آخر تحديث للموقع :

الأحد 23 رجب 1442هـ الموافق:7 مارس 2021م 11:03:20 بتوقيت مكة

جديد الموقع

«حزب الله» اللبناني.. إنهاك إقليمي وتململ «عشائري شيعي» في الداخل ..

تاريخ الإضافة 2014/11/17م

بيروت: منى علمي
سلط خطاب السيد حسن نصر الله زعيم «حزب الله» في ذكرى عاشوراء أخيرا الضوء على التبدل الحاصل في أولويات «المقاومة الإسلامية في لبنان»، كما يصف نفسه؛ فرغم التزام الحزب بمحاربة إسرائيل، شدد السيد نصر الله على الخطر الداهم الذي تشكله «الجماعات التكفيرية» على حد وصفه، وإذا بالحزب الذي لطالما تباهى بمقاومة إسرائيل، يضع نفسه في الصفوف الأمامية لقتال الجماعات الإرهابية مثل «جبهة النصرة» و«داعش» بدلا من ذلك.

لجأ نصر الله في الكلمة التي ألقاها في ذكرى عاشوراء إلى خطاب الحزب التقليدي مُستأنفا تهديده لإسرائيل. خاطب نصر الله عبر الشاشات عشرات الآلاف من أنصاره الذين احتشدوا في الذكرى السنوية لعاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت متوعدا إسرائيل بـ«إغلاق مطاراتها وموانئها في حال اندلاع حرب مع لبنان؛ لأنهم لن يجدوا مكانا على امتداد فلسطين المحتلة لا تصل إليه صواريخ المقاومة الإسلامية في لبنان». وأضاف أن «الذي يمنعهم من العدوان على لبنان، واستغلال فرصة الأحداث في سوريا وانشغال جزء عزيز من مقاتلي (حزب الله) في سوريا، هو معرفتهم أن المقاومة في لبنان عينها لم تغفل لحظة واحدة عن الحدود مع شمال فلسطين المحتلة».

بالنسبة إلى البروفسور في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت هلال خشان، قال: «اعتاد العرب منذ نكبة فلسطين عام 1948 زجّ إسرائيل في خطاباتهم لإضفاء طابع شرعي عليها، إلا أنه من الجلي أن التركيز الأساسي في خطاب السيد حسن هذا العام تمحور حول الوضع في سوريا».

فالسيد نصر الله فضل التطرق بإسهاب إلى الحرب الدائرة في سوريا، مؤكدا أن «حزب الله» عازم على محاربة المتطرفين السنة هناك، وتوقع أن هذه الظاهرة ستهزم في المنطقة، وقال: «التكفيريون لا مستقبل لهم، لا حياة لمشروعهم... ستلحق الهزيمة بهؤلاء التكفيريين في كل المناطق والبلدان، وسيكون لنا شرف أننا كنا جزءا من إلحاق الهزيمة بكل هؤلاء»، كلمات لاقت استحسانا كبيرا وتأييدا من الجماهير المحتشدة التي أعلنت ولاءها للسيد مُرددة عبارة: «لبّيك نصر الله».

أدت الحرب في سوريا إلى نوع من الازدواجية في مواقف «حزب الله» الذي توسع دوره إقليميا بشكل واضح؛ فقد اختار الحزب في سوريا مُساندة نظام بشار الأسد طوال 3 سنوات. من ناحية أخرى، أوردت تقارير نشرت أخيرا في الـ«أسوشييتد برس» دورا للحزب في العراق، إذ ذكرت وكالة الأنباء أن «حزب الله» بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني كان «يوفر التدريب على الأسلحة لنحو 7000 عنصر من الجنود ومقاتلي الميليشيات» على الخطوط الأمامية في جرف الصخر في العراق. كما نقلت وكالة «أسوشييتد برس» مقتل أحد قياديي الحزب ويدعى إبراهيم محمد الحاج في «مهمة جهادية» في العراق في شهر يوليو (تموز) الماضي.

نجح إذن الحزب في توسيع دائرة نفوذه من حيث السياسة الإقليمية، وتمكن من اختبار قدراته العسكرية بتفوق في سوريا والعراق. إنما رغم قدراته العسكرية المعززة، يبقى الوضع غير المستقر في لبنان وارتفاع حدة التوترات الطائفية وكذلك الهجمات الإرهابية، تشكل تهديدا جديا له.

فقد شهد شهر سبتمبر (أيلول) موجة من عمليات الخطف والخطف المضاد التي نفذها بعض من أقارب عناصر الجيش والقوى الأمنية الذين كانوا قد اختطفوا أثناء معارك جرت في شهر أغسطس (آب) بين الجيش اللبناني والجماعات المتطرفة السورية مثل «جبهة النصرة» ومنظمة داعش في بلدة عرسال الحدودية اللبنانية. عمد تنظيم داعش و«جبهة النصرة» إلى تصفية 3 من هؤلاء الجنود المختطفين، أحدهم سني من شمال لبنان واثنان من الشيعة من البقاع. نتيجة لذلك، اتخذت الأحداث منعطفا دراماتيكيا في البقاع، وهي منطقة يقطنها السنة والشيعة، وحيث تهيمن على سهل البقاع العشائر الشيعية المعروفة أيضا باسم القبائل. يقول الخبير العسكري تيمور غوكسيل في هذا الصدد إن «(حزب الله) نفسه لا يستطيع السيطرة على العشائر الشيعية، بل يحاول عادة أن يصل إلى توافق معها». وقد تُرجم الحكم الذاتي الذي تتحلى به هذه العشائر في ازدياد حدة الاضطرابات في البقاع، ذلك أنه رغم مطالبة حزب الله بالتهدئة، اندلعت موجة أولى من عمليات الخطف بعد قطع رأس الجندي اللبناني عباس مدلج في 8 سبتمبر، وهزت منطقة البقاع موجة ثانية من عمليات الخطف بعد مقتل محمد حميه من قبل «جبهة النصرة». وإن دلت هذه الأحداث على شيء فهي تدل على أن العشائر البقاعية هي التي تمسك، على ما يبدو، بزمام الأمور في المنطقة. وتأكيدا على ذلك صرح أحد أعضاء العائلات البقاعية النافذة قائلا: «إن أمن أفراد عائلتنا يعلو على مصلحة (حزب الله) الموسعة. وهذا يعني أن الوضع في البقاع قد يتدهور إذا لم تحل أزمة الرهائن مجددا قبل أن يموت عدد أكبر من المخطوفين».

يضع استقلال العشائر الشيعية مزيدا من الضغط على الحزب الذي يواجه أيضا تحديات متزايدة في الداخل اللبناني بعد أن وصلت التوترات الطائفية إلى مستويات خطيرة. «قد يؤثر اندلاع نزاعات محلية سلبا على (حزب الله)، كما بشكل كبير على موارده وتستنفد قواه البشرية» ،وفق غوكسيل.

ضغوط لا شك سيتردد صداها سلبا في مختلف أنحاء المنظمة التي امتدت قدرتها العسكرية إلى العمق السوري. وقد قدرت مصادر مقربة من المنظمة أن أكثر من 5000 مقاتل من «حزب الله» يقاتلون في سوريا بجانب الرئيس السوري بشار الأسد، وأن ما يزيد على 600 منهم لقوا حتفهم في المواجهات خلال السنوات الـ3 الأخيرة. وعلى جبهة أخرى، أرسل «حزب الله» 250 خبيرا إلى العراق لدعم المسلحين الشيعة في الحرب ضد «داعش».

إلا أنه نتيجة لمشاركة الحزب في الحرب السورية وتوسع دوره الإقليمي في محاولة مواجهة الجماعات الجهادية «السنية»، بات الحزب هدفا في الداخل اللبناني، إذ هزت سلسلة من التفجيرات معاقله في مناطق عدة في لبنان، وآخرها استهداف 3 من عناصره على حاجز في البقاع.

تُرجم تورط «حزب الله» في سوريا والتحديات الأمنية المتزايدة التي يواجهها على أرضه في تحول واضح في استراتيجيته العسكرية بعيدا عن العدو التاريخي اللدود إسرائيل؛ فالحزب الذي ولد في البداية حركة دفاعية ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، أعاد توجيه اهتمامه بعيدا عن الداخل والجبهة الجنوبية، مركزا باتجاه سوريا والعراق. تجلت هذه النقطة خلال الحرب الأخيرة على غزة التي انتهت في 28 أغسطس وأدت إلا نزوح أكثر من 100.000 شخص، حيث اقتصرت مساعدات «حزب الله» لحماس على تعهد من قبل الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله خلال محادثة هاتفية مع خالد مشعل، بدعم حركة المقاومة في فلسطين بأي شكل من الأشكال. كما أسرعت الحكومة اللبنانية التي يشارك «حزب الله» فيها إلى وضع حد لهجمات صاروخية استهدفت الداخل الإسرائيلي وتبنتها جماعات لبنانية. هذا ولم يتخذ الحزب أي تدابير انتقامية على عكس عام 2006 عقب عملية «أمطار الصيف» في غزة التي تلتها حرب وحشية على لبنان أدت إلى وفاة أكثر من 1200 شخص.
من الواضح إذن أن «حزب الله» لا يرغب في الانجرار إلى مواجهة مع إسرائيل، بينما هو منهمك في صراعات في أماكن أخرى. ورغم وقوع الكثير من الحوادث الحدودية وآخرها سقوط طائرة استطلاع إسرائيلية في جنوب لبنان، يبدو أن الحزب مصمم على تجنب أي حركة قد تجر إسرائيل إلى التصعيد.

ولا شك أيضا أنه لا يزال للحزب حسابات خاصة ليسويها مع إسرائيل، لا سيما فيما خص اغتيال شخصيات بارزة من قيادييه في السنوات الأخيرة، إلا أنه يتجنب حاليا الدخول في طريق مسدود في صراعه ضد إسرائيل.

إن تورط «حزب الله» في حرب سوريا والصراع الطائفي المتنامي في لبنان قد أعاد تموضع المنظمة كحركة عربية مقاومة لإسرائيل، وجعلها عوضا عن ذلك حركة شيعية إقليمية وأداة أساسية بيد إيران لرسم السياسة الخارجية. «ورغم أن نصر الله قال إن الصراع في الشرق الأوسط هو صراع سياسي، نعلم جميعنا أن السياسة والدين في المنطقة هما وجهان لعملة واحدة، وقد يكون من الصعب، بل من المستحيل الفصل بينهما»، وفق خشان. - الشرق الأوسط.
عدد مرات القراءة:
1379
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :