آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

النيابة عن المنتظر ..
أرسيت دعائم فكرة الغيبة لولد الحسن العسكري، وكان لابد من وجود وكيل مفوض يتولى شؤون الأتباع في أثناء فترة الاحتجاب، ويكون الواسطة والباب للغائب في السرداب، أوفي جبال رضوى، أووديان مكة - على اختلاف أخبارهم - فكان أول زعيم يتولى شؤون الشيعة - كما كشفت ذلك أوراق الإثنا عشرية - هي امرأة (وما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (3)، إذ بعد وفاة الحسن العسكري، وإشاعة وجود الولد المختفي، وبقاء الشيعة بدون إمام ظاهر، بدأ الشيعة يتساءلون إلى من يرجعون، ففي سنة (262هـ) أي: بعد وفاة الحسن العسكري بسنتين، توجه بعض الشيعة (4) إلى بيت الحسن العسكري وسأل - كما تقول الرواية - خديجة بنت محمد ابن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته (5)، يقول راوي الخبر: " قلت لها فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام " (6).
__________
(3) البخاري، كتاب المغازي، باب: كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر (5/ 136)، وكتاب الفتن (8/ 97)، والترمذي، كتاب الفتن (4/ 527 - 528)، 2262، والنسائي، باب النهي عن استعمال النساء في الحكم (8/ 227)، وأحمد (5/ 43)، 51.
(4) وهوكما تقول الرواية أحمد بن إبراهيم، وانظر: رجال حلي ص (16).
(5) يلحظ أنهم يحرمون تسميته حتى قالوا من سماه باسمه فهوكافر.
(6) الغيبة للطوسي ص (138).
ويبدوأن رجال الرافضة أرادوا أن تبقى النيابة عن الغائب في بيت الحسن العسكري، فأشاعوا بين أتباعهم في بداية الأمر أن أم الحسن العسكري هي الوكلية المنتظرة، فهي الرئيسة العامة للمسلمين!! (بالنيابة). ويظهر أن هذا " التعيين " كان القصد منه إيجاد الجوالمناسب لنموهذه الفكرة بين الأتباع لأن أم الحسن هوالوصية للحسن بعد وفاته كما تذكر أخبار الشيعة، فكان من الطبيعي أن تتولى عن ابنه، إلا أن محاربة بين الحسن العسكري لفكرة الولد قد وجه رجال الشيعة إلى اختيار رجل من خارج أهل البيت، ولهذا جاء في الغيبة للطوسي " ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه سنة ست وخمسين ومائتين، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، وأوصى أبوجعفر إلى أبي القسام الحسين بن روح، وأوصى أبوالقسام إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري ... " (1).
فهؤلاء النواب الأربعة لهم ما للإمام من حق الطاعة، وثقة الرواية، جاء في الغيبة للطوسي: أن الحسن العسكري قال: "هذا إمامكم من بعدي (وأشار إلى ابنه) وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر قاقبلوا من عثمان (الباب الأول) ما يقوله: وانتهوا إلى أمره فهوخليفة إمامكم والأمر إليه" (2). فما قاله لكم فعني بقوله، وما أدى إليكم فعني يؤديه (3).
وهكذا أصبح للباب حق النيابة عن الإمام والأمر إليه، لقوله صفة القداسة والعصمة، لأنه ينطق عن الإمام، ويؤدي عنه، ولذلك فإن من خالف هؤلاء الأبواب حلت به اللعنة، واستحق النار. كما جاء في التواقيع التي خرجت من المنتظر في حق من خالف هؤلاء الأبواب (4).
__________
(1) الغيبة للطوسي ص (241 - 242).
(2) الغيبة للطوسي ص (217).
(3) السابق ص (15).
(4) انظر: الغيبة للطوسي ص (244).
إذن مسألة النيابة لهؤلاء الأربعة تخولهم التشريع، لأنهم ينطقون عن المعصوم، وللمعصوم حق تخصيص، أوتقييد، أونسخ نصوص الشريعة، ولذلك كان للتوقيعات الصادرة منهم نفس المنزلة التي لكلام الإمام.
وكذلك تخولهم إصدار صكوك الغفران أوالحرمان، وأخذ أموال الوقف والزكاة والخمس باسم الإمام، ولكن هذه النيابة انتهت إذ "لما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هوبالغه، فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد السمري " (1).
وقد يكون من أهداف موافقة القواعد الشيعية لإغلاق السمري للبابية وإشاعة ذلك بين الأتباع هوالمحافظة على فكرة غيبة المهدي من افتضاح حقيقتها وانكشاف أمرها، حيث كثر الراغبون فيها من شيوخ الشيعة ولاسيما في عهد سلفه أبي القاسم بن روح، وعظم النزاع بينهم، ووصل الأمر إلى التلاعن والتكفير والتبري، كما يلحظ ذلك في التوقيعات التي خرجت على يد الأبواب منسوبة للمنتظر (2). فأغلق السمري حكاية البابية.
وهنا حصل تطور آخر في مسألة النيابة، وفي المذهب الشيعي عموماً، حيث جعلت النيابة حقاً مطلقاً للشيوخ، فقد أصدرت الدوائر الإثنا عشرية " توقيعاً " منسوباً للمنتظر الموهوم. وخرج بعد إعلان انتهاء البابية على يد السمري يقول التوقيع: " أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " (3) فأعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وفوض أمر النيابة عن المنتظر إلى رواة حديثهم واضعي أخبارهم.
__________
(1) الغيبة للطوسي ص (241 - 242).
(2) انظر: المصدر السابق ص (244) وما بعدها.
(3) الكافي-مع شرحه مرآة العقول- (4/ 55)، إكمال الدين ص (451)، الغيبة للطوسي ص (177)، الاحتجاج للطبرسي ص (163)، وسائل الشيعة (18/ 1.1)، محمد مكي العاملي، الدرر الطاهرة ص (47).
ولقد حقق هذا " الإعلان " مجموعة من الأهداف، فقد أصبحت دعوى البابية غير مقصورة على واحد، لئلا تنكشف حقيقة أمره بسهولة، وبمجرد مراقبة مجموعة له، ولذلك يلاحظ كثرة الشك والتكذيب في فترات الغيبة الأولى.
كما أن ذلك خفف التنافس على البابية التي كان لها آثارها، فبقيت مشاعة بين شيوخ الشيعة، وأطلق على انقطاع البابية الخاصة وتحولها إلى نيابة عامة، الغيبة الكبرى، فصار للإمام غيبتنا صغرى وكبرى رغم أن لهم روايات لا تتحدث إلا عن غيبة واحدة (1).
ولكن وضعت روايات تناسب هذا الوضع وتتحدث عن غيبتين يقول بعضها: " قال أبوعبد الله عليه السلام للقائم غيبتان إحداهما: قصيرة، والأخرى: طويلة، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم إلا خاصة مواليه في دينه " (2).
__________
(1) جاءت عندهم روايات صنعت - فيما يبدو- في الفترة الأولى من موت الحسن العسكري تحكي غيبة الابن المزعوم للحسن العسكري، يقول بعضها: " إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها " أصول الكافي (1/ 34.).
فكأن هذه الرواية تلقي بفكرة الغيبة على الأتباع بدون تأكيد لتحسس ردة الفعل وتحسب لها حسابها، وهي تذكر بأن له غيبة واحدة.
وتؤكد بعض روايتهم بأنه بعد هذه الغيبة سيظهر، جاء في الكافي " عن أم هاني قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله تعالى: {فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس} سورة التكوير، الآية: (15 - 16)، قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين ثم يظهر، فما بعد غيبته إلا الظهور. أصول الكافي (1/ 341). فإعلان السمري البابية قد يراد منه إشعارهم بقرب الظهور، ولكن مرت الأيام والسنون ولم يظهر.
(2) الغيبة للنعماني ص (113).
فأنت ترى أن هذه الرواية أثبتت له غيبتين الأولى يتصل به خاصة شيعته وهذا قد يكون إشارة إلى السفراء الذين تناوبوا على دعوى البابية، والأخرى يتصل به خاصة مواليه، وقد أشارت رواية في الكافي إلى أن عددهم ثلاثون (1)، فلم تنف رواياته الصلة المباشرة بالمنتظر في الحالتين رغم أن السمري حينما حل وظيفة البابية أصدر توقيعاً على لسان المنتظر يقول فيه:
" من ادعى المشاهدة للمنتظر فهوكذاب مفتر " (2). وإن شيوخهم يقولون: بأنه وقعت في الغيبة الكبرى المحرومية العظمى من الإمام، يقول شيخهم النعماني بعد ذكره لأخبارهم في الغيبتين: " هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم غيبتين أحاديث قد صحت عندنا ".
فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم الشفاء من العلم وعويص الحكمة والأجوبة (3) عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها. والغيبة الثانية: هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط (4).
__________
(1) انظر: أصول الكافي (1/ 34.).
(2) إكمال الدين لابن بابوية (2/ 193)، الغيبة للطوسي ص (257).
(3) هذه الأجوبة هي - حسب ما جاء في كتب الإثنا عشرية - من وضع جاهل بالإسلام، أوملحد أراد أن ينسب إلى دين الله تلك الشذوذات ليصد الناس عن سبيل الله، ففيها إقرار الشرك بالله، ومخالفة إجماع المسلمين في مسائل كثيرة، ومناقضة للعقول الصريحة والفطرة السليمة، ومع ذلك هي عندهم من أوثق السنن {فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء} سورة فاطر، الآية: (8)
انظر: في هذه الأجوبة كتب الغيبة عند الإثنا عشرية، والاحتجاج للطبرسي (2/ 277) وما بعدها، بحار الأنوار (53/ 15. - 246) وغيرها.
(4) الغيبة للنعماني ص (115).
ولكن شيوخ الروافض يدعون في فترة الغيبة الثاني النيابة عن الإمام المنتظر ويستندون في ذلك على التوقيع الذي أظهره السمري عن منتظرهم، والذي يحيلهم إلى رواة حديثهم في كل الحوادث الواقعة الجديدة.
فيلحظ أنه لم يحلهم على الكتاب والسنة، وإنما أرجعهم إلى الشيوخ، وقد تبوأ شيوخ الرفض بذلك منصب النيابة عن الغائب واستمدوا القداسة بين الأتباع بفضل هذه النيابة عن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الخارقة، والفضائل الكاملة، ولذلك يطلقون على شيوخهم الذين وصلوا إلى منصب " النيابة عن الإمام " اسم "المراجع وآيات الله " فهم مظاهر الإمام المعصوم ولذلك يقرر أحد شيوخهم المعاصرين بأن الراد على النائب عن الإمام كالراد على الله تعالى، وهوعلى حد الشرك بالله، وذلك بمقتضى عقيدة النيابة. يقول شيخهم المظفر: عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهوعلى حد الشرك كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت - عليهم السلام - فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط؛ بل له الولاية العامة فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصاته لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا يجوز إقامة الحدود والتعزيزات إلا بأمره وحكمه. ويرجع إليه في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته.
وهذه المنزلة أوالرئاسة العامة أعطاها الإمام عليه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائباً عنه في حال الغيبة، ولذلك بيسمى: " نائب الإمام " (1).
__________
(1) عقائد الإمامية ص (57).
فأنت ترى أن شيوخ الرافضة تخلوا عن آل البيت رأساً، وتعلقوا بهذا المعدوم، ووضعوا أنفسهم مكان الإمام من أهل البيت باسم هذا المعدوم، وهذه غنيمة كبيرة، لذلك ما إن اتفقوا عليها - بعد إخفاق فكرة البابية المباشرة - حتى اختفت الخلافات على منصب البابية، ورجعت فرق شيعية كثيرة، فدانت بهذه الفكرة، لأنها تجعل من كل واحد من تلك الرموز الشيعية " إماماً " و" مهدياً " و" حاكماً مطلقاً مطاعاً " و" جابياً للأموال " ولا يقاسمهم في ذلك أحد من أهل البيت، ولا يفضحهم ويكشف أوراقهم رجل من أهل البيت.
ويبدومن التوقيع المنسوب للمنتظر أنه يجعل لشيوخ الطائفة حق النيابة في الفتوى حول المسائل الجديدة إذ هويقول: " فأما المسائل الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواية حديثنا " كما سلف، ولا يخولهم النيابة العامة، ولكن الشويخ توسعوا في مفهوم النيابة حتى وصلت إلى قمة غلوها في هذا العصر على يد الخميني وأتباعه كما سيأتي.
وكما نلحظ شيئاً من هذا في تقرير شيخهم المظفر لعقيدتهم في هذا الشأن، وكما تراه في دولتهم الحاضرة.
وقد كان لهؤلاء دعاوي عريضة حول الصلة بالمهدي بعد غيبته الكبرى، حتى ألف بعض شيوخهم المعاصرين كتاباً في هذا سماه " جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة ومعجزاته في الغيبة الكبرى " (1).
مسألة النيابة أوولاية الفقيه:
تعتقد الإثنا عشرية أن الولاية العامة على المسلمين منوطة بأشخاص معينين بأسمائهم وعددهم، قد اختارهم الله كما يختار أنبياءه (2).
وهؤلاء الأئمة أمرهم كأمر الله، وعصمتهم كعصمة رسل الله، وفضلهم فوق فضل أنبياء الله.
__________
(1) وهومن تأليف المجوسي اللعين كما يلقبه محب الدين الخطيب، ويسمى حسين النووي الطبرسي (ت132هـ) وهوصاحب كتاب " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " الذي يعد العار الأكبر والفضيحة الكبرى على شيعة خميني أبد الدهر.
(2) انظر: أصل الشيعة وأصولا ص (58).
ولكن آخر هؤلاء الأئمة - حسب اعتقادهم - غائب منذ سنة (26.هـ) ولذا فإن الإثنا عشرية أن يلي أحد منصبه في الخلافة حتى يخرج من مخبئه، فيقولون: " كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت " (1).
قال شارح الكافي: وإن كان رافعها يدعوإلى الحق (2).
وعلى هذا مضى شيعة القرون الماضية ... وقد استطاعوا أن يأخذوا " مرسوماً إمامياً " وتوقيعاً من الغائب - على حد زعمهم - يسمح لشيوخهم أن يتولوا بعض الصلاحيات الخاصة به، لا كل الصلاحيات وهذا التوقيع يقول: " أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا " (3) - كما مر -.
وواضح من خلال هذا " النص " أنه يأمرهم بالرجوع في معرفة أحكام الحوادث الواقعة والجديدة إلى شيوخهم.
ولذا استقر الرأي عند الشيعة على أن ولاية فقهائهم خاصة بمسائل الإفتاء وأمثالها، كما ينص عليه " توقيع المنتظر " أما الولاية العامة التي تشمل السياسة وإقامة الدولة، فهي من خصائص الغائب وهي موقوفة حتى يرجع من غيبته، ولذلك عاش أتباع هذا المذهب وهم ينظرون إلى خلفاء المسلمين على أنهم غاصبون مستبدون، ويتحسرون لأنهم قد استولوا على سلطان إمامهم، ويدعون الله في كل لحظة على أن يعجل بفرجه حتى يقيم دولتهم، ويتعاملون مع الحكومات القائمة بمقتضى عقيدة التقية عندهم، لكن غيبة الحجة طالت، وتوالت قرون قاربت الإثنا عشرية دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدل فكرة القول بنقل وظائف المهدي للفقيه تداعب أفكار المتأخرين منهم.
__________
(1) الكافي " مع شرحه للمازندراني " (12/ 371).
(2) شرح جامع للمازندراني (12/ 371).
(3) الكافي " مع شرحه مرآة العقول " (4/ 55)، إكمال الدين ص (451)، وسائل الشيعة (18/ 1.1).
وقد أشار الخميني إلى أن شيخهم النراقي (1) (ت1245هـ)، والنائيني (2) (ت1355هـ) قد ذهبا إلى أن للفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال في مجال الحكم والإدارة والسياسة (3).
ولم يذكر الخميني أحداً من شيوخهم نادى بهذه الفكرة قبل هؤلاء ولووجد لذكرة، لأنه يبحث عما يبرر مذهبه. فإذاً: عقيدة عموم ولاية الفقيه لم توجد عند الإثنا عشرية قبل القرن الثالث عشر.
وقد التقط الخميني هذا الخيط الذي وضعه من قبله، وراح ينادي بهذه الفكرة، وضرورة إقامة دولة برئاسة نائب الإمام لتطبيق المذهب الشيعي فهويقول:
" واليوم - في عهد الغيبة - لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة، فما هوالرأي؟ هل تترك أحكام الإسلام معطلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول إن الإسلام جاء ليحكم الناس قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أونقول إن الإسلام قد أهمل أمور تنظيم الدولة؟ ونحن نعلم أن عدم وجود الحكومة يعني ضياغ ثغور الإسلام وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن أرضنا، هل يسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة يعني ضرورة من ضرورات الحياة " (4).
__________
(1) أحمد بن محمد مهدي النراقي الكاشاني (1185 - 1245هـ).
(2) حسين بن عبد الرحمن النجفي النائيني (1273 - 1355هـ).
(3) الحكومة الإسلامية للخميني ص (74).
(4) الحكومة الإسلامية ص (48).
ويقول في موضع آخر: " قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، هل تبقى أحكام الإسلام معطلة؟ يعمل الناس من خلالها ما يشاءون ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج. القوانين التي صدع بها نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلا؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ " (1).
ثم يقول: " إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهوينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعوإلى تعطيلها وتجميدها، وهوينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف " (2). فخميني يرى لهذه المبررات التي ذكرها ضرورة خروج الفقيه الشيعي وأتباعه للاستيلاء على الحكم في بلاد الإسلام نيابة عن المهدي، وهويخرج بهذا عن مقررات دينهم ويخالف نصوص أئمته الكثيرة في ضرورة انتظار الغائب وعدم التعجيل بالخروج (3).
__________
(1) المصدر السابق ص (26).
(2) المصدر السابق ص (26 - 27).
(3) فعقيدة الانتظار من أصول شيعتهم السابقين، وقد عقد شيخهم النعماني باباً لها في كتابه الغيبة ص (129) وجاءت رواياتهم كثيرة في هذا الباب مثل: " كونوا أحلاس بيوتكم فإن الفتنة على من أثارها "، الغيبة للنعماني ص (131)، (أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك، وإياك والخوارج منا فإنهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء " قال المجلسي: " والخوارج منا " أي: مثل زيد وبني الحسن " بحار الأنوار (52/ 136)، الغيبة للنعماني ص (129)، فأنت ترى أن أصولهم تمنع الخوارج ولوكان عن طريق أهل البيت كزيد وبني الحسن فكيف بمن عداهم من شيوخ الشيعة؟!.
بل إن أحد آياتهم ومراجعهم في هذا العصر يقول: " وقد توافرت عنهم (ع) حرمة الخروج على أعدائهم وسلاطين عصرهم " (1)، وذلك أن منصب الإمامة لا يصلح عندهم إلا المنصوص عليه من عند الله ولا يعني رضاهم بهذه الحكومات.
وهذه المبررات التي ساقها الخميني لبيان ضرورة إقامة الدولة الشيعية، ونيابة الفقيه عن المهدي في رئاستها كان ينبغي أن توجه وجهة أخرى لوكان لشيوخ الشيعة صدق في القول ونصح لأتباعهم، وهذه الوجهة هي نقد المذهب من أصله الذي قام على خرافة الغيبة وانتظار الغائب، والذي انتهى بهم إلى هذه النهاية.
وعلى كل فهذه شهادة مهمة وخطيرة من هذا الحجة والآية على فساد مذهب الرافضة من أصله، وأن إجماع طائفته كل القرون الماضية كان على ضلالة، وأن رأيهم في النص على إمام معين، والذي نازعوا من أجله أهل السنة طويلاً وكفروهم أمر فاسد أثبت التاريخ والواقع فساده بوضوح تام، وها هم يضطرون للخروج عليه بقولهم (بعموم ولاية الفقيه) بعد أن تطاول عليهم الدهر، ويئسوا من خروج من يسمونه صاحب الزمان، فاستولوا حينئذ على صلاحياته كلها، وأفرغ الخميني كل مهامه ووظائفه لنفسه، ولبعض الفقهاء من بني جنسه ودينه، لأنه يرى ضرورة تولي مهام منصب الغائب في رئاسة الدولة. ومن أجل إقناع طائفته بهذا المبدأ ألف كتابه " الحكومة الإسلامية " أو" ولاية الفقيه ".
وهولا يوافق على ولاية كل أحد أمور الدولة؛ بل يخصص ذلك بفقهاء الشيعة، ويحصر الحكم والسلطان بهم، حيث يقول: " وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام (ع) حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي ... موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر، فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد، وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير " (2).
__________
(1) محمد الحسيني البغدادي النجفي (يلقب بالآية العظمى، والمراجع الديني الأعلى) في كتابه وجوب النهضة لحفظ البيضة ص (93).
(2) الحكومة الإسلامية ص (48 - 49).
أقول: إذا كانت حكومة الآيات، والفقهاء لا مثيل لها في العدل -كما يقول- فما حاجتهم لخروج المنتظر إذاً؟.
وهويرى أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ... ومن بعده كان الإمام (ع) ولياً، ومعنى ولايتها أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع " (1)؛ ثم يقول: " نفس هذه الولاية والحاكمية موجدة لدى الفقيه، بفارق واحد هوأن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم، أونصبهم، لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية " (2).
فنظرية الخميني - كما ترى - ترتكز على أصلين:
الأول: القول بالولاية العامة للفقيه.
والثاني: أنه لا يلي رئاسة الدولة إلا الفقيه الشيعي.
وهذا خروج عن دعوى تعيين الأئمة، وحصرهم بإثني عشر، لأن الفقهاء لا يحصرون بعدد معين، وغير منصوص على أعيانهم فيعني هذا أنهم عادوا لمفهوم الإمامة حسب مذهب أهل السنة - إلى حد ما (3) - وأقروا بضلال أسلافهم وفساد مذهبهم بمقتضى هذا القول.
لكنهم يعدون هذا المبدأ (ولاية الفقيه) نيابة عن المهدي حتى يرجع، فهم لم يتخلوا عن أصل مذهبهم ولهذا أصبح هذا الاتجاه - في نظري - لا يختلف عن مذهب البابية لأنه يزعم أن الفقيه الشيعي هوالذي يمثل المهدي، كما أن الباب يزعم ذلك، ولعل الفارق أن الخميني يعد كل فقهائهم أبواباً.
__________
(1) الحكومة الإسلامية ص (51).
(2) الموضع نفسه من المصدر السابق.
(3) أقول - إلى حد ما - لأنهم خرجوا من حصر الإمامة بالشخص إلى حصرها بالنوع وهوالفقيه الشيعي.
وإن شئت قلت إن هذا المبدأ أخرج "المهدي المنتظر" عند الروافض، لأن صلاحياته ووظائفه أناطها بالفقيه؛ بل إن هذا المبدأ لم يخرج " مهدياً " واحداً بل أخرج العشرات، لأن كثيراً من شيوخهم وآياتهم لهم الأحقية بهذا المنصب يقول خميني: "إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم " (1).
ويقتضي هذه النيابة يكون أمرهم كأمر الرسول حيث يقول: " هم الحجة على الناس كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حجة الله عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم، فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك " (2).
ويقول: " وعلى كل فقد فرض إليهم (يعني إلى شيوخ الروافض) الأنبياءُ جميع ما فُوض إليهم، وائتمنوهم على ما اؤتمنوا عليه " (3).
بل أشار إلى أن دولة الفقيه الشيعي كدولة مهديهم الموعودة، وقال: " كل ما يفقدنا (4) هوعصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب (5) (ع) وعزيمتهما الجبارة، وإذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي سنحصل على عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب (6).
والجمع بين عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب كناي - فيما يبدولي - عن تعاون اليهود مع الشيعة في دولة الآيات، وهذا ما وقع بعضه في دولتهم الحاضرة، كما في فضائح صفقات الأسلحة والتعاون السري بينهما الذي تناقلته وكالات الأنباء واشتهر أمره.
والخميني يقرر أن تشكيل الحكومة الشيعية لم يقع من شيعته الماضين حيث يقول: " في السابق لم نعمل ولم ننهض سوية لتشكيل حكومة تحطم الخائنين المفسدين " (7).
__________
(1) الحكومة الإسلامية ص (113).
(2) الحكومة الإسلامية ص (8.).
(3) الموضع نفسه من المصدر السابق.
(4) يريد أن يقول كل ما نفقده أو: ينقصنا.
(5) وهذه من مواريث المهدي عن الأنبياء والأئمة، انظر: أصول الكافي (1/ 231).
(6) الحكومة الإسلامية ص (135).
(7) الحكومة الإسلامية ص (4.).
ويقول: " ولم تسنح الفرص لأئمتنا للأخذ بزمام الأمور، وكانوا بانتظارها حتى آخر لحظة من الحياة، فعلى الفقهاء العدول أن يتحينوا هم الفرص وينتهزونها من أجل تنظيم وتشكيل حكومة " (1).
وقد قامت حكومات شيعية، ولكنها ليست محكومة من قبل " الآيات " و"نواب المعصوم" ولذا عدوا حكومتهم الحاضرة أول دولة إسلامية (يعني شيعية).
قال بعض الروافض: " إن الخميني " أسس الجمهورية الإسلامية العظمى في إيران ... لأول مرة في تاريخ الإسلام وحقق حلم الأنبياء، والرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - والأئمة المعصومين عليهم السلام (2).
ويرى آيتهم " الطالقاني " أن حكومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه لا تصل إلى مقام دولتهم، وأنها تمهيد لقيامها، حيث يقول: " إننا نعتقد أن الجمهورية الإسلامية هي المؤهلة للحياة في هذا الزمان، ولم تكن مؤهلة للحياة في فجر الإسلام ... إن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم منذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين وحتى اليوم هي التي توفر الأساس الموضوعي لقيام الجمهورية الإسلامية " (3).
فأنت ترى أن طبيعة النظر الشيعية تجنح دائماً إلى الغلو، وتقديس الأشخاص، والتطرف في الاعتقادات ... كما ترى في نظرة طالقاني إلى جمهورية خميني؛ بل ادعى بعضهم أن خميني قد بشر به أئمتهم من قبل (4).
__________
(1) الحكومة الإسلامية ص (54).
(2) أحمد الفهري (ويلقبونه بالعلامة) في تقديمه لكتاب سر الصلاة للخميني ص (1.).
(3) نشرت ذلك جريرة السفير اللبنانية بتاريخ 31/ 3/1979م، وقد نقل ذلك: محمد جواد مغنية واعتبره فهماً جديداً للجمهورية الإسلامية لا يقوله إلا من عاش الإسلام بقلبه وعقله، وانظر: الخميني والدولة الإسلامية ص (113).
(4) محمد جواد مغنية، الخميني والدولة الإسلامية ص (38 - 39).
هذا وسيأتي في البروتوكولات نقل ما ترويه الشيعة عن سيرة مهديهم بعد عودته من غيبته - حسب اعتقادهم - وأنه لا همّ له ولا عمل إلا القتل والانتقام، حتى يقولون إنه بعث: " بالجفر الأحمر " وبالذبح وإنه يخص العرب بمجازره ... الخ، ونجد اليوم هذه السيرة المزعومة قد بدت ملامحها في دولة الآيات فور ظهورها، حيث بدأ الخميني وأعوانه مشروع دولة المهدي بمجازرهم الرهيبة في داخل إيران وخارجها.
والحقيقة إن واضعي روايات القتل العام الموعود بعد خروج الغائب المفقود يدركون أن مسألة الغيبة والمهدية لا تعدوأن تكون وهماً من الأوهام ولكنهم يعبرون عما تكنه صدورهم، وتجيش به نفوسهم من أحقاد، وكذلك معظم شيوخ الشيعة غالبهم زنادقة يعرفون أن المهدي خرافة، ولذلك فهم إذا واتتهم فرصة لتحقيق أمانيهم في قتل المسلمين اهتبلوها؛ بل ينتظروا فيها خروج مهديهم، لأنه يعرفون أنه لن يخرج أبداً، لأنه لم يوجد أصلاً ولا أدل على ذلك من أن الخميني نفسه قبل قيام دولتهم يقرر في كتابه " تحرير الوسيلة " أن لا يجوز بسبب غيبة مهديهم البدء في الجهاد فيقول: " في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه، وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى، والقضاء مقامه في إجراء السياسات، وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد " (1).
ولكنه حينما أقام دولته قرر في دستورها: " أن جيش الجمهورية الإسلامية .. لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضاً بحمل رسالة عقائدية أي: الجهاد في سبيل الله، والنضال من أجل توسع حاكمية قانون الله في كافة أرجاء العالم " (2).
__________
(1) تحرير الوسيلة (1/ 482).
(2) الدستور لجمهورية إيران الإسلامية ص (16)، منشورات مؤسسة الشهيد، وانظر: الطبعة الأخرى من الدستور، التي أصدرتها وزارة الإرشاد الإيرانية ص (1.).
فأنت ترى التناقض واضحاً، فهوفي تحرير الوسيلة يجعل الجهاد من وظائف المهدي؛ وفي دستور دولتهم بعد قيامها يجعل الجهاد منوطاً يجيشها، ومن وظائف الفقيه، وذلك بمقتضى مذهبه الجديد في ولاية الفقيه، والتي نقلت فيها صلاحيات المهدي كلها للشيخ الشيعي. وقد نص أيضاً على ذلك دستورهم فقال: " في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه تعتبر ولاية الأمر، وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه ... " (1).
ولذلك بعد قيام دولتهم أول ما بدأوا به قتال الشعوب الإسلامية بجنودهم وبالمنظمات التابعة لهم في الولاء في بعض أقطار المسلمين.
ومع ذلك يزعم الخميني أحياناً أن هذا يدخل في نطاق الدفاع، والتأويل ليس له حدود فيقول: " إننا لا نريد أن نرفع السلاح ونهاجم أحداً فالعراق يهاجمنا منذ مدة، بينما نحن لا نهاجمه، وإنما ندافع فقط فالدفاع أمر واجب " (2).
ولكنه يقرر أنه يريد أن يصدر ثورته حيث يقول: " إننا نريد أن نصدر ثورتنا الإسلامية إلى كافة البلاد الإسلامية " (3). وهولا يريد التصدير السلمي فحسب؛ بل يريد فرض مذهبه على المسلمين بالقوة، وقد أشار إلى ذلك قبل قيام دولته، وقرر أن سبيل ذلك هوإقامة دولة شيعية تتولى هذا الأمر فيقول: " ونحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمة الإسلامية (4) وتحرير أراضيها من يد المستعمرين وإسقاط الحكومات العميلة لهم، إلا أن نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلامية، وهذه بدورها سوف تكلل أعمالها بالنجاح يوم تتمكن من تحطيم رؤوس الخيانة، وتدمر الأوثان والأصنام البشرية التي تنشر الظلم والفساد في الأرض " (5).
__________
(1) دستور الجمهورية الإسلامية في إيران ص (18)، ط. وزارة الإرشاد.
(2) خطاب الخميني حول مسألة تحرير القدس والمهدي المنتظر ص (9 - 1.).
(3) المصدر السابق ص (1.).
(4) يعني على مذهب الروافض.
(5) الحكومة الإسلامية ص (35).
وهؤلاء الروافض لا ينتقدون الحكومات لهذه الأسباب التي يذكرها إذ لوكانت الحكومة أفضل حكومة على وجه الأرض لما نالت إلا سخطهم ومقتهم إلا أن تكون على مذهب الرفض، وحسبك في هذا نظرتهم إلى خلافة الخلفاء الثلاثة الراشدين - رضوان الله عليهم -.
ولا تزال مهمة المهدي الموعودة في قتل المسلمين، تظهر على ألسنة حججهم وآياتهم، وهذا مسلك الروافض مع المسلمين كلما حانت لهم فرصة وقامت لهم سلطة، كما يشهد به التاريخ والواقع.
معارضة بعض شيوخ الشيعة لمذهب عموم ولاية الفقيه
أثار مذهب الخميني - في نقله لوظائف مهديهم بالكامل للفقيه، وحصر الولاية به - ثائرة جملة من شيوخ الشيعة، ونشب صراع حاد بين الخميني وأحد مراجعهم الكبار عندهم وهو" شر يعتمداري " (1) كما أعلن طائفة من شيوخهم معارضتهم لهذا المذهب (2).
وقد تعجب شيخهم محمد جواد مغنية أن يذهب الخميني هذا المذهب، ويساوي في الصلاحيات بين المعصوم والفقهاء فقال: قول المعصوم (3) وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم: {وما ينطق عن الهوى * إن هوإلا وحيٌ يُوحى} (4). ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة، والولاية على الراشد، والقاصر، والعالم، والجاهل، وأن السلطة الروحية الزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليس له، علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر جل وعز ... أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟ (5).
__________
(1) انظر: عبد الجبار العمر، الخميني بين الدين والدولة، مبحث الخميني وشر يعتمداري ص (144) وما بعدها.
(2) انظر: المصدر السابق ص (153 - 154).
(3) الأئمة عندهم معصومون كرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(4) سورة النجم، الآية: (3).
(5) الخميني والدولة الإسلامية ص (59).
فهذا في نظره غاية الغلو، إذ كيف يجعل حكم الفقيه كحكم المعصوم؛ ثم يوضح ذلك بقوله: " حكم المعصوم منزه عن الشك والشبهات، لأنه دليل لا مدلول، وواقعي لا ظاهري ... أما الفقيه فحكمه مدلول يعتمد على الظاهر، وليس هذا فقط؛ بل هوعرضة للنسيان وغلبة الزهووالغرور، والعواطف الشخصية، والتأثر بالمحيط والبيئة، وتغيير الظروف الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، وقد عاينت وعانيت الكثير من الأحكام الجائرة، ولا يتسع المجال للشواهد والأمثال سوى أني عرفت فقيهاً بالزهد والتقوى قبل الرياسة، وبعدها تحدث الناس عن ميله مع الأولاد والأصهار (1).
وهذه شهادة منه على قومه من فئة الشيوخ، وأنه ما أن تتاح لهم فرصة رئاسة حتى تزول الصورة التي يتظاهرون بها من الزهد والتعبد، وهؤلاء الشيوخ الذي هذا وصفهم، يرى الخميني أنهم هم الولاة على الأمة.
وأصحاب هذا الاتجاه المعارض لخط الخميني يرون: " أن ولاية الفقيه أضعف وأضيق من ولاية المعصوم" (2)، فهي لا تتعدى ما ثبت في أخبارهم - كما يقولون - من " ولاية الفتوى والقضاء وعلى الأوقاف العامة وأموال الغائب وإرث من لا وارث له " (3).
وقد استدل مغنية على هذا المذهب بجملة من أقوال شيوخهم الكبار عندهم، ونقض ما ساقه الخميني من أدلة لإثبات مذهبه، وبين أنها لا تدل على ما يريد من القول بعموم الولاية، ولا مجال لاستعراض ذلك، ولا فائدة منه، لكن الفائدة هنا أن الخميني يحكم على مذهب طائفته بمقتضى قولهم بقصور ولاية الفقيه عن الحكم والولاية، بأن هذا يعطل أحكام الإسلام، وأنه بمثابة القول بنسخ الدين، لكن الخميني لا ترتقي أدلته في تأييد مذهبه إلى ما يريد فتبقى أحكامه على مذهب طائفته صادقة، وأنه مبني على ما يخالف أصول الشرع، ومنطق العقل وطبيعة الأشياء.
__________
(1) الخميني والدولة الإسلامية ص (59 - 6.).
(2) الخميني والدولة الإسلامية ص (61).
(3) المصدر السابق ص (6.).
والاتجاه المخالف للخميني يرجع أمر الولاية إلى عموم الناس، ولا يخصها بشيوخ الشيعة؛ بل يبقي الشيوخ في وضعهم الذي وضعوا فيه وولايتهم الخاصة حتى يخرج الغائب فيتولى أمور الدين والدنيا. وهذه بلغة هذا العصر فصل الدين عن الدولة، فصار المذهب دائراً بين غلوفي الفقيه، أودعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وهكذا كل مذهب باطل لابد أن يخرج أمثال هذه التناقضات.
وكلا الرأيين استقرا على بطلان المذهب في دعوى النص والتعيين، لأن كليهما لم يحدد الرئيس بشخص معين، إلا التعيين الشكلي للغائب المفقود، والذي لن يعود، لأنه لا حقيقة له في الوجود.
عدد مرات القراءة:
1550
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :