آخر تحديث للموقع :

الأحد 12 صفر 1443هـ الموافق:19 سبتمبر 2021م 10:09:48 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الحاطبون لشجرة المهدي المنتظر ..

من أكثر الرسائل «الغريبة» التي أتلقاها كل حين على بريدي الإلكتروني، رسالة من شخص غريب غامض، يتحدث بكل لباقة و«شياكة»، وكرم يتجلى من خلال تزويدي بروابط إلى مواقع أخرى. رسائله مرتبة جدا، ومزينة بصورته وهو يرتدي ملابس «كاجوال»، «هذا الحبيب» يعرّف نفسه بأنه «المهدي المنتظر»!

الرجل مقتنع جدا، ويتحدث بكل يقين، ويكتب بكل هدوء وبدون تشنج أو حماسة ملحمية، وكأنه يحدثك عن هطول أمطار على لندن، أو ثلوج على كندا، أي أن عليك أن تستقبل تعريفه كمعلومة معتادة جدا.
لنتحدث بجد أكثر، هناك من يعتقد أن المهدي المنتظر على وشك الخروج، كل كما يرى شكل ومواصفات وأولويات هذا المهدي...فمهدي الشيعة يختلف عن مهدي السنة، وبطبيعة الحال عن مهدي الطوائف الأخرى.
من هؤلاء المتحمسين، ولكنهم ليسوا، والحق يقال، بشياكة صاحبنا «الكاجوال»، مولانا مقتدى الصدر، الذي اشتهر بمواقفه الساخنة، وصورته الشهيرة التي يحملها اتباعه، وهو يشير بسبابته المشدودة وعيناه ترمقان بحدة واتساع، ومكتوب على الصورة بخط يراه الأعمش: «هيهات منا الذلة».
السيد، الشاب، مقتدى الصدر، نقلت الأنباء عنه أثناء زيارته للكويت الأسبوع الماضي قوله: «القوات الأميركية لم تأت إلى العراق من أجل السنة أو الشيعة، وإنما جاءت وفق معتقدات أيديولوجية يمينية غربية، للتصدي لخروج المهدي المنتظر من العراق».
شخص آخر، قريب الصلة ب«سيدنا» الصدر، أعني الصلة الفكرية والذهنية، الرئيس الإيراني المتحمس، أحمدي نجاد. ففي كلمته التي ألقاها في السادس عشر من نوفمبر الماضي أمام حشد ديني في إيران، قال إن المهمة الرئيسية لحكومته تتلخص في «تمهيد الطريق للعودة المجيدة للإمام المهدي». ومما يتناقله بعض الإيرانيين، من باب التندر ربما، أن أحمدي نجاد قام أثناء توليه منصبه كمحافظ لمدينة طهران، بإعادة تخطيط المدينة لكي تليق بعودة الإمام.
طبعا الأمر مع احمدي نجاد، الذي يسعى الآن إلى التسلح بالحراب النووية، لا يصبح باعثا على الابتسام، بل على القلق والوجوم. فالتاريخ يحدثنا أنه يمكن للمؤمنين بأفكار موغلة في غيبيتها، أن يمسكوا بدفة التاريخ، ويصنعوا مساره رغم أنف الواقعية، وأهل الواقعية، بل انهم هم يصيرون أهل الواقعية، ما دام أن الواقع هو ما يتحقق فعليا!
هوس «المهدوية»، والتنبؤ بحلول ملحمية ولا طبيعية تتدخل على مسار التاريخ والسياسة، ليس حكرا على أمثال مقتدى الصدر، الذي يعتقد أن القوات الأمريكية إنما جاءت من اجل الحيلولة دون ظهور المهدي، أو احمدي نجاد الذي يعتقد انه، وبكل سياساته ووجوده أصلا، ليس إلا تمهيدا لظهور المهدي، وان هالة من النور كانت تحيط به أثناء إلقاء خطابه في الأمم المتحدة، وليس حكرا أيضا على المسلمين، ولهذا قصة أخرى..
 وبالعودة إلى حديثنا، فهناك نماذج كثيرة في الحاضر والغابر، بعضها محزن وقاس، وبعضها طريف ويدخل في باب النكات، وقصصهم وجدت طريقها إلى كتب النوادر تحت اسم «نوادر المتنبئين»، خصوصا في عهد الخليفة العباسي «المهدي»، والذي كان هو بدوره أحد مدّعي المهدوية، حسب مخطط والده الخليفة العباسي أبى جعفر المنصور، من اجل إكسابه هذه الصفة الملحمية المسيطرة بسلطان التفويض الإلهي، وصفه بذلك ومنحه هذه الخاصية من أجل قطع الطريق على خصومه من العلويين الذي يرون انهم هم معدن المهدوية.
وتقول الأخبار المروية أن مهدي آخر الزمان منهم. المفارقة أن العباسيين إنما خرجوا في ظل عباءة شرعية العلويين، وثاروا باسم «الرضا من آل محمد»، وهو الشخص الذي كان الناس يتكتلون ضد الأمويين حوله، دون الإفصاح عن اسمه علانية، خوفا من بطش الأمويين وحرصا على السرية. فلما نجحت ثورة العباسيين، نكلوا بالعلويين، أضعاف ما فعل الأمويون، ويكفي ما صنعه المنصور في أبناء عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب، من مجازر.
هي السياسة، قاتلها الله، تتوسل بكل شيء، حتى بالنقي من المعاني، من أجل غايتها، ففكرة المهدي، بصرف النظر عن معناها المباشر أو الحرفي، هي تعبير عن الشوق الإنساني العارم إلى العدالة.
والعبرة من هذا الحديث، أن السياسة لها شروطها، والمواعظ وأخبار آخر الزمان لها مجالها. لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.
والمشكلة أن كثيرا من الساسة يحاول ركوب خيل الشرعيات التي تخلقها بعض الآثار والنصوص الدينية المروية، يستغلونها من اجل حماية شرعيتهم، والقول بأنهم تجسيد حي لإرادة الله، وانهم يتصلون بقوة علوية تجعل قدرتهم غير قابلة للمقاومة، فهي من الله مباشرة، ولذلك فإننا نجد أغلب المتصفين بشيء من هذه الصفات الغيبية في السياسة، هم أهل بطش ودموية أثناء الحكم، بل ربما يشعرون براحة ضمير داخلية لأنهم أمناء على إرادة الله. كما كان الشأن في الماضي مع مؤسس دولة الموحدين «الرهيب»، المهدي بن تومرت، أو غيره.
وفي الوقت المعاصر، ألصق كثير من اللاعبين في ميدان السياسة، سواء من الذين يحكمون أو من الذين يعارضون الذين يحكمون، بنفسهم نوعا من هذه الصفات والسمات الإلهية. ففي السودان، نجد محمد بن أحمد (الشهير بلقب المهدي) الذي ولد في جزيرة "لبب" بالقرب من مدينة دنقلا، 1844، يركب هذا المركب، أو يحمله اتباعه على هذا المركب، تحت حجة أن هناك أحاديث تبشر بخروج المهدي آخر الزمان، وانه يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما. وبصرف النظر عن صحة هذه الآثار من عدمها (للأمانة أغلبية علماء السنة وكل علماء الشيعة يعتقدون صحتها، ربما باستثناء عالم الاجتماع ابن خلدون الذي كان ينكر صحة هذه الأحاديث،من القدماء،ومن المعاصرين الشيخ عبد الله آل محمود مفتي قطر السابق، وقلة قليلة).
لكن، بصرف النظر عن الصحة من عدمها، فإن «تعيين» الأخبار الغيبية بشخص محدد يعد ضربا من التخرص، ويقود إلى كوارث بشرية ومآس إنسانية، كما حصل مع حركة جهيمان العتيبي 1979 التي احتلت الحرم المكي 15 يوما، ووقعت مصادمات حصدت عشرات القتلى، ثم أعدم هو وعدد من مجموعته، وكان من ذرائع هذه المجموعة للقيام بهذا العمل، هو أن المهدي المنتظر الذي بشر به، موجود معهم، وتحدثوا عن الرؤى والمنامات التي رؤيت في صاحبهم، إضافة لعشرات الأحاديث التي كان خطيب المجموعة يتلوها من أمام الكعبة ومن ميكروفون الحرم!
في هذا الصدد، ومن غرائب الأشياء التي وقعت في العلاقة ما بين الغيب السياسي، أو المسيس، والواقع السياسي، وما أكثره، يحدثنا التاريخ القريب في الجزيرة العربية، أن أحد الأمراء من أسرة آل رشيد، وهو أمير اتصف بالحزم والدهاء وطالت مدة حكمه، وهو الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد ،(توفي بحدود 1897)، قد بلغ من اعتقاد البعض به أن جعلوه هو «القحطاني» الذي ورد في بعض الأخبار أنه لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه.
 المهم أن هذا الأمر عرض على أحد العلماء والفقهاء، وهو الشيخ سعد بن عتيق، فنفى ذلك في حينه، وقال: «وقع البحث الذي في الصحيحين، عن حديث أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»، فصرح بعض الحاضرين بأن القحطانيّ المذكور في هذا الحديث هو محمد بن رشيد، الذي خرج في أواخر المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة، وعظمت شوكته وانتشرت دولته في أوائل المائة الرابعة (...) فسألني بعض الخواص هل يسوغ القول بما قاله القائل؟ وهل ينبغي الجزم به أم لا؟»، فكان مما جاء في جوابه: «اعلم أن قول القائل إنّ القحطانيّ المذكور في الحديث ، هو الرجل الذي وصفناه، لا شك أنه تعيين لمراد المعصوم  صلى الله عليه وسلم». ثم قال: «وأمَّا الجزم بالتعيين (...) فلا يخفى بعده عن المُعلِم المفيد عند أهل المعرفة».
وأغرب من هذا، وفي الضفة السنية من هذه الحكاية الملحمية، أنني وجدت من يتحدث عن أن «غزوات» بن لادن، أي جرائمه وتفجيراته في مشارق الأرض ومغاربها، ليست إلا تمهيدا لظهور المهدي المنتظر!
نحن إذن أمام فوضى عارمة، اختلطت فيها سيول السياسة الملوثة، بطين الطمع ووحول الجشع، بمياه الدين الزلال، الذي يجب أن يكون للناس، كل الناس، وليس لأنصار هذا المهدي المزعوم ، أو أعداء ذلك المهدي الآخر.
ترى هل نستطيع منع هذه القصة المحزنة بلوغ نهايتها، ونمنع معها بالذات، احمدي نجاد من أن يبايع المهدي على ظهر صاروخ نووي... شيء محيّر فعلا.
_________________________________
المصدر: الشرق الأوسط 24/1/2006
عدد مرات القراءة:
1668
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :