آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

المهدية والغيبة ..
في هذا الفصل سأتناول  بحول الله  مسألة المهدية والغيبة عند الفرق الشيعية بوجه عام، ثم نشأة هذه الفكرة عند الاثني عشرية وتطورها، وبعد ذلك أبين الخطوط العريضة لهذه العقيدة عندهم، وما يستدلون به لإسناد هذا المعتقد ودفاعهم عن طول زمن الغيبة الذي مضى عليه الآن أكثر من أحد عشر قرنًا، ومناقشة ذلك.
يلي ذلك بيان لما يتخيله الاثنا عشرية لدولة المهدي بعد عودته من غيبته، وهي خيالات صاغوها على شكل روايات عن أئمة أهل البيت لتأخذ صفة العصمة والقداسة عند أتباعهم، فأبين ما قالوه حول شريعته، وسيرته، وجنده.
ثم أعرض بعد هذا للشيعة في فترة الغيبة، والمبادئ التي شرعوها، والشرائع التي عطلوها بسبب هذه العقيدة، ومحاولة شيوخهم لمواجهة فقد إمامهم باختراع عقيدة "النيابة عن المهدي".
وأختم الموضوع بنقد لأصل هذه الفكرة ومناقشتها.
 المهدية والغيبة عند فرق الشيعة
فكرة الإيمان بالإمام الخفي أو الغائب توجد لدى معظم فرق الشيعة، حيث تعتقد في إمامها بعد موته أنه لم يمت، وتقول بخلوده، واختفائه عن الناس، وعودته إلى الظهور في المستقبل مهديًا، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي قدرت له العودة، كما تختلف في تحديد الأئمة وأعيانهم والتي يعتبر الإمام الغائب واحدًا منهم.
وتعتبر السبئية  كما يقول القمي، والنوبختي، والشهرستاني وغيرهم  أول فرقة قالت بالوقف على علي [أي لم تسق الإمامة لمن بعده.] وغيبته [القمي/ المقالات والفر: ص19-20، النوبختي/ فرق الشيعة: ص22، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/174.]، حيث زعمت "أن عليًا لم يقتل ولم يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، ويملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" [المقالات والفرق: ص19، فرق الشيعة: ص22، مقالات الإسلاميين: 1/86.].
ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: "كذبت، لو جئنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض" [فرق الشيعة: ص23، المقالات والفرق: ص21.] وظلت تنتظر عودته من غيبته، ثم انتقلت هذه "الفكرة" من السبئية إلى بعض فرق الكيسانية كالكربية [الكربية: أتباع أبي كريب الضرير، وقد مضى التعريف بالكيسانية.] حيث قالت لما مات محمد بن الحنفية  وهو الذي تدعي أنه إمامها -: إنه حي لم يمت وهو في جبل رضوى بين مكة والمدينة عن يمينه أسد وعن يساره نمر موكلان به يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه [وقد تغنى شعراؤهم بذلك حتى قال شاعرهم (كثير عزة) :
ألا إن الأئمة من قريش                ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه                  هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ                 وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى            يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى عنا زمان               برضوا عنده عسل وماء
(انظر: مسائل الإمامة ص26، مقالات الإسلاميين: 1/92-93، الفرق بين الفرق ص41)، وقد أوردت كتب المقالات أيضًا أشعارًا في هذا المعنى لشعراء آخرين (انظر: مسائل الإمامة ص26، 27، 28، 29)، وقد نظم البغدادي بعض الأبيان في الرد عليها الفرق بين الفرق: ص41-43).]، وقالوا: إنه المهدي المنتظر [مسائل الإمامة: ص26، فرق الشيعة: ص27، مقالات الإسلاميين: 1/92، الفرق بين الفرق: ص39، التبصير في الدين: ص18-19.]. وزعموا أنه سيغيب عنهم سبعين عامًا في جبل رضوى ثم يظهر فيقيم لهم الملك، ويقتل لهم الجبابرة من بني أمية [مسائل الإمامة: ص27.]... فلما مضت سبعون سنة ولم ينالوا من أمانيهم شيئًا حاول بعض شعرائهم توطين أصحابه على هذه العقيدة، وأن يرضوا بالانتظار ولو غاب مهديهم مدة عمر نوح عليه السلام [يقول شاعرهم في ذلك:
لو غاب عنا عمر نوح أيقنت             منا النفوس بأنه سيؤوب
إنـي لأرجـوه وآملـه كمـا            قد كان يأمل يوسفًا يعقوب
(المصدر السابق: ص29).].
ثم شاع التوقف على الإمام وانتظار عودته مهديًا بعد ذلك بين فرق الشيعة.. فبعد وفاة كل إمام من آل البيت تظهر فرقة من أتباعه تدعي فيه هذه الدعوى.. وتنتظر عودته، وتختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا في تحديد الإمام الذي وقفت عليه وقدرت له العودة  في زعمهم  ولذلك قال السمعاني: "ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافًا يلوح عليه حمق بليغ" [الأنساب: 1/345.].
وحتى بعض فرق الزيدية وهي الجارودية تاهت في وهم هذا الانتظار للإمام الذي قد مات، مع اختلاف فروع هذه الطائفة في تحديد الإمام المنتظر، كما نقل ذلك الأشعري [مقالات الإسلاميين: 1/141-142.] والبغدادي [الفرق بين الفرق: ص31-32.] والشهرستاني [الملل والنحل: 1/158-159.] وغيرهم [نشوان/ الحور العين: ص156.]. ولذلك فإنه لا صحة لما قاله بعضهم من أن الزيدية كلها تنكر هذا الاتجاه كما قاله أحمد أمين [ضحى الإسلام: 3/243.]، وأشار إليه جولد سيهر [العقيدة والشريعة: ص211.].
هذه عقيدة الغيبة عند فرق الشيعة، ارتبطت بأفراد من أهل البيت معروفين وجدوا في التاريخ فعلاً وعاشوا حياتهم كسائر الناس، فلما ماتوا ادعت فيهم هذه الفرق تلك الدعوى، حيث لم تصدق بموتهم، وزعمت أنهم غابوا، وسيعودون للظهور مرة أخرى. أما هذه الفكرة عند الاثني عشرية فتختلف من حيث إنها ارتبطت عندهم "بشخصية خيالية" لا وجود لها عند أكثر فرق الشيعة المعاصرة لظهور هذه "الدعوى" وهي عند أصحابها شخصية رمزية [وتتداول الشيعة أخبارها بالرمز إليه بدون ذكر اسمها.]، لم يرها الناس، ولم يعرفوها، ولا يعلمون مكانها، غابت  كما يدعون  بعد ولادتها، ولم يظهر حملها، وأحيطت ولادتها بسياج من السرية والكتمان، بل إن عائلتها، ووكيلها وأقرب الناس إليها لم يعلموا بأمر هذا الحمل وذلك المولود، وكانوا له منكرين، بل لم يظهر للشيعة التي تدعيه إلا من خلال نواب يدعون الصلة به.
هذه الشخصية هي شخصية المهدي المنتظر عندهم، ويشكّل الإيمان بها عند الاثني عشريّة الأصل الذي ينبني عليه مذهبهم، والقاعدة التي تقوم عليها بنية التّشيّع عندهم؛ إذ بعد انتهاء وجود أئمّة الشّيعة بوفاة الحسن العسكري أصبح الإيمان بغيبة ابنه المزعوم هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم، والأساس الذي يمسك بنيان الشّيعة من الانهيار.
ولكن كيف ومتى بدأت هذه الفكرة عند الاثني عشرية؟
 نشأة فكرة الغيبة عند الشيعة الاثني عشرية وتطورها
حال الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري:
لابد في الحديث عن النشأة أن نتناول حال الشيعة بعد وفاة الحسن لعلاقته الوثيقة بنشأة هذه الفكرة.
إذ بعد وفاة الحسن  إمامهم الحادي عشر  سنة (260ه‍) "لم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمّه" [المقالات والفِرَق: ص102، فِرَق الشّيعة: ص96 (وفيها: "ولم ير له أثر").] كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها.
وبسبب ذلك اضطرب أمر الشّيعة، وتفرّق جمعهم، لأنّهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين عندهم بدون إمام، لأنّه هو الحجّة على أهل الأرض [أصول الكافي: 1/188.]. وحتى كتاب الله سبحانه ليس حجة عندهم إلا به  كما سلف -، وبالإمام بقاء الكون، إذ "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" [أصول الكافي: 1/179.]، وهو أمان النّاس "ولو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لَمَاجَتْ بأهلها كما يموج البحر بأهله" [أصول الكافي: 1/179.]. ولكن الإمام مات بلا عقب، وبقيت الأرض بلا إمام، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث.. فتحيرت الشيعة واختلفت في أعظم أمر عندها وهو تعيين الإمام، فافترقت إلى أربع عشرة فرقة كما يقول النّوبختي [فِرَق الشّيعة: ص96، المفيد/ الفصول المختارة: ص258.]، أو خمس عشرة فرقة كما ينقل القمّي [المقالات والفِرَق: ص102.]، وهما من الاثني عشريّة. وممّن عاصر أحداث الاختلاف، إذ هما من القرن الثّالث، فمعلوماتهما مهمة في تصوير ما آل إليه أمر الشيعة بعد الحسن العسكري.
ومن بعدهما زادت الفرقة واتّسع الاختلاف، حيث يذكر المسعودي الشّيعي (المتوفّى سنة 346ه‍) ما بلغه اختلاف شيعة الحسن بعد وفاته، وأنّه وصل إلى عشرين فرقة [مروج الذّهب: 4/190، وانظر: الصّواعق المحرقة: ص168] فما بالك بما بعده [وعندي أن هذا الاختلاف لم يتوقف إلا بعد قيام السمري  كما سيأتي  بإلغاء فكرة البابية واختراع فكرة النيابة العامة عن المهدي من جميع شيوخهم، فاتفقوا حينئذ على دعوى غيبة المولود لاتفاقهم على قسمة الغنائم التي تجبى باسمه فيما بينهم باسم النيابة.].
وقد ذهبت هذه الفرق مذاهب شتّى في أمر الإمامة، فمنهم من قال: "إنّ الحسن بن علي حيّ لم يمت، وإنّما غاب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأنّ الأرض لا تخلو من إمام" [فرق الشّيعة: ص96، المقالات والفِرَق: ص106.]. فوقفت هذه الفِرقة على الحسن العسكري وقالت بمهديته وانتظاره كما هي العادة عند الشّيعة بعد وفاة كلّ إمام تدّعي إمامته، وذهبت فرقة أخرى إلى الإقرار بموته، ولكنّها زعمت أنّه حيّ بعد موته، ولكنّه غائب وسيظهر [فِرَق الشّيعة: ص97، المقالات والفِرَق: ص107.]، بينما فِرَق أخرى حاولت أن تمضي بالإمامة من الحسن إلى أخيه جعفر [المقالات والفرق: ص110.]، وأخرى أبطلت إمامة الحسن بموته عقيمًا [انظر: المقالات والفرق: ص109، فرق الشّيعة: ص 100-101.].
أما الاثنا عشريّة فقد ذهبت إلى الزّعم بأن للحسن العسكري ولدًا "كان قد أخفى (أي الحسن) مولده، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدّة طلب السّلطان له.. فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته" [المفيد/ الإرشاد: 1005آ+3.].
ويقابل ذلك اتجاه آخر يقول: "إن الحسن بن علي قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته، وتواتر ذلك عن الولي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا ولد له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن بن علي، وأن الإمامة انقطعت.. كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد، فكذلك جائز أن تنقطع الإمامة، لأن الرسالة والنبوة أعظم خطرًا وأجل، والخلق إليها أحوج، والحجة بها ألزم، والعذر بها أقطع، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام الباهرة، فقد انقطعت، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة" [المقالات والفرق: ص107-108، فرق الشيعة: ص105.].
وقطعت كذلك فرقة أخرى بموت الحسن بن علي وأنه لا خلف له، وقالت: إن الله سيبعث قائمًا من آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي، وإن شاء بعث غيره، ونحن الآن في زمن فترة انقطعت فيه الإمامة [المقالات والفرق: ص108، وانظر: فرق الشيعة: ص105.].
وهكذا تضاربت أقوالهم، واختلفت اتجاهاتهم، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون.. وبلغت الحيرة في تلك الفترة أن اختار بعضهم التوقف وقال: "نحن لا ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الأمر.." [المقالات والفرق: ص115-116، وانظر: فرق الشيعة: ص108.].
هذه بعض ملامح الخلاف الذي دب بين الشيعة بعد وفاة الحسن.
أسباب القول بالغيبة:
ولعل القارئ يعجب من ذلك الإصرار الشديد على القول بإمامة أحد من آل البيت حتى ينكرون موت من مات، أو يدعون أنه حي بعد موته، أو يخترعون ولدًا لمن لا عقب له، وقليل منهم ثاب إلى رشده لما انكشف له الغطاء بموت الإمام عقيمًا فترك التحزب والتشيع وقال بانقطاع الإمامة، ورجع إلى شئون حياته. ولعل هذه الفئة هي التي تتشيع عن صدق، فلما تبين لها الأمر، وسقط القناع رجعت.
إن أهم سبب لهذا الإصرار يتبين من خلال اختلاف هذه الفرق ونزاعها فيما بينها للدفاع عن رأيها والفوز بأكثر قدر من الأتباع، حيث إن كل طائفة تنادي بمهدي لها وتكذب الأخرى، ومن خلال تلك الخصومة تتسرب الحقيقة.
لنستمع  مثلاً  إلى ما ترويه الاثنا عشرية  التي تقول بالغيبة والوقف على الابن المزعوم للحسن للعسكري  في كشف حقيقة دعوى الطائفة الأخرى التي تقول بالغيبة والوقف على موسى الكاظم تقول: "مات أبو إبراهيم (موسى الكاظم) وليس من قوامه [نوابه ووكلاؤه.] أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعًا في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.." [الغيبة للطّوسي: ص42-43.].
وجاء عندهم روايات أخر بهذا المعنى [انظر: المصدر السابق: ص43 وما بعدها، ورجال الكشي/ الروايات رقم: 759، 871، 888، 893.] تكشف ما خفي.. وأن وراء دعوى غيبة الإمام وانتظار رجعته الرغبة في الاستئثار بالأموال، وأن هناك فئات منتفعة بدعوى التّشيّع تغرّر بالسّذّج، وتأخذ أموالهم باسم أنّهم نوّاب الإمام، فإذا ما توفّي الإمام أنكروا موته لتبقى الأموال في أيديهم، ويستمرّ دفع الأموال إليهم باسم خمس الإمام الغائب.
وهكذا تدور عمليات النهب والسلب.. والضحية هم أولئك السذج المغفلون الذين يدفعون أموالهم إلى من زعموا أنهم نواب الإمام في بلدان العالم الإسلامي. والذين استمرأوا هذه الغنيمة الباردة فظلوا يذكون في النفوس محبة آل البيت، واستشعار ظلم آل البيت، والحديث عن محن آل البيت، والمطالبة بحق آل البيت.. ليفرقوا الأمة، ويتخذوا من تلك الأموال وسيلة لتغذية جمعياتهم السرية التي تعمل على تقويض كيان الدولة الإسلامية.
ولعل من أسباب القول بالمهدية والغيبة أيضًا تطلع الشيعة إلى قيام كيان سياسي لهم مستقل عن دولة الإسلام، وهذا ما نلمسه في اهتمامهم بمسألة الإمامة، ولما خابت آمالهم، وغلبوا على أمرهم وانقلبوا صاغرين هربوا من الواقع إلى الآمال والأحلام كمهرب نفسي ينقذون به أنفسهم من الإحباط وشيعتهم من اليأس، وأخذوا يبثون الرجاء والأمل في نفوس أصحابهم، ويمنونهم بأن الأمر سيكون في النهاية لهم. ولذلك فإن القول بالمهدية والغيبة ينشط دعاته بعد وفاة كل إمام لمواجهة عوامل اليأس وفقدان الأمل، بالإضافة إلى تحقيق المكاسب المادية.
كما أن التشيع كان مهوى قلوب أصحاب النحل والأهواء والمذاهب المتطرفة؛ لأنهم يجدون من خلاله الجو المناسب لتحقيق أهدافهم، والعودة إلى معتقداتهم.
فانضم إلى ركب التشيع أصناف من أصحاب هذه الاتجاهات الغالية.. وكان هذا «الخليط» يشطح "بالشيعة" نحو معتقداته الموروثة، ولا سيما بعد أن عزلت الشيعة نفسها عن أصول الأمة، وإجماعها.
ولهذا فإن مسألة المهدية والغيبة حسب الاعتقاد الشيعي لها جذورها في بعض الديانات والنحل، مما لا يستبعد معه أن لأتباع تلك الديانات دورًا في تأسيس هذه الفكرة في أذهان الشيعة.
ويميل بعض المستشرقين أنها ذات أصل يهودي، لأن اليهود يعتقدون بأن إيليا رفع إلى السماء وسيعود في آخر الزمان، ولذلك فإن إيليا هو  حسب رأيهم  النموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين [جولد سيهر/ العقيدة والشريعة: ص192.].
وفي نظري أن هذا لا يكفي لإظهار الأثر اليهودي، لأن في الإسلام أن عيسى رفع إلى السماء وسيعود في آخر الزمان، فليست هذه الفكرة التي عرضوها غريبة على الأصول الإسلامية، ولكن لأن المستشرقين ينكرون مسألة المهدية أصلاً قالوا هذا القول. إنما يبرز إيضاح الأثر اليهودي أكثر من أوجه أخرى هي أن نظرية الغيبة ترجع في أصولها إلى ابن سبأ وهو حبر من أحبار اليهود.
كذلك ما صرح به بعض شعراء الشيعة من أن فكرة المهدية مستمدة من أخبار كعب الأحبار الذي كان على دين اليهودية قبل إسلامه، ويبدو ذلك بوضوح فيما قاله شاعر الكيسانية كثير عزة في ابن الحنفية:
هو المهدي خبرناه كعب       أخو الأحبار في الحقب الخوالي [ديوان كثير عزة: 1/275.].
ويقول فان فلوتن: "وأما نحن معاشر الغربيين فقد استرعت عقيدة المهدي المنتظر بوجه خاص أنظار المستشرقين منا" [السيادة العربية والإسرائيليات: ص110.].
ثم يربط هذه العقيدة بالإسرائيليات ويردها إلى أصول يهودية ونصرانية، لأنه يرى أنها تخل تحت نطاق التنبؤ ببعض الأشخاص والحوادث المعينة، وهو التنبؤ الذي أفاضت فيه كتب إسرائيلية لم تكن معروفة عند العرب في بادي الأمر، وإنما وصلت إليهم عن طريق اليهود والمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام [السيادة العربية والإسرائيليات: ص112.].
ويبدو أن ربطه هذه العقيدة باليهودية والنصرانية لمجرد أنها تدخل في نطاق الإخبار بالمغيبات الذي لا يعرفه العرب كما يقول هو ربط ضعيف، ذلك أن من معجزات رسول الإسلام العربي الهاشمي الإخبار ببعض المغيبات، لكن هؤلاء يحللون هذه المسائل وفق عقليتهم الكافرة، واتجاههم المنكر لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأرجح في هذه المسألة أن عقيدة الاثني عشرية في المهدية والغيبة ترجع إلى أصول مجوسية، فالشّيعة أكثرهم من الفرس، والفرس من أديانهم المجوسيّة، والمجوس تدّعي أنّ لهم منتظرًا حيًّا باقيًا مهديًّا من ولد بشتاسف بن بهراسف يُقال له: أبشاوثن، وأنّه في حصن عظيم من [لعلها "بين".] خراسان والصّين [تثبيت دلائل النّبوّة: 1/179.].
وهذا مطابق لجوهر المذهب الاثني عشري.
واضع مبدأ الغيبة عند الاثني عشرية:
إذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة النص على علي بالإمامة  كما تذكره كتب الفرق عند الشيعة وغيرها  فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل "لفكرة الإمامة" بعد انتهائها حسيًا بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة، لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد العمري [ويرى الأستاذ محب الدين الخطيب أن مؤسس فكرة الغيبة هو محمد بن نصير من موالي بني نمير (الخطوط العريضة: ص37)، وقد ورد في كتب الاثني عشرية أنه ممن ادعى البابية للغائب، وقد سبقه في ذلك رجل آخر يدعى الشريعي، وتلاه آخرون ادعوا كدعواه. (انظر: الغيبة للطوسي: ص244).]، وقد قام بدوره في منتهى السرية حيث "كان يتجر في السمن تغطية على الأمر"، وكان يتلقى الأموال التي تؤخذ من الأتباع باسم الزكاة والخمس وحق أهل البيت فيضعها "في جراب السمن وزقاقة.. تقية وخوفًا" [الغيبة للطوسي: ص214-215، محمد الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص396-397.]. وقد زعم  في دعواه  أن للحسن ولدًا قد اختفى وعمره أربع سنوات [انظر: الغيبة للطوسي: ص258، وقد اختلفوا في عمره حينما غاب لاختلاف رواياتهم في ذلك  كما سيأتي -، قال المجلسي: أكثر الروايات على أنه ابن أقل من خمس سنين بأشهر أو بسنة وأشهر. (بحار الأنوار: 25/123).]، وزعم أنه لا يلتقي به أحد سواه فهو السفير بينه وبين الشيعة يستلم أموالهم ويتلقى أسئلتهم ومشكلاتهم ليوصلهم للإمام الغائب.
ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول معصوم حتى ترفض الإجماع بدون المعصوم، وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل واحد غير معصوم وقد ادعى مثل دعواه آخرون، كل يزعم أنه الباب للغائب وكان النزاع بينهما على أشده، وكل واحد منهم يخرج توقيعًا يزعم أنه صدر عن الغائب المنتظر يتضمن لعن الآخر وتكذيبه، وقد جاء على ذكر أسمائهم الطوسي في مبحث بعنوان: "ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية لعنهم الله" [الغيبة: ص244.].
ولعثمان بن سعيد  كما تنقل كتب الشيعة  وكلاء في معظم الديار الإسلامية يدعون لإمامة هذا المعدوم والقول ببابية عثمان بن سعيد. وقد جاء على ذكر هؤلاء الوكلاء ابن بابويه القمي، وهو أجمع نص لأسمائهم، كما يذكر محمد باقر الصدر [تاريخ الغيبة الصغرى: ص60.]. وهناك وكلاء آخرون غير مرضيين من عثمان بن سعيد ومن يشايعه، وقد ذكر منهم الطوسي سبعة في مبحث بعنوان "ذكر المذمومين من وكلاء الأئمة" [الغيبة للطوسي: ص213-214.].
والفرق عندهم بين الباب والوكيل: أن الباب يلتقي بالإمام الغائب، والوكيل يلتقي بالباب ولا يرى الإمام، ويكون الواسطة بين الشيعة والباب [انظر: الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص609.].
ولما توفي عثمان بن سعيد الباب الأول المعتمد عند الاثني عشرية، عين من بعده ابنه محمدًا، ولكن خالفه في ذلك طائفة منهم، فلم ترتض بابية ابنه، ونشأ نزاع بينهم ولعن بعضهم بعضًا.
فهذا أحد المخالفين ويدعى أحمد بن هلال الكرخي لما قيل له: "ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه، وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة [يعنون إمامهم المنتظر، لأنهم يعتبرون قول الباب الأول هو قول الإمام، لأنه بابه وسفيره الوحيد، فاعتبروا تعيين عثمان بن سعيد لابنه نصًا مقدسًا من الإمام يلعن مخالفه.]؟ فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، ولست أنكر أباه  يعني عثمان بن سعيد  فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل [يلاحظ أنه سماه وكيلاً مع أن الاثني عشرية تسميه بالباب، وتفرق بين الوكيل والباب.] صاحب الزمان فلا أجسر عليه. فقالوا: قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم.. فلعنوه وتبرؤوا منه" [الغيبة للطوسي: ص245.].
وتكشف بعض أوراقهم سبب هذا التنازع بينهم، يذكر الطوسي  مثلاً  عن رجل يدعى محمد بن علي بن بلال بأنه رفض بابية محمد بن عثمان العمري، وأنه جرى بينه وبين العمري قصة معرفة  كما يقول  حيث تمسك الأول "بالأموال التي كانت عنده للإمام، وامتنع من تسليمها وادعى أنه الوكيل حتى تبرأت منه الجماعة ولعنوه" [الغيبة للطوسي: ص245.].
فأت تلاحظ أنه شارك عثمان بن سعيد في الوكالة، فلما توفي استأثر بالمال.
فهو تزاحم وتكالب على البابية والوكالة من أجل جمع الأموال.. وإلا لو كان هناك «إمام» غائب، يسير أم شيعته عن طريق الأبواب لما صارت الأموال إلى هذا الرجل المحتال، ولما كان محل ثقة الإمام صاحب الزمان، لأن الإمام عندهم يعلم ما كان وما يكون.. فلماذا لم يصدر أمره من البداية في التحذير من التعامل معه حتى لا يأخذ أموال الناس؟! لكن الحقيقة أنه لا إمام غائب؛ بل عصابات تأكل أموال الناس بالباطل باسم التشيع والتدين، وأن نزاعها كان لأجل ذلك.
ثم توفي محمد بن عثمان بن سعيد [انظر عنه: الغيبة للطوسي: 223، رجال الحلي: ص149.] (ت304 أو30ه‍) بعد أن تولى البابية "نحوًا من خمسين سنة [الغيبة للطوسي: ص223، رجال الحلي: ص149.]، يحمل الناس إليه أموالهم، ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجية" [الغيبة للطوسي: ص223.].
وتولى بعده رجل يدعى أبا القاسم الحسين بن روح، وقد كان كما تذكر رواياتهم يقوم بمهمة البابية في آخر حياة محمد بن عثمان؛ حيث كان يحيل إليه استلام الأموال التي يأتي بها الأشياع، ولذلك قال رجل يدعى (محمد بن علي الأسود) : كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فيقبضها مني فحملت إليه شيئًا من الأموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمر بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي فكنت أطالبه بالقبوض، فشكا ذلك إلى أبي جعفر (محمد بن عثمان) فأمرني ألا أطالبه بالقبوض، وقال: كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليّ، فكنت أحمد بعد ذلك الأموال إليه ولا أطالبه بالقبوض [الغيبة للطوسي: ص225-226.].
ولما تردد أحدهم في تسليم أمواله إلى أبي القاسم بن روح غضب منه الباب محمد بن عثمان وقال له: لم لم تمتثل ما قلته لك؟ ولكن الرجل حاول أن يلاطفه ويهدئ من غضبه خشية أن يخرج له توقيعًا بلعنه والبراءة منه كعادة [وهي كصكوك الحرمان عند النصارى.] الأبواب فيمن يرفض دفع الأموال إليهم، فقال له متلطفًا: "لم أجسر على ما رسمته لي" إلا أن الباب أجابه وهو غاضب وقال له: "قم كما أقوال لك" يقول الرجل: "فلم يكن عندي غير المبادرة، فصرت إلى أبي القاسم بن روح وهو دار ضيقة فعرّفته ما جرى فسر به وشكر الله عز وجل، ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمد إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك من الدنانير" [الغيبة للطوسي: ص224.].
فأنت تلاحظ ما تحيط به الرموز الشيعية نفسها من صفة القداسة، وما تضفي به على قولها من العصمة ووجوب الطاعة المطلقة، وإلا فاللعن والطرد من رحمة الله.
كما تلاحظ بأن لغة المال هي السائدة في التوقيعات المنسوبة للمنتظر وعلى ألسنة الأبواب والوكلاء.
وكان اختيار أبي القاسم لأنه أحفظ لسر المكان الذي يقيم فيه الغائب، حيث إن اختيار الباب يتم من قبل الدوائر الشيعية حسب مواصفات خاصة لعل من أبرزها حفظ السر، وعدم الظهور والشهرة، يدل على ذلك ما جاء في الغيبة للطوس "أن سهلاً النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه [لاحظ أنه عزا الاختيار  فيما يظهر  إلى شيوخ الشيعة، وهم يزعمون أن ذلك إلى الإمام الغائب.]، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه [أي مكان المهدي الغائب لأنه لا يعلم بمكانه سوى الباب.] كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة [يعني القاسم المنتظر الغائب.] تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه" [الغيبة: ص240.].
ورغم ذلك فقد أثار تعيين أبي القاسم بن روح نزاعًا كبيرًا بين الخلايا السرية، فانفصل عدد من رؤسائهم وادعوا البابية لأنفسهم.. وكثر التلاعن بينهم.
وقد اضطر بعضهم لأن يكشف حقيقة دعوى البابية تلك بسبب أنه لم ينجح في اقتناص مجموعة أكبر من الأتباع، ومن هؤلاء محمد بن علي الشلمغاني المقتول سنة (323ه‍) [انظر عنه: الغيبة للطوسي: ص248، البداية والنهاية لابن كثير: 11/179، الكامل: 8/290.] وهو ممن ادعى النيابة عن مهدي الروافض، ونافس أبا القاسم الحسين بن روح عليها، وفضح أمرهم فقال: "ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف" [الغيبة للطوسي: ص241.].
ويعقب على ذلك أحمد الكروي الإيراني (الشيعي الأصل): "لقد صدق فيما قال، فإن التخاصم لم يكن إلا لأجل الأموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إلى آخر" [التشيع والشيعة: ص33.].
ثم ما لبث ابن روح أن توفي سنة (326ه‍) فانتقلت البابية بوصية منه إلى رجل رابع يدعى: أبا الحسن علي بن محمد السمري [انظر: الغيبة للطوسي: ص244.]. والذي تولى منصب البابية وكان قد انقضى على غيبة الإمام قرابة سبعين عامًا لم يتحقق فيها أمل الشيعة في رجعته رغم انتظارهم إياه وتلهفهم عليه.
وقد تخلفت وعود الشيعة بالظهور للغائب المستور، وساد الشك الأوساط الشيعية، وبدأت تتكشف حقيقة الأمر بعد النزاع الحاد الذي وقع بين أدعياء البابية، ولذلك اختفى نشاط الباب تمامًا، فلا تجد له في كتب الشيعة مثل ما تجد لأسلافه من الرقاع والتوقيعات التي ينسبونها للغائب المنتظر. وقد اعترف بذلك بعض الشيعة وإن حاول أن يتستر على تلك الأسباب فيعزو الأمر إلى كثرة الضغوط على الشيعة [محمد باقر الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص414.].
وقد استمر السمري في منصبه (الشكلي) ثلاث سنوات [لأنه توفي سنة (329ه‍)، انظر: الغيبة للطوسي: ص243، تاريخ الغيبة الصغرى للصدر: ص413.]، وربما أدركته "الخيبة وشعر بتفاهة منصبه كوكيل معتمد للإمام الغائب [رونلدسن/ عقيدة الشيعة، ص 257.]، فلما قيل له وهو على فراش الموت: من وصيك من بعدك؟ قال: لله أمر هو بالغه" [الغيبة للطوسي: ص242.]. وهكذا انتهت دعوى الصلة المباشرة بالغائب، لأن أوراقها انكشفت بسبب التنافس عليها.
ووصلت دعوى الغيبة إلى طريق مسدود، إذ لم تنجح فكرة البابية الخاصة، ولكن أخرج شيوخ الشيعة توقيعًا منسوبًا للسمري عن المنتظر يعلن فيه انقطاع البابية المباشرة، واختراع مبدأ النيابة العامة التي يشترك فيها شيوخ الشيعة  كما سيأتي -.
وبعد هذا التغيير خرجت قضية غيبة المهدي من طريقها المسدود، واختفت ظواهر النزاع على منصب البابية واقتسمت الغنيمة بين الجميع بالسوية، وقررت عقيدة النيابة والتي سنتحدث عنها بعد استعراضنا لقضية المهدي عند الشيعة.
هؤلاء الأبواب الأربعة: عثمان بن سعيد، وابنه، وابن روح، والسمري، هم المؤسسون لقضية الغيبة والمهدية، أو هم الوجوه البارزة التي رسمت نظرية المهدي عند الاثني عشرية، وتسمى فترة عملهم بالبابية: "الغيبة الصغرى" والتي استمرت سبعين سنة أو تزيد [يقول شيخهم وآيتهم جعفر النجفي أن الغيبة الصغرى استمرت 74 سنة. (انظر: كشف الغطا: ص13) ويبدو أن هذا التحديد غير متفق عليه بينهم، ففي تنقيح المقال للمامقاني رد  فيما يظهر  لهذا التحديد حيث قال: "وما قيل إن مدة الغيبة أربع وسبعون سنة اشتباه بلا شبهة، إلا أن يحسبها من سنة الولادة" (أي ولادة منتظرهم المزعومة) ثم ذكر أن مدتها ثمان أو تسع وستون سنة إلا شهرًا (تنقيح المقال: 1/189) بينما يذكر الصدر أن مدتها سبعون سنة (انظر: تاريخ الغيبة الصغرى: ص345).].
وسنتناول نظرية المهدية والغيبة كما جاءت في كتب الاثني عشرية، ونتعرف على مضامينها، حيث أصبحت اليوم هي أساس المذهب الشيعي.
 الخطوط العامة لقصة المهدية عند الاثني عشرية
قصة المهدي في كتب الشيعة قصة غريبة، نسج الخيال خيوطها وبلغ مداه في صياغة أحداثها، وتحولت إلى أسطورة كبرى لا تجد إلى العقل منفذًا، ولا في الفطر السليمة قبولاً حتى أنكرتها أكثر الفرق الشيعية التي عاصرت ولادتها [انظر: ص828-830 من هذه الرسالة.]. ولنعرض لخطوطها العامة بدءًا من اختيار الحسن لأم المهدي المزعوم، إلى ولادة المهدي، واختفائه، ثم عودته، وسيرته.
أما اقتران الحسن بأم المهدي فقد صاغت كتب الشيعة أحداثه بما يشبه قصص ألف ليلة وليلة، فاختيار الحسن العسكري للجارية التي ينسبون لها الولد قد تم  كما تصوره كتب الشيعة  عن دراية بالغيب المستور، فهو يبعث خادمه لسوق بيع الجواري، ويعطيه أوصاف الجارية، ونوع لباسها، والكلام الذي ستنطق به أثناء بيعها، وما يحدث أثناء المساومة، ويرسل معه كتابًا لها بالرومية ما إن تنظر إليه حتى تبكي بكاءً شديدًا وتتمسح به، وحينما يعجب الخادم من كل ذلك تكشف له عن هويتها وأنها مليكة بنت يوشع بن قيصر ملك الروم. وتسرد له قصة حياتها، ووقوف الكوارث أمام زواجها من خطابها، وأنها رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يخطبها من المسيح وقال له: "يا روح الله جئتك خاطبًا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد" (الحسن العسكري). ثم تتابع الرؤى عليها حتى تزورها في المنام أم الحسن العسكري، ومعها مريم بنت عمران، وألف وصيفة من وصائف الجنان فتقول لها مريم: هذه سيدة النساء [لاحظ إطلاق هذا اللقب على أم الحسن العسكري؛ فهل هي أفضل من فاطمة؟!] أم زوجك أبي محمد عليه السلام، فتتعلق بها أم المهدي وتبكي وتشكو إليها امتناع الحسن العسكري من زيارتها، لكن أم الحسن قالت لها: إن ابني محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله [أبو محمد لا يزورها وهي مشركة، وسيدة النساء، ومريم، ووصائف الجنة يزرنها وهي مشركة!]. ثم تمضي أحداث القصة حتى تسلم بتأثير هذه المنامات، فتبدأ زيارات الحسن العسكري لها في الأحلام.
ثم تذكر قصة وقوعها في أسر المسلمين، واختيارها لاسم "نرجس" إخفاءً لحقيقتها، ثم طلبها من مالكها ألا يبعها إلا لمن ترضاه وهو الذي يحمل المواصفات التي أوحي إليه بها في المنام، ثم تلتقي بعد ذلك بالحسن ولا تجد غراب في لقائه لأنها تعرفه وتتصل به قبل ذلك من خلال الرؤى والأحلام، فيزف لها البشرى بولد يملك الدنيا شرقًا وغربًا ويملأ الأرض قسطًا وعدلاً [انظر: ابن بابويه/ إكمال الدين: ص395-400 (باب ما روي في نرجس أم القائم).].
أما حملها بالمهدي فأغرب وأعجب، إذ لم يظهر عليها أثر الحمل مع أن حكيمة بنت محمد [حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق.]  كما يقولون  حاولت التثبت من حملها فوثبت إليها  كما تزعم رواياتهم  فقلبتها ظهرًا لبطن فلم تر فيها أثرًا للحمل، وعادت إلى الحسن وأخبرته، لكنه أكد لها وجود الحمل وقال لها: "إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل" [إكمال الدين: ص404.]. والأغرب من ذلك أن أم الولد نفسها حتى ليلة ولادتها لم تعلم بأمر حملها حتى قالت لحكيمة: "يا مولاتي ما أرى بي شيئًا من هذا" [إكمال الدين: ص404.].
ويبدو أن نفي ظهور أثر الحمل عليها هي حيلة أو محاولة للتخلص مما ثبت حتى لدى الشيعة من قيام جعفر (أخي الحسن العسكري) بحبس نساء الحسن وإمائه  بعد وفاة الحسن  لاستبرائهن حتى ثبت للقضاي والسلطان براءة أرحامهن من الحمل، وتم بعد ذلك قسمة ميراث الحسن [انظر: الغيبة للطوسي: ص74.].
وهذه الرواية التي تنفي تبين أمارات الحمل حتى لأم الوليد تثبت في آخرها ما ينقض هذا الزعم وهو أن المولود كان يتكلم وهو في بطن أمه حتى قالت حكيمة: "فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ وسلم علي" [إكمال الدين: ص404.]، وكذلك يروي الطوسي عن حكيمة نفسها أنها قالت حينما استدعاها الحسن إلى بيته للإشراف على ولادة المهدي من جاريته فقالت: "جعلت فداك يا سيدي الخلف ممن هو؟ قال: من سوسن  تقول  فأدرت نظري فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.." [الغيبة: ص141.] فهي في هذه الرواية تدرك حملها بمجرد النظر إليها، وفي رواية ابن بابويه تقلبها ظهرًا لبط فلا تجد أثرًا، وهي هنا تسميها سوسن، وهناك تسميها نرجس، كما تسمى في بعض رواياتهم بأسماء أخرى [تسمى ريحانة، وصقيل. (إكمال الدين: ص408).]. وكل يضع كما يشاء، وكتب الاثني عشرية تستوعب الجميع.
وحينما ولد "سقط.. من بطن أمه جائيًا على ركبتيه، رافعًا سبابتيه إلى السماء ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، لو أذن لنا في الكلام لزال الشك" [إكمال الدين: ص406، وانظر: الغيبة للطوسي: ص147.].
وفي رواية أخرى أنه سقط ساجدًا لله وهو يتشهد، ويدعو بقوله: "اللهم أنجز لي ما وعدتني.." [إكمال الدين: ص404-405.]. ثم عرج بهذا المولود إلى السماء بواسطة طيور خضر، وحينما تبكي الأم نرجس خوفًا على ولدها يجيبها الحسن بقوله: "سيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه" [إكمال الدين: ص405.].
أما نموه فهو مخالف تمامًا لسنة الله في خلقه، وخارج عن النواميس الطبيعية التي يخضع لها الكائن الحي بأمر الله، يصور ذلك الخبر المروي على لسان حكيمة بنت محمد، حيث تقول: "لما كان بعد أربعين يومًا [يعني من مولده.] دخلت على أبي محمد عليه السلام فإذا مولانا الصاحب يمشي في الدار فلم أر وجهًا أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته، فقال أبو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عز وجل، فقلت: سيدي أرى من أمره ما أرى وله أربعون يومًا، فتبسم وقال: يا عمتي أما علمت أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة" [الغيبة للطوسي: ص144.].
وفي رواية القمي "إن الصبي منا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة، وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن، ويعبد ربه عز وجل عند الرضاع، تطيعه [كذا في الأصل المنقول عنه ولعله "تطعمه".] الملائكة وتنزل إليه صباحًا ومساءً" [إكمال الدين: ص405.].
ولكن هذا المولود الذي يحمل كل هذه الظواهر الخارقة لا يعلم به أحد ولا يرى له أثر، فما فائدة إجراء هذه الخوارق إذن؟
ثم ما لبث أن غاب ولم يعلم بأمره ولا غيبته أحد إلا "حكيمة" والتي تقول  كما تنسب إليها الرواية -: إن الحسن أمرها ألا تفشي هذا الخبر في أمر هذا المولود حتى ترى اختلاف شيعته بعد وفاته، حيث قال  الحسن -: "فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرائيل عليه السلام فرسه ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً" [الغيبة للطوسي: ص142.].
فمسألة المهدي وغيبته تسربت إلى الشيعة عن طريق حكيمة كما تقوله رواية شيخ الطائفة وما أدري كيف يقبل الشيعة قول امرأة واحدة غير معصومة في أصل المذهب، وهم الذين يردون إجماع الأمة بأسرها إذا لم يكن المعصوم فيهم ولو في مسألة فرعية؟!
وتلاحظ أن إمامهم يأمر بحجب أمر المهدي وغيبته إلا عن الثقات من شيعته، مع أن من لم يعرف الإمام  عندهم  فإنما يعرف ويعبد غير الله [أصول الكافي: 1/181.]، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق [أصول الكافي: 1/184.].
أما وقت غيبة المهدي فإن روايات الشيعة تتضارب في تحديده. فيروي الطوسي أن حكيمة قالت: ".. فلما كان بعد ثلاث (من مولده) اشتقت إلى ولي الله فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرًا ولا سمعت ذكرًا، فكرهت أن أسأل فدخلت على أبي محمد عليه السلام فاستحيت أن أبدأ بالسؤال فبدأني فقال: هو يا عمة في كنف الله وحرزه وستره وغيه حتى يأذن الله له" [الغيبة للطوسي: ص142.].
وفي رواية ثانية أن حكيمة فقدته بعد سبعة أيام [الغيبة للطوسي: ص142.]، وفي رواية ثالثة: أنها رأته بعد أربعين يومًا يمشي في الدار ثم فقدته بعد ذلك [الغيبة للطوسي: ص144.]، وفي رواية أخرى أن حكيمة كانت تختلف إلى دار العسكري، تزوره كل أربعين يومًا، وقبل وفاته بأيام قلائل  كان عمر المهدي آنذاك خمس سنوات على الأكثر [لأن مولده كما تقول رواياتهم في سنة 255 أو256، ووفاة العسكري سنة 260ه‍.]- زارت دار العسكري كعادتها، تقول: ف‍ "رأيته رجلاً فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السلام: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس، هذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي" [إكمال الدين: ص405-406.].
وهكذا غاب المهدي ولم يعلم بأمره أحد سوى حكيمة التي أودعت خبره ثقات الشيعة  كما تقول رواياتهم -.
أما مكان الغيبة فإنه كان موضع السرية والكتمان، ولما تناهى إلى شيعته خبر الغيبة المزعومة حاولوا التعرف على مكانه إلا أن الباب الذي يدعي الصلة به رفض البوح بشيء من ذلك وأخرج "توقيعًا" سريًا ينسبه للمهدي يقول فيه: ".. إن عرفوا المكان دلوا عليه" [أصول الكافي: 1/333.] فهذا النص يشير إلى أنه في مكان معين، وفي مخبأ سري لا يعرفه إلا الباب، وأن سب كتمان مكان غيبته عن شيعته هو خوفه من إخبارهم للغير بمكانه.
ولكن دلت بعض روايات الكافي على البلد الذي يختفي فيه، حيث قالت: "لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة" [أصول الكافي: 1/340، الغيبة للنعماني: ص125، بحار الأنوار: 52/153.].
فهي تشير إلى أنه يختبئ بالمدينة المنورة، لأن طيبة من أسمائها [انظر: معجم ما استعجم: 2/900.]، ولما قال أحدهم للحسن العسكري: إن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة [أصول الكافي: 1/328، وقال المازندراني في شرح الكافي: يحتمل أن يراد بالمدية سر من رأى (شرح جامع: 6/208) وهذا الاحتمال قد لا يرد في الرواية التي قبلها.].
بينما يروي الطوسي في الغيبة أنه مقيم بجبل يدعى رضوى، حيث يقول في روايته: ".. عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما نزلنا الروحاء [الروحاء: بفتح أوله: ممدود: قرية جامعة لمزينة، بينما وبين المدينة أحد وأربعون ميلاً. (معجم ما استعجب: 1/681).] نظر إلى جبلها مطلاً عليها، فقال لي: ترى هذا الجبل؟ هذا جبل يدعى رضوى [رضوى: وهو جبل بالمدينة فيه أشجار ومياه كثيرة، وهو الجبل الذي يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية به مقيم حي يرزق (معجم البلدان: 3/51).] من جبال فارس أحبنا فنقله الله إلينا، أما إن فيه كل شجرة مطعم، ونعم أمان للخائف مرتين، أما إن لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين واحدة قصيرة والأخرى طويلة" [الغيبة: ص103.].
وتذكر روايات أخرى أنه يختفي في بعض وديان مكة، فقد جاء في تفسير العياشي وغيره أن أبا جعفر قال: "يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب  ثم أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى [ذي طوى: بفتح أوله، مقصور منون، على وزن فعل: واد بمكة. (انظر: معجم ما استعجم: 2/896).]- .." [تفسير العياشي: 2/56، البرهان: 2/81-82، بحار الأنوار: 52/341.].
غير أن أحاديثهم في الأدعية والزيارة لمقامات الأئمة تلوح إلى أنه مقيم بسرداب سامراء [قال ياقوت: سامراء بلد على دجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخًا يقال لها: سر من رأى فخففها الناس وقالوا: سامراء وفيها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخر منه (معجم البلدان 3/173).]، ولذلك جاء فيها "ثم ائت سرداب الغيبة وقف بين البابين، ماسكًا جانب الباب بيدك، ثم تنحنح كالمستأذن، وسم وانزل، وعليك السكينة والوقار، وصل ركعتين في عرضة السرداب وقل:.. اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتصار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون، في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة، بين يدي صاحب هذه البقعة، الغوث الغوث الغوث يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلاف، وهجرت لزيارتك الأوطان، وأخفيت أمري على أهل البلدان لتكون شفيعًا عند ربك وربي.. يا مولاي يا ابن الحسن بن علي جئتك زائرًا لك" [علي بن طاووس/ مصباح الزائر: ص229، محمد المشهدي/ المزار الكبير: ص216، المجلسي/ بحار الأنوار: 102/102-102، الشيرازي/ كلمة المهدي: ص471-472.].
وتشير بعض أخبارهم إلى أن معه في غيبته ثلاثين من أوليائه يؤنسونه في وحدته "وما بثلاثين من وحشة" [أصول الكافي: 1/340.].
وتخصيص السرداب بتلك ادعية والمناجاة والاستئذان عند الدخول.. يدل على أن واضعي تلك الروايات يوهمون أتباعهم بوجوده في السرداب، ولهذا قال ابن خلكان: "والشيعة ينتظرون خروجه في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى" [وفيات الأعيان: 4/176.]. وذكر ابن الأثير أنهم يعتقدون أن المنتظر بسرداب سامراء [الكامل: 5/373.].
ورغم ذلك فإن بعض الشيعة المعاصرين ينفي ما هو واقع ويقول: "لم يرد خبر ولا وجد في كتاب من كتب الشيعة أن المهدي غاب في السرداب.. ولا أنه عند ظهوره يخرج منه، بل يكون خروجه بمكة ويبايع بين الركن والمقام" [محسن الأمين/ البرهان على وجود صاحب الزمان: ص102.].
ولكن عمل الشيعة يخالف ذلك، ويتفق مع ما جاء في كتب الزيارة عندهم. فقد ظل الشيعة  كما يقول الشيعي أمير علي  إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون إلى بيوتهم بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن [أمير علي/ روح الإسلام: 1/210، وانظر: مقدمة ابن خلدون: 2/531- 532، وانظر: ابن القيم/ المنار المنيف: ص152.].
وكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي            كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم              ثلثتم العنقاء والغيلانا [انظر: الصواعق المحرقة: ص168، المنار المنيف: ص152.].
وقال ابن القيم: "ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل" [المنار المنيف: ص152-153.]. ولهذا جاء في أدعيتهم ما يشعر بأنهم صاروا بهذا الاعتقاد موضع السخرية والشماتة فيدعو أحدهم ويقول  مناجيًا الغائب -: "طال الانتظار وشمت بنا الفجار.." [مضى تخريج هذا النص ص:848.].
وقد جاء في بعض أدعية الزيارات عندهم ما ينبئ عن حيرتهم في مكانه الذي يختفي فيه، فهم يهتفون به ويقولون: ".. ليت شعري أي استقر بك النوى، بل أي أرض تقلك أو ثرى، أبرضوى أم غيرها، أم ذي طوى.." [بحار الأنوار: 102/108.].
هذا وتذكر روايات أخرى لهم أنه ليس له مكان ثابت بل هو يعيش بين الناس "يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه" [أصول الكافي: 1/337-338، الغيبة للنعماني: ص116.].
وهكذا تختلف أخبارهم في تحديد مكانه، وكل زمرة تذهب في هذا مذهبًا على اختلاف الفصائل الشيعية أو على اختلاف الأحوال والأزمنة، أو حتى تستمر لعبة التلبيس والتزوير.
ومن الطبيعي أن تختلف مادام غائبهم لا وجود له.
وإذا كان مكانه موضع السرية في بعض أخبارهم، فإن اسمه أيضًا قد حجب عن شيعته، فقد جاء في "توقيعات" المنتظر التي تصدر عن "بابه": "إن دللتم على الاسم أذاعوه.." [أصول الكافي: 1/333.].
فهذا النص يشير إلى أنه مجهول الاسم، كما هو مجهول المكان والولادة والنشأة.. ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، غير أن روايات الشيعة كانت تحرم تسميته باسمه حيث جاء فيها: "ولا يحل لكم ذكره باسمه" [أصول الكافي: 1/333، الإرشاد: ص394، إكمال الدين: ص608.] بل اعتبرت من يسميه باسمه في عداد الكافرين، وقالت: "صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر" [أصول الكافي: 1/333، إكمال الدين: ص607.]، ولذلك تلاحظ حين يرد ذكره في رواياتهم يكتب اسمه بالحروف المقطعة هكذا: م ح م د [انظر  مثلاً  أصول لاكافي: 1/329.]. ولما قالوا: كيف نذكره؟ قال الحسن العسكري: "قولوا: الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه" [أصول الكافي: 1/33، الإرشاد: ص394.].
وكانت الدوائر الشيعية القديمة لا تذكره فيما بينها إلا بالرمز الذي لا يعرفه سواهم كالغريم. ولهذا قال المفيد عن إطلاق هذا اللقب عليه: "هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديمًا بينها، ويكون خطابها عليه السلام  كذا  للتقية" [الإرشاد: ص400.]. ورموزهم التي يطلقونها عليه كثيرة مثل: "القائم والخلف، والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر [انظر: حصائل الفكر: ص35.]، وصاحب الأمر وغيرها" [انظر: أصول الكافي:1/333، ويرى بعض شيوخهم أن النهي عن التصريح بالاسم خاص بزمن الخوف والتقية (انظر: المازندراني/ شرح جامع: 6/216-217).].
وعملية الكتمان تلك تنبئ عن تنظيم سري داخل الدولة الإسلامية، يتخذ أتباعه لغة الرمز والإشارة للتفاهم فيما بينهم، وهي من جانب آخر محاولة للتستر على الكذب، وإخفاء الحقيقة، ثم هي تنقض مايدعونه أن مهديهم قد ذكر باسمه، ووصفه من قبل [انظر: أصول الكافي، باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة واحدًا واحدًا: 1/286 وما بعدها.].
أما مدة الغيبة: فإن مخترعي هذه الفكرة كانوا يمنون أتباعهم بقصر المدة، وسرعة العودة لغائبهم، حتى أكدوا في رواياتهم بأنها لا تعدو ست سنين في أقصى الأحوال، فقد جاء في الكافي عن علي بن أبي طالب  كما يفترون  أنه قال عن منتظرهم: "تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون" [أصول الكافي: 1/338.].
ولما سئل كم تكون الحيرة والغيبة، قال: "ستة أيام أو ستة أشهر، أو ست سنين.." [أصول الكافي: 1/338.].
ويبدو أن هذا النص قد وضع في الأيام الأولى لنشوء فكرة الغيبة، لتسكين النفوس الثائرة وتهدئة القلوب الحائرة التي أفاقت على الحقيقة المرة حينما مات الإمام بلا عقب، وانجلت الخدعة وتبينت الحقيقة، فربطت حينئذ دعوى الغيبة بهذا الوعد القريب لتكون أقرب للتصديق وأسهل، وليضمنوا الكسب الحاضر للمال الجاهز الذي ينتظر ظهور الإمام ليدفع إليه باسم حق آل البيت..، وفي البداء والتقية متسع للتأويل، والرجوع عن الكلام.. في المستقبل.. وهذا ما وقع بالنسبة لموقف شيوخهم المتأخرين من هذا النص، حيث قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد أن الغيبة والحيرة في ذلك القدر من الزمان أمر محتوم ويجري فيهما البداء بعد ذلك [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي): 6/237.]، ومنهم من حاول التخلص بغير هذا [حيث قال بعضهم: يحتمل أن المقصود تحديد مدة الحيرة بهذه الفترة لا الغيبة (نفس الموضع من المصدر السابق) مع أن الحيرة والشك قد صاحبتهم في أمر الغيبة كما يظهر ذلك لك من الكتب التي ألفت في هذه المسألة، وأن السبب في تأليفها يعود لعنصر الشك في الغيبة الذي سيطر على أذهان الكثير منهم. (انظر  مثلاً -: إكمال الدين/ لابن بابويه: ص2).]، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على الطعن في مسألة الغيبة ذاتها.
كما جاء عندهم توقيت ظهور هذا الأمر في السبعين من الغيبة، ثم غير إلى مائة وأربعين، ثم أخر إلى غير أمد معين [انظر: أصول الكافي (مع شرحه للمازندراني): 6/314، وانظر: الغيبة للطوسي: ص263، والغيبة للنعماني: ص197.]، ونسبوا للأئمة استطلاع وقت خروج الغائب من الحروف المقطعة في أوائل السور [انظر: تفسير العياشي: 2/2، البرهان: 2/3، بحار الأنوار: 62/106-109.].
ويظهر من رواياتهم أن الرموز التي تدير دفة التشيع كانت تمني أتباعها بقرب الفرج والظهور للغائب المستور، حتى كان من الشيعة من يتوقع خروج الغائب بين لحظة وأخرى، فقد جاء في أخبارهم أن منهم من ترك البيع والشراء والعمل بانتظار الغائب واشتكوا من هذه الحالة حتى قال بعضهم: "لقد تركنا أسواقنا انتظارًا لهذا الأمر حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده" [انظر: روضة الكافي: 8/80، عن مفتاح الكتب الأربعة: 3/331.].
ولكن الهدف من هذه الوعود هو ما أشرنا إليه من محاولتهم إمرار "لعبتهم" وإزالة شك الأتباع وحيرتهم، وهذا ديدنهم في تعليل الشيعة بالأماني، وتخديرهم بالوعود حتى اعترفوا في أخبارهم: "إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، الغيبة للطوسي: ص207-208، بحار الأنوار: 52/102. والخبر مروي عن علي الرضا.]. وسبب ذلك أنه لو قيل لهم: "إن هذا الأمر لا يكون إلا مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام (يعني مذهبهم)، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، الغيبة للطوسي: ص207-208، بحار الأنوار: 52/102.].
واختلفت رواياتهم التي وضعت لمعالجة مشكلة تحديد فترة الغيبة في طريقة معالجتها، فهي تارة أمر بالتسليم وتقول: "إذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، بحار الأنوار: 52/118.].
وهي تارة تعزو سبب إخلاف الوعد للظهور الذي حددته الأئمة بإفشاء الشيعة لسره، ولذلك حينما قال بعضهم: "ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال (إمامهم): بلى، ولكنكم أذعتم فأخره الله" [الغيبة للنعماني: ص194، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.]. وتقول رواياتهم: "إن الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر.. إلى أربعين ومائة، فحدثناكم" فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر [في بعض النسخ قناع السر.] ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص197، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.].
وهي تارة تعزو ذلك لقتل الحسين. يقول أبو عبد الله [من المعلوم أن جعفرًا مات قبل نشوء فكرة الغيبة، ولكنهم ينسبون لجميع الأئمة أخبارًا في وقوع الغيبة.] : "إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين [قال شارح الكافي: في السبعين من الغيبة على الظاهر (المازندراني/ شرح جامع: 6/314).] فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره.." [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص197، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.].
وهم ينظمون ذلك كله في عقيدة البداء، ولذلك قال المازندراني: "توقيت ظهور هذا الأمر.. توقيت بدائي فلذلك جرى فيه البداء" [شرح جامع: 6/314، وراجع الغيبة للطوسي: ص263-264.].
وهي حينًا تنفض اليد من أخبار التوقيت كلها وتقول: "كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون" [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للطوسي: ص262، الغيبة للنعماني: ص198، بحار الأنوار: 52/103-104.]، "كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت" [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص198.] "ما وقتنا فيما مضى ولا نوقت فيما يستقبل" [الغيبة للطوسي: ص262، بحار الأنوار: 52/103.]، "من وقت لك من الناس شيئًا فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتًا" [الغيبة للنعماني: ص195، الغيبة للطوسي: ص262، بحار الأنوار: 52/104.] "أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين" [أصول الكافي: 1/368، وانظر: الغيبة للنعمان: ص198.].
وهكذا تتضارب أخبارهم وتتناقض، لأن الوضع يتم حسب الظروف والمناسبات.
أما سبب غيبته: فقد جاء في الكافي عن زرارة قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنه يخاف  وأومأ بيده إلى بطنه  يعني القتل" [أصول الكافي: 1/338، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449.].
وجاءت عندهم روايات عدة في هذا المعنى [انظر: أصول الكافي 1/337، 340، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449.]. وأكد ذلك شيخ الطائفة الطوسي بقوله: "لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء عليهم السلام إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله تعالى" [الغيبة لطلوسي، فصل في ذكر العلة المانعة لصاحب الأمر من الظهور: ص199.].
ولكن هذا التعليل للغيبة الذي يؤكده شيخ الطائفة لا يتصور في حق الأئمة  على ما يعتقد الشيعة  لأن الأئمة "يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم". كما أثبت ذلك الكليني في الكافي في روايات عديدة، وبوب لها بهذا اللفظ المذكور [أصول الكافي: 1/258.]. وأثبت ذلك المجلسي في بحار الأنوار وبوب له بلفظ: "أنهم عليهم السلام يعلمون متى يموتون وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم" [بحار الأنوار: 27/285.]. فكيف يخرجون من هذا التناقض؟! [وقد رجعت إلى شرح الكافي للمازندراني لأطلع على ما يقوله في روايات الكافي التي تعلل غيبته بخوفه من القتل.. فوجدته مر عليها ولم يتعقبها بشيء.].
كما أن الأئمة  على حد ما يعتقد الشيعة – "يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" [أصول الكافي: 1/260.]، كما قرر ذلك الكليني في باب يحمل العنوان المذكور.
فبوسعهم أن يحترزوا من الخطر بما لا يخطر على بال أحد.
ثم لماذا لم يقتل واحد من أولئك النواب الأربعة الذين يدعون الصلة بالإمام مباشرة وهم ليسوا كالإمام لا يموتون إلا باختيار منهم؟!
كذلك قد توفر الأمن التام للإمام في أثناء قيام بعض الدول الشيعية فلماذا لم يخرج إليهم، ويأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه، وسلاحه، وقوته.. وإذا مازالت الدولة رجع إلى مكمنه؟ ولذلك قال أحمد الكسروي  الشيعي الأصل -: "إذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه فلم لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟
فلم لم يظهر عندما قام الشاه إسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أنهارًا؟
فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي وهو من أكبر سلاطين إيران يضرب على السكة اسم إمامكم (صاحب الزمان) ويعد نفسه وكيلاً عنه؟
وبعد، فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأكثرهم من منتظريه؟" [التشيع والشيعة: ص42.].
وكذلك اليوم  من بعد الكسروي  قامت دولة الآيات فلم لا يخرج إليهم ولا سيما وهم يجأرون بالدعوات، والاستغاثة لخروجه منذ مئات السنين.
كما وضعت روايات تعلل الغيبة بامتحان قلوب الشيعة واختبارهم، وقد يكون هذا التعليل الذي تحمله تلك الروايات محاولة منهم لمعالجة ظاهرة الشك الذي تسلل إلى قلوب الشيعة، حيث لم تجد هذه المسألة طريقها إلى عقول كثير منهم حتى اضطرهم ذلك إلى نبذ عقيدة التشيع ورفضها.
كما مل الشيعة الانتظار للغائب الموعود حتى قال قائلهم: "قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمدًا.." [الغيبة للنعماني: ص120.] وأطل عليهم شبخ الشك الرهيب وقد شهد بذلك ابن بابويه القمي حيث قال: "رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أكثر المختلفين عليّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة" [إكمال الدين: ص2.].
وقد صورت رواياتهم  التي وضعت لمعاجلة هذا الأمر كما يظهر  حيرتهم في أمر الغائب، وطول غيبته وانقطاع أخباره، جاء في الكافي "عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم.. وهو المنتظر وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون" [أصول الكافي: 1/337.].. فعللوا هذا الاختلاف بأنه امتحان للشيعة.
وقد نقلت لنا كتب الفرق أن هذا ما حدث لهم بعد موت الحسن العسكري  كما سبق  فكأن هذه الرواية وأمثالها اخترعت لمواجهة نزعة الحيرة والشك التي داهمتهم بعد موت إمامهم عقيمًا.
وقد أكثروا من الروايات التي تجري هذا المجرى، وتصور واقعهم أبلغ تصوير.
فقد جاء في الكافي: "لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد" [أصول الكافي: 1/370.].
فهم يدعون أن ما حل بهم بسبب دعوى الغيبة إنما هو من أجل التمحيص والابتلاء، وأنه إذا تم ذلك رجع القائم، ونسبوا إلى جعفر الصادق: أنه دخل عليه بعض أصحابه وهو يبكي كالثكلى، لأنه نظر  كما يقولون  في كتاب الجفر المشتمل على علم البلايا والمنايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة فقال: "تأملت فيه مولد قائمنا عليه السلام، وغيبته وإبطاءه وطول عمى وبلوى المؤمنين من بعده في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوب الشيعة من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينه.." [الغيبة للطوسي: ص105-106.].
فهذه الرواية المنسوبة إلى جعفر تتحدث عن درة كثير من الشيعة بسبب دعوى الغيبة التي طال أمدها، وهي قد وضعت  كغيره  بعدما حل بهم هذا الأمر لحضهم على البقاء في نطاق التشيع، وذلك بدعوى أن هذا أمر أخبرت به الأئمة وهو من أمارات رجعة الإمام المفقود.
وقد شهد شيخهم النعماني وهو من شيوخ القرن الثالث، وممن عايش واقع الشيعة في الفترة المبكرة لدعوى الغيبة، فشهادته في ذلك في غاية الأهمية، شهد بشك جميع الشيعة في أمر الغيبة  إلا القليل  يقول: "فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع، المنتمية إلى نبينا محمد وآله صلى الله عليهم ممن يقول بالإمامة.. قد تفرقت كلمتها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وخفت إلى محارم الله تعالى فطال بعضهم غلوًا، وانخفض بعضهم تقصيرًا، وشكوا جميعًا إلى القليل في إمام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم.. للمحنة الواقعة بهذه الغيبة" [الغيبة للنعماني: ص11.].
وقد أخذ بعضهم يلعن بعضًا، ويبرأ منه ويشهد عليه بالكفر، كما تصور ذلك رواية النعماني التي تقول: "لا يكون الأمر الذي ينتظر حتى يبرأ بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض، فيشهد بعضكم على بعض بالكفر ويلعن بعضكم بعضًا" [الغيبة للنعماني: ص137-138، بحار الأنوار: 52/114-115.] وجعلت الرواية هذه الظاهرة الخطيرة خيرًا، لأنها مؤذنة بخروج القائم فقالت: "الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله" [الغيبة للنعماني: ص138، بحار الأنوار: ص115.].
فيبدو من خلال هذه النصوص أن محدثي الشيعة عملوا على مواجهة هذه النكسة بوضع هذه الروايات على أهل البيت وجعلوها تشير إلى ما يلحق الشيعة من التمحيص والابتلاء والردة عند وقوع الغيبة وذلك من أجل إغرائهم بالبقاء داخل نطاق التشيع الإمامي.
ورغم هذه الاعترافات والشهادات فإن فكرة الغيبة التي اضطرت الإمامية للقول بها قد أحدثت هزة عنيفة زلزلت كيان التشيع الإمامي وكادت أن تؤدي إلى سقوطه بذهاب أتباعه.. رغم ذلك فإنهم يقولون في رواياتهم: "لو علم الله أنهم يرتابون ما خيب حجته طرفة عين" [أصول الكافي: 1/333، الغيبة للنعماني: ص107.] فأي ريبة أشد من شك الجميع إلا القليل، ومن التفرق والتلاعن؟!.
ويلاحظ كثرة التكذيب للغيبة من لدن الشيعة، ولا سيما في مراحل نشأتها، ولعل السبب يعود إلى وضوح كذبها لمن عاصرها وعايش ظروفها، ولذلك فقد نشط مؤسسو هذه الفكرة لسد الثغرات التي تهب عليهم منها رياح الشك، وتسديد الفجوات التي تتضح منها صورة الكذب، فعالجوا مشكلة التكذيب والتلاعن والتفرق بوضع روايات على أهل البيت تنبئ بحدوثها وتبشر بالخير عند وقوعها لأنها مؤذنة بعودة القائم (ولكنها وقعت ولم يخرج القائم)، حاولوا معالجة ما ترامى إلى أسماع الشيعة من تكذيب أسرة الحسن لهذه الدعوات بوضع روايات تقول: "إن للقائم غيبة ويجحده أهله" وحينما سأل زرارة  الموضوع عليه الخبر [لأنه مات قبل نشوء فكرة الغيبة.]  عن سبب ذلك قال أبو جعفر  فيما تزعم الرواية -: "يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه" [الغيبة للنعماني: ص118.].
ومن الفجوات كذلك أنه لا أحد من أسرة الحسن ولا غيرهم، يعلم بولادته ولا بمنشئه فوضعوا روايات تقول: "يبعث الله لهذا الأمر غلامًا منا، خفي الولادة والمنشأ" [أصول الكافي: 1/341-342، الغيبة للنعماني: ص112.].
ومن تتبع رواياتهم بهذه الطريقة وجد العجب.
كما قاموا من جهة أخرى بوضع روايات تجعل من انتظار الفرج بخروج القائم من أفضل الأعمال وأعظمها وذلك  فيما يظهر  لطرد الملل من طول الانتظار، وإزالة الأسى الناتج عن شدة الترقب، والشعور بالحرمان من صحبة القائم الإمام. جاء في الكافي: "أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله جل وعز ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحًا ومساءً" [أصول الكافي: 1/333، بحار الأنوار: 52/145.].
فجعلوا الغيبة أمارة على ظهور الفرج مع أنه قد مضى اليوم على الغيبة أكثر من ألف ومائة سنة، ولم يقع شيء من هذه الوعود، فما تأثير ذلك على من يقرأ أمثال هذه الأماني من الشيعة؟! ألا يزداد الشك ويضعف اليقين، وقد يبحث عن مذهب آخر سوى الإسلام، لأنه قيل له  زورًا وبهتانًا  إن هذا المهدي الموعود متفق عليه بين السنة والشيعة.
ولهم روايات كثيرة في عقيدة الانتظار، وقد ذكر المجلسي منها (77) رواية في باب عقده بعنوان "باب فضل انتظار الفرج، ومدح الشيعة في زمن الغيبة وما ينبغي فعله في ذلك الزمان" [بحار الأنوار: 52/122-150، وانظر: إكمال الدين: ص603 وما بعدها.] حتى نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل" [بحار الأنوار: 52/122.] يعنون به خروج منتظرهم.
وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله [بحار الأنوار: 52/122.] و"المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان" [بحار الأنوار: 52/122.]، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنهم لأصحابه: "سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن. فقال: إنكم لو تحملوا ما حملوا لم تصبروا صبرهم" [بحار الأنوار: 52/130.]. وغاب عن واضع الرواية من زلة الصحابة عند الرافضة.
وجاءت عندهم روايات تطفئ ذلك التطلع لخروجه وتقول "من عرف هذا الأمر ثم مات قبل أن يقوم القائم عليه السلام كان له مثل أجر من قتل معه" [بحار الأنوار: 52/131.].
وبجانب هذا الترغيب فهناك التهديد والوعيد بالكفر والخلود في النار لمن أنكر غيبة القائم حتى جعلوا إنكارها كالكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل عدّوا ذلك مثل كفر إبليس.
روى صدوقهم بسنده المزعوم "عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أقر بالأئمة من آبائي وولدي، وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدًا صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنهم شخصه ولا يحل لهم تسميته" [إكمال الدين: ص388.]، وافتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني" [إكمال الدين: ص390، لطف الله الصافي/ منتخب الأثر: ص492.].
وقال صدوقهم: "مثل من أنكر القائم عليه السلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه في السجود لآدم" [إكمال الدين: ص13.].
ومسألة الغيبة صارت بفعل شيوخ الشيعة مصدر حقد، ضد الصحابة ومن تبعهم بإحسان، حتى قال شيخهم الجزائري: "إني كلما أشكلت عليّ مسألة أوجبت على نفسي لعنهم، لأنهم سبب في استتار الحجة" [شرح الصحيفة السجادية: ص37.].
فتلاحظ أنهم يحاولون توجيه السخط والحقد الكامن في نفوس الشيع من مرارة الانتظار، ولوعة الاعتقاد بأن "الإمام الغائب مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرًا" [إكمال الدين: ص12.].
وأنه بسبب غيبته  كما يزعمون – "جرى على شيعته من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء ونهب الأموال.." [إكمال الدين: ص12.].
فيوجهون هذا الحقد الناتج من هذا الشعور إلى سب ولعن لخير جيل عرفته البشرية.. ومن اقتفى أثرهم.
 الاستدلال على وقوع الغيبة
عني الإمامية عناية شديدة بالبرهنة على صحة عقيدتهم في غيبة المهدي.. وقد اتجهوا إلى كتاب الله سبحانه يبحثون فيه عن سند لعقيدتهم، فلما لم يجدوا فيه ما يريدون استنجدوا كعادتهم بالتأويل الباطني المتسم بالتكلف الشديد والشطط البالغ وأولوا عدة آيات من كتاب الله بهذا المنهج.
جاء في أصل أصول التفسير عندهم (تفسير القمي) في قوله سبحانه: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل، آية: 2.]. قال: النهار هو القائم عليه السلام منا أهل البيت [تفسير القمي: 2/425.]..
وجاء في أصح كتبهم الأربعة في قوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} [الملك، آية: 30.]، قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد [أصول الكافي: 1/339، وانظر: تفسير العياشي: 2/76، إكمال الدين: ص339، البرهان: 2/102.]. وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة، آية: 3.]. قال: "خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه" [تفسير العياشي: 2/76، البرهان: 2/102.].
والأمثلة في مثل هذا اللون من التأويل كثيرة حتى ألفوا في هذا كتبًا مستقلة مثل "ما نزل من القرآن في صاحب الزمان" [للرافضي عبد العزيز الجلودي (انظر: الذريعة 19/30).]، و"المحجة فيما نزل في القائم الحجة" [لشيخهم هاشم البحراني.]، وقد نشر الأخير في طبعة حديثة [نشر سنة (1403ه‍) عن مؤسسة الوفاء، بيروت.] قام على تحقيقها بعض الروافض المعاصرين [يدعى محمد منير الميلاني، وقد أرجع نصوص الكتاب إلى مجموعة من كتبهم المعتمدة عندهم.]، وقد أول فيه مؤلفه أكثر من (120) آية من كتاب الله بمهديهم المنتظر في تأويلات هي من فضائحهم التي لا تستر، ولكن المحقق لم يقتنع بهذا العدد فأضاف إليه تأويل اثنتي عشرة آية أخرى من كتاب الله ووضعها في آخر الكتاب تحت عنوان "مستدرك المحجة".
والنظر الموضوعي المنصف يرى في هذه التأويلات الباطنية التي يراد الاحتجاج بها لمسألة غيبة مهديهم غلوًا شديدًا وأنها تحريف لكتاب الله لا استدلال به، وهي تدل دلالة ظاهرة على فساد الفكرة التي يحاول تقريرها من أصلها.
ويلتمس الإمامية من الغيبة التي وقعت لبعض الأنبياء دليلاً على صحة وقوع غيبة مهديهم؛ فيحتجون  مثلاً  بغيبة "موسى بن عمران عليه السلام من وطنه وهربه من فرعون ورهطه كما نطق به القرآن"، وغيبة يوسف عليه السلام، واستتار خبره عن أبيه  كما جاءت به سورة في القرآن  إلى أن كشف الله أمره وظهر خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته، وقصة يونس بن متى نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له، واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من الخلق مستقره، وستره الله تعالى وأمسك عليه رمقه بضرب من المصلحة، إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله تعالى إلى قومه، وجمع بينهم وبينه [الغيبة للطوسي: ص77.].
وكذلك استتار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، وقد احتج بها الطوسي على من قال: "إذا كان (إمامكم) مكلفًا للقيام بالأمر وتحمل أعباء الإمامة كيف يغاب؟" [انظر: الغيبة للطوسي: ص13.] فيجيبه الطوسي بقوله: "أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد واختفى في الغار ثلاثة أيام" [الغيبة للطوسي: ص13.].
والواقع أن هذه المقارنات التي يقوم بها الإمامية لإقناع أتباعهم والمتشككين في أمر الغيبة لا تجدي في نزع فتيل الشك المشتعل في أفئدة القوم كلما تأملوا أمر الغيبة بعين عقولهم، رغم أنهم يعولون على هذه المقارنات كثيرًا، حتى إن ابن بابويه ألف في شأنه كتابًا لإقناع كبير شيوخهم الذي داخله الشك في أمر الغيبة ولإقناع الحافين به من الشيعة الذين داهمهم الريب والحيرة في شأنها كما أشار إلى ذلك في كتابه [انظر: إكمال الدين: ص2-4.].
أقول: إن هذه المقارنات غير مجدية في إثبات فكرة غيبة إمامهم لأسباب كثيرة، منها أن غيبة موسى ويوسف ويونس ومحمد [أما غيبة الشعب فليست بغيبة، بل حصار ومقاطعة فلا تدخل في موضوعنا.] عليهم السلام قد أخبر الله سبحانه بها في كتابه بنص واضح صريح لا لبس فيه ولا غموض، أما غيبة مهديهم فتنتهي رواياته إلى حكيمة إن صحت النسبة إليها، ثم أخبار الأبواب الأربعة المطعون في شهادتهم، لأنهم يجرون المصلحة إليهم، حيث المال المتدفق.
ولهذا ادعى كثيرون هذه البابية، كذلك غيبة الأنبياء معروفة لدى قومهم لأنهم عاشوا بينهم، وعرفوا، أما غائبهم فلم يعرفه أحد ولم ير له أثر، وكان أهله أنفسهم ينكرون وجوده. كما شهد ثقات المؤرخين أن الحسن العسكري لم يعقب  كما سيأتي -.
ثم إن غيبة هؤلاء الأنبياء محدودة الزمان والمكان، ما لبثوا أن عادوا إلى قومهم وأهلهم.
أما منتظرهم فقد مضت القرون ولم يعرف له أثر ولم يعلم له مكان.
كذلك رسل الله الذين غابوا قد أقاموا الحجة على قومهم، وبلغوا رسالات الله في جيلهم، أما غائبهم فقد مرت الأجيال ولم نسمع منه شيئًا.
يضاف إلى ذلك أن الغيبة للأنبياء كانت طبيعية في جملتها، فغيبة يوسف هي مفارقة لأبيه وظهوره عند قوم آخرين، كما يسافر المرء من بلد إلى بلد. وهي موقوته بزمن محدود، وهي حوادث استثنائية حتى بالنسبة للأنبياء عليهم السلام، فإنهم جم غفير، ولم ينقل أن هذا حدث لغير المذكورين.
أما احتجاج الاثني عشرية باختفاء النبي صلى الله عليه وسلم في الغار "فإن هذا الاستدلال واقع في غير موقعه، لأن استتار النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لإخفاء دعوى النبوة، بل كانت من جنس التورية في الحرب، حتى لا يسد الكفار عليه الطريق، ثم هذا الاختفاء كان ثلاث أيام، فقياس ذلك على غيبة مهديهم في غاية الحماقة، فرق واضح بين الاختفاء الذي كان مقدمة عاجلة لظهور الدين وبين الاختفاء المتطاول الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان" [مختصر التحفة: ص119.].
دفاعهم عن طول أمد الغيبة:
إن مما يعرف به كذب دعوى الشيعة وجود إمامها، هو استبعاد بقائه حيًا طول هذه المدة التي تجاوزت الآن ألف ومائة سنة. فإن تعمير واحد من المسلمين هذه المدة هو  كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية  أمر يعرف كذبه بالعادة المطردة في أمة محمد، فلا يعرف أحد ولد في زمن الإسلام عاش مائة وعشرين سنة فضلاً عن هذا العمر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر عمره "أريأتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" [منهاج السنة: 2/65، وانظر الحديث في: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم: 1/37، ومسند أحمد: 2/121، 131.]. فمن كان في ذاك الوقت له سنة ونحوها لم يعش أكثر من مائة سنة قطعًا، وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد فما بعده من الأعصار أولى بذلك في العادة الغالبة العامة... ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وقليل ممن يجوز ذلك [منهاج السنة: 2/165.
وانظر الحديث في سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمال هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين: 4/566 (2331)، وكتاب الدعوات، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: 5/553 (3550)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، قال ابن حجر: وهو عجيب منه فقد رواه في الزهد أيضًا من طريق أخرى عن أبي هريرة (فيض القدير: 2/11). ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الأمل والأجل: 2/1415 (4236). ورواه ابن حبان (انظر: فيض القدير: 2/11)، والحاكم (المستدرك: 2/427)، والخطيب (تاريخ بغداد: 6/397، 12/48)، وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالحسن (الجامع الصغير ص48)، وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن (انظر: فيض القدير: 2/11)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (المستدرك 2/427)، وتعقب ذلك الألباني وقال: الصواب أنه حسن لذاته وصحيح لغيره. سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/397 (757)، وانظر: صحيح الجامع (للألباني) 1/354 (1084).] كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح [منهاج السنة: 2/165.].
هذا الاعتراض يأخذ بخناق الإمامية، ويجتث جذور اعتقادهم من أساسه.. وقد حاول شيوخ الشيعة دفعه بإجراء مقارنات بين مهديهم وبعض الأنبياء عليهم السلام الذي زادت أعمارهم عن المعدل الطبيعي المألوف للبشر، فالمهدي عندهم شبيه بنوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا [انظر: الغيبة للطوسي: ص79.].
وأسندوا هذه المقارنة إلى بعض آل البيت لتحظى بالقبول عند أتباعهم، فروى ابن بابويه  بسنده  أن علي بن الحسين قال: "في القائم سنة من نوح عليه السلام وهو طول العمر" [إكمال الدين: ص488.]. وكذلك يقولون إن بقاء مهديهم هو كبقاء عيسى بن مريم عليه السلام [عقائد الإمامية: ص108.]. والخضر وإلياس، ويعقدون المقارنة حتى بإبليس [الحائري/ إلزام الناصب: 1/283.]. ويسندون جملة من هذه المقارنات إلى بعض آل البيت لتكسب صفة القطع عن أتباعهم؛ لأنها من قول المعصوم [انظر هذه الروايات في: أصول الكافي: 1/336-337، الغيبة للنعماني: ص108 وما بعدها، إكمال الدين: ص134 وما بعدها، إلزام الناصب: 1/285.]، وكذلك يحتجون بأخبار المعمرين من البشر [انظر: الغيبة للطوسي: ص79 وما بعدها.]، وفاتهم أن يعقدوا المقارنة مع جبرائيل وملك الموت، والملائكة عمومًا وبالسماوات والأرض.
وهذا الدفاع قد أبطله الشيعة أنفسهم؛ لأنهم يقولون بأن مهديهم هو الحاكم الشرعي للأمة منذ أحد عشر قرنًا أو يزيد، وهو القيم على القرآن ولا يحتج بالقرآن إلا به، ولا هداة للبشر إلا بواسطته.. وهو الذي معه القرآن الكامل ومصحف فاطمة والجفر والجامعة، وما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، فمهديهم مسؤول عن الأمة، ومعه وسائل هدايتهم وسعادتها في الدنيا والآخرة.
أما غيره ممن يعقدون المقارنة به فيختلفون عنه اختلافًا كثيرًا، فإن نوحًا عليه السلام قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله سبحانه حتى أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود، آية: 36.] ولم يكن غائبًا في سردابه أو في مخبئه لا يعلم مستقره ومكانه، يرى الناس في ضلالهم وكفرهم ويتوارى عن الأنظار فلا يرونه مع تعاقب الأجيال وكر القرون. على أن عمر المهدي  الآن  قد زاد عن هذه المدة.
وكذلك عيسى عليه السلام قد بلغ رسالة ربه، وأقام الحجة وأدى الأمانة قبل رفعه إلى السماء فلم يكن يضير أتباعه أن يغيب عنهم بخلاف منتظرهم الذي غاب منذ طفولته وترك شيعته يختلفون في وجوده وبابيته، وتعميهم التقية عن معرفة حقيقة مذهبه، ويختلفون ويتنازعون حتى يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا.
أما الخضر وإلياس فإن الذي عليه المحققون من أهل العلم أنهما قد ماتا [انظر: المنتقى ص26، ويرى ابن حزم أن القول بحياة إلياس والخضر.. فكرة مأخوذة عن اليهودية، فاليهود هم الذين قالوا بحياة إلياس وحياة فنحاس بن العازار ابن هارون عليه السلام، وسار في سبيلهما بعض الصوفية فادعى أنه يلقى إلياس في الفلوات (الفصل: 5/37)، وكذلك قال الصوفية بحياة الخضر، ولهم حكايات في الاجتماع به والأخذ عنه (انظر: ابن عربي/ الفتوحات المكية: 1/241، ابن عطاء الله السكندري/ لطائف المنن: ص52-53، وطبقات الشعراني: 1/97، 2/5، وانظر: الفصل: 5/37-38، ابن حجر/ تهذيب التهذيب: 7/477، وقد اعتبر ابن حزم دعاوى الصوفية الأخذ عن الخضر خروجًا عن عقيدة ختم النبوة (انظر: الفصل: 5/38).
ودعوى بقاء الخضر إلى اليوم مخالف للدليل، وما عليه أهل التحقيق، انظر في ذلك: منهاج السنة: 1/28، ابن القيم/ المنار المنيف: ص67-76، وانظر عن الخضر: ابن كثير/ البداية والنهاية: 1/325-337، ابن حجر/ فتح الباري: 6/309-312 الإصابة: 2/286-335. ولابن حجر رسالة في تحقيق أمر الخضر، قال في خاتمتها: والذي تميل إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوام من استمرار حياته (الزهر النضر في نبأ الخضر، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: 2/234).]، وعلى تقدير حياتها فلا تسلم لهما المقارنة، لأنهما ليسا بمكلفين في هداية هذه الأمة وقيادتها بخلاف إمامهم الذي هو مسؤول  في اعتقادهم  عن المسلمين جميعًا في كل أمورهم.
أما إبليس فالخبر في بقائه ورد به القرآن بخلاف مهديهم الذي أنكره حتى أهله وطوائف من شيعته، ثم إن إبليس يمارس مهمته في إضلال الخلق عن سبيل الله، ولا شك أن ضلال الشيعة باتباع هذا "المعدوم" من أعماله، أما منتظرهم فليس له أثر ولا خبر. كما أن إبليس ليس من جنس الناس.. فلا تسلم لهم المقارنة في كل الأحوال.
أما بقية المعمرين من البشر فإنهم مهما بلغوا من العمر فلا يصلوا إلى بعض ما يدعونه في غائبهم، وكل الأمثلة التي ضربها شيوخهم في القرن الرابع ليس لها قيمة اليوم لتجاوز عمر منتظرهم أضعافها، كما أن هؤلاء ليس لهم مهمة غائبهم ومسؤولياته.
ويحاول بعض المعاصرين من شيوخهم أن يستنجد بلغة العلم الحديث في التدليل على إمكانية بقاء منتظرهم، فيقول المظفر: "وطول الحياة أكثر من العمل الطبيعي أو الذي يتخيل أنه العمر الطبيعي لا يمنع منها الطب ولا يحيلها، غير أن الطب بعد لم يتوصل إلى ما يمكنه من تعميرة حياة الإنسان وإذا عجز عنه الطب فإن الله قادر على كل شيء" [عقائد الإمامية: ص108.].
ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "بأن أكابر فلاسفة الغرب قالوا بإمكان الخلود في الدنيا للإنسان" [أصل الشيعة: ص70.]. ثم قال: "قال بعض كبار علماء أوروبا: لولا سيف ابن ملجم [هذه مقالة شيعية اعتزالية مبنية على مذهب المعتزلة الذين يقولون بأن القاتل قد قطع على المقتول أجله، وهي مقالة مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة بأن كل من مات فقد استكمل أجله (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/516، شرح الطحاوية.] لكان علي بن أبي طالب من الخالدين، لأنه قد جمع جميع صفات الكمال والاعتدال" [أصل الشيعة: ص70.].
هذا ما تقوله  نظريات بعض الكفار  إن صدق هؤلاء في نقلهم  ولكن الله سبحانه يقول لنبيه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء، آية: 34.]، ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران، آية: 185، الأنبياء، آية: 35، العنكبوت، آية: 57.]، ويقول سبحانه: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [الواقعة، آية: 60.]. وهو سبحانه أعلم بمن خلق، وأصدق القائلين، فلا عبرة بعد ذلك بقول كافر يحاول أن يتشبث بالبقاء في هذه الحياة ولو بالأوهام.
ولعلي الرضا  كما تنقل كتب الشيعة  كلمة صادقة قالها في الرد على الفرق الشيعية الكثيرة التي تقول بحياة بعض آل البيت ولا تصدق بموتهم وتدعي أنها غيبة وسيرجعون، وهي من أقوى الردود على الاثني عشرية من كلامهم أنفسهم، فقد جاء في رجال الكشي أن عليًا الرضا قيل له: إن قومًا وقفوا على أبيك ويزعمون أنه لم يمت، قال: "كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الله يمد في أجل أحد لمدّ الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رجال الكشي: ص458.].
ولكنهم يخالفون قول إمامهم ويزعمون أن الله مدّ في عمره لحاجة البشر إليه؛ بل لحاجة الكون وكل شيء في الحياة إليه؛ إذ لولاه  كما يفترون  لساخت الأرض، وماجت بأهلها [انظر: أصول الكافي: 1/179.].
 المهدي بعد عودته المزعومة
أ ـ  شريعة مهديهم المنتظر:
يشير ابن بابويه في الاعتقادات التي تسمى دين الإمامية إلى أن المهدي إذا رجع من غيبته ينسخ شريعة الإسلام فيما يتعلق بأحكام الميراث، فيذكر عن الصادق أنه يقول: "إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت أورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ولم يرث الأخ من الولادة" [الاعتقادات: ص83.].
لعل هذه الرواية تكشف عما يختلج في نفوس أرباب تلك العصابة من رغبة في إحلال العلاقة الحزبية والتنظيمية بين أفرادها محل القرابة والولادة في الميراث، ونهب أموال الناس باسم هذه العلاقة والأخوة! وما تحلم به عند قيام دولتها الموعودة من تطبيق هذه التطلعات والتي أرادت إعطائها صيغة مقبولة بنسبها لآل البيت.
كما تفصح هذه الرواية عن موقف واضعي هذه الروايات من تطبيق الشريعة الإسلامية ورغبتهم في تعطيلها.. ثم هي تعكس مضمونًا إلحاديًا يسعى لهدم الشريعة، والخروج على عقيدة ختم النبوة.
وهذه الدعوى فضلاً عن أنها خروج عن شريعة الإسلام فهي مخالفة لمنطق العقل، فالتوارث منوط بالعلاقة الظاهرة من الولادة والقرابة، أما المؤاخاة الأزلية المزعومة فلا يدركها البشر، فكيف تكون أساسًا لقسمة الميراث؟.
وكذلك يغير منتظرهم شريعة الإسلام فيما يتعلق بأخذ الجزيرة من أهل الكتاب، وتنص رواياتهم أن منتظرهم بهذا المنهج يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: "ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم" [بحار الأنوار: 52/349.]. ويكفي هذا الاعتراف في تأكيد خروجه عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبديله لها عمدًا.. فهل أراد واضع هذه الروايات أن يهون من شأن التشريع الإسلامي في نفوس الأتباع ويغري بالخروج عليه؟!
بل إن الحكم والقضاء في دولة المنتظر يقام على غير شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. جاء في الكافي وغيره، قال أبو عبد الله: "إذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بينة" [أصول الكافي: 1/397.]، وفي لفظ آخر: "إذا قام قائم آل محمد حكم بين الناس بحكم داود عليه السلام ولا يحتاج إلى بينة" [المفيد/ الإرشاد: ص413، الطبرسي/ أعلام الورى: ص433.].
وقد تبنى ثقة إسلامهم الكليني هذه العقيدة وبوب لها بابًا خاصًا بعنوان: "باب في الأئمة عليهم السلام أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة" [أصول الكافي: 1/397.]. ولا يخفى ما في هذا الاتجاه من عنصر يهودي. ولهذا علق بعضهم على هذا العنوان بقوله: "أي ينسخون الدين المحمدي ويرجعون إلى دين اليهود" [محب الدين الخطيب/ في تعليقه على المنتقى: ص302 (هامش4).].
وانظر كيف يحلم واضعو هذه الروايات  الذين لبسوا ثوب التشيع زورًا وبهتانًا  بدولة تحكم بغير شريعة الإسلام.
وتشير بعض رواياتهم إلى أنه أيضًا يحكم بحكم آدم مرة، ومرة بحكم داود، ومرة بقضاء إبراهيم. ولكن يعارضه في هذا الاتجاه للحكم بغير شريعة الإسلام بعض أتباعه، إلا أنه يواجه هذه المعارضة بشدة حيث يأمر بهم فتضرب أعناقهم [انظر: بحار الأنوار: 52/389.].
وتقدم رواياتهم بعض أحكامه وأقضيته فتقول: إنه يحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله؛ يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الأظلة [ابن بابويه/ الخصال: ص169، بحار الأنوار: 52/359، الكاظمي/ بشارة الإسلام: ص275.]، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين [الطبرسي/ أعلام الورى: ص431، بحار الأنوار: 52/152.].. إلخ.
وتقوم دولة المنتظر على الحكم لأهل كل دين بكتابهم، مع أن الإسلام لم يجز لأحد أن يحكم بغير شريعة القرآن باتفاق المسلمين [انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة النبوية: 3/127، المنتقى: ص343.].
جاء في أخبارهم "إذا قام القائم قسم بالسوية، وعدل في الرعية، واستخرج التوراة وسائر كتب الله تعالى من غار بأنطاكية، حتى يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن" [الغيبة للنعماني: ص157، وانظر: بحار الأنوار: 52/351.].
وهذا القانون الذي يطمح إلى تطبيقه واضعو هذه الروايات ويعدون بتنفيذه على يد المنتظر هو شبيه  إلى حد كبير  بفكرة الديانة العالمية التي ترفع شعارها الماسونية.. وهي فكرة إلحادية تقوم أساسًا على إنكار الأديان السماوية تحت دعوى حرية الفكر والعقيدة.
وفي حومة هذه الأفكار التي تسعى لنسخ شريعة القرآن وابتداع أحكام جديدة لم يأذن بها الله، والرجوع إلى حكم داود لا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.. وتطبيق شرائع الأديان لا حكم القرآن  نلتقي بعد ذلك بفكرة مسمومة تعد نتيجة لهذه المقدمات والتغييرات التي سبقتها، وفحوى هذه الفكرة هو إلغاء المهدي الحكم بالقرآن وإحلال كتاب آخر محله، وهذا ما تشير إليه رواية النعماني عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر رضي الله عنه: "يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد" [الغيبة للنعماني: ص154، بحار الأنوار: 52/354، إلزام الناصب: 2/283.]، "لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد" [الغيبة للنعماني: ص176، بحار الأنوار: 52/135.].
وتصف روايات أخرى عندهم ما يقوم به منتظرهم من محاولة لصرف الناس عن القرآن بدعوى أنه محرف وإخراج كتاب آخر مخالف له، وسعيه لتضليل الناس بدعوى أن كتابه هو الكتاب الكامل الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيام "العجم" بالسعي لنشره بين الناس، وتعليمهم إياه، ومواجهتهم صعوبة بالغة لتغيير ما في أفئدة الناس وأذهانهم من كتاب الله [وقد مضى نقل نص ذلك بحروفه ص: (257-258).].
هذه هي الروايات التي كانت موضع التداول السري [ولذلك نرى شيخهم النعماني يصدر روايات الغيبة بما روي عندهم في صون سر آل محمد عمن ليس من أهله، كما أشار إلى ذلك في بداية كتابه (انظر: الغيبة ص17).] في إبان قوة الدولة الإسلامية عن حكومة المهدي بعد رجعته، وقد يقول من لم يسلم بأمر منتظرهم إنه خيالات لا حقيقة لها، لأن القائم المنتظر لا وجود له، فلا تحقق لهذه الدولة الموعودة.. فالحديث عنها قد يكون حديثًا خياليًا.
وهذا حق؛ لكن القيمة الواقعية لهذه الروايات أنها تفصح عن مكنون نفوس واضعيها، وأهدافها ضد شريعة الإسلام، فهي "إسقاطات" نفسية تنطوي على مدلولات خطيرة تحدد رغبات واضعي تلك الأخبار وتطلعاتهم إلى نوعية الحكم الذي ينشدونه، وهي أحلام قد تكشف عن خطط تلك العناصر التي اندست في صفوف الدولة الإسلامية مكتسبة مسوح التشيع لتغيير شريعة القرآن، وإن منازعتهم لحكم ولاة المسلمين تحت ستار (لا حكم إلا للأئمة) يرمي إلى إزالة الحكومة الإسلامية لإقامة دولة أخرى في مكانها تحكم بحكم القائم الموعود.
ب ـ  سيرة القائم المنتظر:
أما سيرته فتحمل سمات من شريعته الجديدة، حيث يتولى مضايقة المسلمين في مقدساتهم ومساجدهم، فيقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين الشريفين، حيث تنص أخبارهم "أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وإقامته على أساسه" [الطوسي/ الغيبة ص282، بحار الأنوار: 52/338.].
كذلك يتجه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ويبدأ  كما تقول أخبارهم – "بكسر الحائط الذي على القبر... ثم يخرجهما (يعني صاحبي رسول الله) غضين رطبين فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما ثم ينزلهما ويحرّقهما ثم يذريهما في الريح" [بحار الأنوار: 52/386.]. وفي رواية أخرى "أول ما يبدأ به القائم.. يخرج هذين رطبين غضين فيحرّقهما ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد" [بحار الأنوار: 52/386.].
ونسبوا إلى الله  سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون  أنه قال لنبيه  حينما أسرى به -: "وهذا القائم... هو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى (يعنون خليفتي رسول الله) طريين فيحرقهما" [ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 1/58، بحار الأنوار: 52/379.].
وتشير بعض رواياتهم إلى أن هذا العمل يثير المسلمين، حيث تقول: ".. ثم يحدث حدثًا فإذا فعل ذلك قالت قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله لو كان محمديًا ما فعل، ولو كان علويًا ما فعل، ولو كان فاطميًا ما فعل.." [تفسير العياشي: 2/58، بحار الأنوار: 52/342.].
قال شيخهم وفخرهم [لأن من ألقابه عندهم "فخر الأمة" كما تجد ذلك في صدور كتبه.] المجلسي: "لعل المراد بإحداث الحدث إحراق الشيخين الملعونين فلذا يسمونه عليه السلام بالطاغية" [بحار الأنوار: 52/346.].
ولا يخفى أن هذه "الوعود" بصنائع المنتظر التي تطفح بها رواياتهم إنما تنم عن دخائل نفوسهم وما تكنه صدورهم من مناوأة لدين الإسلام وسعي في الكيد له حتى يتمنوا أن تتاح لهم فرصة لهدم الحرمين، ونبش القبرين الطاهرين، وحينما يحسون بعجزهم عن تحقيق ذلك لقوة الدولة الإسلامية آنذاك يعزون أنفسهم ويعللونها، ويشفون غيظ قلوبهم على الإسلام ورواده الذين فتحوا ديارهم، وأزالوا ملكهم، ونشروا الإسلام بينهم.. بهذه الأحلام والآمال.. فهي تكشف في الحقيقة ماذا يتمنون تحقيقه لو واتتهم فرصة الحكم والتسلط.
ولذلك فإن المعاصرين منهم يتمنون فتح مكة والمدينة، كما جاء على ألسنة آياتهم، ليحققوا أحلامهم التي أفصحت عنها أخبارهم  كما سيأتي [في باب الشيعة المعاصرين وصلتهم بأسلافهم.]- ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
ولم يكتف منتظرهم بهذا؛ بل إنه يقوم بقتل عام شامل للجنس العربي واستئصال وجوده، ولذلك فإن أخبارهم تعد العرب بملحمة على يد غائبهم  إذا رجع  لا تبقي ولا تذر على رجل أو امرأة ولا صغير ولا كبير بل تأخذهم جميعًا فلا تغادر منهم أحدًا. فيروي النعماني: ".. عن الحارث بن المغيرة وذريح المحاربي قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح" [الغيبة للنعماني: ص155، بحار الأنوار: 52/349.].
وكأن روايتهم هذه لا تفرق بين من يتشيع وغيره: لكن تؤكد أخبارهم أنه لن يتشيع أحد من العرب للقائم، ولهذا تحذر منهم فتقول: "اتق العرب فإن لهم خبر سوء أما إنه لم يخرج مع القائم منهم واحد" [الغيبة للطوسي: ص284، بحار الأنوار: 52/333.].
ولكن في الشيعة من العرب كثير غير أن أخبارهم تقول بأنهم سيمحصون فلا يبقى منهم إلا النزر اليسير [انظر: الغيبة للنعماني: ص137، بحار الأنوار: 52/114.].
وتقول رواياتهم بأن القائم "يبهرج سبعين قبيلة من قبائل العرب" [بهرج الدماء: أهدرها، وفي الطبعة الأخرى للبحار يهرج، ومعنى الهرج: الفتنة والاختلاط والقتل (انظر: بحار الأنوار: 52/333، هامش1).].
ويخصون قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قريش التي منها صفوة أصحابه بالذكر التفصيلي لعمليات القتل التي يجريها عليها القائم، ففي الإرشاد للمفيد "عن عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم من آل محمد عليه السلام أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم" [الإرشاد: ص411، بحار الأنوار: 52/338.].
ولا يخفى أن تخصيص العرب بالقتل يدل على تغلغل الاتجاه الشعوبي لدى واضعي هذه الروايات.. وهي تبين مدى العداوة للجنس العربي لدى مؤسسي "الرفض" والرغبة في التشفي منهم بقتلهم، وذلك  في حقيقة الأمر  لا يعود لجنسيتهم بل للدين الذي يحملونه.
ولا تنسى رواياتهم أن تخص البيت النبوي الطاهر ببائقة من بوائق منتظرهم حيث يزعمون أن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعث من قبرها قبل يوم القيامة [وذلك حسب عقيدتهم في الرجعة التي سنتحدث عنها بعد هذا المبحث إن شاء الله.]، وذلك لأنها ارتكبت  كما يفترون  حدًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله لم يقم عليها الحد  كما يزعمون -.
وهو الذي يقول: "وأيم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها" [جزء من حديث رواه البخاري، كتاب الأنبياء: 4/151، كتاب فضائل الأصحاب، باب ذكر أسامة بن زيد: 4/214، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد: 8/16، ومسلم، كتاب الحدود، باب قطع يد السارق: 2/1315 (1688)، وأبو داود، كتاب الحدود، باب في الحد يشفع فيه: 4/537 (4373)، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود: 4/37-38 (1430)، والنسائي، كتاب قطع السارق، باب ذكر المخزومية التي سرقت 8/72، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب الشفاعة والحدود: 2/851 (2547) والدارمي، كتاب الحدود، باب الشفاعة في الحدود دون السلطان: 1/569، وغيرهم]، وقد أخذته الرحمة بها، مع أن الله سبحانه يقول: {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [النور، آية: 2.] فلم يقم عليها الحد ولكن قائمهم يتولى تنفيذ ما عجز أفضل الخليقة عن تنفيذه وذلك في عصر الرجعة المزعوم [ونص الأسطورة (المنسوبة لأبي جعفر) يقول: أما لو قام قائمنا لقد ردّت إليه الحميراء (تصغير حمراء وهو لقب لعائشة رضي الله عنها) حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة عليها السلام منها.
قلت: جعلت فداك ولم يجلدها الحدّ؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
قلت: فكيف أخره الله للقائم عليه السلام؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم عليه السلام نقمة (علل الشرائع: ص579-580، بحار الأنوار: 52/314، 315). ثم علق على ذلك شيخهم المعاصر بنص يبين الفرية المزعومة وأن عائشة قالت كما يفترون -: "إن إبراهيم ليس منك وإنه ابن فلان القبطي" وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كلف عليًا برجمها ولكن عليًا اكتشف براءتها. (بحار الأنوار: 52/315  الهامش -).]  كما يفترون -.
وهذا يعني أن القائم أكمل من خاتم النبيين، وأقدر على تحقيق دين الله ممن أرسل قدوة للعالمين.
وهو ما صرحت به أخبارهم حيث روى شيخهم ابن بابويه: ".. عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة، آية: 33.].
فقال: والله ما نزل تأويلها بعد ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام.." [إكمال الدين: ص628، بحار الأنوار: 52/324.] أي أن القائم سيحقق ما عجز عنه الأنبياء.
وهذا ما صرح به بعض شيوخهم الكبار عندهم [وهو "الخميني".]  في هذا العصر  واستنكره العالم الإسلامي  كما سيأتي  [في باب: الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم.].
ذلك أنهم يزعمون أن ما عند القائم أضعاف ما عند الأنبياء من العلم، حتى جاء في بحار الأنوار وغيره "عن أبان عن أبي عبد الله قال: العلم سبعة وعشرون حرفًا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفًا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفًا" [بحار الأنوار: 52/336، وهي مروية في الخرائج للراوندي كما أشار إلى ذلك المجلسي (نفس الموضع من المصدر السابق).].
وعملية الاجتياح الدموي الرهيب التي تحلم بها الشيعة الاثنا عشرية على يد مهديهم تكاد تتناول كل الفئات والأجناس البشرية باستثناء طائفتهم، حيث يخرج قائمهم "موتورًا غضبان أسفًا.. يجرد السيف على عاتقه" [بحار الأنوار: 52/361.] ويبدأ القتل، فيحصد أهل السنة الذين تلقبهم أخبار الشيعة أحيانًا  بالمرجئة [قال شيخهم الطريحي: "وسماهم مرجئة لأنهم زعموا أن الله تعالى أخر نصب الإمام، ليكون نصبه باختيار الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم" (مجمع البحرين: 1/177-178، وانظر: مرآة العقول: 4/371).] حتى قال إمامهم: "ويح هذه المرجئة، إلى من يلجؤون غدًا إذا قام قائمنا" [الغيبة للنعماني: ص190، بحار الأنوار: 52/357.] ولم يستثن من ذلك إلا من تاب، أي دخل بمذهبهم فقال: "من تاب تاب الله عليه، ومن أسر نفاقًا فلا يبعد الله غيره، ومن أظهر شيئًا أحرق الله دمه. ثم قال: يذبحهم والذي نفسي بيده كما يذبح القصاب شاته  وأومأ بيده إلى حلقه –" [بحار الأنوار: 52/357، الغيبة للنعماني: ص190-191.].
وتسميهم أحيانًا بالنواصب وتقول: "فإذا قام القائم عرضوا كل ناصب عليه فإن أقر بالإسلام وهي الولاية وإلا ضربت عنقه أو أقر بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة" [تفسير فرات: ص100، بحار الأنوار: 52/373، وقوله: "أو أقر بالجزية"، يناقض رواياتهم التي تقول بأنه لا يقبل الجزية كما سبق ذكر بعضها في بيان "شرعته".].
لكن بعض رواياتهم تقول بأن الجزية لا تقبل منهم كما تقبل من أهل الذمة، فقد سئل إمامهم عن وضع أهل الذمة في دولة القائم فقال: "يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون" [بحار الأنوار: 52/376.]. أما غيرهم من المخالفين للرافضة فقال فيه: "ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا" [بحار النوار: 52/376.]. حتى إن قائمنا يتتبع الشيعة الزيدية غير الغلاة، فيقتلهم. تقول أخبارهم: "إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس  كذا  يدعون البترية [البترية: هم أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النوى، وكان كثير يلقب بالأبتر، وقد يسمون "الصالحية" نسبة للحسن بن صالح، ومن مذهبهم  كما يقول الأشعري  أنهم ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة، ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع، وهي فرقة من الزيدية. (انظر: مقالات الإسلاميين: 1/144، الملل والنحل: 1/161، الخطط: 2/352).] عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم" [الإرشاد: ص411-412، بحار الأنوار: 52/338).].. بل إنه يقتل من لا ذنب له. تقول رواياتهم: "إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعل آبائها" [علل الشرائع: ص229، عيون أخبار الرضا: 1/273، بحار الأنوار: 52/313.]. وهكذا فإن قائمهم "ليس شأنه إلا القتل لا يستبقي أحدًا" [بحار الأنوار: 52/231.] "ولا يستتيب أحدًا" [بحار الأنوار: 52/349، وفي لفظ: "ولا يستنيب أحدًا" أي يتولى ذلك بنفسه (انظر: نفس الموضع من المصدر السابق).].
وتصور بعض رواياتهم مبلغ ما يصل إليه من سفك دماء الناس (من غير طائفته) حتى تقول: "لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس.. حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم" [الغيبة للنعماني: ص154، بحار الأنوار: 52/354.].
وهذا قول يدين القائم بالخروج عن سنن الرحمة والعدل التي عرف بها أهل البيت. بل إنه خرج عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يصرحون به؛ فقد سئل الباقر  على حد زعمهم  أيسير القائم بسيرة محمد؟ فقال: "هيهات! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار في أمته باللين وكان يتألف الناس، والقائم أمر أن يسير بالقتل وألا يستتيب أحدًا، فويل لمن ناوأه" [الغيبة للنعماني: ص153، بحار الأنوار: 52/353.].
فالشيعة تزعم أنه أمر بسيرة تخالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون أن كل ما خالف سيرته صلى الله عليه وسلم؟ فهو ليس من الإسلام، فهل بعث برسالة غير رسالة الإسلام؟!
وكيف يؤمر بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهل هو نبي أوحي إليه من جديد؟ ولا نبي بعد خاتم الأنبياء، ولا وحي بعد وفاته، وكل من ادعى خلاف ذلك فهو مفتر دجال؛ لمعارضته للنصوص القطعية وإجماع الأمة على ختم الوحي والنبوة بوفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
ولكن هذه الروايات تصور ما في قلوب واضعيها من حقد على الناس ولاسيما أمة الإسلام التي تخالفهم في نهجهم، وأنهم يتمنون يومًا قريبًا آتيًا يحققون فيه هذه "الأحلام" التي تكشف حقيقتها هذه الروايات ويترجمها واقع الشيعة في العهد الصفوي وفي دولة الآيات القائمة، وفي منظماتهم في لبنان  كما سيأتي  [في باب أثر الشيعة في العالم الإسلامي.].
ومعلوم أن أمير المؤمنين عليًا الذي يزعمون التشيع له لم يكفر مخالفيه، ولم يقاتل إلا من بغى عليه، فقائمهم الذي يفعل هذه الأفاعيل ومن تبعه في نهجه، ليس من شيعة علي، وقد اعترفوا في رواياتهم أن قائمهم لا يأخذ بسيرة علي، فقد سئل الصادق  كما يزعمون – "أيسير القائم بخلاف سيرة علي؟ فقال: نعم، وذاك أن عليًا سار بالمن والكف لعلمه أن شيعته سيظهر عليهم من بعده، أما القائم فيسير بالسيف والسبي، لأنه يعلم أن شيعته لن يظهر عليهم من بعده أبدًا" [الغيبة للنعماني: ص153، بحار الأنوار: 52/353.].
وقال صادقهم يخاطب بعض الشيعة: "كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم أخرج المثال الجديد، على العرب شديد.
قال (الراوي): قلت: جعلت فداك ما هو؟ قال: الذّبح، قال: قلت بأي شيء يسير فيهم؛ بما سار علي بن أبي طالب في أهل السواد؟ قال: لا، إن عليًا سار بما في الجفر الأبيض، وهو الكف، وهو يعلم أنه سيظهر على شيعته من بعده، وأن القائم يسير بما في الجفر الأحمر وهو الذبح، وهو يعلم أنه لا يظهر على شيعته" [بحار الأنوار: 52/318، وهذه الرواية في بصائر الدرجات كما أشار إلى ذلك المجلسي (نفس الموضع من المصدر السابق).].
وهكذا "يقوم المزعوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد" [بحار الأنوار: 52/231.].
وهذا كاف في إيضاح أن ما تحلم به الشيعة ليس له أصل في كتاب الله وسنة نبيه، بل هي بدعة جديدة يخرج بها قائمهم.
وبينما الناس في عصر القائم يعيشون بين الدماء والأشلاء، وفي خوف ورعب من قائم الشيعة الذي كان بعثه نقمة عليهم، كما أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم رحمة [روى الكليني في الكافي: "إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة ويبعث القائم نقمة". (بحار الأنوار: 52/376، حيث عزاه إلى الكافي، كتاب الروضة: ص233).]، فإن عسكر القائم وأصحابه يعيشون في حياة أخرى حافلة بألوان النعيم وأنواع المسرات، فهو يأمرهم في ميسرهم ألا يحملوا "طعامًا ولا شرابًا ولا علفًا، فيقول أصحابه: إنه يريد أن يقتلنا يقتل دوابنا من الجوع والعطش [وهذا يدل على شكهم في أمر القائم فكيف يكونون من أصحابه؟!.] فيسير ويسيرون معه؛ فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون ودوابهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وهكذا "لا ينزل منزلاً إلا انبعث منه عيون، فمن كان جائعًا شبع ومن كان ظمآن روي" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وإنه إذا قام اجتمعت إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيعطي أصحابه ما لم يعطه أحد كان قبله، ويتضاعف الرزق على يديه فيرزق في الشهر رزقين ويعطي في السنة عطاءين [الغيبة للنعماني: ص158.]، حتى إن أحدًا من الشيعة لا يجد لديناره ودرهمه موضعًا يصرفه فيه [الغيبة للنعماني: ص76.].
وهذه روايات تصور التطلعات والأماني التي كانت تفيض بها قلوب الشيعة انتظارًا لهذا الغد المأمول، ويصور النزعة المادية التي يشتركون فيها مع اليهود! وهو حلم النظام الشيوعي في العالم حسب رأي ماركس.
أما عن جند القائم وأصحابه الذين يشاركونه في مجازره، ويرفلون في نعيمه ويتبوءون جنته فهذا ما سيتبين في الفقرة التالية.
ج‍ ـ  جند القائم:
تشير بعض رواياتهم إلى أن جند القائم من الموالي والعجم ويبلغ عددهم اثني عشر ألفًا، وأنه يمنحهم القائم سلاحًا من عنده عبارة عن سيف وبيضة ذات وجهين، ثم يقول لهم: "من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه" [بحار الأنوار: 52/377.]. وتذكر رواية للنعماني أن "أصحاب القائم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم" [الغيبة للنعماني: ص214.].
بينما تقول رواية في البحارك "إذا قام قائم آل محمد استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة وعشرين من قوم موسى الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكف، ويوشع وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري ومالك الأشتر" [هكذا ورد النص في بحار الأنوار: 52/346، ولم تتعقبه لجنة التصحيح بشيء، مع أنه ذكر أن مجموع العدد (27) ولما فصّل زاد العدد إلى (37)، وفي تفسير العياشي: 1/32، قال: "وخمسة عشر من قوم موسى" فيتوافق بهذا مع المجموع الكلي (27)، أما في تفسير البرهان 2/41 فقد زاد واوًا لتلتئم العبارة فقال: "سبعة وعشرين رجلاً وخمسة وعشرين من قوم موسى.. إلخ" وواضح أن الواو مقحمة.].
وواضح في هذا النص تغلغل العنصر اليهودي في المجموعة التي وضعت دين التشيع.
كما يظهر أن التشيع استوعب مجموعة من العنصر المختلفة، كل يصنع ما يشاء له هواه، وما تملي عليه عنصريته.. فالعجم يضعون روايات في صالحهم، واليهود كذلك.. وهكذا، وموسوعات الاثني عشرية استوعبت الجميع بلا تمييز.
وجاء في بعض أخبارهم البيان التفصيلي لأسماء جنده واحدًا واحدًا وموطن كل جندي أو قبيلته أو حرفته في رواية طويلة. منها قوله: "ومن أهل الشام رجلين يقال لهما إبراهيم بن الصباح، ويوسف بن جريا" (صريا) [هكذا وردت في الأصل، فيما يبدو أنه اهتمام من المحقق المعاصر في الثبيت من الاسم بإثباته في الأصل حسب ما جاء في اختلاف النسختين.].
فيوسف عطار من أهل دمشق، وإبراهيم قصاب من قرية صويقان "ومضى في ذكرهم على هذا النسق حتى ذكر (313) رجلاً ليبلغ بهم عدة أهل بدر" [انظر: البحراني/ الحجة: ص46، وأحال المحقق أيضًا على دلائل الإمامة ص314.].
كما يقول: "ونسي موقفهم المخزي من أهل بدر وسائر الصحابة".
ولا تملك نفسك وأنت تقرأ تلك الأسماء من ابتسامة تغالبك، وأنت تلمح بوضوح التكلف في الكذب، والمحاولات الغبية لستره، ولا ينقضي العجب من تلك الجرأة على الكذب، وخفة العقل، والأغرب كيف لا يستحي شيعة هذا العصر من إخراج هذا "العار" للناس، وطبعه وتحقيقه ؟!، أو أن الله سبحانه أراد أن يكشف أمرهم ويفضح زيفهم.
الشيعة وغيبة مهديهم:
في ظل الغيبة التي دانت بها الشيعة، وعاشت في حكمها منذ أكثر من ألف ومائة سنة أوقف شيوخ الشيعة  بحكم نيابتهم عن المنتظر  العمل بجملة من أحكام الدين، كما استحدثوا عقائد وأحكامًا لم يأذن بها الله سبحانه. لقد أوقف الشيعة بسبب الغيبة للمنتظر إقامة صلاة الجمعة، كما منعوا إقامة إمام للمسلمين وقالوا: "الجمعة والحكومة لإمام المسلمين" [مفتاح الكرامة/ كتاب الصلاة: 2/69.] والإمام هو هذا المنتظر.
ولهذا فإن معظم الشيعة إلى اليوم لا يصلون الجمعة [يقول كاظم الكفائي  وهو من شيوخهم المعاصرين -: "في العراق الآن: الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصي في المسجد الصفوي في الصحن الكاظمي (كتب هذا القول بخطه للدكتور علي السالوس، ونشره الأخير في كتابه فقه الشيعة ص264)، وفي الكويت لا يقيم الجمعة إلا الشيخ إبراهيم جمال الدين مرجع الإخباريين هناك" (انظر: السالوس فقه الشيعة ص203).
وحينما سأل بعض أفراد الشيعة كبير شيوخهم وهو محسن الحكيم عن دليلهم في شرطية وجوب الإمام لصلاة الجمعة، كان جوابه بأن لا يسأل هذا السؤال، كما أن بعض شيوخهم يقول بوجوب صلاة الجمعة ولا يقيمها (انظر: محمد عبد الرضا الأسدي/ نص الكتاب ومتواتر الأخبار عن وجوب الجمعة في جميع الأعصار: ص24/27، 28).]، حتى قال بعض المتأخرين: "إن الشيعة من زمان الأئمة كانوا تاركين للجمعة" [البهباني في تعليقه على المدارك، كما نقل ذلك عنه شيخهم الخالصي في كتابه الجمعة: ص131.].
كما أن الشيعة لا ترى بيعة شرعية إلا للقائم المنتظر، ولذلك فإنهم يجددون البيعة له كل يوم، ففي دعاء لهم يسمونه "دعاء العهد" وفيه: "اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].
وفي دعاء يومي آخر للغائب المنتظر يتضمن الإقرار له بالبيعة فيقول: "اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].
قال المجلسي: ".. ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة" [بحار الأنوار: 102/111، وانظر: مفتاح الجنان: ص538-539.].
كذلك منع الشيعة الجهاد مع ولي أمر المسلمين، لأنه لا جهاد إلا مع الإمام، فقد جاء في الكافي وغيره عن أبي عبد الله قال: "القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير" [فروع الكافي: 1/334، تهذيب الأحكام: 2/45، وسائل الشيعة: 11/32.].
والإمام المفترض الطاعة على المسلمين منذ سنة 260ه‍ إلى اليوم هو منتظرهم الغائب في السرداب. وما قبل سنة 260ه‍ هم بقية الأئمة الاثني عشر، فالجهاد مع أبي بكر وعمر وعثمان وبقية خلفاء المسلمين إلى اليوم هو حرام كحرمة الميتة والدم.
وجنود الإسلام الذين يرابطون على الثغور، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والذين فتحوا بلاد الفرس وغيرها! ما هم في اعتقاد الشيعة إلا قتلة، الويل لهم، يتعجلون مصيرهم. روى شيخهم الطوسي في التهذيب: ".. عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم" [التهذيب: 2/42، وسائل الشيعة: 11/21.].
فأنت ترى أن الشيعة ترى أن جهاد المسلمين على مرور التاريخ جهاد باطل لا أجر فيه ولا ثواب، حتى يصفون المجاهدين المسلمين "بالقتلة" ويجردونهم من الأسماء التي شرفهم الله بها "كالمجاهد" و"الشهيد".
فهل يشك عاقل متجرد من الهوى والتعصب أن واضع هذا المبدأ عدو موتور، وزنديق حاقد.. يتربص بالأمة الدوائر ويبغي فيها الفشل، ولا يريد لها أن تبقى مجاهدة في سبيل الله، رافعة راية الله، ليحتفظ بدينه ودياره، وقد بلغ به التآمر لإشاعة هذا المبدأ أن نسبه لجعفر الصادق وغيره من أهل البيت حتى يجد الرواج بين الأتباع الجهلة من جانب، وحتى يسيء لأهل بيت رسول الله من جانب آخر.
كذلك صرح الشيعة أيضًا بمنع إقامة حدود الله سبحانه في دولة الإسلام بسبب غيبة إمامهم، لأن أمر الحدود موكول  كما يقولون  إلى الإمام المنصوص عليه، ولم ينص الله سبحانه  بزعمهم  إلا على اثني عشر إمامًا آخرهم قد غاب منذ منتصف القرن الثالث تقريبًا ولابد من انتظار عودته، حتى يقيم الحدود، إلا أنه بحكم التفويض الذي أجراه لشيوخ الشيعة بعد قرابة سبعين سنة من غيبته يحق للشيخ الشيعي فقط من دون سائر قضاة المسلمين أن يتولى إقامة الحدود، وإذا لم يوجد في قطر من أقطار الإسلام أحد من شيوخهم فلا يجوز إقامة الحدود، لأنه لا يتولاها إلا المنتظر أو نائبه من مراجع الشيعة وآياتهم.
روى شيخهم ابن بابويه وغيره: ".. عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: من يقيم الحدود: السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود من إليه الحكم" [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 4/51، تهذيب الأحكام: 10/155، وسائل الشيعة: 18/338.]  كذا -.
وقال المفيد: "فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان" [المقنعة: ص130، وسائل الشيعة: 18/338.].
وتحذر روايات الشيعة من الرجوع إلى محاكم المسلمين وقضاتهم حتى تقول: "من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقه ثابتًا، لأنه أخذه بحكم الطاغوت" [فروع الكافي: 7/412، التهذيب: 6/218، وسائل الشيعة: 18/4.].
هذه جملة من شرائع الإسلام حرمتها الشيعة بسبب غيبة مهديهم، وأوقفت العمل بها حتى خروجه من غيبته.
كما أنهم شرعوا لأنفسهم أحكامًا في فترة اختفاء هذا المنتظر لم يأذن بها الله سبحانه، ومن ذلك: مسألة التقية والتي هي في الإسلام رخصة عارضة عند الضرورة جعلوها فرضًا لازمًا ودائمًا في فترة الغيبة لا يجوز الخروج عنها حتى يعود المنتظر الذي لن يعود أبدًا، لأنه لم يولد كما يؤكد ذلك المؤرخون، وأهل العلم بالأنساب، وفرق كثيرة من الشيعة نفسها، ومن ترك التقية قبل عودة المنتظر كان كمن ترك الصلاة [انظر: فصل التقية.].
كذلك جعلوا الاستشهاد في سبيل الله يحصل بمجرد اعتناق التشيع، وانتظار عودة الغائب، لا في الجهاد في سبيل الله، فالشيعي شهيد ولو مات على فراشه.
قال إمامهم: "إذا مات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدًا، ومن أدرك قائمنا فقتل معه، كان له أجر شهيدين.." [بحار الأنوار: 52/123، وهو مروي في أمالي الطوسي (انظر: المصدر السابق: 52/122-123).].
وعقد شيخهم البحراني في المعالم الزلفى بابًا بعنوان: "الباب 59 في أن شيعة آل محمد شهداء وإن ماتوا على فرشهم" [المعالم الزلفى في بيان أحوال النشأة الأولى والأخرى: ص101.] وأورد فيه جملة من أخبارهم.
ثم زادت مبالغاتهم  كالعادة  إلى أكثر من هذا القدر حتى روى ابن بابويه بسنده إلى علي بن الحسين قال: "من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأحد" [إكمال الدين: ص315، بحار الأنوار: 52/125.].
ومن أحكامهم فرضية البيعة للغائب المنتظر، حتى شرع عندهم تجديد البيعة مرات وكرات عبر الأدعية في الزيارات لمشاهد الأئمة  كما مر -، لأن "من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جل وعز ظاهرًا [هذه الكلمة تؤكد أن إمامهم المختفي ليس بإمام، لأنه ليس بظاهر.] عادلاً أصبح ضالاً تائهًا، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق" [أصول الكافي: 1/375.].
أما المبدأ الأكبر الذي اخترعوه في ظل الغيبة فهو مبدأ نيابة الفقيه الشيعي عن الغائب المنتظر.
وقد استحل الفقيه الشيعي باسم النيابة أمورًا كثيرة.
واختلف شيوخ الشيعة في حدود النيابة بين مقل ومستكثر، حتى بلغت النيابة الحد الأقصى لوظائف الإمام الغائب وهو رئاسة الدولة، والاستفتاء على تشكيل الحكومة في دولة "الآيات" الحاضرة، وهم الذين لا يؤمنون إلا بالإمام المنصوص عليه.. ولخطورة عقيدة النيابة، ولأنها  في اعتقادي  تمثل الخروج المقنع للمهدي، على يد مجموعة كبيرة من شيوخهم كل يزعم أحقيته في النيابة سنخصها بالحديث التالي.
النيابة عن المنتظر:
أرسيت دعائم فكرة الغيبة لولد للحسن العسكري  كما سلف  وكان لابد من وجود وكيل مفوض يتولى شئون الأتباع في أثناء فترة الاحتجاب، ويكون الواسطة والباب للغائب في السرداب، أو في جبال رضوى، أو وديان مكة.
فكان أول زعيم تولى شئون الشيعة  كما كشفت ذلك أوراق الاثني عشرية  هي امرأة.. وما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر: 5/136، وكتاب الفتن: 8/97، والترمذي، كتاب الفتن: 4/527-528 (2262)، والنسائي/ باب النهي عن استعمال النساء في الحكم: 8/227، وأحمد: 5/43، 51.]، إذ بعد وفاة الحسن العسكري، وإشاعة وجود الولد المختفي، وبقاء الشيعة بدون إمام ظاهر، بدأ الشيعة يتساءلون إلى من يرجعون؟
ففي سنة (262ه‍) أي بعد وفاة الحسن العسكري بسنتين،، توجه بعض الشيعة [وهو كما تقول الرواية: أحمد بن إبراهيم، وانظر: رجال الحلي: ص16.] إلى بيت الحسن العسكري وسأل  كما تقول الرواية  خديجة بنت محمد بن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته له [يلحظ أنهم يحرمون تسميته حتى قالوا: من سماه باسمه فهو كافر  كما سلف -.]، يقول راوي الخبر: "قلت لها: فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام" [الغيبة للطوسي: ص138.].
ويبدو أن رجال الشيعة أرادوا أن تبقى النيابة عن الغائب في بيت الحسن العسكري، فأشاعوا بين أتباعهم في بداية الأمر أن أم الحسن العسكري هي الوكيلة عن المنتظر، فهي الرئيسة العامة للمسلمين (بالنيابة). ويظهر أن هذا "التعيين" كان القصد منه إيجاد الجو المناسب لنمو هذه الفكرة بين الأتباع لأن أم الحسن هي الوصية للحسن بعد وفاته كما تذكر أخبار الشيعة، فكان من الطبيعي أن تتولى عن ابنه، إلا أن محاربة بيت الحسن العسكري لفكرة الولد  كما سيأتي  قد وجه رجال الشيعة إلى اختيار رجل من خارج أهل البيت، ولهذا جاء في الغيبة للطوسي "ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه سنة ست وخمسين ومائتين، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، وأوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري.." [الغيبة للطوسي: ص241-242.].
فهؤلاء النواب الأربعة، ويزاحمهم على مسألة النيابة آخرون، هم من خارج بيت الحسن، وتمثل نيابتهم صلة شخصية مباشرة بالمهدي المنتظر. ولذلك تسمى فترة نيابتهم في عرف الشيعة بالغيبة الصغرى.
وهؤلاء النواب الأربعة لهم ما للإمام من حق الطاعة، وثقة الرواية، جاء في الغيبة للطوسي أن الحسن العسكري قال: "هذا إمامكم من بعدي (وأشار إلى ابنه) وخليفتي عليكم، أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر فاقبلوا من عثمان (الباب الأول) ما يقوله، وانتهوا إلى أمره فهو خليفة إمامكم والأمر إليه [الغيبة للطوسي: ص217.]، فما قاله لكم فعنّي يقوله، ما أدى إليكم فعني يؤديه" [الغيبة للطوسي: ص15.].
وهكذا أصبح للباب حق النيابة عن الإمام والأمر إليه، لقوله صفة القداسة والعصمة، لأنه ينطق عن الإمام، ويؤدي عنه، ولذلك فإن من خالف هؤلاء الأبواب حلت به اللعنة، واستحق النار. كما جاء في التواقيع التي خرجت من المتنظر في حق من خالف هؤلاء الأبواب [انظر: الغيبة للطوسي: ص244.].
إذن مسألة النيابة لهؤلاء الأربعة تخولهم التشريع، لأنهم ينطقون عن المعصوم، وللمعصوم حق تخصيص، أو تقييد، أو نسخ نصوص الشريعة  كما مر  ولذلك كان للتوقيعات الصادرة منهم نفس المنزلة التي لكلام الإمام أو أقوى كما سلف [انظر: ص(338).].
وكذلك تخولهم إصدار صكوك الغفران أو الحرمان، وأخذ أموال الوقف والزكاة والخمس باسم الإمام. ولكن هذه النيابة انتهت إذ "لما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه. فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد السمري" [الغيبة للطوسي: ص241-242.].
وقد يكون من أهداف موافقة القواعد الشيعية لإغلاق السمري للبابية وإشاعة ذلك بين الأتباع هو المحافظة على فكرة غيبة المهدي من افتضاح حقيقتها وانكشاف أمرها؛ حيث كثر الراغبون فيها من شيوخ الشيعة ولا سيما في عهد سلفه أبي القاسم بن روح، وعظم النزاع بينهم ووصل الأمر إلى التلاعن والتكفير والتبري، كما يلحظ ذلك في التوقيعات التي خرجت على يد الأبواب منسوبة للمنتظر [انظر: الغيبة للطوسي: ص244، وما بعدها.].
فأغلق السمري حكاية البابية.
وهنا حصل تطور آخر في مسألة النيابة، وفي المذهب الشيعي عمومًا، حيث جعلت النيابة حقًا مطلقًا للشيوخ، فقد أصدرت الدوائر الاثنا عشرية "توقيعًا" منسوبًا للمنتظر الموهوم. وخرج بعد إعلان انتهاء البابية على يد السمري. يقول التوقيع: "أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" [الكافي  مع شرحه مرآة العقول -: 4/55، إكمال الدين: ص451، الغيبة للطوسي: ص177، الاحتجاج للطبرسي: ص163، وسائل الشيعة: 18/101، محمد مكي العاملي/ الدرة الطاهرة: ص47.] فأعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وفوض أمر النيابة عن المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم.
ولقد حقق هذا الإعلان مجموعة من الأهداف، فقد أصبحت دعوى البابية غير مقصورة على واحد، والذي قد تكشف حقيقة أمره بسهولة، وبمجرد مراقبة مجموعة له، ولذلك يلاحظ كثرة الشك والتكذيب في فترات الغيبة الأولى.
كما أن ذلك خفف التنافس على البابية التي كان لها آثارها، فبقيت مشاعة بين شيوخ الشيعة، وأطلق على انقطاع البابية الخاصة وتحولها إلى نيابة عامة «الغيبة الكبرى» فصار للإمام غيبتان صغرى وكبرى رغم أن لهم روايات لا تتحدث إلا عن غيبة واحدة [جاءت عندهم روايات صنعت  فيما يبدو  في الفترة الأولى من موت الحسن العسكري تحكي غيبة الابن المزعوم للحسن العسكري، يقول بعضها: "إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها" (أصول الكافي: 1/340).
فكأن هذه الرواية تلقي فكرة الغيبة على الأتباع بدون تأكيد لتتحسس ردة الفعل وتحسب لها حسابها، وهي تذكر بأن له غيبة واحدة.
وتؤكد بعض رواياتهم بأنه بعد هذه الغيبة سيظهر. جاء في الكافي « عن أم هاني قالت: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: آية: 16،17] قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين ثم يظهر، فما بعد غيبته إلا الظهور". (أصول الكافي: 1/341).
فإعلان السمري البابية قد يراد منه إشعارهم بقرب الظهور.. ولكن مرت الأيام والسنون ولم يظهر.].
ولكن وضعت روايات تناسب هذا الوضع وتتحدث عن غيبتين، يقول بعضها: "قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان أحدهما قصيرة والأخرى طويلة، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم إلا خاصة مواليه في دينه" [الغيبة للنعماني: ص113.].
فأنت ترى أن هذه الرواية أثبتت له غيبتين الأولى يتصل به خاصة شيعته، وهذا قد يكون إشارة إلى السفراء الذين تناوبوا على دعوى البابية، والأخرى يتصل به خاصة مواليه، وقد أشارت رواية في الكافي إلى أن عددهم ثلاثون [انظر: أصول الكافي: 1/340.]، فلم تنف رواياتهم الصلة المباشرة بالمنتظر في الحالتين، رغم أن السمري حينما حل وظيفة البابية أصدر توقيعًا على لسان المنتظر يقول فيه: "من ادعى المشاهدة للمنتظر فهو كاذب" [مضى ذكره بنصه ص(340).].
وإن شيوخهم يقولون بأنه وقعت في الغيبة الكبرى المحرومية العظمى من الإمام. يقول شيخهم النعماني بعد ذكره لأخبارهم في الغيبتين: "هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم غيبتين أحاديث قد صحت عندنا.. فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان يخرج على أيديهم الشفاء من العلم وعويص الحكمة والأجوبة [تقدم في فصل السنة ذكر نماذج من هذه الأجوبة الصادرة عن الإمام المزعوم، وقد تبين لنا ما فيها من جهل وسطحية، ولولا ضيق المجال وخشية الخروج عن المقصود لعرضناها بأكملها ودرسناها دراسة نقدية فاحصة، وأرجو أن ييسر الله سبحانه دراسة مستقلة لمسألة الغيبة يراعى فيها هذا الجانب.] عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها.
والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط" [الغيبة للنعماني: ص115.].
ولكن شيوخ الشيعة يدعون في فترة الغيبة الثانية النيابة عن الإمام المنتظر ويستندون في ذلك على التوقيع الذي أظهره السمري عن منتظرهم، والذي يحيلهم إلى رواة حديثهم في كل الحوادث الواقعة الجديدة.
فيلحظ أنه لم يحلهم على الكتاب والسنة، وإنما أرجعهم إلى الشيوخ.
وقد تبوأ شيوخ الشيعة بذلك منصب البابية عن الغائب واستمدوا القداسة بين الأتباع بفضل هذه النيابة عن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الخارقة، والفضائل الكاملة.. ولذلك يطلقون على شيوخهم الذين وصلوا إلى منصب "النيابة عن الإمام" اسم "المراجع وآيات الله" فهم مظاهر للإمام المعصوم، ولذلك يقرر أحد شيوخهم المعاصرين بأن الراد على النائب كالراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله وذلك بمقتضى عقيدة النيابة.
يقول شيخهم المظفر: "عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس الملطق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت  عليهم السلام -. فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعًا في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضايا، وذلك من مختصاته لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه. ويرجع إليه في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته.
وهذه المنزلة أو الرئاسة أعطاها الإمام عليه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائبًا عنه في حال الغيبة ولذلك يسمى (نائب الإمام)" [عقائد الإمامية: ص57.].
فأنت ترى أن شيوخ الشيعة تخلوا عن آل البيت رأسًا، وتعلقوا بهذا المعدوم، ووضعوا أنفسهم مكان الإمام من أهل البيت باسم هذا المعدوم، وهذه غنيمة كبيرة، لذلك ما إن اتفقوا عليها بعد إخفاق فكرة البابية المباشرة، حتى اختفت الخلافات على منصب البابية، ورجعت فرق شيعية كثيرة، ودانت بهذه الفكرة، لأنها تجعل من كل واحد من تلك الرموز الشيعية "إمامًا" "ومهديًا" "وحاكمًا مطلقًا مطاعًا" "وجابيًا للأموال" ولا يقاسمهم في ذلك أحد من أهل البيت، ولا يفضحهم ويكشف أوراقهم رجل من أهل البيت.
ويبدو من التوقيع المنسوب للمنتظر أنه يجعل لشيوخ الشيعة حق النيابة في الفتوى حول المسائل الجديدة، إذ هو يقول: فأما المسائل الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا  كما سلف  ولا يخلوهم النيابة العامة، ولكن الشيوخ توسعوا في مفهوم النيابة حتى وصلت إلى قمة غلوها في هذا العصر على يد الخميني [انظر: فصل "دولة الآيات" من الباب الرابع.].
كما نلحظ شيئًا من هذا في تقرير شيخهم المظفر لعقيدتهم في هذا الشأن، وكما تراه في دولتهم الحاضرة.
وقد كان لهؤلاء الشيوخ دعاوى عريضة حول الصلة بالمهدي بعد غيبته الكبرى  كما سلف  [ص340 وما بعدها.].
نقد عقيدة الغيبة والمهدية عند الاثني عشرية:
إن فرق المسلمين تخالف الاثني عشرية في خلق المهدي ووجوده فكيف ببلوغه، فكيف برشده، فكيف بإمامته، فكيف بعصمته، فكيف بمهديته؟! والشيعة لا يقدرون ببرهان واضح على إثبات واحدة من هذه الأمور [أبو المحاسن الواسطي/ المناظرة بين أهل السنة والرافضة، الورقة (59).]  كما سلف أثناء استعراضنا لعقيدتهم وأدلتهم -.
فأهل السنة يقررون بمقتضى النصوص الشرعية، والحقائق التاريخية.. والدلائل العقلية أن مسألة غيبة المهدي عند الاثني عشرية لا تعدو أن تكون وهمًا من الأوهام، إذ "ليس له عين ولا أثر، ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد" [منهاج السنة: 4/213.].
وقد ذكر أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب [انظر: منهاج السنة: 2/164.].
ثم إنهم يقولون: إن المهدي دخل السرداب بعد موت أبيه، وعمره سنتان أو ثلاث أو خمس على اختلاف رواياتهم، وأصبح من ذلك الوقت هو الإمام على المسلمين رغم طفولته واختفائه، مع أن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون هذا اليتيم  على فرض وجوده عند من يستحق حضانته من قرابته، وأن يكون ماله عند من يحفظه حتى يؤنس منه الرشد، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إمامًا لجميع المسلمين معصومًا لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟! [منهاج السنة: 2/164.]. "فكيف إذا كان معدومًا أو مفقودًا مع طول هذه الغيبة؟! والمرأة إذا غاب وليها، زوجها الحاكم أو الولي الحاضر لئلا تضيع مصلحة المرأة بغيبة الولي الموجود، فكيف تضيع مصلحة الأمة مع هذا الإمام المفقود على طول الدهور" [منهاج السنة: 1/30، المنتقى: ص31، رسالة رأس الحسين: ص6.].
وبغض النظر عن موقف أهل السنة من مهدي الاثني عشرية وغيبته.. فإن المتأمل لنصوص المهدية والغيبة في كتب الاثني عشرية المعتمدة، يلاحظ ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن هذه الدعوى لم تلق قبولاً لدى الشيعة أنفسهم إلا في العصور المتأخرة نسبيًا، وذلك حين جدت الدعاية الشيعية في ترويج هذه العقدية، وألغت فكرة البابية التي انكشف بواسطتها أمر الغيبة، ولذلك فإن شيخهم النعماني وهو من معاصري الغيبة الصغرى يقرر أن جميع الشيعة في شك من أمر الغيبة إلا قليلاً منهم.
ذلك أن أمارات الشك واضحة بيّنة لهم، حيث إن الحسن العسكري  كما يعترفون  توفي ولم ير له أثر، ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم أخوه جعفر وأمه ما ظهر من ميراثه [انظر: ص(828).].
وقد ورد في الكافي  أصح كتب الحديث عندهم  وغيره عن أحمد بن عبد الله بن خاقان [كان أميرًا على الضياع والخراج بقم في خلافة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل. (انظر: أصول الكافي: 1/503، إكمال الدين ص39).] قال:... لما مات الحسن العسكري سنة ستين ومائتين ضجت سر من رأى ضجة واحدة مات ابن الرضا، وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فوضعت تلك الجارية في حجرة ووكل بها بعض النسوة، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته... فلما فرغوا من ذلك بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل للصلاة عليه، فلما دنا أبو عيسى منه كشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب... ثم قال: هذا الحسن بن علي بن محمد الرضا، مات حتف أنفه على فراشه، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته.. ثم صلى عليه.. وبعد دفنه أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي وهم عليها الحمل ملازمين لها حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر [أصول الكافي: 1/505، إكمال الدين: ص41-42.].
فأنت تلاحظ أن الاثني عشرية ساقوا هذه الرواية للدلالة عن بطلان قول من قال من الشيعة بالوقف على الحسن العسكري في إنكار وفاته، ولكن تبين من خلالها بطلان دعوى الولد، لأن أسرة الحسن، ونقابة أهل البيت، والسلطان حققوا علنيًا في حقيقة الأمر وذلك لإبطال ما يزعمه الشيعة في هذا المجال، ولهذا قرر القمي والنوبختي وغيرهما بأن الشيعة افترقوا  بعد وفاة الحسن العسكري  إلى فرق عديدة أنكر أكثرها وجود الولد أصلاً [المقالات والفرق: ص102-116، فرق الشيعة: ص96-112.] حتى قال بعضهم: إنا قد طلبنا الولد بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا دعوى أن للحسن ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز أن يقال في النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلف ابنًا نبيًا رسولاً، لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ولدًا من صلبه، فالولد قد بطل لا محالة [المقالات والفرق: ص114-115، فرق الشيعة: ص103-104.].
وهذا الواقع  في نظري  هو الذي حدًا بشيوخ الشيعة إلى وضع روايات تجعل من لوزام منتظرهم اختفاء حمله، وولادته، والشك فيه.. كمحاولة من شيوخهم لتجاوز هذه المرحلة التي كاد أن ينكشف فيها أمر التشيع.
وعلاوة على إنكار جل الشيعة لذلك، فإن لأهل البيت موقفًا صريحًا حاسمًا في هذا الأمر. وهو من البراهين الواضحة على بطلان هذه الدعوى، حيث جاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة 302ه‍ أن رجلاً ادعى  في زمن الخليفة المقتدر  أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بان طومار.
فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن. وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس، ويعاقب أشد عقوبة. فحمل على جمل وشهر يوم التروية ويوم عرفة، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي [تاريخ الطبري: 13/26-27، المطبعة الحسينية ط: الأولى، أو ج‍11 ص49-50 من طبعة دار المعارف، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم.].
وهذه الشهادة من بني هاشم، وعلى رأسهم نقيب الطالبيين مهمة لأنها من نقيب العلويين الذي كان عظيم العناية بتسجيل أسماء مواليد هذه الأسرة في سجل رسمي [محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى: ص173.]، ولقدم فترتها الزمنية حيث إنها واقع في زمن الغيبة الصغرى التي كثر فيها ادعاء هذا الولد وادعاء بابيته من العديد من الرموز الشيعية.
وعلاوة على شهادة نقيب الطالبيين وبني هاشم، فإن أقرب الناس إلى الحسن العسكري وهو أخوه جعفر يؤكد أن أخاه مات ولا نسل له ولا عقب [انظر: الصواعق المحرقة: ص168.].
والشيعة يعترفون بذلك، بل ينقلون أنه حبس جواري أخيه وحلائله حتى ثبت له براءتهن من الحمل [انظر: الغيبة للطوسي: ص75.]، وأنه شنع على من ادعى ذلك وأبلغ دولة الخلافة الإسلامية [سفينة البحار: ص162.] بتآمره، ولكن الطوسي يقول: إن هذا الإنكار من جعفر "ليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرًا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، والغلط غير ممتنع منه" [الغيبة: ص75.].
فالطوسي لا يقبل الإنكار من جعفر، لأنه غير معصوم، ولكن الطوسي ومعه طائفة الاثني عشرية يقبلون دعوى عثمان بن سعيد في إثبات الولد ودعوى بابيته وهو غير معصوم، أليس هذا تناقضًا؟!.
كيف يكذب جعفر وهو أخو الحسن العسكري ومن سلالة أهل البيت، وعميد الأسرة بعد وفاة الحسن، ويصدق رجل أجنبي عن أهل البيت، وهو متهم في دعواه، لأنه يجر المصلحة لنفسه من المال والجاه باسم البابية، ومن هذا شأنه ألا يشك في قوله وترد شهادته؟!
ولموقف جعفر المتميز ضد محاولات الرموز الشيعية اختراع ولد لأخيه، ضاق الشيعة ذرعًا بأمره، حتى لقبوه "بجعفر الكذاب" [انظر: ابن بابويه/ إكمال الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162، أصول الكافي: 1/504 (هامش2)، مقتبس الأثر: 14/314، قالوا: إنه يلقب جعفر بن محمد بالصادق في مقابل جعفر هذا الذي يلقبونه بالكاذب أو الكذاب (مقتبس الأثر: 14/314) فقد يكون شيوع إطلاق لقب «الصادق» على جعفر، وتمييزه بذلك بين آبائه وأقرانه مصدره الشيعة، نكاية بحفيدة جعفر.] ووضعوا روايات نسبوها لأوائل أهل البيت تتنبأ بالغيب فتتحدث بما سيقع من جعفر، وتندد به.
فنسبوا للسجاد أنه قال: "كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه، على تفتيش أمر ولي الله المغيب في حفظ الله جهلاً منه بولادته، وحرصًا على قتله إن ظفر به طمعًا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه" [إكمال الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162.].
نلاحظ في هذه الرواية أنهم اتهموا جعفرًا بأنه أنكر ولادته طمعًا في الميراث، على حد المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت، ذلك أن صانعي هذه الروايات هم الذين ادعوا الولد وقالوا ببابيته حرصًا على الأموال  كما سلف  كذلك فإن الرواية تتناقض حينما تقول بأن جعفرًا يجهل ولادته، ثم تقول بأنه يحرص على قتله، فإذا كان يجهل أنه ولد له ولد فكيف يحرص على قتل مجهول وجوده؟! ثم انظر كيف يدافعون عن عثمان بن سعيد، ويتهمون جعفرًا وهم يدعون التشيع للآل.
وليس جعفر هو وحده من أسرة الرضا الذي ينكر هذه الدعوى. بل يظهر من روايات الشيعة أن الإنكار كان من بيت الولد المزعوم ومن بني عمه، يدل على ذلك ما جاء في كتب الشيعة "عن إسحاق بن يعقوب [لاحظ الأسماء يهودية.] قال: سألت محمد بن عثمان العمري [الباب الثاني لمهدي الاثني عشرية.] أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان [وما يدريهم أنه خط صاحب الزمان  على فرض وجوده  والخطوط تتشابه، والرجل الذي خرجت على يده "الرقعة" غير معصوم، ومشكوك في أمره لأنه يجر المصلحة لنفسه، وناقل هذا التوقيع عن محمد بن عثمان أحد الأسماء اليهودية.] صلى الله عليه: أما ما سألت عنه أرشدك الله من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف.." [إكمال الدين: ص451، الاحتجاج: 2/283 ط: النجف 1386ه‍، وص 469-470 ط: بيروت 1401ه‍، سفينة البحار: 1/163، مقتبس الأثر: 14/316.].
فيدل هذا على أن إنكار وجود الولد صدر من أهل بيته وعمومته، والدعوى جاءت من الخارج.. فأيهما أقرب للتصديق؛ أيكذب أشراف أهل البيت، ويصدق سمان لا يعرف له شأن في دين ولا علم ولا نسب ولا مقام ولا أصل؟!.
وقد يقال بأن أهل بيته وعمومته يتسترون عليه صيانة له، لكن التوقيع الصادر عن المنتظر المزعوم يدل على أن الإنكار حقيقي لأنه يحكم عليهم بأنهم كابن نوح في الكفر، إذ ليس بين الله وبين أحد قرابة، مع أن مذهبهم قائم على أن قرابة أئمتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي خولتهم تلك المكانة..
كذلك حملتهم على جعفر ووصفه "بالكذاب" ورميه بكل عيب ونقيصة [انظر: مراجع هذه المسألة في ص(903) هامش رقم (1).] يدل على أن الإنكار من أسرة الحسن حقيقي، ولذلك صنع أصحاب هذه الدعوة تلك الروايات التي تهاجم جعفرًا، وأهل بيت المنتظر وبني عمه وتندد بإنكارهم وتفيض بالحقد عليهم. وقد كان لموقفهم أثره في ذلك الوقت، حيث شك جميع الشيعة في هذه الدعوى إلا القليل، كما شهد بذلك شيخهم النعماني وغيره.
وعلاوة على ذلك كله فإن الحسن العسكري نفسه المنسوب له هذا الولد قد نفى ذلك وأنكره حيث أسند وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته، وأوكل لها النظر في أوقافه وصدقاته وأشهد على ذلك وجوه الدولة وشهود القضاء، كما يروي ذلك الكليني في الكافي [أصول الكافي: 1/505.]، وابن بابويه في إكمال الدين [إكمال الدين: ص42.] وغيرهما [انظر: الغيبة للطوسي: ص75.]، ولو كان له ولد هو إمام المسلمين، يحمل تلك الأوصاف الكاملة والخارقة لما وسعه إلا توكيله، فمن هو وكيل ورئيس على الأمة، ومن هو أمان للكون والناس لا يعجزه مع غيبته أن يقوم بأعباء النظر على أوقاف أبيه وصدقاته.. فلمّا لم يفعل دل على أنه لا ولد له أصلاً.
وليس ينال من هذه الشهادة العملية للحسن العسكري قول الطوسي: إن الحسن فعل ذلك قصدًا إلى إخفاء ولادة ابنه وسترًا له عن سلطان الوقت [الغيبة: ص75.]، لأن هذا القول دعوى بلا برهان.
وبهذا يثبت بطلان وجوده، وبطلان ما ترتب على ذلك.
فهذه شهادة أهل السنة، وأكثر فرق الشيعة، ونقابة آل أبي طالب، وأسرة آل أبي طالب وأخيه جعفر، والحسن العسكري، وكل هذه الشهادات والبينات تنفي دعوى الولد، وهي ترد دعوى الأجانب البعداء في نواياهم مم ادعى البابية والمشاهدة. فكيف إذا أضيف إلى ذلك استبعاد بقائه  على فرض وجوده  مئات السنين ولو مدّ الله في عمر أحد من خلقه لحاجة الناس إليه لمد في عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أبو الحسن الرضا، وهو مع طول هذه المدة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقره ومقامه، ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله.
وكل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة استتاره قريبة، ولا يخفى على الكل.
وكيف يغيب المسؤول الأول عن الأمة هذه الغيبة الطويلة؟ أليس هذا كله دليلاً واضحًا جليًا على أن حكاية الغيبة أسطورة من الأساطير التي صنعها المرتزقة والزنادقة والحاقدون؟!.
ويبدو أن هذه المقالة كان الدافع وراءها ماديًا وسياسيًا، فالرغبة في الاستئثار بالأموال، ومحاولة الإطاحة بدولة الخلافة كانا هدفين أساسيين في اختراع هذه الفكرة، والدليل على ذلك أن لغة المال تسود توجيهات الفرق الشيعية، وهي مصدر نزاعهم واختلافهم، كما حفظت نصوص ذلك كتب الاثني عشرية  كما مر -.
كذلك فإن قضية "الإمامة والخلافة" هي حديث هذه الخلايا الشيعية وهم في فلكها يسيرون.. وابتداع فكرة الإمام الخفي يخلصهم من أهل البيت، ويجعل الزعامة في أيديهم.
ولم يتكلفوا شيئًا من عناء التفكير والبحث والتأمل للوصول إلى هذه الغاية، إذ إنهم وجدوا هذه الفكرة في الديانة المجوسية، ذلك أن "المجوس" تدعي أن لهم منتظرًا حيًا باقيًا مهديًا..  كما مر -. 
عدد مرات القراءة:
2363
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :