آخر تحديث للموقع :

الجمعة 21 محرم 1441هـ الموافق:20 سبتمبر 2019م 10:09:35 بتوقيت مكة
   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

التشيع والوسطية الإسلامية ..
د. محمد عمارة من الاعتزال إلى السلفية ومن المعارضة إلى التطبيع
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد:
فقد طالعتنا مجلة "الوطن العربي " في عددها المرقم 1028، الصادر في 5 1/ 1 1/ 96 9 1 ص 22 - 23، بحوار تحت عنوان: رأي (الوسطية الإسلامية) في الفكر الشيعي، للدكتور محمد عمارة؟ الذي - ولأول وهلة - يحسب القارئ له أنه يحمل في طياته فكرا جديدا من شأنه المساعدة في تحقيق مفهوم الوحدة الإسلامية التي يرمي إليها العالم الإسلامي المعاصر. ولكن للأسف! وجدنا الدكتور المذكور يحول الوسطية الإسلامية المدعاة من قبله إلى انتقادات لاذعة، وتصورات لا أساس لها في الواقع سوى أنها جاءت كالسهام تطال جسد الأمة الإسلامية التي كانت ولا تزال تعاني من التشرذم.
وإذا به بدلا من السعي لترميم واقعها تراه يصف الشيعة بالغلولفكرة أوعقيدة اعتقدوا بها وأسسوا لها أبحاثا قد لا يكون الدكتور تفحص في محتوياتها، أوتفحص فيها بلا عمق ودقة، جاعلا الوسطية عنوانا لطريقة اختارها في ذم الشيعة والقدح في اجتهاداتهم. . .
ولا نظن أن توحيد الصف و(صيانة، الوحدة وتماسك، النسيج) يمر عبر نعت الشيعة بأنهم (يخلخلون وحدة، المذهب ويصنعون، القلق، الطائفي) تحت حجة أن الشيعة لم يلتزموا الوسطية.
ثم نراه يتعرض لطرح الإشكاليات والانتقادات المردودة، مع ما للشيعة من أقلام تدافع عن الوحدة الإسلامية إلا أنها لا تقبل بتاتا المس بمقدساتها والطعن في اجتهاداتها بلا مبررات موضوعية لها، وليس ذلك سوئ جهلا أوتجاهلا للحقيقة.
وإننا أمام تلك الشبهات المطروحة نجد أنفسنا مضطرين للدفاع عن تلك المعتقدات، منتقدين وجهة النظر التي صبت الشيعة في خانة المتطرفين والمزعزعين لوحدة الصف التي ينظر من خلالها أمثال الدكتور إلى التشيع نظرة سلبية ومحدودة، ولكن هذه المرة تحت. عناوين بزاقة:
كالوسطية والوحدة وغيرهما. . .
والحق أن الحوار لا يخلومن التناقضات الواضحة إذ إنه تارة يطالعنا بقوله: (علينا أن نحاور بالفكر) وأخرى يقول لنا:
(من حق، التشيع أن يحتفظ بفكره) و(تعصب، الثسيعة لأئمتهم جعلهم يشقون صف الأمة). .
إلى آخره من الاتهامات المدفوعة والحجج الموهومة التي لا واقع لها، خصوصا لمن استقرأ التشيع وعرفه حقا.
وأمام هذه الهجمة الشرسة على الشيعة، التي لا تخدم سوئ أعداء الإسلام، نتناول بعضا مما ذكره الدكتور، مفندين تلك الادعاءات، ومستهلين البحث بما استهل به حديثه فنقول، وبالله نستعين - كما قال هو-:
(عندما نتحدث عن قضية الفكر، الشيعي يحسن أن نضبط هذه القضية سواء في واقعها التاريخي أوفي واقعها المعاصر).
والحق أن المتحدث لم يستطع ضبط حقيقة هذه القضية كما ادعى من جهة، ولا أنه احسن في ضبط رأيه تجاهها من جهة أخرى. .
وليس كلامنا -عزيزي القارئ - جناية عليه، وانما من دقق وتمعن قي محتوى ما ذكره الدكتور في مستهل حديثه، وقارنه بما استأنف به كلامه حول القضايا المختلفة، يستنتج - بلا شك أوريب - ما استنتجناه.
وللوقوف على تلك الحقيقة يحسن استعراض بعضها إجمالا ليتبين لك الحق من الباطل:
أولا: تناقض في الحوار:! ن في كلام الدكتور تناقضا واضحا، إذ إنه في بداية الحوار ذكر (إن فرقا من الغلاة الثسيعة وهؤلاء اغلبهم قد انقرض. . .).
وقال: (أن التيار الشيعي الذي وقف بين بين، أي ليس غلوا وليس زيديا في اقترابه من الفكر السني يمثل الان اغلب الشيعة المعاصرين). ثم ينعطف فيقول: (لكن المصريين تعاطفوا. . . دون أن يتحول هذا التعاطف إلى الغلوالذي يجعلهم معصومين أوالذي يجعلهم يحتكرون الإمامة والخلافة والسلطة دون الأمة).
ولا شك - عزيزي القارئ - أن هذا هوالتهافت نعينه، إذ كيف يدعي تارة أن الشيعة المعاصرين ليسوا غلاة ويعود فيتهمهم بالغلولتمسكهم بالعصمة وإمامة الأئمة (ع)، مع العلم أن هذا هومذهب أغلب المعاصرين من الشيعة إذا صح التعبير.
ثانيا: غياب المصطلح: لعله غاب عن ذهن الدكتور معنى الغلو، المصطلح عليه في علم الكلام وفي الملل والنحل، حتى راح ينسبه للشيعة دون أدنى تعمق منه بعقائدهم، معتقدا بأن العصمة للأئمة غلوا، وهذا باطل كما سيتبين.
ثالثا: زور وبهتان: لا يخفى أن عد الغلاة من الشيعة زور وبهتان وان قالوا -أي الغلاة - بألوهية الأئمة (ع)، إذ كيف يصح نسبة تلك الفرق إلى الشيعة وهم ليسوا بمسلمين؟! وهل يؤخذ البريء بجرم المعتدي؟!
ناهيك عن الموقف الواضح لأئمتنا من الغلاة إذ إنهم لعنوهم وطردوهم وحذروا شيعتهم منهم، فكانوا يقولون: " لعنهم الله (الغلاة) إنا لا نخلومن كذاب يكذب علينا، أوعاجز الرأي، كفانا الله مؤنة كل كذاب، وأذاقهم الله حر الحديد".
كما أخرج الكشي عن أبي بصير، قال: قال لي أبوعبد الله: يا أبا محمد! أبرأ ممن يزعم أنا أرباب. قلت: " برئ الله منه " فقال: أبرأ ممن يدعي أنا أنبياء.
قلت: " برئ الله منه " (1).
هذا، ولدينا أدلة على أن هذه الفرق بمعظمها -إن لم نقل كلها - من افتعال السلطات الجائرة وأعداء أهل البيت (ع).
رابعا: قلة إحاطة بعقائد الفرق: قال: (لان الزيديين لا يكادون يختلفون عن الفكر السني، وهم في، الأصول قريبون من المعتزلة. . .).
والصحيح أن الزيدية في الأصول هم أقرب إلى الاثني عشرية من أهل السنة وان اختلفوا في التفصيل والتفريع. وللتحقيق نذكر ما يلي:
أ - مفارقة واضحة: إن ما صنفه الدكتور احتكارا للسلطة وغلوا في الشيعة -كما مر بك - يعتقد به الزيدية، وليس عليك إلا مراجعة كتبهم الدالة على ذلك ومنها العقد الثمين في معرفة رب العالمين تأليف: الأمير الحسين بن بدر الدين محمد (582 - 662 و) في فصل "الإمامة بعد الحسنين) قال: (فإن قيل: لمن الإمامة بعدهما؟ فقل: هي محصورة في السبطين ومحظورة على ما عدا السبطين. . . وقد انعقد إجماع المسلمين على جوازها في أولاد فاطمة (ع) ولا دليل على جوازها في غيرهم، فيبقى من عداهم لا يصلح)
ب - عقائد الزيدية: قال: (الزيديه شيعة لكنهم لم يجعلوا الإمامة أصلا من أصول الاعتقاد. .). والواقع أن هذا ليس صحيحا، لأن من راجع كتبهم ومصادرهم يتبين له الحق كما في المصدر المذكور سابقا،.حيث عقد المؤلف لها بحثا منفردا في فصول متعددة جاعلا منها أصلا من الأصول الخمسة التي تقول بها الإمامية، مبتدئا بقوله: (فإن قيل: من أول الأئمة بعد رسول الله (ص) وأولى الأمة بالخلافة بعده بلا فصل؟ فقل: ذلك أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب.
فإن قيل: هذه دعوى، فما برهانك؟ فقل: الكتاب، والسنة، واجماع العترة).
وفي كتاب الأحكام للإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم (245 - 298هـ) قال: (فإذا فهم ذلك، ولاية أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه واجبة على جميع المسلمين فرض من الله رب العالمين، ولا ينجوأحد من عذاب الرحمن، ولا يتم اسم الإيمان حتى يعتقد بذلك بأيقن الإيقان، لأن الله سبحانه يقول: (إنما وليكم .. ) (2). كما بمكن للدكتور عمارة مراجعة كتاب الأساس لعقائد الأكياس في معرفة رب العالمين، عدله في المخلوقين للإمام المنصور بالله القاسم بن يحيى بن علي الزيدي (ت 1029 هـ)، منشورات دار التراث الإسلامي صعدة اليمن، 1994، ص 150 - 151.
*** القضايا التي يختلف فيها الشيعة عن السنة ***
ابتداء نتعرض لقضية ادعى الدكتور فيها أن (الفتوى التي صدرت من المرحوم الإمام الأكبر السيخ شلتوت عن أن المذهب الشيعي مذهب إسلامي. . كانت خاصة بالمذهب الجعفري، وليست خاصة بنظرية الإمامة عند ا لشيعة، ولكن بعض الناس خلطوا هذين الأمرين. . .).
والمفهوم من كلامه أمران:
الأول: أن الإقرار بأن المذهب الشيعي مذهب إسلامي لا يتعدى الجانب الفقهي، وبمعنى آخر أن الفتوى لا تبيح الجانب الاعتقادي للشيعة، وأن نظرية الإمامة ليست مذهبا إسلاميا يتعبد به. والحاصل عند الدكتور - اعتمادا على رأيه الذي سنوافيك به - تكفير الشيعة بلا محالة بحسب الأصول الفقهية، لأن الإمامة تصبح بنظره بدعة وغلوا، لأنه إدخال في الدين ما ليس منه وان صرح خلافه.
الثاني: أنه يرى إمكانية الفصل بين (الفقه) و(العقيدة) فيما لوأريد الاتباع ونجيب على حاصل المفهوم فنقول:
أولا: إن هذا يتنافى مع قناعته التي تفضل بها عندما قال: (أنا لا أميل استخدام أساليب التكفير في داخل الأمة الإسلامية) وصرح بما يفيد أن الشيعة جزء من الأمة الإسلامية.
ثانيا: لا أدري من أين له أن يفصل في المذاهب بين " الفقه " و" العقيدة " وكأنه نسي حينها بأن الأول نعني به " الفروع " والثانية نعني بها " الأصول "، وإنما الفروع تابعة للأصول.
ويشهد بهذا ما حكم به هو- حسب اعتقاده - من القول بتكفير الشيعة لأهل السنة - وان لم يصرحوا - إذ لا بد من إجراء أحكام الكفر على منكر الإمامة فقها كما قال، مثيل من أنكر التوحيد أوالنبوة أوالمعاد، وهذا يعني في الحقيقة عدم إمكانية فصل " الأصول " عن " الفروع " في المذاهب، لأن كثيرا من أحكام الأخيرة تتوقف على الاعتقاد بالأولى كما بينا.
هذا كله فيما لوصح كلام الدكتور بأن فتوى الشيخ شلتوت إنما كانت خاصة بالمذهب الجعفري، وليست خاصة بنظرية الإمامة، ومن عاد إلى الوراء قليلا - وبالتحديد إلى زمن صدور الفتوى في 7/ 7/ 1959 - لعرف الحقيقة الدامغة التي تدحض كل ما جاء به الدكتور، من تلبيسات وأوهام بشأنها. . . وللتوضيح أنقل - مقتطفا - بعضا مما جاء فيها باختصار، قال شيخ الأزهر السابق:
" أولا:. . . ولا عبرة بما يكتب في بعض الكتب عن انحصار المذاهب التي يجوز تقليدها في الأربعة المشهورة، ولا بما يقال من أن: من قلد مذهبا ليس له أن ينتقل منه إلى غيره. وفي ذلك يقول الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب، ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلد له في ما قال، كأنه نبي مرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من ذوي الألباب.
ثانيا:. . . ثالثا: إن هناك فرقا تنتسب إلى علي، وهم شيعته المهتدون، ومن هؤلاء الشيعة الصالحين الطائفة المعروفة بـ " الجعفرية " أوبـ " الامامية الاثني عشرية ".
رابعا: لهذه الطائفة المعروفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله المروية عن أئمتهم في العقيدة والشريعة. وليس الخلاف بينهم وبين مذاهب السنة، أعظم من الخلاف بين مذاهب السنة بعضها مع البعض، فهم يدينون بأصول الدين، كما وردت في القران الكريم والسنة المتواترة، كما يؤمنون بكل ما يجب ا إيمان به ويبطل الإسلام بالخروج عنه من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة. . .
خامسا:. . . ". انتهى.
والمنصف الذي يطالع الفتوى، يعلم بأن الشيخ شلتوت إنما قدم هذه النقاط الخمس حتى يتضح جليا مراده، وهذا ما صرح به هوبعد تلك النقاط، قائلا في نفس نص الفتوى: ومن هذا البيان يتضح جليا، فذيل الفتوى - على مقتضى الاستفتاء - بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية "الاثني عشرية" بلا فرق بين العبادات والمعاملات، مدركا بأن التعبد بالمذهب فقها إنما يتوقف على بيان صحة أصول الدين التي يعتقدون بها، وهوما ثبته في المقدمة المذكورة آنفا، فلا مجال لدعوى الفصل بين المذهب الشيعي كـ " فقه " وبين المذهب الشيعي كـ " أصول للدين " حسب رأي شيخ الأزهر.
((ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)) (3).
قضية آل البيت:
قال: (وأنا أقول أن هذه ليست قضية خاصة بالشيعة، لأن كل السنة يحبون آل البيت، وأئمة آل البيت هم من أئمة المسلمين الذين يتعاطف معهم المسلمون .. . لكن المصريين تعاطفوا، معهم لأنهم أضطهدوا، لكن دون أن يتحول هذا التعاطف إلى الغلوالذي يجعلهم معصومين، أوالذي يجعلهم يحتكرون الإمامة والخلافة والسلطة دون الأمة).
والكلام عن تلك المقالة يقع في نقطتين:
الأولى: في السلوك العملي المخالف:
دعنا من الذي تميز به الشعب المصري عن غيره من حب لأهل البيت (ع)، إلا أن القول بأن كل السنة يحبون أهل البيت (ع) فيه نظر، لأن هذا أمر لم تترجمه السيرة العملية، ولا شهده شيعة أهل البيت (ع) في السلوك العملي لكثير من اتباع مذاهب أهل السنة.
وهذا نجده جليا في تدوين الصحاح والمسانيد للحديث إذ إن بعضهم أعرض عن الرواية لأئمة أهل البيت (ع)، والبعض الآخر تعرض لما يوافق مذهبه لا غبر، فالبخاري مثلا أعرض عن أحاديث الإمام جعفر الصادق (ع)، وأخرج منها لمن يكن العداء والحقد للإمام علي (ع)
كعمران بن حطان الذي مدح قاتل الإمام (ع) عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله بقوله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا.
والحال أن الإمام الصادق (ع) عرف بسعة علمه وكثرة الذين نهلوا من يديه العلم الوفير حتى بلغوا أربعة آلاف، ومنهم بعض أئمة المذاهب، أمثال أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس.
فقد اشتهر عن الأول قوله: " لولا السنتان لهلك النعمان " وكان يعني السنتين اللتين تتلمذ فيهما على يدي الإمام الصادق (ع). واشتهر عن الثاني قوله: " ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد". ويقول عنه الجاحظ: " جعفر بن محمد، الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال: إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب " (4).
وذكره ابن خلكان في وفياته قائلا: " كان من سادات آل البيت، ولقب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر" (5). والعجب أن البخاري، وهوممن عاصره، لم يدرك فضله وقد أدركه أئمة المذاهب. . . وهكذا الحال في المسانيد والصحاح التي نقلت من الرواية والحديث عن الإمام علي (ع) ما لا يتجاوز الـ 500 حديث بينما نقلت عن أبي هريرة 6 آلاف حديث والأخير لم يمض سوى سنتين وأشهر مع الرسول (ص).
أما الإمام علي (ع) فقد ربي في حجر الرسول (ص) ولم يتجاوز عمره بضع سنوات. وسيرة الخلفاء والحكام لأكبر شاهد على الممارسات الظالمة بحق أهل البيت (ع) وأتباعهم، من القتل والتشريد والسب، لمجرد أن ذنبهم الوحيد هواتباع علي بن أبي طالب (ع) وأولاده لا غير.
والدكتور نفسه قد أيقن بمظلوميتهم عبر التاريخ، ولذا فسر حب المصريين لهم بسبب الاضطهاد. . . وهذا الوضع من السلوك وان تغير قليلا في الوقت الحاضر، إلا أنه لا يزال يمارس في مختلف الدول، حيث إن بعضها جرد الشيعة من حقوقهم المدنية - كما في ماليزيا - والبعض الآخر جعل يكيل التهم إليهم فيعتقل الواحد تلوالآخر خوفا على الحكم من التشيع والفكر الشيعي الذي لا يقبل المساومة على الحقوق المسلوبة.
الثانية: في الحب المزدوج: قبل كل شيء لا بد من الإشارة إلى أننا نكن خالص الاحترام والحب للشعب المصري، خصوصا لتميزه عن الشعوب الأخرى بحب أهل البيت (ع). . . . ولكن، أليس من واجب الدكتور - ومن باب الأمانة العلمية - تعريف الآخرين بالمضطهِد حتى لا يختلط الأمر عليهم فيحب الواحد منهم المضطهَد والمضطهِد معا؟!
وهل يعقل هذا النوع من الحب المزدوج؟!
قضية الإمامة: لقد كانت الإمامة - كما قال بأنها - (تمثل نقطة الخلاف الوحيدة بين السنة والشيعة)، ارتأينا أن نوضح للدكتور بعض الحقائق التي عزف عن ذكرها، متناولين في القضية نقاطا عديدة:
النقطة الأولى: في النص: قال: (إذن القضية أنهم جعلوا الإمامة بالتعيين، وقالوا بروايات انفردوا، بها: أن الإمام والوصي بعد رسول (ص) هوالإمام علي).
أقول: نعم، فالشيعة قائلون بالنص في مقابل غيرهم ائذين اضطربوا تارة فقالوا بالنص على أبي بكر، وتذبذبوا أخرى فادعوا الإجماع عليه، وثالثة جعلوا الشورى هي الأساس في الإمامة والخلافة بعد النبي (ص). ومن المناسب في المقام التعرض إلى أمور، منها:
أ - تعريف الإمامة في كتب الفريقين: يقول السعد التفتازاني في تعريفها أن: " الإمامة رئاسة عامة في أمر الدين خلافة عن النبي (ص) " (6).
وأما العلامة الحلي فيقول: " الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص نيابة عن النبي (ص) " (7).
ومن الواضح أن الفريقين من حيث المبدأ اتفقوا على تعريف الإمامة من حيث المفهوم، ولكنهم اختلفوا في من له الإمامة بعد الرسول (ص) من جهة، وأنها هل هي منصب عادي أم أنها منصب رباني من جهة أخرى (8).
ب - الخلافة عند أهل السنة: قال: (أهل السنة يعتبرون أن الإمامة بمعنى الخلافة جزء من الشورى، وأنها جزء من سلطة الأمة، وان الإمامة بـ (البيعة) و(الاختيار) و(الشورى)، بينما الشيعة يعتبرون الإمامة بـ (النص) و(التعيين من السماء) لهؤلاء الأئمة، وأن الأمة لا شأن لها في اختيار الامام، والشورى لا دخل لها في اختيار الامام، والبيعة لا دخل لها في اختيار الإمام).
وقال أيضا: (الميادين الحقيقية للاجتهاد يتميز بها الفكر السني كفكر عقلاني في النظر إلى الأمور والى الشورى والى سلطان الأمة، أين هوالتمييز بين مذهبين؟! أحدهما يقول: إن الأمة لا شأن لها بالدولة والسياسة والإمامة، ومذهب يقول: إن الأمة هي المعصومة (لا تجتمع أمتي على ضلال)، وفيه العصمة للأمة .. والشورى للأمة .. والسلطان للأمة).
والحق أن المتتبع لما قيل عن الخلافة في كتب أهل السنة يستخلص - كما أشرنا - أن القول بصحتها لأبي بكر يرجع إلى ثلاثة آراء:
الأول: في النص عليه:
وهذا لم يذكره الدكتور نفسه لوضوح أنهم لا يقولون بالنص، إذ لا محصل له ولا دليل عليه سوى ما ادعاه بعض أهل السنة أمثال البكرية، وهوقول شاذ لم يلتزم به أحد من أكابرهم لضعف الأدلة عليه، ولم يصل إلينا أن أبا بكر احتج على أحد بالنص عليه من قبل النبي، وإلا لما حصل في سقيفة بني ساعدة ما حصل!!
الثاني: في الإجماع عليه:
ودليلهم ما روي عن النبي (ص): (لا تجتمع أمتي على ضلال) أو: (على خطأ) كما في بعض النصوص، ونحن لوسلمنا بها وبصدورها منه (ص) إلا أنها لا تنفع في مقام الاستدلال على خلافته، لأنها خارجة تخصصا، إذ كيف يدعى إجماع الأمة على صحة خلافة أبي بكر وفيها من الصحابة الكبار الذين كانوا يعارضونها، أبرزهم الإمام على (ع) والعباس بن عبد المطلب والفضل ابن عباس وخالد بن سعيد والمقداد بن الأسود الكندي وسلمان الفارسي وأبوذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب، وغيرهم، خصوصا من بني هاشم. وهذا اليعقوبي يصرح في تخلف علي (ع) وبعض الصحابة عن بيعة أبي بكر. وذاك البلاذري في أنسابه (9) وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (10) ينقلان أن أبا بكر بعث عمر إلى علي (ع) حين رفض البيعة له. وقال: (ائتني به بأعنف العنف) فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال (ع): (احلب حلبا لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا غدا) ..
ويبقى أن نسأل أين هوهذا الإجماع للأمة؟!
الثالث: في الشورى:
في الواقع يتساءل الإنسان عن تلك الشورى التي كانت محور الخلافة عند أهل السنة، حتى جعل الدكتور يميز بين المذهبين معتبرا أن الشيعة عندما يقولون بالعصمة للأئمة بالنص عليهم يسلبون الأمة حقها. . وهذا في الحقيقة جهل من الدكتور لحقيقة التشيع، وسنوافيه بالحق عند البحث في العصمة، إلا أن القول بأن الشورى هي التي تعصم الأمة من الخطأ، وأن الخلافة هي جزء من الشورى يستلزم بطلان خلافة الأول والثاني!
وتوضيح ذلك في ما يلي:
1 - الشورى والسقيفة: إن من سبر أغوار السيرة وتتبع مجرى الأحداث في سقيفة بني ساعدة، يتضح له أن ما جرى لم يكن في الحقيقة شورى، وانما نزاع ومشاحنة حادة على السلطة.
وأين هي تلك الشورى التي ليست لها ضوابط محددة، حتى وصلت إلى حد السباب والهم بالقتل؟ وحتى لا نكون من أصحاب الشعارات البراقة. . لا بأس بالعودة إلى الوراء قليلا والقاء نظرة سريعة من نافذة سقيفة بني ساعدة، حتى يعلم الخبر كما في كتب أهل السنة.
نقل الطبري في تاريخه أن الحباب بن منذر، الصحابي البدري، عندما ارتفعت الأصوات رد على عمر قائلا: " يا معشر الأنصار! أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم الأمور. .
فقال عمر: إذا بقتلك الله!
قال الحباب: بل إياك يقتل! " (11).
وهذا الطبري من نفس الجزء، وأحمد في مسنده ينقلان قول بعضهم: "اقتلوا سعدا قتله الله، إنه منافق أوصاحب فتنة " وقد قام عمر على رأسه ويقول: " لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك أوتندر عيونك " (12).
وقد نقل الطبري أيضا وفي نفس المصدر، وكذا في السيرة الحلبية أن قيس بن ساعدة أخذ بلحية عمر، فقال له الأخير: " والله لوحصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة! أو: لخفضت منه شعرة ما رجعت وفي فيك جارحة" (13). .
وقد ذكر الطبري في المصدر السابق عن أحدهم قوله: "إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ". وهذا ابن هشام في السيرة النبوية ينقل؟ عن عمر قوله: " كثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف " (14). . .
وهل مثل هذا الاجتماع وبهده الكيفية يسمى شورى؟!!
وهل إن مثل هذه البيعة هي التي ترتضيها الأمة؟!
الجواب هوما تلفظ به عمر نفسه عندما قال: " كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله المسلمين شرها ". وبلفظ آخر: " كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له " (15)
2 - الشورى وخلافة الثاني:
لوصح ما قاله الدكتور بأن الشورى هي المقوم للخلافة، فأين هي وأين هوسلطان الأمة في خلافة الثاني؟!
لأنك لوألقيت نظرة سريعة في صفحات التاريخ لعلمت أنها - أي خلافة عمر - لم تكن سوى استخلافا، يقول ابن قتيبة: " دعا أبوبكر عثمان فقال: أكتب عهدي. فكتب عثمان وأملى عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبوبكر بن أبي قحافة آخر عهده بالدنيا نازحا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، إني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب. . . " (16)
وزاد ابن الأثير في الكامل في التاريخ أن أبا بكر غشي عليه فأكمل عثمان وكتب فيه استخلاف عمر فأفاق أبوبكر وقال: "اقرأ علي. فقرأ عليه، فكبر أبوبكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت غشيتي " (17).
ومن الثابت أيضا قول عمر كما نقل الطبري، وفي تاريخ الخلفاء: " لوكان أبوعبيدة بن الجراح حيا استخلفته، ولوكان سالم مولن أبي حذيفة حيا استخلفته " (18).
3 - الشورى في الميزان:
ولنا الحق أن نقول: ترى هل أدرك أبوبكر أن الاستخلاف هوأفضل السبل لإبعاد الأمة عن الفتنة، وأن الرسول (ص) لم يدرك هذا السبيل؟!
نقول أيضا: أترى أن عمر أدرك بنفسه أهمية أن يعين هوأسماء الذين سيشكلون الشورى من بعده، والنبي (ص) قد خفي عليه هذا ا لأمر؟!
وكيف يعقل أن يبين الرسول (ص) صغائر الأمور وأحكامها حتى التخلي وينسى أن يبين للناس أحكام تلك الشورى المزعومة ووظائفها، التي إليها يرجع مصير الأمة، فلا يعين أفرادها ولا يبين أحكامها؟! كلها أسئلة ليس لها من جواب! غير أن الشورى لم تكن مفهوما مرتكزا بين الصحابة حتى عند أبي بكر وعمر، ولا كانت أساسا تبني عليه الأمة صلاحها.
والذي يثبت - حقا - أن الشورى ليست هي الجزء المقوم للخلافة، وما ادعي من دلالة بعض الآيات عليها ليس واضحا، وهوخارج عن البحث بالإضافة إلى أنها منقدحة بترك الخلفاء لها، ومجملة لم يبين رسول الله (ص) أحكامها لوصح الاستدلال بها. . .
فيبقى أن نعود إلى النص لنرى مدى صحة ما اعتقد به الشيعة في النص على علي (ع).
ج -أدلة الشيعة على إمامة علي (ع): قال: (قالوا بروايات انفردوا بها. . .).
لا أدري كيف توصل الدكتور إلى هذه النتيجة؟! مع العلم بأن كتب الشيعة تزخر بالإثباتات والأدلة التي ذكرت في كتب الفريقين، وقد حققت في محلها، إلا أننا تفنيدا لما ادعي نبحث في بعضها اختصارا، معتمدين على شواهد من القران والسنة يؤيدها حكم العقل، مع ذكر أهم المصادر لأهل السنة.
1 - فاتحة الكلام:
وهي في مقدمة عقلية مفادها أن الإمامة " كالنبوة، لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه، من هداية البشر، وارشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شؤونهم ومصالحهم واقامة العدل بينهم ورفع الظلم والعدوان من بينهم. وعلى هذا، فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هونفسه يوجب أيضا نصب الإمام بعد الرسول، فلذلك نقول: إن الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي أوعلى لسان الإمام الذي قبله " (19).
إذن فالقضية هي أن الإمامة مقتضى لطف الله عز وجل بعباده، وكماله المطلق، حتى يعرف الناس طريق سعادتهم وصلاحهم.
2 - من أدلة الشيعة في القرآن:
نكتفي منها بآية الولاية، وهي قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (20) وهي آية مباركة نزلت في حق علي (ع) وروايات الخاصة والعامة متظافرة على نزولها في حقه (ع) وقد نقل العلامة الأميني في الغدير (21) 66 مصدرا من مصادر أهل السنة، نذكر منها: ذخائر العقبى - لمحب الدين الطبري -: 102، وتفسير ابن كثير 2/ 4 1، والنسائي في صحيحه، وابن جرير الطبري في تفسيره 89/ 6 2، والحافظ الطبراني في معجمه الأوسط، والزمخشري في الكشاف 1/ 347، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 275/ 3، والقاضي البيضاوي في تفسيره 1/ 5 34، والسيوطي في الدر المنثور 2/ 93 2. . . ولفظ الحديث، أنه روي: " عن أنس بن مالك أن سائلا أتى المسجد وهويقول: من يقرض الملي الوفي، وعلي (ع) راكع يقول بيده خلفه للسائل أي: اخلع الخاتم من يدي.
قال رسول الله: يا عمر! وجبت. قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما وجبت؟!
قال: وجبت له الجنة، وما خلعه من يده حتى خلعه الله من كل ذنب ومن كل خطيئة.
قال: فما خرج أحد من المسجد حتى نزل جبرائيل بقوله عز وجل: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فأنشأ حسان بن ثابت يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين ضائعا؟! وما المدح في ذات الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيد ويا خير شار ثم يا خير بائع
فأنزل الله فيك خير ولاية وبينها في محكمات الشرائع
ولفظ " الولي " في الآية دال على الإمامة لمن أنصف وترك التعصب، وتفسيرها بالمحب والناصر خلط للمتعلق بالمفهوم، على أنه أول ما يتبادر للذهن معنى" الولي " بمعنى المتصرف، ولذا لا يشك أحد في أن قوله (ص) كما في مسند أحمد: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " على أن المراد منه التصرف لا الحب والنصرة. .
والحاصل أن الروايات التي فسرت الآية لم ننفرد بها، وهوالقدر المتيقن في المقام، فلا يصح ما قاله الدكتور من أننا انفردنا بالروايات الدالة على إمامة علي (ع)، وسنشير إلى آيات أخرى
من هذا القبيل عند البحث في العصمة.
3 - من السنة النبوية:
وهي كثيرة جدا، وانما نكتفي بما يناسب البحث:
* حديث الدار في يوم الإنذار: وهومن الأحاديث التي لا شك في صحتها، وقد ذكرته كتب الفريقين في الصحاح وغيرها. . . منها: ما أخرجه أبوإسحاق الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان عن البراء بن عازب قال: " لما نزلت هذه الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا. .. ثم أنذرهم رسول الله فقال: يابني عبد المطلب! إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير، فأسلموا، وأطيعوني تهتدوا. ثم قال: من يؤاخيني ويؤازرني، ويكون وليي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي، يقضي ديني؟! فسكت القوم، فأعادها ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي (ع) أنا. فقال في المرة الثالثة: أنت. فقام وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أمر عليك!
هذا، وقد أخرج الحديث بطرق متعددة وفي صور مختلفة، منها ما ذكره أحمد بن حنبل في مسنده 1/ 111، وتاريخ الطبري 2/ 62، والكامل في التاريخ 2/ 40، والنسائي في الخصائص: 18، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3/ 200، والسيوطي في جمع الجوامع 6/ 408، والحلبي في سيرته 1/ 304. وفي الحديث دلالة واضحة على الوصاية والخلافة من بعده وإن عز على بعضهم الإقرار بها! كما فعل الطبري في تفسيره 74/ 19 عند قوله (ص): " أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ "مستبدلا" الكلمتين الأخيرتين بـ " كذا وكذا"!!.
وهكذا فعل ابن كثير في تفسيره أيضا 351/ 3!! ولا أعتقد أن لهذا مبررا سوى إنه تحريف للكلم عن مواضعه.
* حديث المنزلة: وهوحديث متواتر متفق على صدوره من النبي (ص)، وقد رواه جمع المحدثين بما فيهم أصحاب الصحاح، كالبخاري في صحيحه 5/ 24، ومسلم في صحيحه 6/ 120 - 121، والترمذي في جامع الصحيحين 13/ 175، والنسائي في الخصائص: 14، وابن كثير في البداية والنهاية 7/ 0 34، وابن الأثير في أسد الغابة 6/ 4 2، وأحمد بن حنبل في المسند 2/ 74. ونص الحديث - كما في البخاري - أنه لما أراد الرسول الخروج إلى غزوة تبوك خرج الناس معه، فقال علي: " أخرج معك؟ ". فقال (ص): " لا ". فبكى علي، فقال له رسول الله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي ".
حديث الغدير: كأن الدكتور قد غاب عن ذهنه أن عمدة الأدلة عند الشيعة الدالة على النص هوحديث الغدير، الذي نص على ولاية أمير المؤمنين (ع)، وقد تحقق عند الجميع بأنه قد روي، وثبت عند الفريقين. وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق 2/ 45، قال: " أخبرنا. . . عن حذيفة بن أسيد، قال: لما قفل رسول الله (ص) عن حجة الوداع نهى الصحابة عن شجرات البطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهن، ثم بعث (22) إليهن فصلى تحتهن. ثم قام فقال: أيها الناس!
قد نبأني اللطيف الخبير، أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي يليه من قبله، واني لأظن أنه يوشك أن أدعى فأجيب. . . ثم قال: أيها الناس! إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، واني أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. ثم قال: أيها الناس! إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض. . . واني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما! الثقل الأكبر: كتاب الله سبب طرفه بيد الله عز وجل، وطرف بأيديكم،. فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا؟ والثقل الأصغر: عترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".
وقد ذكر الشيخ أبوطالب تجليل التبريزي في كتابه شبهات حول الشيعة (23) عددا من الأسانيد المنتهية إلى صحابة الرسول (ص) من كتب. أهل السنة وصلت إلى 245 طريقا ذكرت في؟ مسند احمد بن حنبل 84/ 1 و88 و8 1 1 و2 5 1 و1 33، وج 1/ 4 28 و0 37 و372، وج 5/ 358 و366 و0 37، الخصائص - للنسائي -: 4 و1 2 و4 2 و26 و0 4، صحيح الترمذي 13/ 65 1، المستدرك على الصحيحين 109/ 3 و116، تفسير ابن كثير 14/ 2، سنن ابن ماجة 55/ 1 - 58، تاريخ دمشق: ذكر في ما يقارب 29 موضعا في الجزء الثاني منه، منها في ص 18 و9 1 و28 و30 و53، تاريخ بغداد 2/ 13 و2 1/ 343 و4 1/ 236، مجمع الزوائد، كفاية الطالب، الإصابة، الكنى والأسماء، مناقب ابن، المغازلي، أسد الغابة، المعجم الكبير، البداية والنهاية، ميزان الاعتدال، فرائد السمطين، الكنى للبخاري، الجرح والتعديل، وغيرها من المصادر التي يطول البحث فيها ولا تدع مجالا للشك في صدور الحديث. كما يمكن الرجوع إلى الجزء الأول من كتاب الغدير العلامة الأميني، لتعرف أن النص لم ينفرد به الشيعة، بل رواه 12 صحابيا، و84 تابعيا، و360 من أئمة الحديث وحفاظه.
نعم، يبقى النقاش في الدلالة، وهي واضحة لمن جرد ذاته عن العصبية، إذ لا معنى لأن يجمع رسول الله (ص) الناس قبل ارتحاله إلى العلي القدير بشهرين وعدة أيام ليحث الناس على نصرة علي دون استخلافه، إذ إن نصرته تحصيل حاصل يعرفها جميع المسلمين آنذاك فلا بد أن يكون المعنى هوتنصيب علي (ع) خليفة لا غير، وإلا فما معنى أن يعقد رسول الله (ص) مجالس تهنئة وتبريك، ويأمر أصحابه بالتهنئة لعلي (ع) ومنهم عمر بن الخطاب الذي هنأ عليا بقوله: " بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة) وقد نقل العلامة الأميني في كتابه المذكور لحديث التهنئة؟ ستين مصدرا من مصادر أهل السنة (24).
حديث الثقلين: وهوحديث مشهور متفق عليه بين المسلمين، وقد رواه من العامة الترمذي في جامع الصحيح 621/ 5، الطبراني في المعجم الكبير: 127 و157، الحاكم في المستدرك على الصحيحين 109/ 3، الهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 63 1، المتقي في كنز العقال 1/ 0 34، ابن الأثير في جامع الأصول 0 1/ 0 7 4، ابن كثير في تفسير القران العظيم 2/ 5 66، السيوطي في الدر المنثور 2/ 0 6، مسلم في الصحيح 4/ 873 1، ابن كثير في البداية والنهاية 7/ 348، وغيرهم. . . ولفظ الحديث - كما في كنز العمال - عن الرسول (ص) قال: " إني تركت ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله، حبل، ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".
والمفهوم من الحديث أن ضلال الأمة وهديها مرهون باتباع تلك العترة الطاهرة والتمسك بها، لأنهم - أي أهل البيت - يدورون مدار العزيز، وهذا دليل على أنهم العالمون بتأويله وتفسيره، وأنهم السبيل الوحيد للنجاة، فكيف لا يكون هذا نصا على ولايتهم، وأنهم الأوصياء على الناس من بعده واليهم يرجع في مختلف شؤون الحياة؟!
النقطة الثانية: في العصمة: تميزت الإمامية الاثنا عشرية بالقول بوجوب عصمة الإمام دون الفرق الأخرى. . . ولتوضيح هذه المسألة لا بد من تناول نقاط عديدة:
أ - في معنى العصمة وحدها: يقول الشيخ المفيد في كتابه النكت الاعتقادية: " العصمة لطف يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها" (25). وبمعنى آخر فان العصمة هي أعلى درجات التقوى والابتعاد عن الشهوات. . . فأين هوالغلوبهذا المعنى؟!
ب - في أدلة الشيعة على العصمة:
قال: (وهم بدلا أن يقيسوا منصب الإمامة كما صنع أهل السنة على الولاية، قاسوا منصب الإمامة على النبوة والرسالة، فجعلوا الأئمة معصومين كما أن الرسل معصومون، وجعلوهم المرجع للشريعة دون الأمة، وجعلوهم هم الحجة دون الأمة).
نعم، نحن نقيس الإمامة بالنبوة والرسالة بخلاف أهل السنة الذين قاسوا هذا المنصب على الولاية والولاة كما ذكر الدكتور، ولكن نقول له أن هذا أمر منصوص عليه من الشارع، وبرهانه القرآن الكريم، وتحديدا في آيات هي دالة نقلا وعقلا على إمامة الأئمة من جهة، وعصمتهم من جهة أخرى، منها:
1 - آية الطاعة: وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .. ) (26). وأما نقلا، فقد روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1/ 149 أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وكذا رواها كل من أبي حيان الأندلسي في تفسير البحر المحيط 278/ 3، ومحمد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية: 56، والقندوزي في ينابيع المودة: 116، والامرتسري في أرجح المطالب: 85. . هذا من حيث المناسبة على أن " أولي الأمر" مقصود بها علي، فتكون طاعته واجبة كما هي طاعة الرسول (ص). وأما عقلا، فالآية تثبت العصمة لعلي (ع) خصوصا، ولأولي الأمر عموما، إذ إن الله قرن طاعة الرسول بالطاعة لأولي الأمر، فلوقلنا بجواز أن يأمر الله بالطاعة لغير المعصوم، فإن لازمه جواز الأمر بالطاعة لمن يمكن في حقه فعل المعصية، ويستحيل أن يأمر الله تعالى ويرخص في اتباع من يجوز في حقه العصيان؟ لأنه قبيح بحكم العقل، كما هوالحال في حق النبي (ص) من الاتفاق على عصمته، حذرا من انقداح الوثاقة في نقله (ص) للأحكام الإلهية " فلوجاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا، الله تعالى به وما كلفناه، وذلك يناقض الغرض من التكليف وهوالانقياد إلى مراد الله تعالى " (27).
من هنا لابد أن تكون الطاعة المشار إليها في الآية مختضة بمن هومعصوم، إذ لولا عصمة أولي الأمر لما أمرنا الله تعالى بطاعتهم، وللعلة ذاتها ولنفس الملاك الذي في الرسول (ص) من ضرورة العصمة عقلا.
وهذا الإمام الرازي في تفسير الآية (28) يذعن لتلك الحقيقة، ويصرح بدلالتها على العصمة.
2 - آية التطهير: وهي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (29).
وقد وصلت الروايات التي دلت على نزولها في حق أصحاب الكساء: رسول الله، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين صلوات الله وسلامه عليهم، إلى حد التواتر، ومن علماء أهل السنة الذين رووا نزولها في حقهم (ع) الطبري في جامع البيان 6/ 22، وابن كثير في تفسير القران العظيم 458/ 3، والبلاذري في أنساب الأشراف 2/ 104، والسيوطي في الدر المنثور5/ 198، والحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين 416/ 2، وابن عساكر في تاريخ دمشق 1/ 250، وغيرهم. . . حتى وصلت ما يقارب أربعين طريقا.
وأما الدلالة فواضحة: إذ إن المراد من الرجس في الآية: القذارة، التي هي أعم من المادية والمعنوية. يقول ابن منظور في لسان العرب إن " الرجس: القذر، وكل قذر رجس، وفي الحديث: أعوذ بك من الرجس النجس. وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعن والكفر" (30). وقال الزجاج: " الرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل " (31). وقال ابن الكلبي: " رجس من عمل الشيطان أي مأثم ". والملاحظ أن القرآن قد استعملها عشر مرات في الأمور المادية والمعنوية، فوصف بالرجس الذين لا يعقلون، في قلوبهم مرض، لا يفقهون، لا يتوبون، لا يذكرون، كفروا، كذبوا، نافقوا. . إلى آخره، ولا شك أن المنفي مطلق الرجس، وأن الآية دالة على عصمة أهل البيت بنفي مطلق الرجس عنهم واختصاصهم بها.
ولفظ الحديث عن وائلة بن الأصقع، قال: " جئت رسول الله (ص) وهوفي منزل أم سلمة، قد جاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله، وجاء الحسين (ع) فأجلسه على فخذه اليسرى فقبله، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي (ع) فجاء، فأردف عليهم خيبرياً، كأني أنظر إليه، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
3 - آية الإمامة: وهي قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمنهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ا لظالمين) (32).
ومن الواضح أن إبراهيم (ع) عندما سأل الإمامة لذريته أجابه عز وجل بأن هذا المقام لا يناله ظالم، ولا شك أن من أذنب ذنبا في حياته ظالم في حق نفسه، وظالم لها وان عاد عن ظلمه وارتفع العقاب عنه، والآية مطلقة تشير إلى كل من ظلم نفسه سابقا وحالا فكيف لوكان الظلم هوالشرك فإنه ظلم عظيم بنص القران الكريم؟!
والنتيجة: إن الإمامة لا تصلح إلا لمن خلت نفسه عن الذنب، وبمعنى آخر فإن شرط الإمامة العصمة، ومن دونها لا تصح.
النقطة الثالثة: في مسائل متفرقة بين الإمامة والعصمة:
لقد تعرض لمسائل متعددة في قضية الإمامة لا بأس أن نشير إلى بعضها ونترك الأخرى إلى محلها، وهي كما يلي:
أ -احتكار أواصطفاء للإمامة؟!
قال: (لكن المصريين تعاطفوا معهم .. دون أن يتحول هذا التعاطف الى الغلوالذي يجعلهم معصومين، أوالذي يجعلهم يحتكرون الإمامة والخلافة والسلطة دون الأمة).
إن العصمة وانتخاب أفراد معينين من ذرية محمد (ص) للإمامة لا ينافي مصلحة الأمة، وليس هذا احتكارا، وإلا لكان اختيار الله عز وجل لآدم ونوح وآل إبراهيم وال عمران على العالمين كذلك، وقد قال الله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (33).
وقال عز وجل: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم) (34).
وقال عز وجل: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب .. ) (35).
لذا، نحن نسأل الدكتور هل إن القول بجعل النبوة والكتاب في خصوص ذرية إبراهيم ونوح احتكار لهما؟! ولا أعتقد أن أحدا من المسلمين يتجرأ بنسبة ذلك إلى الله تعالى، والسبب جلي.
ب - بين النبوة والإمامة:
إن قلت: إن العصمة والإمامة لا يتعدى بهما إلى من هم دون مستوى ا لنبوة. نقول لك: إن علماء المسلمين ومحدثيهم اتفقوا على النصوص التي استند بها الشيعة على إمامة الأئمة، والتي لها دلالة قاطعة على أن الإمامة هي امتداد للولاية التي كانت قبلهم، وليس الالتزام بهذا موجبا لمناقضة عقلية إذا أنيطت العصمة لهم على فرض طاعتهم وولايتهم كما فرضت طاعة الرسول (ص) وولايته على الناس.
فلا مانع عندئذ أن يخص الله بعض ذرية محمد (ص) بعلم الكتاب والعصمة لطفا منه كما جعلها في ذرية إبراهيم دون، النبوة، للاتفاق والإجماع على أن النبي (ص) هوخاتم الأنبياء.
ومن هنا يعلم معنى قوله (ص): (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)
إذ إن الأصل يقتضي - بعد انتفاء النبوة بالتسالم والتصريح - بقاء علم الكتاب في ذرية إبراهيم، وبالتالي في ذرية محمد (ص) إذ لا تصريح على خلافه، بل إن الحديث المتقدم بالإضافة إلى بعض الروايات التي تشير لهذا المعنى، والآيات الأخرى من قبيل (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) - وقد مر البحث في دلالتها - يؤكد ما ندعيه.
دفع توهم:
إن قيل: إن إبراهيم قد سألها لذريته ولم يجبه الله تعالى. نقول: إن هذا صحيح بمعنى عدم شمولية الإمامية لجميع ذرية إبراهيم (ع) بل إنها مختضة ببعضهم دون بعضهم الاخر، ويشهد بذلك بقاء النبوة في ذرية: إسماعيل، إسحاق، يعقوب (ع). . .
ج - بين الإمامة والأصول: قال: (إذن هم - شاءوا أم لم يشاءوا - صرحوا أولم يصرحوا، فمن الناحية العلمية وطالما أنهم وضعوا الإمامة أصلاً من أصول العقائد فلا بد أن يكفروا خصومهم، وأنا رأيي أن هذا هوسر الانقسام الذي نجده في الكتب العلمية التي تكون علماء الدين).
ا - نحن نسأل الدكتور عن (شاءوا أم لم يشاءوا، صرحوا أولم يصرحوا) هل هي عبارة توحي بالحوار الفكري أم إنها تعبر عن تطرف ما في الآراء؟!
2 - يقول السيد محسن الخرازي في كتابه بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية: (ثم إن الإمامة إذا كانت أصلا من أصول الدين يلزم من فقدها اختلال الدين، ولكن مقتضى الأدلة التعبدية هوكفاية الشهادتين في إجراء الأحكام الإسلامية في المجتمع الإسلامي في ظاهر الحال، فلا منافاة بينهما، فلا تغفل.
ولما ذكر يظهر وجه تسمية (الإمامة والعدل) بأصول المذهب، فإن معناه - بعد ما عرفت من كفاية الشهادتين تعبدا في ترتب أحكام الإسلام - أن إنكارها يوجب الخروج عن مذهب الإمامية، لا عن إجراء الأحكام ا لإسلامية " (36).
ومن هنا يعلم أيضا أن إفراد " العدل " من الصفات - مع أنه يرجع إلى التوحيد الصفاتي - هولأجل أن يكون مائزا بين الأشاعرة الذين أنكروا التحسين والتقبيح العقليين، وبين الامامية والمعتزلة الذين أثبتوهما، ولذا يقول السيد محمد كاظم الطباطبائي في رسالته الفقهية " العروة الوثقى ": " المراد بالكافر من كان منكرا للألوهية أوالتوحيد أوالرسالة (النبوة)، أوضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا " ولم يذكر الإمامة.
نعم، زاد بعض الفقهاء (المعاد) لا غير، والعجيب في المسألة أن الدكتور لم يقل بضرورة تكفير المعتزلة للأشاعرة لأنهم وضعوا (العدل) في أصول الدين والاعتقاد!!
د - حلول فاشلة:
قال في حل مشكلة إقحام الإمامة في الأصول الاعتقادية: (إذا شئنا حلاً لهذه المشكلة فعلى الاثني عشرية أن يصنعوا ما صنع الزيدية .. الزيدية شيعة لكنهم لم يجعلوا الإمامة أصلا من أصول الاعتقاد) وكان قد قال: (الزيديين لا يكادون يختلفون عن الفكر السني، وهم في الأصول قريبون من المعتزلة).
أيها الدكتور! القول بأن الإمامة أصل من أصول الاعتقاد ليس اعتباطا منا، إنما تشهد بذلك النصوص وتؤيده الآيات الداعمة وحكم العقل بضرورة نصب الإمام. لذا، عليكم -أولا - أن تبرهنوا بالأدلة أن الإمامة ليست أمرا سماويا، ومن ثم تطلبوا منا نزع هذا الاعتقاد لوتمت، وإلا فهواجتهاد مقابل النص الصريح عندنا، ولا نقبل به، ومثاله فيما لوتوقف إسلام عدد من الناس على حلية الخمر، والخمر منهي عنه، فلا يمكن الحكم بحليته، لأنه تصرف مخالف للأمر المولوي وان كان عاملا مساعدا في نشر الإسلام، ومع ذلك فقد حللنا مشكلتكم في ما سبق، فلا داعي لمثل تلك الحلول.
س - مغلطة دكتور: قال: (إن أصول الإسلام ليست خمسة (عند الشيعة)، إنما هي ستة، والسادس هوالولاية، وجعلوا هذا الأصل (الإمامة) أهم اصل من أصول .. ).
لا أدري من أين حصل الدكتور على هذه المعلومات! ولكن أصول العقائد عند الشيعة خمسة ولا سادس لها.
خلاصة الكلام حول الإمامة:
والحق أن الإمامة لا شك في أنها من الأمور التي يتوقف عليها إكمال الإيمان، وكما بينا فإن لنا عليها الأدلة العقلية والنقلية.
في الحديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (37)
دلالة واضحة وغنى وكفاية على مدعانا، مضافا إلى أن بعض علماء أهل السنة كالقاضي البيضاوي يقول بأن الإمامة من الأصول، وبعضهم الآخر كالتفتازاني لا يجزم بكونها من الفروع وإنما يقول: "هي بالفروع أليق " (38)، فلا يصح ما قاله بأن (أهل السنة جميعا متفقون على أن الإمامة والسياسية ليستا من أمهات العقائد، وليستا من أصول العقائد).
قضايا أخرى
لا بأس أولا، وقبل الخوض في تلك القضايا الأخرى التي بحثها الدكتور، أن نتعرض لمسألة تناولها الدكتور بشيء من المغالطة عندما قال: (تكتب إحدى المجلات، مجلة (تراثنا) التي تصدر في قم بـ (إيران) سلسلة مقالات عن أعداء السنة النبوية، فيكون أول مقال عن العدوالأكبر أبي بكر، والمقال الثاني عن العدوالثاني عمر .. ).وفيه
أولا: إنه ليس في المجلة مثل هذا الكلام، ولا أن فيها مقالا عن (العدوالأكبر أبي بكر) ولا عن (العدوالثاني عمر) وانما هي ادعاءات لا أساس لها، وعناوين لم ترد مطلقا في المجلة وليراجع عددها الأول 221) السنة السادسة / 1411 هـ
ثانيا: غاية ما هناك أن الباحث ذكر فيها بالأدلة والشواهد المتقنة من المصادر السنية أنهما كانا يمنعان من نشر السنة النبوية بواسطة الصحابة وكذا من تدوينها، حتى أن الأول قد أحرق قسما مكتوبا منها، واشترك مع الثاني بمنع الصحابة الرواة للسنة من الخروج من المدينة المنورة والالتقاء بسائر المسلمين. .
هذا هوالذي قاله الباحث، فإن كان استنتاجكم أن ذلك عداء للسنة النبوية فما ذنبه؟ أ وما ذنب أصحاب المجلة؟! كما أنه لا بأس الإشارة هنا إلى أن منهج المجلة في دراساتها بعيد كل البعد عن النعرات الطائفية والبلبلة المذهبية، وهدفها حفظ التراث الإسلامي، والعمل على توحيد كلمة المسلمين تحت راية واحدة، ومن جال بنظره على أعدادها الصادرة حتى الان وراقبها عن كثب، يدرك تلك الحقيقة الجلية، وأن أبحاثها إنما تتميز بالدقة في التحليل والموضوعية في العرض للأفكار والمعلومات المستندة إلى مصادر يمكن الرجوع إليها لكل من أراد الوقوف عليها.
بعدها نعود إلى صدر البحث شاكرين أولا اعتبار الشيعة كجزء من الأمة الإسلامية وهذا منه تكرم وتفضل عليهم!
ثانيا: مستغربين قضية التكفير تلك التي طرحها مشعرا بأن الشيعة إنما يقولون بتكفير الصحابة، ولذا فإننا سنفرد لذلك بحثا خاصا في هذه القضية.
قضية الصحابة:
قال خلال حواره في الإمامة: (وتعصب الشيعة لأئمتهم جعلهم يشقون صف الأمة، ويبدأون رفض الصحابة باستثناء ثلاثة أوأربعة من الذين أيدوا الإمام علي: المقداد وسلمان وأبوذر).
أولا: مصادرة واضحة:
أ -على أي أساس يقال: إن تعلق الشيعة بأئمتهم يشق صف الأمة؟!
ألا يمكن أن يقال: إن تعصب أهل السنة للصحابة يشق صف الأمة أيضا!
إن في كلام الدكتور مصادرة واضحة، لا بل إن مثل هذه الاتهامات هي التي تشق وحدة المسلمين وتبعدهم عن العقلانية والمنطق في التحاور. لذا، كان الأجدر به أن يحاور وفق أسس بناءة، لأن ما يراه الشيعة في الأئمة ليس تعصبا بقدر ما هوالتزام بالشريعة واحتكام للمنطق والعقل. لا بل إن الشيعة حافظوا على عرى الوحدة ومنعوا من انفصامها، وليس عليه إلا أن يراجع التاريخ ليعرف كيف أن مؤيدي أمير المؤمنين (ع) من الصحابة وغيرهم إنما منعوا من المواجهة حقنا لدماء المسلمين وحفظا للسلام. .
ثانيا: بين العدالة والتكفير:
نعود إلى مشكلة لا زال الدكتور يؤكد عليها في أبحاثه وأرائه التي تدخل في إطار زج الإسلام والمسلمين في أغوار لا يعلم عقباها إلا الله تعالى!
ونقول: أيها الدكتور! إن الشيعة عندما ترفض القول بعدالة بعض الصحابة لا جميعهم، إنما لأجل فسقهم ولخلل في الإيمان، والشواهد القرآنية والتاريخية دالة على ما نقول، منها:
1 - إجماع المفسرين على أن آية (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ! فتبينوا) (39) نزلت في الوليد بن عقبة، وهومن صحابة رسول الله (ص)، هذا خلال حياته (ص) (40).
2 - وأما بعد وفاته (ص) فقد روى أصحاب التواريخ أن الوليد بن عقبة شرب الخمر أيام ولايته وصلى الفجر أربع ركعات (41)
3 - طليحة بن خويلد ارتد عن الإسلام وادعى النبوة، وكذلك مسيلمة والعنسي، وهما أشهر من أن يعرفا. إلى عديد من الشواهد الأخرى من الآيات والأحاديث الدالة على مدعانا، وهي أن الخروج عن العدالة حقيقة لا ريب فيها، فأما القول (باستثناء ثلاثة أوأربعة) فهومستند إلى ما جاءت به الروايات والآثار المذكورة بتراجمهم من كتب معرفة الصحابة وغيرها، من كونهم من أهل الجنة وأنها تشتاق إليهم، ومن حب النبي وأهل بيته لهم، ولاشك في أن لهؤلاء مواقف مشكورة في سبيل حفظ الدين وجهود رسول رب العالمين (42)
ثالثا: شاهد على الصحابة:
ما نقله الدكتور في حديث الرسول (ص) مع عمر بقوله: (المنافقون في عهد رسول الله (ص) ارتدوا على الإسلام وكانوا كفرة، والنفاق أشد من الكفر، ومع ذلك كانوا جزءا من الأمة، ولما كانت تظهر على أحدهم إمارات وعلامات النفاق ويأتي عمر بن الخطاب ويقول: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، يقول له: كلا حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه). وفيه:
1 - إن الحديث من حيث الدلالة يعني أن الصحابة ليسوا جميعا عدولا، وبالتالي ما المانع من رفض بعضهم حتى يؤاخذه علينا؟!
2 - إن كان المراد منه عدم التعرض للصحابة وان كانوا منافقين حفاظا على الوحدة، فيكون الخليفة الثاني نفسه قد غفل عنها بعض الشيء، لأنهم ذكروا أنه أقام الحد على قدامة بن مظعون، وهوصحابي بدري، يعد من السابقين الأولين، ومن المهاجرين الهجرتين، لشربه الخمر (43)! وبالتالي يكون قد خالف حكم الرسول (ص) وهذا لا يقول به أهل السنة.
نعم، الطريق الصحيح لتقويم مسار التحقيق هوالحوار البناء والعلمي الدقيق، الذي ينظر للآخرين نظرة احترام لأفكارهم ومعتقداتهم، وبعدها يناقش صحة ما ندعيه، ونناقش صحة ما يدعيه، وليكن حوارا تسود فيه أجواء المحبة والإخلاص للأمة، لا طرح ادعاءات معينة دون براهين وإثباتات تذكر؟
رابعا: سلامة الموقف الشيعي:
إن سمة التشيع: النظر للأمور بواقعية تامة، والحكم في إطار العدل والمساواة بناء على الأدلة والشواهد.
ومن هنا، فإن الشيعة إنما ينظرون الصحابة نظرة علمية منطقية. . وهذه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) يدعوفيها للصحابة فيقول: (اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره .. فلا تنس اللهم ما تركوه لك وفيك، وارضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك .. ) (44).
يقول السيد مهدي الحسيني الروحاني في كتابه بحوث مع أهل السنة والسلفية: ( ... وغير خفي أن هذه الدعوات بما فيها من الإعظام والإكبار، شاملة لمعظم الصحابة رضي الله عنهم، وأما احادهم تفصيلا فينظر في تراجمهم وتواريخهم ويحاكمون بمقتضى العدل، والقول الفصل، وحكم القرآن، وكلام نبي الإسلام. . . وعليه فمن ناقش في علم بعض آحاد الصحابة، أوخطأهم في بعض أفعالهم وأقوالهم، حسب ما تقتضيه المقاييس الدينية، فإن ذلك لا يخرجه من الإيمان إلى الكفر، ولا من السنة إلى البدعة، إذ ليس آحاد الصحابة وأشخاصهم محور الدين، والكفر، والسنة والبدعة " (45).
خامسا: بين العدالة والعصمة:
ولا ينقضي العجب من الدكتور وغيره ائذين يصفون الشيعة بالغلولأنهم قالوا بعصمة الأئمة الاثني عشر من جهة، ويرون أن كل الصحابة عدول من جهة أخرى!! والعدالة -كما يقال - بأنها ملكة اكتسابية تمنع الصحابي عن الوقوع في الخطأ، وأما العصمة - كما عرفت - فإنها ملكة نفسانية أولطف إلهي تمنع المعصوم عن الخطأ.
وبالنظر إلى حقيقة العدالة والعصمة نعرف أن الفرق إنما يكمن لا في النتيجة، بل في الطريقة ..
ومعه، فلوصح أن يكون اعتقاد الشيعة بعصمة الأئمة الاثني عشر غلوا لكان الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة أشد غلوا منهم!
قضية التشيع والوحدة:
قال: (يقلقني أن يأتي الشيعة ليبشرونا بمذهبهم ويزرعونه في قلب المجتمعات السنية، بنفس القدر الذي يقلقني أن يأتي نفر من أهل السنة ليزرع مذهب أهل السنة في المجتمعات الشيعية، .. فإنما يأتي الشيعة يزرعون مذهب (الإمامة والتشيع) داخل مجتمعات سنية أنعم الله عليها بالوحدة المذهبية، فهم يخلخلون وحدة المذهب، ويصنعون القلق الطائفي داخل مجتمعات برئت من هذه الخلخلة المذهبية والطائفية).
وفيه:
أولا: إن هذا إقفال لباب الحوار، وقطع للطريق أمامه؟ لأن المقتضي له طرح المشاكل العالقة بين الفريقين لتحل حلا جذريا يتفق عليه الطرفان، ولا يتناقض هذا والحوار مع غير المسلمين، فكيف إذا كان فيما بينهم؟!
ثانيا: إن المانع وهوالخلخلة في المجتمعات الإسلامية - إذا صح - أمر مطرد في غيرها، ولكن الصحيح أن الحوار البناء المبني على قواعد سليمة وأسس متينة لا يولد مثل هذه الخلخلة كما قد يدعى، وانما انسجام ووحدة في الحقيقة إذا ما خلص لنتيجة معينة، وطبعا بشرط أن لا تسود هذه المجتمعات مثل تلك الحوارات التي تولد تعصبا في التفكير، وتطرح المغالطات، لأنها هي التي تصنع القلق الطائفي.
ثالثا: نحن نسأل الدكتور لماذا الخوف من تشيع بعضهم إذا كان ذلك مقنعا لهم وثبت بالبراهين والأدلة الشرعية والعقلية، التي عبر عنها هوبأنها لم (ممارسات رعناء هدفها خداع الشباب)، طالما أنهم بقوا في حومة المسلمين، وأن وحدة الأمة كما قال: (تسع المذاهب والتيارات المختلفة وتسع (الألسنة واللغات) والأقاليم المختلفة، بما في ذلك أن تكون هناك ملل ونحل مختلفة في داخل الأمة)؟!
وهل التشيع إلا مذهب من تلك المذاهب المختلفة؟!
أم إن هذا باعتقاده خروجا عنهم؟!!
كما إنه يجب ألا يقلقه أن يأتي أهل السنة ليبشرونا! لأننا -أولا - لسنا معقدين من فتح باب الحوار عن العقيدة، لا بل نطلبه.
وثانيا: لأنا نعلم أن ثقافتنا الشيعية تمتلك المؤهلات الكافية للثبات ومواجهة الأفكار الأخرى، لأن ركيزتها ليست مبنية على التعصب الفكري، بل على القواعد العلمية والفكرية الدقيقة.
ولعمري إن هذا الكلام الصادر من الدكتور أدل دليل على قوة الفكر الشيعي.
وأما التعدد الطائفي فهوليس خللا - كما يتصور - بل عنصر من عناصر الحيوية في المجتمعات، لأنها تحرك باتجاه بناء عقائد صحيحة من خلال التعرف على عقائد الآخرين ودفع شبهاتهم، وليست تلك نظرة قصيرة المدى - كما عبر هو-إذا ما تم تصحيح الاعتقادات، لعدم الخفاء بأن هذا أهم ما في الإسلام، وهوأن يكون المسلم على بينة منها، لا بل إن التقوقع في قالب معين من الاعتقادات دون النظر إلى صحتها وسقمها، هي نظرة قصيرة المدى، لأنها لا تنظر إلى الآخرة بعين الحقيقة، ولا أعتقد أن هنالك هدف أسمى من الآخرة للوصول إلى شاطئ النعيم، ولذا قال تعالى: (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) (46) والآية مطلقة، والعجب أن الدكتور اعتبره خداعا!!
ملاحظة: قال: (ُ وفي المقاومة الشعبية لظلم الحكام الفاطميين تدهش عندما تعلم أن المظاهرات كانت تهتف لتغيير الحاكم الفاطمي).
وهذه دعوى لم يقم الدكتور عليها دليلا بل إن الدليل على خلافه كما يظهر من نصوص تلك الأيام؟ في تلك الحقبة، والتي تشير إلى أن أهل السنة كانوا في تقية، خلال ذلك العهد!
قضية الثورية في الفكر الشيعي:
قال: (يزعمون - خاصة بعد الثورة الإيرانية- أن الفكر الشيعي فكر ثوري، وانه تصدى لنظم الجور والطغيان على مر التاريخ، وأقول: إن هذا وهم، وهذه أكذوبة، الشيعة منذ جعفر الصادق امتنعوا عن الثورة وعن العمل السياسي، وعن الدخول في كل قضايا السياسة ورضوا بكل النظم الحاكمة بصرف النظر عن جورها وعن عدلها، والذي كان يعارض ويناقش و.. و.. الخ كان من علماء السنة .. إذن الفكر الذي كان يقوم بالثورات - دعنا من الخوارج- وكان له دور في المعارضة والانتقاد والسياسة والعمل السياسي كان هوالفكر السني .. إلى أن جاءت سنة 1920. وأول فتوى تصدر عن الشيعة بالعمل السياسي .. إذن على طول تاريخنا كان الفكر الشيعي وبالذات فكر الاثني عشرية بعيدا عن الاشتغال بالسياسة .. فأين هي الثورية التي يخدعون بها بعض الشباب كي يرجحوا كفة المذهب الشيعي على المذهب السني؟).
أقول: نحن نجيبك يا دكتور على سؤالك المطروح أخيرا في نقاط:
الأول: ثورية الفكر الشيعي:
إن كون الفكر الشيعي فكرا ثوريا أمر لا يجادل فيه اثنان، وليست تلك أكذوبة أووهم كما تدعي، لا بل إن روح التشيع هي الثورية والتصدي لنظم الجور والطغيان عبر التاريخ، ولذا قلت أنت يا دكتور إن (المصريين تعاطفوا معهم لأنهم إضطُهِدوا)!
أوليس ذلك سببه الرفض لتلك الأنظمة الجائرة والعمل على إسقاطها أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر؟ وقد صرحت أيضا في حوارك المتقدم أنه (كان الشيعة الفاطميون يحزنون في عاشوراء). وبالتالي نحن نسألك أيها الدكتور، أليست عاشوراء هي ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (ع) أم إنك نسيت ذلك؟!
وكأنك تعلم بأن الشيعة إنما يجددون كل سنة تلك الثورة من خلال إقامة المجالس والتذكير بمظلومية هذا الإمام العظيم ووقوفه أمام الجور والطغيان ويرددون كل سنة قوله: (إني ما خرجت أشرا ولا بطرا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله) حتى قيل عندنا: (إن الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء).
وهذا إنما يعني أن التشيع روحه ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) وبقاءه مرهون ببقائها في الأذهان، وكفانا أن نعيد تلك الذكرى كل سنة عشرة أيام حتى تتجدد في نفوسنا عزيمة الثورة لمقاومة أنظمة الاستكبار والجور والطغيان ولوتطلب ذلك الاستشهاد في سبيل الله، ومن هنا تفهم عبارة الإمام الخميني (رض): " إن كل ما لدينا هومن بركة كربلاء أبي عبد الله الحسين (ع) ". ونظرة واحدة في تراجم أئمتهم، وحركات رجالاتهم، وانتفاضات الشيعة، تكفي للبرهنة على ثورية الفكر الشيعي، ولعل هذا من الأمور الواضحة للمسلمين التي لا يشكك فيها إلا. . .
الثانية: رجالات الشيعة والسياسة:
إنا لا نعلم من أين للدكتور تلك الدعوى من أن الشيعة لم يشتغلوا بالسياسة منذ عصر الإمام جعفر الصادق (ع) حتى عام 1920 م؟ أ إن هذا لدليل واضح على عدم إحاطته بالتاريخ الشيعي على الأقل، وإلا لعلم أن الإمام موسىبن جعفر (ع) قضى أيام حياته الأخيرة في سجن بغداد واستشهد مسموما. وأن ولاية العهد التي أوصى بها المأمون للإمام الرضا (ع) أشهر من أن تذكر واستشهد مسموما أيضا.
وأن المعتصم خاف من اجتماع الناس حول الإمام محمد بن علي الجواد (ع)، فاستقدمه إلى بغداد ودس إليه السم فاستشهد. وأن الإمامين الهادي والعسكري (ع) وضعا تحت الإقامة الجبرية، وجعلوا عليهم جواسيس يراقبون منزلهما. وأنه بعد وفاة الإمام العسكري (ع) بعث إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها (47).
إضافة لما حصل للإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وهوبحث خلافي يترك إلى محله ...
وكله قبل الغيبة! أما بعد الغيبة، فلقد كان للشيعة دور كبير في السياسة خفي على الدكتور ظاهرا، ولوذكرنا الشهيد الأول محمد بن جمال الدين مكي العاملي، والشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي لكفانا افتخارا بما قدمنا، لا من الشهداء فحسب، بل من الشهداء العلماء الذين خافت السلطة منهم، فكان جزاء الأول القتل والصلب والرجم والحرق! وكان جزاء الثاني أن بعث رأسه إلى السلطان حفاظا على الخلافة من الضياع إذا استمر أمثال هؤلاء في جهادهم ضد الباطل، وإفتاء الناس بما لا يوافق السلطات الحاكمة آنذاك! ولوأردنا أن نعد من الشيعة من اشتغل بالسياسة لاحتجنا أن نفرد كتابا خاصا فيهم، ولكن نذكر منهم من بعد الغيبة وقبل 1920 م، على سبيل المثال:
1 - أبوالفضل محمد بن الحسين بن العيد، وزير ركن الدولة، والد عضد الدولة.
2 - أحمد بن إبراهيم الضبي، وزير فخر الدولة.
3 - عميد الجيوش، أبوعلي الحسن بن أستاد هرمز، وزير بهاء ا لد ولة.
4 - أبوالقاسم الحسين بن علي، الوزير المغربي.
5 - الخواجة نظام الملك الطوسي.
6 - الحسن بن هارون، وزير معز الدولة.
7 - الصاحب بن عباد، وزير مؤيد الدولة وفخر الدولة. . وقد عد منهم صاحب (الأعيان) ما جاوز الأربعين شخصا ممن كانت لهم المناصب الرفيعة من وزارة أوإمارة ناهيك عن القضاة والنقباء (48).
وبهذا يتبنين فساد الدعوى التي تقول بأن الشيعة لم يشتغلوا بالسياسة حتى عام 1920.
الثالثة: الفكر السني المهادن:
ولا يخفى عزيزي القارئ أن من مذهب أهل السنة البخوع والخضوع للسلطة وللنظام القائم حتى لوكان على رأسه فاجر فاسق! ونكتفي بذكر أقوال بعض أئمة علماء أهل السنة:
أ - قال النووي في شرح صحيح مسلم: " وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وان كانوا فسقة ظالمين ". . . وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين:
لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك " (49)!!
ب - قال الإمام الأشعري: " ويرون (أهل الحديث والسنة) العيد والجمعة والجماعة خلف كل بر وفاجر. . . ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف وأن لا يقاتلوا في الفتن " (50).
ج - قال أحمد بن حنبل: "السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر. . . واقامة الحدود إلى الأئمة، وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، برا كان أوفاجرا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهومبتدع، تارك للاثار، مخالف للسنة " (51).
د - قال الإمام أبواليسر البزودي: " الإمام إذا جار أوفسق لا ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهوالمذهب المرضي "!! ثم قال: " وجه قول عامة أهل السنة والجماعة إجماع الأمة، فإنهم رأوا الفساق أئمة، فإن أكثر الصحابة كانوا يرون بني أمية وهم بنومروان حتى كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلفهم ويرون قضاياهم نافذة. وكذا الصحابة والتابعون، وكذا من بعدهم يرون خلافة بني عباس وأكثرهم فساق " (52)!!
كما لا يخفى أيضا أن الصحاح قد نقلت روايات وأحاديث - نراها مفتعلة على لسان رسول الله (ص) لأنها مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه (ص) -. فقد روى مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قلت: " يا رسول الله. . . إلى أن قال: قال رسول الله (ص) " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع " (53)!!
هذا غيض من فيض ما جاءت به كتب أهل السنة. .. فاقض ما أنت قاض.
قضية الاجتهاد:
قال: (ثم قضية أن المذهب الشيعي فيه باب الاجتهاد مفتوح على عكس مذهب السنة، أقول: إن هذا وهم واسمح لي أن أكون صريحا في هذا الموضوع، فنحن نتكلم كعلماء، الفكر الشيعي صحيح لم يقل بإغلاق باب الاجتهاد .. لكن أين هوالاجتهاد؟ إذا كنت أمام عقل يقول: إن الإمام قد غاب، وأنه حي، وانه ما زال منتظراً وإننا ننتظره، فأين هوالعقل والعقلانية، وأين هوالاجتهاد؟ إذا كنت تقول: إن الأمة غير مؤتمنة على الشريعة، وإن فردا هوالمؤتمن على الشريعة، وان الإمامة والدولة والخلافة والسياسة لا علاقة للأمة بها، ولا علاقة للشورى بها، وان الأمة في هذا كله منزوع سلطانها، فأين هوالاجتهاد، وأين هي العقلانية في هذا الموضوع؟! أقول: الاجتهاد عند فقهاء الشيعة وقف عند أن هناك مرجعاً له كتاب فقهي وله مقلدون، وهل الاجتهاد في فروع الفقه هوالاجتهاد؟
أقول: بصراحة إنها أكثر من اللازم. يعني اجتهادات لدرجة التخيل في فروع الفقه، إنما القضية التي فيها الاجتهاد هي الاجتهاد في المعاملات وفي الأمور العامة وفي شؤون الدولة.
هذا هوالذي تعطل فيه الاجتهاد، والشيعة ليس لهم في هذا الميدان اجتهاد .. إذن في الميدان الذي أغلق فيه باب الاجتهاد عند السنة، الشيعة صفر في هذا الميدان، لأنهم يعلقون الفكر فيه على الإمام الغائب. أما في فروع الفقه فأين هي الاجتهادات المتميزة في المذهب الجعفري التي ليس لها نظائر في مذاهب السنة الأربعة؟
أولا: الإمام المهدي بين الاعتقاد والاجتهاد:
إن عدم تحري الدقة سمة هذا الحوار مع الدكتور، وبيانه في هذه القضية يقع في نقطتين:
أ -في دفع شبهة:
إذ إن الاعتقاد بغيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ليس اجتهادا؟ لأن " الاجتهاد: هوالنظر في الأدلة الشرعية، لتحصيل معرفة الأحكام الفرعية التي جاء بها سيد المرسلين " (54) والأمور الاعتقادية ليست من الأحكام الفرعية كما لا يخفى بالإضافة إلى أن الاعتقاد بالغيبة أمر متسالم به عندنا، فلا يحتاج للنظر إلا في إطار وجوب معرفة إمام زماننا لأنه " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " وهوحديث مستفيض ذكر بألفاظ مختلفة (55).
ب - الاعتقاد بالإمام المهدي في الإمكان العقلي: أعتقد أن العقل الذي قبل غيبة الإمام المهدي وأنه حي، هونفس العقل الذي لم يستبعد قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) (56). وقوله عز وجل: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما تتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) (57).
وقد أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أنه قال: " قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " (58). وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: " سمعت النبي (ص) قال: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة؟ قال: فينزل عيسى ابن مريم (ع) فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة" (59). . . وبهذا يظهر أن الذي حفظ نوحا 950 سنه للتبليغ في قومه، وحفظ عيسى إلى آخر الزمان، ألا يستطيع أن يحفظ الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)؟! أوإن العقلانية ترفض تلك الآيات والأحاديث أيضا؟! ا بالإضافة إلى أن العقل لا يرفض قدرة الله عز وجل بالتحكم في عمر الإنسان بأن يطيله أويقصره وفقا للمصلحة المقتضية له، إذ إنه ليس في دائرة المستحيلات العقلية، لا بل إنها من الأمور الملموسة في حياتنا العملية كـ (شعر الحاجبين). .
ثانيا: الاجتهاد الشيعي:
ونتناول في المقام مسألتين:
أ -اجتهاد الشيعة في المعاملات: ولا ينقضي العجب من قول الدكتور أن (الشيعة صفر في هذا الميدان (الاجتهاد في المعاملات) لانهم يعلقون الفكر فيه إلى الإمام الغائب)
إذ إن ما كتبه الشيعة في هذا الميدان أكثر من أن يعد أويحصى، لا بل إنك لا تجد كتابا فقهيا إلا وهوعلى قسمين " كتاب العبادات " و" كتاب ا لمعاملات ". وفي الأخير يبحث الفقهاء عن: التجارة، الشفعة، الإجارة، المزارعة والمساقا ة، ا لسبق وا لرماية، ا لشركة، المضاربة، الود يعة، العارية، اللقطة، الغصب، إحياء الموات، الدين، الرهن، الحجر، الضمان، الصلح، الإقرا ر، ا لوكا لة، ا لهبة، ا لوصية، ا لوقف، ا لنكاح، ا لطلاق، الظهار، الحدود، ا لقصا ص، ا لإيلاء، ا للعا ن، ا لأيمان، ا لصيد والذباحة، الأطعمة وا لأشربة، الميرا ث، وا لقضاء. بالإضافة إلى المساثل المستحدثة، التي بحثها الفقهاء المعاصرون من قبيل: أحكام البنوك، أطفال الأنابيب، الخلو، ويانصيب الحظ، والتأمين، وغيرها.
وهل الدولة قائمة إلا على هذه الشؤون من المعاملات؟!
وأما إذا كان مراد الدكتور الشؤون العسكرية، فقد عقد الفقهاء بحثا خاصا لها يسمى بـ " كتاب الجهاد " تناولوا فيه الأحكام الأولية له، وأما الأحكام الاستثنائية والطارئة فإنما تعهد إلى ولي الأمر العادل الذي تتوفر فيه الشروط المعينة، من قبيل: الاجتهاد، ومعرفة أحوال أهل زمانه، وغيرها. . . ولكن يبقى أن نسأل الدكتور أين تعطل الاجتهاد عند الشيعة؟!!
ب - الاجتهاد والإمامة:
أولا: نقول: بأن الإمامة ليست اجتهادا عندنا؟
لأنها ليست من الأحكام الفرعية، بل هي من الأصول.
ثانيا: إذا علم أننا نعد الإمامة منصبا إلهيا، وأنها تختص بأفراد معينين عصمهم الله تعالى من الخطأ، فلا جرم أن يكون هؤلاء مؤتمنين على الشريعة كما كان الرسول (ص) مؤتمنا عليها، والقرار الأخير هوالصادر منه (ص)، فلا تشاركه الأمة في اتخاذه (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (60). ولا تنافيه المشورة، إلا أن تشخيص المصلحة آخر الأمر يعود له وحده، ولا خطأ في أفعاله وقراراته (ص)، فلا مانع من انتقال تلك الصلاحيات كما هي للإمام المنصوب، الذي هوأيضا لا يخطئ.
ج -الاجتهاد الشيعي المتميز: لعل الدكتور يقصد في قوله (اجتهادات لدرجة التخيل)
تلك الأحكام التي تتعلق بفروض نادرة أويتوقع حدوثها، وهذه في الحقيقة شهادة متميزة للفقه الشيعي، الذي يتكيف مع مختلف العصور، ومع الوقائع الحادثة حتى النادرة منها، والتي قد يتفق أن تقع في الحال أوالمستقبل، وهودليل واضح على أن الفقه الشيعي لديه الأجوبة الشافية والسريعة دائما، خصوصا في المواقف الحرجة، ومثاله الصلاة على القمر وإن كانت متخيلة منذ مائة سنة إلا أنها أصبحت واقعا ملموسا وممكنا، لذا فإن التخيل المذكور يعد غناء في الفقه الشيعي والاجتهادي.
ثالثا: اجتهاد ابن تيمية:
قال: (أقول هذا لشبابنا ليرى أن الفكر السني على مر تاريخه هوالذي كان يشتغل بذلك .. ابن تيمية كان يحمل السيف ويجاهد ويكتب في السياسة والشريعة ويموت في سجن المماليك، من الذي يقول: إن هذا غير مجتهد، وإن هذا لا يشتغل بالسياسة، وإن هذا غير ثوري، الذي يجاهد التتار، بينما كان هناك (ولا نريد أن نفتح الأبواب) …)
أ-اجتهاد ابن تيمية المخالف:
آخر ما كنت أتوقع هوأن يأتي الدكتور بشخصية جهادية في الفكر السني تكون نموذجا للثورية - تحمل السيف وتجاهد، وتكتب في السياسة والشرعية، وتموت في السجن - كشخصية ابن تيمية، ليضعه في خانة الثوريين والأبطال في الفكر السني)
والظاهر أن في الأمر سرا خفي علينا نحن لا نعلمه. .
ولعل الدكتور غاب عن ذهنه مراجعة سيرة هذا الرجل فجعل يصفه بتلك الأوصاف المخلدة لذكراه، وكأنه لم يعرف سبب جعل ابن تيمية في السجن، وأنه حبس لا لأجل جهاده العريق، وإنما بسبب اعتقاداته المنحرفة التي لا تجتمع مع جمهور المسلمين!
يقول ابن كثير - وهوتلميذه -: " وفي ليلة عيد الفطر من تلك السنة 7061 هـ لم أحضر الأمير سيف الدين سلار، نائب مصر، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء، فالقضاة: الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء: الباجي والجزري والنمواري، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس، فاستشرط بعض الحاضرين عليه شروطا في ذلك، منها أنه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده ". . وفي سنة 709 س نفي إلى الإسكندرية، ومنها عاد إلى القاهرة، ثم إلى الشام. وفي سنة 720 هـ صدرت منه فتاوى شاذة، فعقد له مجلس حضره القضاة والمعنيون من المذاهب الأربعة، وحبس خمسة أشهر. حتى جاءت سنة 726 د حين سجن مرة أخرى، ومات في قلعة دمشق للعلة ذاتها!!
هذا هومن قال عنه الدكتور أنه حبس من أجل جهاده في سجن المماليك. . . وقد تبين أنه كان يجاهد مذاهب جمهور المسلمين وحبس بفتياهم - فتيا فقهاء المذاهب الأربعة - لانحرافه العقائدي (61).
ب -اجتهاد ابن تيمية في ميزان ابن حجر:
ب - وأما اجتهاده! فإني أقتصر على ما نقله العلامة الأميني عن الحافظ ابن حجر في كتابه الفتاوى الحديثة ص 86، قال: (ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد، المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، ابن الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم، وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية. ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهما)!. والحاصل: أن لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل غال، عامله الله بعلمه، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله، آمين. . .). .. لا تعليق!
الوسطية في اجتهاد أبن تيمية:
إن هذا النموذج الذي أعطاه الدكتور للشباب يهدم كل ما بناه في حواره، لأن عقائد ابن تيمية تخالف نظريته حول. الوسطية الإسلامية، إذ إنها لن تبقي من حب أهل البيت شيء لدرجة الإطاحة بكل (المزارات والمقامات والمساجد لرموز من آل البيت) المقامة في مصر، التي يباهي بها معتبرا أن وجودها مصداق لوسطية الشعب المصري؟ لأنها بنظر ابن تيمية شرك وبدعة! كما هي الحال الآن في مزارات البقيع! وعندها سلام على الوسطية يوم ولدت ويوم ماتت!!. .
قضية ولاية الفقيه:
قال: (أنا أتصور أن الناس في إيران سواء كانوا من أهل الحوزات العلمية أومن أهل السياسة لا يمكن أن يتصورا أن النموذج الإيراني في ولاية الفقيه صالح للتعميم في العالم السني، وإلا نكون أمام موقف ساذج، فما نرفضه في النموذج الإيراني وهوقضية ولاية الفقيه قد يكون سر قوة هذا النموذج داخل إيران، لكن لا يمكن أن يكون مقبولا خارج الإطار الإيراني، لأن هذا بعد مذهبي).
أقول: بغض النظر عن أن هذا النموذج صالح للتعميم أولا؟
لأن الإجابة تحتاج لدراسة مطولة تعرض فيها تلك النظرية لترى إمكانية ذلك. .
إلا أن الدكتور - جزاه الله خيرا - قد ساهم مساهمة فعالة في الإجابة عن أسئلة هوطرحها عندما قال:
1 - (أين هي الاجتهادات المتميزة في المذهب الجعفري التي ليس لها نظائر في مذاهب السنة الأربعة). والجواب: إن نظام ولاية الفقيه - الذي سر قوة هذا النموذج- من الاجتهادات الشيعية المتميزة عن المذاهب الأربعة. بشهادتك حين قلت أيها الدكتور: (لأن هذا بعد مذهبي).
2 - (وأن فردا هوالمؤتمن على الشريعة .. فأين الاجتهاد .. وأين هي العقلانية في هذا الموضوع؟ والجواب: إن نظام ولاية الفقيه - الذي هوسر قوة هذا النموذج - يكون الفرد فيه - المتمثل بقائد الثورة الإسلامية - هوالمؤتمن على الشريعة والدولة، وهوالذي يدير دفة البلاد من شرقها إلى غربها مع أنه ليس بمعصوم عندنا، فكيف هي الشريعة أوالدولة إذا أنيطت بالمعصوم؟!
3 - (أقول: الاجتهاد عند فقه الشيعة وقف عند أن هناك مرجعا له كتاب فقهي وله مقلدون) والجواب: إن نظام ولاية الفقيه - الذي هوسر قوة هذا النموذج - أنيطت السلطة المطلقة فيه للفقيه المجتهد العادل، الجامع للشرائط، والعارف بأمور زمانه، بما فبها شؤون الدولة والسياسة والمجتمع وغير ذلك، فلا يقتصر على كتاب فقهي ومقلدون.
خاتمة في وسطية عادلة:
ما نبغيه هوأن تتحلى الأمة الإسلامية بدرجة من الوعي في إطار تنسجم فيه جميع الأطراف مع بعضها الآخر، فالوحدة الإسلامية مطلوبة بلا شك، إلا أن لها أسسا ومبادئ تقوم على الانفتاح الفكري والعقائدي بين جميع الفئات المختلفة. . . ولكن في الطريق مررت بكتاب تحت عنوان (شيعة. . . لكن لمن؟) لسمير الهضيبي - تفضل بإطلاعي عليه أحد سادتنا العلماء، عندما عرف بأني في صدد الكتابة حول ما جاء في حوار الدكتور عمارة - والمفاجأة أن الغلاف كان يحمل ثناء وإطراء من الدكتور المذكور للكاتب وقد جاء فيه: " فلقد سعدت بقراءة إبداعك الجديد (شيعة. . . لكن لمن؟) ويسعدني أن أضع بين يديك - بعد التهنئة على هذا العمل المتميز - هذه الانطباعات والملاحظات: - لقد نجحت في تحويل تاريخ ظهور الإسلام. . . والصراعات التي دارت حول الخلافة ومناهج الحكم في الحقبة الراشدة إلى خريطة حية يتذوقها جمهور من القراء أوسع من جمهور قراء التاريخ. .
- ونجحت في الحفاظ على دقة الحدث التاريخي. .
- وإذا كانت المشاهد الفنية - الروائية - والتي شدتني وأمتعني - كقارئ متذوق - قد جاءت قليلة بالقياس إلى تدفق أحداث التاريخ ونصوص حوارات أبطاله. . . فلقد قام (إحياء) التاريخ مقام (الخيال) فكان أدبا من لون جديد ... الكلاسيكيات التي ينهض فيها الصدق التاريخي ليحل محل الروائيين!. .
- كذلك نجحت في العرض المتوازن والوافي. . . التي مثلت مذاهب ومدارس التاريخ لهذه الحقبة. . . وكان جميلا أن يظهر الإسلام في مكانه الالهي. . . وأن تظهر بشرية الجيل الرائد الذي أقام هذا الدين .. . لقد نجحت نجاحا عظيما في التمييز بين (المعصوم) و(غير المعصوم) على النحوالذي نرجوأن يسهم في حل مشكلات (القداسة) أو(الافتراء) على هذا التاريخ!. . تلك هي الانطباعات. . . التوقيع د. محمد عمارة).
ترى، ماذا في الكتاب حتى راح الدكتور يثني عليه بهذه الطريقة مكررا نجاحه؟!
هل هوالحفاظ على دقة الحدث التاريخي وأن الشيعة من تأسيس عبد الله بن سبأ اليهودي؟
أم إنه الأدب الجديد الذي يصور أصحاب أمير المؤمنين كميل بن زياد ومالك الأشتر بأبشع الصور الاستغلالية؟ ا أولا، هوذلك التمييز بين (المعصوم) و(غير المعصوم) وأن علي بن أبي طالب (ع) كان مولعا بالنساء؟!
أهكذا كان الكاتب يحل مشكلات " القداسة " أو" الافتراء " بنظر الدكتور " المتذوق "؟!!
إنها مجموعة افتراءات لا يوجد فيها مصدر واحد يعتمد عليه سماها الدكتور صدقا تاريخيا يحل محل خيال الروائيين!! وهل هي تلك الوسطية التي أتحفنا الدكتور بها؟!
أرى أن القاضي هوالمدعي في هذه القضية، والحال أنه لا بد أن يكون طرفا محايدا. . . مفكر إسلامي شدته وأمتعته قصص سمير الهضيبي الخرافية!!
وهل تنسجم مثل تلك الافتراءات مع الوحدة الإسلامية؟ (أين تماسك النسيج)؟!
(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) (62)
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوحد صفوف المسلمين على العقائد الصحيحة، ويكشف عنهم الكرب والغم، راجين منه عز وجل أن يحرر أرضهم من أيدي المستكبرين، ولا سيما الصهاينة منهم، إنه علي قدير.
والحمد لله رب العالمين.
_________________________
رجال الكشي 297ح 529، عنه بحار الانوار 25/ 297 ح 60
الأحكام - طبعة 1410 هـ 1/ 36
سورة البقرة الآية 42

بقلم: أكرم عبد الكريم ذياب عن مجلة تراثنا/ العدد 3 و4 1417
عدد مرات القراءة:
899
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :