آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

عقيدة الغيبة عند فرق الروافض وأسبابها ..
وفكرة الإيمان بإمام خفي، أوغائب تكاد توجد لدى معظم فرق الروافض التي وجدت في التاريخ الإسلامي (4).
فتذهب هذه الفرق بعد موت من تدعي الإمامة فيه من أهل البيت إلى إنكار موته، والقول بخلوده، واختفائه عن الناس، وعودته إلى الظهور في المستقبل، مهدياً يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي تدعي له العودة، كما تختلف في تحديد الأئمة وأعيانهم، الذين يعتبر الإمام الغائب واحداً منهم.
ويعد ابن سبأ اليهودي أول من أدخل هذه العقيدة عليهم، ولذا فإن القمي والنوبختي - وهما من شيوخهم في القرن الثالث - والشهرستاني قالوا: بأن السبئية أول فرقة قالت بالوقف على علي (5) وغيبته (6).
__________
(4) ولذلك سبب كشفته لنا وثائق الرافضة اليوم سيأتي ذكره بعد هذا البحث.
(5) أي: لم تسق الإمامة لمن بعده.
(6) انظر: المقالات والفرق للقمي ص (19 - 2.)، فرق الشيعة للنويختي ص (22)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 174).
ثم انتقلت هذه الفكرة من السبئية إلى الكيسانية (1) حيث قالت لما مات محمد بن الحنفية: (أحد أبناء أمير المؤمنين علي) وكانت تدعي أنه إمامها قالت: " إنه حي لم يمت، وهوفي جبل رضوى بين مكة والمدينة عن يمينه أسد، وعن يساره نمر، موكلان به يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه، وقد تغنى شعراؤهم بذلك حتى قال شاعرهم (كثير عزة):
ألا إن الأئمة من قريش
عليّ والثلاثة من بنيه
فسبط سبط إيمان وبرّ
وسبط لا يذوق الموت حتى
تغيب لا يرى عنا زماناً
ولاة الحق أربعة سواء
هم الأسباط ليس بهم خفاء
وسبط غيبته كربلاء
يقود الخيل يقدمها اللواء
برضوى عنده عسل وماء (2)
وقد حددت الكيسانية مدة غيبة ابن الحنفية بسبعين عاماً، وأنه سيظل هذه المدة بحبل رضوى؛ ثم يظهر فيقيم لهم الملك ويقتل لهم الجبابرة من بني أمية (3)، ولكن مضت السبعون سنة، ولم تتحقق هذه العودة.
__________
(1) وهي من فرق الروافض تقول: بإمامة محمد بن الحنفية، وسميت كيسانة نسبة للمختار ابن أبي عبيد الثقفي لأنه لقبه كيسان، وكذلك تسمى بالمختارية، والكيسانية فرق بلغت عند الأشعري إحدى عشرة فرقة، وقد ادعى المختار نزول الوحي عليه، وقال: بالبداء وضلالات أخرى.
انظر: عن الكيسانية: مقالات الإسلاميين (1/ 91)، الفرق بين الفرق ص (23، 39 - 53)، مسائل الإمامة للناشئ الأكبر ص (25) وما بعدها، المقالات والفرق ص (21 - 22).
(2) انظر: مسائل الإمامة ص (26)، مقالات الإسلاميين (1/ 92 - 93)، الفرق بين الفرق ص (41)، وقد أوردت كتب المقالات أيضاً أشعاراً في هذا المعنى لشعراء آخرين. انظر: مسائل الإمامة ص (26 - 29).
وقد نظم البغداي بعض الأبيات في الرد عليها. انظر: الفرق بين الفرق ص (41 - 43).
(3) مسائل الإمامة ص (27).
فاخترعوا عقيدة البداء (1) للتخلص من هذه المعضلة وما ماثلها، وحاول بعض شعرائهم توطين أصحابه، وتسكين ثائرتهم، وأن يرضوا بالانتظار، ولوغاب مهديهم عمر نوح - عليه السلام - فقال:
لوغاب عنا عمر نوح أيقنت
إني لأرجوه وآمله كما
منا النفوس بأنه سيؤوب
قد كان يأمل يوسف يعقوب (2)
__________
(1) وهي عقيدة حاولوا أن ينسبوا الجهل فيها إلى علام الغيوب لا إلى أئمتهم تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، لأنهم كما يقول أحد رجال الشيعة: قد جعلوا لأئمتهم صفة الإخبار بالمغيبات فإذا أخبروا عن الأئمة بشيء من الغيب فجاء ذلك الشيء على ما قالوه افتخروا، وقالوا: ألم نعلمكم أن هذا يكون فنحن نعلم من قبل الله، وإن لم يقع ذلك الشيء الذي أخبروا بوقوعه قالوا: لشيعتهم بدأ الله في ذلك.
والبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة؛ ثم قالت بالبداء فرق السبئية المدعية للتشيع، والمنتسبة لابن سبأ اليهودي، ففرق السبأية كلهم يقولون بالبداء؛ ثم أخذ بفكرة البداء المختار بن أبي عبيدة الثقفي لأنه كان يدعي علم الغيب فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدأ لربكم.
والبداء في اللغة العربية - كما جاء في القاموس - يرد بمعنيين: الظهور والانكشاف، ونشأة الرأي الجديد، وكلاهما يستلزم سبق الجهل بالأمر، ويتنزه الله جل علاه عن ذلك.
وعقيدة البداء ورثتها الإثنا عشرية عن السبئية اليهودية، انظر: نصوص البداء عند يهود في الفصل السادس من تكوين التوراة ص (12)، وانظر: في مسألة البداء عند فرق الرافضة المقالات والفرق للقمي ص (78)، وفرق الشيعة للنوبختي ص (55)، أصول الكافي، باب البداء (1/ 146)، بحار الأنوار (24/ 92 - 129)، وانظر: في نقد هذه العقيدة الباطلة: الوشيعة ص (112 - 118)، مختصر التحفة الإنثى عشرية ص (315).
(2) مسائل الإمامة ص (29).
ثم شاعت دعوى الغيبة بين فرق الروافض، فكل فرقة إذا مات إمامها أنكرت موته، وزعمت أنه غائب وسيعود، وتنفرد الإثنا عشرية عنهم بأنها زعمت وجود ولد لم يولد أصلاً، وقالت: إنه غاب وهورضيع وسيعود، ووراء هذه الدعاوي في الغيبة سر كشفته الإثنا عشرية نفسها فاستمع إليه.
أسباب دعاوي الغيبة:
من خلال الخصومة والنزاع بين فرق الروافض حيث كل طائفة تنادي بإمام لها أومهدي، وتكذب الأخرى، تسربت الحقيقة، استمع - مثلاً - إلى ما ترويه طائفة الإثنا عشرية من الرافضة في تكذيبها طائفة أخرى من الرافضة أيضاً، وقفت على موسى الكاظم وأنكرت موته، وادعت أنه غاب وسيرجع، وخالفت من ذهب إلى القول بإمامة ابنه من بعده فقالت: الإثنا عشرية " مات أبوإبراهيم (موسى الكاظم) وليس من قوامه (1) إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته، طمعاً في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار ... " (2). وجاءت عندهم روايات كثيرة في هذا المعنى تكشف ما خفي (3).
إذن وراء دعوى غيبة الإمام وانتظار رجعته الرغبة في الاستئثار بالأموال ... فإذا ما توفي الرجل الذي يدعون إمامته أنكروا موته لتحقيق أمرين:
الأول: لتبقى الأموال التي اكتسبوها باسمه في أيديهم ولا يسلموها لمن بعده من ذريته.
الثاني: ليستمر دفع الأموال إليهم باسم خمس الإمام الغائب.
__________
(1) نوابه ووكلاؤه وهم الذين يأكلون أموال الناس باسم خمس الإمام وحق الإمام وقد انتشروا في العالم الإسلامي في ذلك الزمان.
(2) الغيبة للطوسي ص (42 - 43)، الإمامة لابن بابوية ص (75)، وانظر: علل الشرائع لابن بابوية الصدوق (1/ 235)، رجال الكشي ص (493 - 498)، بحار الأنوار (48/ 253).
(3) انظر: ذلك في الغيبة للطوسي ص (43) وما بعدها، ورجال الكشي، الروايات رقم (759، 871، 888، 893).
وهكذا تستمر عمليات النهب والسلب، والضحية هم هؤلاء السذج المغفلون الذي يدفعون أموالهم إلى أولئك المخادعين الذين زعموا بأنهم نواب الإمام الغائب.
وقد استمرت فرق الرافضة هذه الغنيمة الباردة فلا يموت إمام حتى تسارع طائفة منهم إلى إنكار موته، وإعلان غيبته، ودعوى النيابة عنه، والتبشير بعودته من قريب مهدياً يملأ الأرض عدلاً، ويدفع إليهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
وإلى اليوم يتمسك شيوخ الروافض ومراجعهم بعقيدة الغيبة ليظل هذا المال يتدفق عليهم من كل حدث وصوب فيأخذونه باسم النيابة عن الإمام الغائد حيث فرضوا على الأتباع الخمس للإمام، ويأخذه هؤلاء الآيات بلا تعب، لأنهم يقولون يجب دفع الخمس للفقيه زمن الغيبة (1). ومن لم يدفع فهوفي عداد الكافرين.
يقول شيوخهم ومراجعهم: " من منع منه درهماً أوأقل كان مندرجاً في الظالمين لهم (أي لأهل البيت) والغاصبين لحقهم؛ بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين " (2).
ولذا قال د. علي السالوس في السخرية بهذا المبدأ:
إن مسلمي اليوم إن أرادوا ألا يحكم عليهم الجعفرية بالكفر فعليهم أن يجمعوا خمس مكاسبهم ورؤوس أموالهم، ويبعثوا بها إلى علماء الجعفرية (3).
ويقول: " من واقع الجعفرية في هذه الأيام نجد أن من أراد أن يحج يقوم كل ممتلكاته جميعاً؛ ثم يدفع خمس قيمتها إلى الفقهاء الذين أفتوا بوجوب هذا الخمس، وعدم قبول حج من لم يدفع، واستحل هؤلاء الفقهاء أموال الناس بالباطل " (4).
قلت: ولعل هذا هوأحد العوامل في حرص حكومة الآيات على زيادة حصتهم من عدد الحجاج في كل عام، مع أن مسألة الخمس الذي يقول به هؤلاء لا يعرفها دين الإسلام.
__________
(1) انظر: النور الساطع، لشيخهم المعاصر علي كاشف الغطا (1/ 439).
(2) العروة الوثقى، لليزدي وبهامشها تعليقات مراجعهم في هذا العصر، ج (2)، ص (366).
(3) أثر الإمامة في الفقه الجعفري ص (394).
(4) أثر الإمامة ص (391).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما ما تقوله الرافضة من أن خمس مكاسب المسلمين يؤخذ منهم، ويصرف إلى من يرونه هونائب الإمام المعصوم أوإلى غيره فهذا قول لم يقله قط أحد من الصحابة لا على ولا غيره، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من القرابة لا بني هاشم ولا غيرهم.
وكذلك من المعلوم بالضرورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخمس أموال المسلمين ولا طالب أحداً قط من المسلمين بخمس ماله (1).
وهذه الأموال التي يأخذها الآيات باسم حق الإمام الغائب تتدفق اليوم عليهم كالسيل من كل قطر، وهي من أكبر العوامل على بقاء خرافة الغيبة إلى اليوم، وإليها يعزي حماس الروافض في الدفاع عن مذهبهم لأنهم يرون فيمن يمس المذهب أنه يحاول قطع أرزاقهم؛ بل لعل هذا من أسباب بقاء الخلاف وتوسيع نطاقه مع سائر المسلمين، ولذا قال د. السالوس: " واعتقد أنه لولا هذه الأموال لما ظل الخلاف قائماً بين الجعفرية وسائر الأمة الإسلامية إلى هذا الحد فكثير من فقهائهم يحرصون على إذكاء هذا الخلاف حرصهم على هذه الأموال " (2).
هذا وثمة أسباب أخرى لنشوء فكرة الغيبة عندهم منها تطلع الرافضة إلى قيام كيان سياسي لهم، مستقل عن دولة الإسلام وهذا ما نلمسه في اهتمامهم بمسألة الإمامة، ولما خابت آمالهم، وغلبوا على أمرهم، وانقلبوا صاغرين هربوا من الواقع إلى الآمال والأحلام كمهرب نفسي ينقذون به أنفسهم من الإحباط، وشيعتهم من اليأس، فأخذوا يبثون الأمل ويبعثون الرجاء في نفوس أصحابهم ويمنونهم بأن الأمر سيكون في النهاية لهم.
ومنها أن التشيع كان مأوى قلوب أصحاب النحل والأهواء، لأنهم يجدون من خلاله الجوالمناسب لتحقيق أهدافهم والعودة أي معتقداتهم فانضم إلى ركب التشيع أصناف من أصحاب النحل، والاتجاهات الغالية وكان هذا الخليط يشطح بالشيعة نحومعتقداته الموروثة.
__________
(1) منهاج السنة (3/ 154).
(2) أثر الإمامة ص (4.8).
ولهذا نجد مسألة الغيبة لها جذورها في بعض الديانات والنحل مما لا يستبعد معه أن لأتباع تلك الديانات دوراً في تأسيس هذه الفكرة في أذهان الشيعة كالمجوسية مثلاً، فالمجوس تدعي أن لهم منتظراً حياً باقياً من ولد بشتاسف بن بهراسف يقال له إبشاوثن وأنه في حصن عظيم من (1) خرسان والصين (2).
(1) لعلها (بين).
(2) تثبيت دلائل النبوة (1/ 19).
عدد مرات القراءة:
1666
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :