومسيحيين وإيزيديين، وعرب وكرد وتركمان، وجميع قوميات وأديان ومذاهب وقبائل شعبنا، ليوجهوا حربهم الميدانية، وحربهم السياسية والإعلامية والثقافية ضد العدو المشترك، تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي لم نعرف في تاريخنا الحديث شبيها له بشراسته وقسوته ووحشيته وبربريته ولاإنسانيته، باستثناء الديكتاتور الهالك صدام ونظامه البعثي الدموي، مع إن داعش قد فاقه وحشية.

اليعقوبي يقول فيما يقول في كلمته: «لما عقد المنقلبون على الأعقاب [ويعني أبا بكر وعمر] عزمهم على نبذ كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، ومخالفة وصية رسول الله (ص) في الخليفة من بعده، وإقصاء أمير المؤمنين (ع) عن مقامه، وواجهوا النبي (ص) بذلك الكلام القاسي الذي فيه إعلان الحرب على الله تعالى ورسوله (ص) في رزية يوم الخميس، عندما أراد أن يؤكد الوصية ويكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً، وقال قائلهم [عمر بن الخطاب] (إن الرجل ليهجُر)، جمع النبي (ص) أهل بيته خاصة ونظر إليهم وبكى وقال لهم (أنتم المستضعفون بعدي).»

فأبو بكر وعمر وسائر الصحابة الحاضرون في سقيفة بني ساعدة، حسب اليعقوبي انقلبوا على أعقابهم، ونبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، وخالفوا وصية نبيهم، وواجهوه بكلام قاس، وأعلنوا الحرب على الله ورسوله. أليس هذا تكفيرا واضحا؟ ما فرقه عن تكفير التكفيريين الذين دمروا العراق على هذا النحو؟ ولست هنا بصدد المقارنة، إلا من حيث الفكر، لا من حيث الممارسة، فداعش قرن نهجه التكفيري بأبشع الصور البربرية. لكن ألا يمكن أن يفهم كلام اليعقوبي تحريضا على الانتقام من كل من يتبع أبا بكر وعمرا؟ يعني يا شيعة العراق انتقموا من السنة؟

ويستمر في كلامه بتشبيه فعل أولئك الصحابة بـ «فعل فرعون وآل فرعون ببني إسرائيل حينما استضعفهم كما في قوله تعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)». ولا يدع لتأويل كلامه لغير ما يريد مجالا، بل يضيف «وهكذا فعل القوم بآل بيت رسول الله (ص)»، ويعتبر ما حصل في عاشوراء امتدادا لسلوكهم، إذ يقول: «فقد كان شعارهم الذي صرّحوا به في يوم عاشوراء بعد أن كان مخفياً (لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقية)».

ولست بصدد الدفاع عن أحد من أولئك ولا إدانة أحد، لا تقديس فريق ولا تكفير فريق، فهذا ليس شأننا، ولكني أتكلم عن خطورة هكذا كلام في هكذا ظرف.

ويواصل تشبيه عليّ وأهل البيت ببني إسرائيل، وتشبيه مخالفيهم بفرعون وآل فرعون. فيستشهد فيما يستشهد على ذلك برواية عن علي قوله: «من أراد أن يسأل عن أمرنا وأمر القوم - أي خصومهم - فإنا وأشياعَنا يوم خلق الله السماوات والأرض على سنة موسى وأشياعه، وإن عدونا وأشياعه يوم خلق الله السماوات والأرض على سنة فرعون وأشياعه فنزلت فينا هذه الآيات).» ولو كان قد تكلم عن بني أمية بوصفهم الأعداء الذين يعنيهم، لهان الأمر، لكنه ربط كل ذلك بالشخصيات التي تعتبر مقدسة عند السنة.

ولست معنيا بالدفاع عن قداسة الخلفاء والصحابة وأمهات المؤمنين، ولا عن قداسة علي وفاطمة وأهل البيت. لكني أسأل: أوقته هذا يا شيخ؟

وهكذا يورد عن فاطمة قولها عن أبي بكر وعمر وبقية من معهما: «أما والله لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيّه لما اختلف في الله اثنان، ولورثها سلف عن سلف، وخلف بعد خلف، حتى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين (ع)، ولكن قدموا من أخره الله، وأخروا من قدمه الله، حتى إذا ألحدوا المبعوث وأودعوه الجدث المجدوث، اختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم، تباً لهم أولم يسمعوا الله يقول (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، بل سمعوا، ولكنهم كما قال الله سبحانه (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم، ونسوا آجالهم فتعساً لهم وأضل أعمالهم، أعوذ بك ياربّ من الحور بعد الكور).»

ثم لا يكتفي بذلك، بل ينظّر لعدم شرعية النظام السياسي القائم، لأن من شروط النظام الشرعي، كما يراه الشيخ، ألّا يدير الدولة وشؤونها إلا الذين «(أقاموا الصلاة)، فهم لا يكتفون بأداء الصلوات المفروضة عليهم كتكليف شخصي، وإنما يبذلون جهدهم لحث الناس جميعاً على الالتزام بها والمواظبة عليها، وجعل الصلاة وجوداً اجتماعياً مؤثراً في حياة الناس، ورادعاً لهم عن الفحشاء والمنكر، ويشعر الجميع بمسؤوليتهم عن إقامته والمحافظة عليه ...»، كما يريد ألا يتولى إدارة الدولة إلا الذين «(آتوا الزكاة) ...»، وإلا الذين «(أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) فلم يتركوا أهل المنكر يفعلون ما يشاؤون، بل وعظوهم وزجروهم واتخذوا الإجراءات الكفيلة بردعهم، حتّى لو اقتضى الأمر معاقبتهم، ولم يجاملوا أو يداهنوا كما يفعل الكثير من المتصدين اليوم تحت عناوين مخادعة، كالحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وفصل الدين عن الدولة، والحداثة، والعصرنة، والتقدم، ونحوها من الخدع والأباطيل.». وكأنه يدعو إلى تأسيس شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسيا بالسعودية وإيران. وأترك هذا النص بلا تعليق فهو يشرح نفسه، فهي دعوة واضحة إلى عدم الاكتراث بما أسماها بـ «الخدع والأباطيل»، من حرية، وديمقراطية، وحقوق إنسان، ومجتمع مدني، وفصل للدين عن الدولة، وحداثة، وعصرنة، وتقدم، ودعوة واضحة منه إلى ملاحقة «أهل المنكر»، و«عدم ترك أهل المنكر يفعلون ما يشاءون، بل وعظهم وزجرهم وردعهم بالإجراءات الكفيلة بذلك». ولا نحتاج إلى شرح ما الذي يعتبره الشيخ منكرا. فهي دعوة لنقض الدستور، وكل الحريات التي كفلها، والحقوق التي ثبتها، وأوجب على الدولة مراعاتها وضمانها.

ثم يعتب على الإسلاميين الذين لم يطبقوا برنامجهم الإسلامي في تحكيم الشرع، فقال عنهم: «كالذي نشهده اليوم من تخلّي الكثيرين ممن وصل إلى السلطة عن أهدافهم وشعاراتهم والخصائص التي أشرنا إليها».

يا ناس، العراق في خطر، الفتنة حريق لا يرحم، إن ارتفعت وانتشرت ألسنة ناره، وداعش يمثل كارثة العصر حقا، ومن أسلحة مواجهة هذا الخطر العظيم، قول وفعل كل ما من شأنه أن يوحّد ولا يفرّق، واجتناب كل ما يصبّ الزيت على نار الفتنة.

وبالرغم من أني من أشد المعارضين لتدخل المرجعية في الشأن السياسي، أقول إن أداء المرجعية أكثر تجسيدا بكثير من كلمات إثارة الفتنة لليعقوبي، وأكثر تحليا بتحمل المسؤولية بكثير. فقد نبهت المرجعية إلى خطر التجاوزات على السنة في المناطق المحررة، ونهت عن رفع الصور والرايات الخاصة، وهي كما أفهم لا تعني بالصور صورة السيد السيستاني وحده، وإن كان هذا الذي ذكره ممثل المرجعية في خطبة الجمعة، بل لعله يشمل ذلك صور خامنئي، وربما لا تعني بالرايات الخاصة، رايات السرايا والكتائب (حتى لا أقول الميليشيات) العائدة لأحزاب سياسية إسلامية شيعية وحدها، بل كذلك الرايات التي ترفع عادة أثناء المواسم الشيعية، مثل «يا حسين»، «يا زهراء»، «يا أبا الفضل»، وغيرها، والتي رأيناها في أخبار اليوم ما زالت مرفوعة، والتي من شأنها تأكيد شيعية المعركة.

لا يسعني قبل أن أختم إلا أن أنحني أمام بطولات المقاتلين من أجل تحرير العراق من داعش، وأمام شهداء معركة التحرير، وأن أدعو الله بالتعجيل بالنصر على قوى الظلام المتوحشة، وبإطفاء نار الفتنة، ومباركة دعوات وجهود توحيد الصف.

ثم أرجع فيما يتعلق بموضوع المقالة لأتساءل: متى نتعلم؟ متى نفهم؟ متى نكون بقدر المسؤولية؟ متى نزن أقوالنا في وقت يجب أن توزن بالمثاقيل والميكرغرامات؟ متى نترك التاريخ يستريح ويريح؟

24/03/2015
عدد مرات القراءة:
1199
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :