آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 ذو القعدة 1441هـ الموافق:2 يوليو 2020م 02:07:09 بتوقيت مكة
   شارك برأيك ..   موقف الشيعة من المخالفين (مئات الوثائق) ..   من روايات الغلو في الأئمة عند الشيعة ..   كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي وأقوال بعض العلماء فيه (أكثر من 560 وثيقة) ..   أبو طالب عند الشيعة من الأنبياء ..   مصطلح النواصب عند الشيعة يطلق على أهل السنة ..   الإباحية الجنسية عند الشيعة - نعمة الله الجزائري (أنموذجاً) ..   عند الشيعة عرش الرحمن نعال الأئمة ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   ماذا قالوا في موقع فيصل نور؟ ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع

دراسة مقارنة في الحديث وعلومه وكتبه ..

 السنة بيان الله تعالي على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم

 
بحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر 
 

القسم الأول

الحديث وعلومه عند الجمهور
 
 

القسم الثاني

الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة

مقدمة
      الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، والحمد لله الذى لا يؤَّدى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّى ماضي نعمه بأدائها : نعمة حادثة يجب عليه شكره بها . ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذى هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه .
      أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله ، وأستعينه استعانة من لاحول له ولا قوة إلا به ، وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه ، وأستغفره لما أزلفت وأخرت . استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو . وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله([1]).
     وبعد :
 
فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الذى يبين حقيقة الشيعة الاثنى  عشرية ، حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة ، وكان الجزء الثانى في التفسير المقارن وأصوله ، وجاء هذا الجزء ليتناول الحديث وعلومه وكتبه ، وقسمت هذا الجزء إلى قسمين :
 
القسـم الأول : في الحديث وعلومه عند الجمهور
القسـم الثانى : في الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة
 
     والقسم الأول يضم عشرة فصول :
الفصل الأول : وضحت فيه ما جاء في القرآن الكريم بينا لا يحتاج إلى بيان ، وما جعل بيانه للرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان الفصل تحت عنوان " بيان الكتاب والسنة " .
والفصل الثانى عنوانه " السنة وحى " ، وقد أثبت هذا .
والفصل الثالث لبيان " اعتصام السلف بالسنة " ، فذكرت من الأخبار الصحيحة ما يبين هذا الاعتصام .
والفصل الرابع عن " تدوين السنة " وبينت فيه أن من السنة المشرفة ما وصلنا مدوناً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما دون في عهد الصحابة رضى الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى أن بدأ التدوين الرسمى بأمر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز ـ– رضى الله تعالى عنه . ثم جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثانى الهجرى ، ووصلنا من كتب القرن الثانى بعض الكتب ، ثم كان القرن الثالث العصر الذهبى لتدوين السنة المطهرة ، وكثير مما دون في القرنين الأول والثانى مما لم يصلنا جاءنا عن طريق ما دون في القرن الثالث .
وفى الفصل الخامس تحدثت عن " الجرح والتعديل " ، فبينت الأسس  العلمية التي قام عليها الجرح والتعديل عند جمهور المسلمين ، ونقلت آراء الأئمة الأعلام ، وما جاء في أول كتب ألفت في هذا الموضوع ، وبينت موقف الجمهور من الفرق المختلفة .
    وفى الفصل السادس نقلت " حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت " حيث أنكرت العمل بالسنة المطهرة ، والاكتفاء بالقرآن الكريم ، وشككت في حجية السنة ، وانتهى الحوار بإبطال شبهات هذه الفرقة ، وتسليم من حاوره الإمام الشافعى بصحة ما قاله الإمام .
    وفى الفصل السابع أشرت إلى ضلال الطاعنين في السنة الذين جاءوا " بعد الإمام الشافعي " ، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع .
    ولم أرد استقصاء واستيعاب حركات التشكيك والتضليل في كل العصور ، فهذا أمر يطول جداً ، ويكفى فيه النماذج ، ولذلك جعلت الفصل الثامن لما وجد " في عصر السيوطى " ، حيث تحدث الإمام السيوطى عن الطاعنين في عصره من الزنادقة والرافضة ، فألف كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " للرد على هؤلاء الضالين المضلين .
     ثم جعلت الفصل التاسع تحت عنوان " الطاعنون في العصر الحديث " فبينت أصناف هؤلاء الضالين ، ومدى خطر كل طائفة .
      وختمت هذا القسم بالفصل العاشر ، أشرت فيه إلى راوية الإسلام ، وأحفظ من روى الحديث في دهره ، وهو " أبو هريرة " . رضى الله تعالى عنه ، حيث وجدنا المستشرقين ، وتلامذتهم من العلمانيين ، وكذلك الزنادقة والرافضة ، كل هؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام من أساسه أخذوا يطعنون في هذا الصحابى الجليل الذى حفظ لنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم وتركت الحديث عنه للبحث الملحق بهذا الجزء ، وهو بحث : السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
      ثم انتقلت إلى القسم الثانى الذى تناول الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة ، ويضم ستة فصول
     في الفصل الأول تحدثت عن " التدوين عند الشيعة " ، فبينت انقسام الشيعة إلى عدة فرق عند موت كل إمام ، وكل فرقة كانت تضع من الأحاديث ما تؤيد به عقيدتها ، وما كانت أية فرقة تستطيع أن تضع أحاديث في إمام لم يولد بعد ، فإنها لا تعلم الغيب مهما زعم الزاعمون من غلاة وزنادقة هذه الفرق . وعند موت الإمام الحسن العسكرى ، وهو الحادى عشر ، ولم يعرف له ولد ، ولم يترك عقبا ، وقسمت تركته ، انقسم الشيعة عندئذ إلى أكثر من عشر فرق ، وكلها وضعت عقيدتها على أساس عدم وجود ولد للحسن العسكرى ما عدا فرقة واحدة مع فرقة الشيعة الاثنى عشرية ، حيث زعمتا أن له عقبا ، وقالت الاثنا عشرية مقالتها في الإمام الثانى عشر ، وهو ما بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب .
      انتهيت من هذا الفصل إلى أن جميع الأخبار التي تذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر كلها وضعت واختلقت بعد موت الإمام العسكرى ، ووجدت أن الواقع العملى يؤيد ما انتهيت إليه حتى بالنسبة لما يعرف عندهم بالأصول الأربعمائة ، وهى تسبق كتبهم الأربعة التي ألفت في القرنين الرابع والخامس .
     وانتقلت إلى الفصل الثانى ، وعنوانه " الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة " ، وأردت من هذا العنوان أن نفرق بين معتدلى الشيعة وغلاة   الرافضة .
     فمن أوائل الكتب كتاب " علوم الحديث " للحاكم المعروف بتشيعه ، وبالنظر في الكتاب وجدنا الحاكم يتفق مع جمهور المسلمين ، ومثله من الشيعة النسائى صاحب السنن ، وابن عبدالبر ، وغيرهم .
    أما الرافضة ، الذين رفضوا الإمام زيد بن على بن الحسين لثنائه على الشيخين أبى بكر وعمر ،واعترافه بإمامتهما ، هؤلاء الرافضة تأثروا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة فربطوا الجرح والتعديل بموقف الرواة من عقيدتهم ، ولذلك جرحوا وفسقوا جمهور الصحابة الكرام ، بل وصل الأمر إلى تكفير خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ، وتكفير أمة الإسلام التي اعترفت بإمامتهما واقتدت بسنتهما بعد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكرت من كتب الجرح والتعديل عند هؤلاء الرافضة ما يبين ضلالهم ، بل كفرهم وزندقتهم.
 
      والفصل الثالث تناول " مفهوم السنة عندهم " ، وهو يختلف عما أجمعت عليه الأمة ، حيث إنهم أشركوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من أئمتهم ، وجعلوا أقوالهم وأفعالهم كالمعصوم صلى الله عليه وسلم دون أدنى فرق ، فهم يرونهم معصومين كالرسول صلى الله عليه وسلم ، سواء أكان من اعتبروه إماماً كبيراً أم صغيراً ، أم لا يزال طفلا في الخرق يلهو ويعبث كما يلهو الأطفال ويعبثون ، فلهوه وعبثه سنة تشريعية ملزمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كالقرآن الكـريم  !!  " انظر كيف يفترون على الله الكذب " !!
     والفصل الرابع تحدثت فيه عن " مراتب الحديث " ، وهى عندهم أربعة : الصحيح والحسن والموثق والضعيف ، وكلها مبنية على آرائهم الضالة في الجرح والتعديل .
    والفصل الخامس تحدثت فيه عن " التعارض والترجيح " ، وهو يوضح أسباب ابتعاد هذه الفرقة الضالة عن الأمة الإسلامية ، حيث يرجحون ما خالف الأمة وإن وافق الكتاب والسنة ، ويعتبرون الأخذ بما خالف جمهور المسلمين رشداً ، بل من علامات الإيمان ! وبينت من قبل مفهوم الإيمان والكفر عند هؤلاء الرافضة أتباع عبدالله بن سبأ لعنه الله تعالى ، وسيأتى لهذا مزيد بيان في هذا الجزء والجزء الذى يليه .
    أما الفصل السادس ، وهو الفصل الأخير في هذا القسم فتحدثت فيه عن " الكتب الأربعة " ، أى المعتمدة عندهم ، وهى : الكافى للكلينى ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار للطوسى .
      ولما كان الكافى هو الكتاب الأول عندهم أشبه بصحيح البخارى عند  المسلمين ، وهو يشتمل على الأصول والفروع ، ويقع في ثمانية أجزاء ، أما الكتب الثلاثة الأخرى فتقتصر على الفروع فقط دون الأصول ، فلذلك رأيت أن يكون الحديث أولاً عن الجزء الأول من أصول الكافى ، وثانياً عن الجزء الثانى من أصول الكافى ، وثالثاً عن روضة الكافى ، ثم أخيراً يكون الحديث عن فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى .
     وهذه الكتب الأربعة كتبت بعد عصر الأئمة الاثنى عشر في ظلمات عقيدتهم الباطلة ، وقد بينت الدراسة ما في هذه الكتب من باطل وزيغ وضلال وعلى الأخص كتابهم الأول حيث سلك الكلينى منهج شيخه على بن إبراهيم القمى في تحريف القرآن الكريم ، وتكفير الصحابة الكرام ، وعلىالأخص أبو بكر وعمر خير البشر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن تولاهما ورضى بخلافتهما الراشدة.
      والقارئ لهذا القسم يعجب أشد العجب لوجود مثل هذا الزيغ والضلال والزندقة لفرقة تنتمى إلى الإسلام ، وتبذل أقصى ما تستطيع لنشر هذا الفساد بين المسلمين .
      وبقراءة هذا الجزء بقسميه يبدو واضحاً جلياً بيناً الفرق بين المنهج العلمي للجمهور في الحديث وعلومه ومنهج غلاة الرافضة وزنادقتهم ، ويشترك مع الجمهور معتدلو الشيعة من غير الرافضة .
      ويبقى بعد هذا أصول الفقه وهو ما نتحدث عنه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى .
   "  سبحان ربك رب العزة عما يصفون . وسلام على المرسلين . والحمد لله رب العالمين " .
 
الفصل الأول
بيان الكتاب والسنة
       نزل القرآن الكريم مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة ، قال تعالى في سورة الإسراء :  ] وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً[ ([2])
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ ويبين مراد الله   تعالى . وكان منهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما قال ابن مسعود " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن ونعمل بهن فتعلمنا العلم والعمل جميعاً " ، وكانوا يأخذون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخفى عليهم من هذا العلم .
     وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء نزل قوله تعالى في الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل : ]  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [ 
      وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله عز وجل : ]أنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ ، فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ و ما بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وما العلاقة بين البيانين ؟
أولاً: من القرآن ما جاء البيان نصا لا يحتاج إلى بيان آخر : كقوله تبارك وتعالى : ] فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  [([3]).
فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة ، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، فمنع هذا الاحتمال بمزيد من البيان     " تلك عشرة كاملة " ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف في أصول الفقه : بالمحكم أو المفسر إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه وهو كثير ، وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل وهو أكثر .
ثانياً : في الآية الكريمة السابقة الذكر ذكر العمرة والحج ، ولكن كيف نؤديهما ؟ وفى قوله عز وجل  ] وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  [ بيان أن الصلاة مفروضة ، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة ؟ وكيف تؤدى ؟ وما مواقيتها ؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة ، وكذلك ما يتعلق بالزكاة . كل هذا بينه الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله –ـ عز وجل ـ الذكر بإحكام الفرض وترك للرسول صلى الله عليه وسلم بيان ما أنزل . وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة فلا يستطيع أحد أن ينكره .
     ومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة محتملاً للتأويل : كمطلق يقيد وعام يخصص إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور .
ثالثاً : جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله تبارك وتعالى ، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو عن الله تعالى ، فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم " فكل من قبل عن الله فرائضه فى كتابه : قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه ، وأن ينتهوا إلى حكمه . ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته . فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما " ([4]).
     والآيات الكريمة التي تبين وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنها من طاعة الله عز وجل ، وتحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات كثيرة نكتفى هنا بذكر بعضها .
       القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحذر من معصيته .
   قال الله سبحانه وتعالى :
    ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا  [ " الحشر : 7 "
    ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ     تَأْوِيلاً [ " النساء : 59 "
    ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [ " الأحزاب : 36 "
     ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  [ " النساء : 80 "
 ]  إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  [  " الفتح : 10 "
    ] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [  " النساء : 65 " 
     ] لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [     " النور : 63 "
   ] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ  [    " النور : 51 ، 52 "
       فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم   : مقرونة بطاعة الله عز وجل ، ومذكورة وحدها ، وحذرت من يعصى أمر رسول الله وحكمت عليه بالضلال المبين وبعدم الإيمان ، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله تبارك وتعالى . إذن بيان السنة من بيان كتاب الله العزيز .

السنة وحي

     ولا يكون مثل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم  إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى ، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال:] وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [ (3 - 4:النجم ).وقال: ] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ  [ ( 52 - 53 :  الشورى ) .
     وفى آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم   والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب والحكمة ،وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي السنة ، والآيتان هما قوله تعالى :
 ] وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  [ ( 113 : النساء) ، وقوله عز وجل : ]  وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [ (231 : البقرة ) . وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة .
      وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم  ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته .
      فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" لا ألفين أحدكم متكئـا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى ممـا أمـرت به أو نهيت عنه فيقـول لا أدرى ما وجدنـا في كتاب الله اتبعنـاه " وفى رواية لهم أيضـاً " يوشـك أن يقعـد الرجل منـكم على أريكته يحدث بحديثـى فيقـول :
      بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه . وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ([5]) .
      وفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال : " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه ([6]) .
      وروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال : " كان جبريل رضي الله عنه ينزل على رسول صلى الله عليه وسلم  بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " ([7]) .
     وروى الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال : " كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم  بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن  " ([8]) .ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية ( ص12 ) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً .

اعتصام السلف بالسنة

     كان السلف الصالح متمسكاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم   تمسكهم بالقرآن الكريم ، فالكل وحى واجب الاتباع .
     ففى صحيح البخارى نجد كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، ومما جاء في هذا الكتاب : " وكانت الأئمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم  - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم  " .
     ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى في باب التورع عن الجواب فيما ليس في كتاب ولا سنة :
     من هذه الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به ، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به ، فأن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال : أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو   بكر : الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا . فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به .
     وموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور حيث توقف " لا أجد لك في كتاب الله شيئاً " إلى أن بلغه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس .
      من روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى شريح : إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتـك عنه   الرجـال ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به .
      ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له : يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت .
     ومنها أن عبدالله بن مسعود قال : أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هناك ، وأن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون ، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله  فليقض بما قضى به الصالحون .
    ومما يبين ما جاء في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : أذكر الله امرأ سمع من النبى صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جارتين لى –ـ يعنى ضرتين ـ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه رسول صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا  بغيره . وقال غيره : إن كدنا أن نقضى في مثل هذا برأينا .
     وروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة وإلى التي تليها بعشر ، وفى الوسطى بعشر ، وفى التي تلى الخنصر بتسع ، وفى الخنصر بست .
     ثم قال الشافعى : لما كان معروفاً - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى في اليد بخمسين ، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع ، نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، فهذا قياس على الخبر .
       فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم ، فيه : أن رسول الله قال : " وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل " صاروا إليه .
       ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله .
      وفى الحديث دلالتان :
     أحدهما : قبول الخبر، والآخر : أن يقبل الخبر في الوقت الذى يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبرالذى قبلوا .
      ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله .
     ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده .
      ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم ، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه .
      ولو بلغ عمر هذا صار إليه ، إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله ، بتقواه لله ، وتأديتة الواجب عليه ، في اتباع أمر رسول الله وعلمه ، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر ، وأن طاعة الله فى اتباع رسول الله .
     ثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان   يقول : الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا ، حتى أخبره الضحاك ابن سفيان أن رسول الله كتب إليه : أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته ، فرجع إليه عمر ([9]) .
      ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث   واحد :
      روى البخارى في الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل ، أن جابر بن عبدالله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيرا ، فشددت إليه رحلى شهرا حتى قدمت الشام ، فإذا عبدالله بن أنيس ، فبعث إليه أن جابرا بالباب . فرجع الرسول فقال : جابر بن عبدالله ؟ فقلت : نعم . فخرج فاعتنقنى . قلت : حديث بلغنى لم أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت .. إلخ ([10]).
       وروى الحميدى في مسنده ( 1 / 189 ) وبسنده عن عطاء بن أبى رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة . فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو أمير مصر ، فأخبر به ، فعجل وخرج إليه   فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى وغير عقبة ، فابعث من يدلنى على منزله . فقال : فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فعجل فخرج إليه فعانقه وقال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك في ستر المؤمن .
فقال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمنا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة " .
        فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر .
       هذان مثلان فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى ، والرحلة في طلب الحديث معلومة مشهورة .

تدوين السنة

       من المعلوم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم  نهى عن كتابة أحاديثه الشريفة ، وأنه  كذلك أباح ، وأمر بمثل هذه الكتابة ، وبالطبع لا يمكن أن يجتمع النهى والإباحة والأمر مع اتحاد الزمان والأحوال . والمتتبع لهذا يجد أن النهى صدر في أول الأمر حتى لا يختلط شىء بكتاب الله تعالى كما يبدو ، أو لأية حكمة أخرى .
      والصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من صحيحه ، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ، ورواه   بسنده ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال : " لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومن كذب على - قال همام : أحسبه قال متعمداً : فليتبوأ مقعده من النار " .
      وقال الإمام النووى في شرح الحديث الشريف :
      قوله صلى الله عليه وسلم  : " لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه " قال القاضى : كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم : فكرهها كثيرون منهم ، وأجازها أكثرهم .
    ثم أجمع المسلمون على جوازها ، وزال ذلك الخلاف . واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهى ، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بحفظه ، كحديث " اكتبوا لأبى شاه " ، وحديث صحيفة على رضى الله عنه ، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذى فيه الفرائض والسنن والديات ، وحديث كتاب الصدقة ، ونصب الزكاة الذى بعث به أبو بكر رضى الله عنه أنسا رضى الله عنه حين وجهه إلى البحرين ، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب ، وغير ذلك من الأحاديث ، وقيل : إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث ، وكان النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة . وقيل : إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم " ([11]) .
      والأحاديث التي أشار إليها الإمام النووى جاءت بعد حديث النهى عن   الكتابة ، ومن هنا قيل بالنسخ ، ولذلك عندما ورد الحديث في مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذرى عقب الشيخ الألبانى بقوله : " هذا منسوخ بأحاديث كثيرة فيها الأمر بكتابة الحديث النبوى " ([12]) . والرامهرمزى الذى ولد في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى ، وتوفى سنة 360 هـ ، تحدث عن التدوين في كتابه المحدث الفاصل بين الراوى والواعى ( ص 363 : 402 ) تحت عنوان " باب الكتاب "  وذكر بإسناده ستة أحاديث . أولها عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تحل لأحد كان قبلى ، وإنما أحلت لى ساعة من نهار ، وأنها لا تحل لأحد كان بعدى ، لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفتدى ، وإما أن يقتل فقال العباس : إلا الأذخر يا رسول الله ، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا ، فقال : " إلا الأذخر " . فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال : اكتبه لى يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اكتبوا لأبى شاه  " . قال المديد : قلت للأوزاعى : ما قوله اكتبوا لأبى شاه ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول صلى الله عليه وسلم .
     أما باقى الأحاديث فكلها عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما ، وهى :
1       ـ قلت : يا رسول الله ، أقيد العلم ؟ قال : " نعم " ، قلت : وما تقييده ؟  قال : " الكتاب " .
2       ـ قلت : يا رسول الله ، أكتب ما أسمعه منك ؟ قال " نعم "  قلت : في الغضب والرضا ؟ قال : " نعم ، فإنى لا أقول إلا حقا "
3       ـ قلنا : يا رسول الله ، إنا نسمع منك أشياء لا نحفظها ، أفلا نكتبها ؟ قال: " بلى فاكتبوها " .
4       ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قيدوا العلم بالكتاب " .
5   ـ قلت : يا رسول الله ، إنى أسمع منك الشئ أفأكتبه ؟ قال : " نعم فاكتبه " قلت : إنك تغضب وترضى ؟ قال : " إنى لا أقول في الرضا والغضب إلا حقا"([13]).
      والحديث الأول ـ حديث أبى هريرة ـ أخرجه الإمام البخارى في كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، وفيه أخرج ثلاثة أحاديث أخرى ، أحدها عن أبى جحفة قال : قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . قال : قلت : فما فى هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر .
      وأخرج عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه قوله : ما من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منى ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ، فإنه كان يكتب و لا أكتب .
     والحديث الرابع في الباب جاء عن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال : لما اشتد بالنبى صلى الله عليه وسلم وجعه قال : " ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " .
      ومن المعلوم المشهور كتابة عبدالله بن عمرو التي أشار إليها أبو هريرة ، وصحيفته " الصادقة " التي أخذها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم .
     وفى أحاديث عبدالله بن عمرو من مسند الإمام أحمد نجد أربع روايات صحيحة تثبت هذه الكتابة ، منها قوله : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أريد حفظه ، فنهتنى قريش ، فقالوا : إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر ، يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن   الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اكتب ، فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا حق "([14])
     وفى رواية : " ما خرج منه إلا حق " ([15]).
     وفى رواية ثالثة : " فإنه لا ينبغى لى أن أقول في ذلك إلا حقاً " ([16]).
     وفى الأخيرة من الروايات الصحيحة : ".... فإنى لا أقول فيهما إلا حقا "([17])
       وعقب الشيخ أحمد شاكر على الحديث الأول ببيان صحته ، وذكر ما يتصل بتخريجه ، ثم انتقل للحديث عن الكتابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم    ، فاكتفى بإثبات ما قاله ابن القيم في تعليقه على اختصار المنذرى لسنن أبى داود ، وهو ما يأتى :-
     " قد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم النهى عن الكتابة والإذن فيها . والإذن متأخر ، فيكون ناسخا لحديث النهى ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح : اكتبوا لأبى شاه ، يعنى خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها ، وأذن لعبدالله بن عمرو في الكتابة ، وحديثه متأخر عن النهى ، لأنه لم يزل يكتب ، ومات وعنده كتابته وهى الصحيفة التي كان يسميها الصادقة . ولو كان النهى عن الكتابة متأخرا لمحاها عبدالله ، لأمر النبى صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن . فلما لم يمحها وأثبتها دل أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهى عليها ، هذا واضح والحمد لله .
     وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في مرض موته : ائتونى باللوح والدواة والكتف ، لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا . وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره ، وإذنه . وكتب النبى صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتابا عظيما ، فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها . وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب ، وكتاب أبى بكر الصديق الذى دفعه إلى أنس رضى الله عنه . وقيل لعلى : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ ؟ فقال : لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا ما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقول ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . وإنما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام ، لئلا يختلط القرآن بغيره ، فلما علم القرآن وتميز ، وأفرد بالضبط والحفظ ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط ، أذن في الكتابة .
       وقد قال بعضهم : إنما كان النهى عن كتابة مخصوصة ، وهى أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة ، خشية الالتباس . وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا . وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ ، فإذا حفظ محاها . وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها . ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل   ا . هـ .
      وفى مقدمة ابن الصلاح ( ص 87 ) جاء عنوان : " في كتاب الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده " .
      وقال : " اختلف الصدر الأول - رضى الله عنهم - في كتابة الحديث ، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم ، وأمروا بحفظه ، ومنهم من أجاز ذلك . وممن روينا عنه كراهة ذلك : عمر ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى ، وأبو سعيد الخدرى في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين " .
      وذكر حديث أبى سعيد الخدرى ، وقال : " وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله : على ، وابنه الحسن ، وأنس ، وعبدالله بن عمر ، وعبدالله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين .  ومن صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على جواز ذلك حديث أبى شاه ... إلخ " .
     ثم قال ( ص 88 ) : " ثم إنه زال ذلك الخلاف ، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة والله   أعلم " ([18]) .
      وفى الباعث الحثيث ( ص 132 ) سلك الحافظ ابن كثير منهج ابن الصلاج ، وذكر قوله فيما رواه عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم ، ثم قال : " وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا مستفيض شائع ذائع ، من غير نكير " .
      وفى التعليق على ما ذكره الحفاظ بين الشيخ أحمد شاكر أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة من جواز الكتابة ، وذكر حديث أبى سعيد في  النهى ، ثم قال : إن النهى منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة ، وذكر عددا من هذه الأحاديث ، وقال :
      " وهذه الأحاديث ، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها : كل هذا يدل على أن حديث أبى سعيد منسوخ ، وأنه كان في أول الأمر حيث خيف اشتغالهم عن القرآن ، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن . وحديث أبى شاه في أواخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إخبار أبى هريرة ، وهو متأخر الإسلام ، أن عبدالله بن عمرو كان يكتب ، وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبدالله  كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة ، ولو كان حديث أبى سعيد في النهى متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز ، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحاً . ثم جاء إجماع الأمة القطعى يعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير ، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى ، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول رضى الله عنهم أجمعين " . ا . هـ
       مما سبق نرى أن تدوين السنة بدأ في حياة الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما كتب بأمره وبين يديه صلى الله عليه وسلم .
       ومن المعلوم أن الاتجاه العام إلى جمع السنة المشرفة وتدوينها في الدولة الإسلامية إنما كان في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز رضى الله تعالى عنهم ، وكانت مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين ، ووفاته فى رجب سنة إحدى ومائة ، وهذا يعنى أن الجمع كان لكل من المكتوب منها والمحفوظ ، مع مراعاة الإسناد الذى شرفت به وانفردت خير أمة أخرجت للناس . فالجمع إذن لم يكن للمحفوظ وحده ، كما لم يكن لهذا المحفوظ قيمة علمية بغير الإسناد المتصل المرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
      قال الجزائرى في توجيه النظر إلى أصول الأثر ( ص 7 : 8 ) .
      قال البخارى في صحيحه فى كتاب العلم : " وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبى بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه ، فإنى خفت دروس العلم ، وذهاب العلماء " ، وابو بكر هذا كان نائب عمر بن عبدالعزيز في الإمرة والقضاء على المدينة . روى عن السائب بن يزيد ، وعباد بن تميم ، وعمرو بن سليم الزرقى . وروى عن خالته عمرة ، وعن خالدة ابنة أنس ، ولها صحبة . قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر ابن حزم .. وكتب إليه عمر بن عبدالعزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة والقاسم فكتبه له . وأخذ عنه معمر ، والأوزاعى ، والليث ، ومالك وابن أبى   ذئب ، وابن إسحق ، وغيرهم . وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة عشرين ومائة ،وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبدالعزيز محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبدالله بن شهاب المدنى ، أحد الأئمة الأعلام ، وعالم أهل الحجاز والشام . أخذ عن ابن عمر ، وسهل بن سعد ، وأنس بن مالك ، ومحمود بن  الربيع ، وسعيد بن المسيب ،وأبى أمامة ابن سهل ، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين ، وأخذ عنه معمر ، والأوزاعى ،والليث ، ومالك ، وابن أبى ذئب وغيرهم . ولد سنة خمسين وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة . قال عبد الرزاق : سمعت معمرا يقول : كنا نرى أناقد أكثرنا عن الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهرى ، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهرى . ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول فقالوا : كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة فلما انتشر العلماء في الأمصار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين .
      وأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة ، وابن إسحق أو مالك بالمدينة : والربيع ابن صبيح أو سعيد بن أبى عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام ، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وجرير بن عبدالحميد  بالرى ، وابن المبارك بخراسان . وكان هؤلاء في عصر واحد ، ولا يدرى أيهم سبق . قال الحافظ ابن حجر : " إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في   الأبواب ، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبى ، فإنه روى عنه قال : هذا باب من الطلاق جسيم ، وساق فيه أحاديث".
     وتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم خاصة وذلك على رأس المائتين ، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى مسندا ، وصنف مسدد البصرى مسندا ، وصنف أسد بن موسى مسندا ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسندا ، ثم اقتفى الحفاظ آثارهم : فصنف الإمام أحمد مسندا ، وكذلك إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة ، وغيرهم . ولم يزل التأليف في الحديث متتابعا إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع في علم الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة ، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال ، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبين له صحته . وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بغيره بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث ، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه . فإن لم يتيسر له ذلك بقى ذلك الحديث مجهول الحال عنده ، واقتفى أثر الإمام البخارى في ذلك الإمام مسلم ابن الحجاج . وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه ، فألف كتابه المشهور ، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين ، فمعظم انتفاع الناس بهما ، ورجعوا عند الاضطراب إليهما ، وألفت بعدهما كتب لا تحصى ، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها .
      هذا وقد توهم أناس مما ذكر آنفا أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شىء غير الكتاب العزيز ، وليس الأمر كذلك ، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض ، وذكر البخارى في صحيحه أن عبدالله بن عمرو كان يكتب الحديث... إلخ . ا . هـ
    والتوهم الذى أشار إليه صاحب توجيه النظر أنه ليس له أساس علمى ، وكان المنهج العلمي والواقع العملى يستلزمان إزالة هذا التوهم ، فلم يقف الأمر عند ثبوت الكتابة عن طريق الأخبار الصحيحة ، بل وصل إلينا بعض ما كتب ، وطبع وانتشر : مثال هذا صحيفة همام بن منبه التي كتبها سماعا من راوية الإسلام الأول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ، نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فقد نشرها المجمع العلمي العربى بدمشق ، وطبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله ، وأخرجها من قبل الإمام أحمد في مسنده ( حـ 2 ص 312 : 318 ) ، وعندما قام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله .. بتحقيق وشرح المسند طبع خمسة عشر جزءا ، وتوفى قبل طبع الجزء السادس عشر ، وهو الذى يبدأ بصحيفة همام .…
     وفى المسند أيضاً أحاديث كثيرة من صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص ، كما طبع تفسير مجاهد بن جبر ، تلميذ ابن عباس رضى الله عنهم ، وصلة التفسير بالسنة واضحة معلومة .
       بل إن كتب النبى صلى الله عليه وسلم وصلنا كثيرمن نصوصها ، وعثر على بعض النسخ الأصلية التي كتبت في حياته صلى الله عليه وسلم : ففى كتاب الأموال لأبى عبيد - على سبيل المثال - يوجد " باب كتب العهود التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأهل   الصلح " ( ص 244 ) ، ويروى أبو عبيد بإسناده تحت هذا الباب نصوص سبعة كتب ، وفى كتاب الأموال لابن زنجوية يوجد " كتاب العهود التي كتبها رسول   الله ... صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأهل الصلح " ( 2 / 449 ) ، وهو قريب مما ذكره أبو  عبيد .
       وجمع الدكتور محمد حميد الله ما استطاع من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم فأثبت نصوصها ، وبين مصادرها ، وذكر ما يوجد من أصولها وعرض صوراً لكتبه صلى الله عليه وسلم إلى كل من : النجاشى ، وهرقل ، والمقوقس ، وكسرى ، وغيرهم([19]).
       بعد هذا كله كيف يبقى أى توهم ، أو أدنى شك في ثبوت الكتابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام من بعده ؟!
      كان الواجب إذن أن يزال هذا التوهم ، ولا يبقى أى شك أو لبس ، ولكن العجيب الغريب أن الأمر زاد واستشرى ، طعنا في السنة المشرفة ، وتشكيكا في صحتها ، والذين تولوا كبره المستشرقون وتلامذتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله ، والجهلة بمكانة السنة المطهرة وحجيتها وعلومها . وقد صنفت كتب عديدة في الرد على هؤلاء الطاعنين . وحتى لا يطول بنا الحديث عن التدوين أكتفى بالإشارة إلى كتاب واحد وبعض ما جاء فيه ، وذلك هو " دراسات في الحديث النبوى وتاريخ تدوينه " للدكتور محمد مصطفى الأعظمى ، جعل المؤلف الباب الثالث حول كتابة الأحاديث النبوية ( ص 71 : 83 ) ، وانتهى منه إلى نتيجة وهى أن المسلمين كانت قد أصبحت لديهم إمكانيات واسعة تمكنهم من كتابة الأحاديث  النبوية ، ولم يكن ثمة عائق خارجى يقف في وجه تقييد العلم .
       وجعل عنوان الباب الرابع " تقييد الحديث من عصر النبى صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الثانى الهجرى على وجه التقريب " ، وهذا الباب يقع في مائتين واثنتين وأربعين صفحة ( 84 : 325 ) ، وقسمه إلى أربعة فصول :
       الفصل الأول لكتابة الصحابة والكتابة عنهم :
        ذكر فيه اثنين وخمسين من الصحابة الذين كتبوا أو كتب عنهم الأحاديث النبوية ، ورد على الشبه التي تشكك فيما انتهى إليه ، وعلى سبيل المثال ذكر أسماء عشرة كتاب كتبوا عن أبى هريرة ، ومنهم همام بن منبه صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملة ، وأشرت إليها من قبل ،وأربعة عشر كتبوا عن جابر بن عبد الله ، وهو نفسه من المؤلفين الأوائل ، وتسعة كتبوا عن ابن عباس ، أما هو فكانت كتبه حمل بعير ، وهكذا .
      والفصل الثانى عنوانه : " تابعيو القرن الأول وكتاباتهم والكتابة عنهم " ، وأثبت من هؤلاء ثلاثة وخمسين .
      والفصل الثالث جعله المؤلف لكتابة صغار التابعين والكتابة عنهم ، وذكر من هؤلاء التابعين تسعة وتسعين .
       أما الفصل الأخير من هذا الباب فكان لكتابة بعض صغار التابعين وأتباع التابعين والكتابة عنهم ، وبلغ عدد من ذكرهم هنا اثنين وخمسين ومائتين .
       وبهذا يتضح بدء الكتابة في عصر النبوة ، واتصالها واتساعها دون توقف حتى ما جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى .
      وقبل هذا الباب قال المؤلف (ص 76 ) : " في ضوء دراستنا هذه نستطيع أن نقول أن كل من نقل عنه كراهية كتابة العلم فقد نقل عنه عكس ذلك أيضاً ، ما عدا شخصاً أو شخصين ، وقد ثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم ، كما يتضح ذلك بمراجعة الباب الرابع من هذا الكتاب "
     وممن نقل عنهم كراهية كتابة العلم ، وتحدث المؤلف عنهم في هذا الباب ، ليثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم :
1 ـ أبو سعيد الخدرى ([20]) .
2 ـ أبو موسى الأشعرى ([21]) .
3 ـ زيد بن ثابت ([22]) .
4 ـ عبدالله بن مسعود ([23]) .
5 ـ عمر بن الخطاب : وقد أفاض في الحديث عنه ، وذكر سبع قضايا نقلت عن عمر وأسىء فهمهما ، واستدل بها على عدم أخذه بالسنة النبوية ، ورد المؤلف على هذا كله ، وذكر من الأدلة ما هو كاف شاف ، ثم تحدث عن جهود عمر لنشر السنة ، وعن كتابته للسنة ([24]).

الجرح والتعديل

      تكفلت كتب علوم الحديث ببيان ما يتصل بالجرح والتعديل ، ولعل أول كتاب ألف في علوم الحديث هو المحدث الفاصل بين الراوى والواعى للرامهرمزى ، المتوفى سنة 360 هـ . ولكن قبل هذا بكثير كان لبعض الأئمة الأعلام ما يتصل بالجرح والتعديل من أحكام عامة ، وبيان لمن تقبل روايتهم ومن ترد وذكر لأسماء كثير من هؤلاء الرواة . وتوسع بعضهم في ذكر هذه الأسماء فيما يعرف بكتب الرجال ، ومن أقدمها وأنفعها ما كتبه الإمام البخارى في تاريخه الكبير ، وفى الضعفاء ، وكان أثره واضحاً  ، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبى حاتم المتوفى سنة 327  هـ .
       وكتب علوم الحديث حفظت لنا آراء الأئمة من الجرح والتعديل ، ولكن قبل أن ننظر في هذه الكتب أريد أن أثبت هنا بعض ما جاء في غيرها سابقا لها ، وأكتفى ببعض ما كتبه ثلاثة من الأئمة :
      أولهم الإمام الشافعى ، صاحب كتاب الرسالة ، الذى يعد أول ما صنف في أصول الفقه ، وفى هذا الكتاب ، تحدث الإمام عن خبر الواحد فقال :
      ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها : أن يكون من حدث به ثقة في دينه ، معروفا بالصدق في حديثه ، عاقلا لما يحدث به ، عالما بما يحيل معانى الحديث من اللفظ ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع ، لا يحدث به على المعنى ، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أداه بحروفه فلم  يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث ، حافظا إن حدث به من حفظه ، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه . إذ شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم ، بريا من أن يكـون مدلسا : يحدث عن من لقى ما لم يسمع منه ، ويحدث عن النبى ما يحدث الثقات خلافه عن النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبى أو إلى من انتهى به إليه دونه ، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه ، ومثبت على من حدث عنه ، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت . (ص 370 : 372 ).
       ثم قال بعد هذا : ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته . وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ، ولا النصيحة في الصدق ، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق . فقلنا : لا نقبل من مدلس حديثاً حنى يقول فيه " حدثنى " أو " سمعت " ( ص 379 : 380 ) .
      وقال أيضاً : ومن كثر غلطه من المحدثين ، ولم يكن له أصل كتاب   صحيح ، لم نقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته .
     وأهل الحديث متباينون :
      فمنهم المعروف بعلم الحديث ، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوى الرحم والصديق ، وطول مجالسة أهل التنازع فيه . ومن كان هكذا كان مقدما في الحفظ ، إن خالفه من يقصر عنه ، كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه .
      ويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له .
      وإذا اختلفت الرواية استدللنا عن المحفوظ منها والغلط بهذا ، ووجوه سواه ، تدل على الصدق والحفظ والغلط . ( الرسالة : ص 382 : 383 ) .
      ونأتى بعد الإمام الشافعى إلى الإمام مسلم ، حيث تحدث في مقدمة صحيحه عن حال بعض الرواة وبين طبقاتهم . وبعد أن بين من تقبل أحاديثهم قال ( ص 45 ) : " فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون ، أو عند الأكثر منهم ، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم " . وسمى بعضهم وقال : " وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار ، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط ، أمسكنا أيضا عن حديثهم .
      وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم ، أو لم تكد توافقها . فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا نستعمله " ( ص : 46 ) .
      ويأتى بعد هذا باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ، والاحتياط في تحملها ، ثم باب بيان أن الإسناد من الدين ، وبين فيه وجوب عدم الأخذ إلا عن الثقة الثبت ، ونبه إلى أمر هام حيث روى عن أبى الزناد قوله : " أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أهله " ([25]).
       وعن يحيى بن سعيد القطان قال : " لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث " ، وفسر الإمام مسلم هذا بقوله : يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب .
      وقال النووى في شرحه : معناه ما قاله مسلم أنه يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون ذلك ، لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث ، فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه ، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب . وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو : عمدا كان أو سهوا أو غلطا ([26]).
      وفى الكشف عن معايب رواة الحديث أورد مسلم بعض الأخبار التي تذكر أسماء بعض الكذابين والوضاعين ، ومن هؤلاء جابر بن يزيد الجعفى ، وروى عن غير واحد أن جابرا كان يؤمن بالرجعة ، وفسرها النووى بقوله : معنى إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ في السحاب ، فلا نخرج - يعنى مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء : أن اخرجوا معه ، وهذا نوع من أباطيلهم ، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية ( ص : 85 ) .
      ومما رواه مسلم أيضاً أن جابرا قال : إن عندى لخمسين ألف حديث ، ما حدثت منها بشئ . ثم حدث يوما بحديث فقال : هذا من الخمسين ألفا ، وفى خبر زاد أنها عن النبى صلى الله عليه وسلم .
      وفى خبر أيضاً قال جابر : عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر عن النبى صلى الله عليه وسلم كلها .
      وروى عن الإمام سفيان بن عيينه أنه قال : سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله - عز وجل :
  ] فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [ ([27]) ، فقال جابر : لم يجئ تأويل هذه الآية . قال سفيان : وكذب .فقلنا لسفيان : وما أراد بهذا ؟ فقال : لإن الرافضة تقول أن عليا في السحاب ، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء ، يريد عليا أنه ينادى : اخرجوا مع فلان . يقول جابر : فذا تأويل هذه الآية ، وكذب ، كانت في إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم .
      وروى عن سفيان أيضاً قال : سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ، ما أستحل أن أذكر منها شيئا وأن لى كذا وكذا ([28]).
      ثم ذكر الإمام مسلم عدداً غير قليل ممن لا تقبل روايتهم ([29])، ثم قال:" وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمى رواة الحديث ، وأخبارهم عن معايبهم ، كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه ، وفيما ذكرنا غاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا . وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلى الأخبار ، وأفتوا بذلك حين سئلوا ، لما فيه من عظيم الخطر ، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتى بتحليل أو تحريم ... إلخ .([30])
      وللإمام مسلم في بيان علل الحديث كتاب التمييز :
      بين فيه الدواعى إلى الجرح والتعديل ، ثم أورد باب ما جاء في الترقى في حمل الحديث وأدائه والتحفظ من الزيادة فيه والنقصان ( ص 127 ) . وبعد هذا أخذ يبين علل بعض الأخبار والروايات كالخطأ أو الوهم في الإسناد أو المتن ، أو فيهما معا ، وأشار إلى شىء من التصحيف ، وما يدفعه الأخبار الصحاح ، ثم قال بعد هذا كله ( ص 171 ) :
     " واعلم رحمك الله ، أن صناعة الحديث ، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس ، العارفين بها دون غيرهم ، إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة ، من عصر إلى عصر من لدن النبى صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس ، وخالفهم في المذهب ، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار ، من نقال الأخبار وحمال الآثار .
      وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح . وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم ، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله ، أو سقطوا من أسقطوا منهم . والكلام في تفسير ذلك يكثر ، وقد شرحناه في مواضع غير هذا ، وبالله التوفيق ، في كل ما نؤم ونقصد " .
      وبعد الإمامين الشافعى ومسلم نأتى إلى الثالث وهو ابن أبى حاتم في كتابه الجرح والتعديل الذى أشرت إليه من قبل ، حيث جعل لكتابه مقدمة بدأها ببيان مرتبة النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم بمعرفة السنة وأئمتها ، ثم تحدث عن التمييز بين الرواة وبيان طبقاتهم ، فقال ( ص 5 : 7 )
   التمييز بين الرواة :  قال أبو محمد : فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شئ من معانى كتاب الله ولا من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية ، وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم ، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة .
      ولما كان الدين هو الذى جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة حق علينا معرفتهم ، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم ، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته ، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم ، علماء بدينهم ، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه ، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثير من الغفلات ، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه ، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات .
       وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو  والاشتباه ، ليعرف به أدلة هذا الدين وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم هؤلاء أهل العدالة ، فيتمسك بالذى رووه ، ويعتمد عليه ،ويحكم به ، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ ، فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها ، إن كذب فكذب ، وإن وهم فوهم ، وإن غلط  فغلط ، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه ،ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار ، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ  الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه.
              طبقات الرواة : ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم وتباين درجاتهم ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقيب والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح.
       ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه - فهؤلاء هم أهل العدالة . ومنهم الصدوق فى روايته الورع فى دينه الثبت الذى يهم أحياناً وقد قبله الجهابذة النقاد ـ فهذا يحتج بحديثه أيضاً .
      ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط  فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام . 
      ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ـ ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب ، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به .
     وبعد هذا تحدث ابن أبى حاتم عن الصحابة الكرام فقال ( ص 7 : 8 )
     الصحابة : فأما أصحاب رسول الله فهم الذين شهدوا الوحى والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل . وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه ، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة ، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب ، ووعوه وأتقنوه ، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده - بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه ، فشرفهم الله عز وجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة ، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز ، وسماهم عدول الأمة فقال عز ذكره في محكم كتابه : ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ  [ ففسر النبى صلى الله عليه وسلم عن الله عز ذكره قوله " وسطا " قال :   عدلا . فكانوا عدول الأمة ، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة .
       وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم والجرى على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال : ] وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [  الآية ([31]) .
    ووجدنا النبى صلى الله عليه وسلم  قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها ، منها أن دعا لهم فقال : نضر الله امرأ سمع مقالتى فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره . وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته : فليبلغ الشاهد منكم الغائب . وقال : بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عنى ولا حرج .
       ثم تفرقت الصحابة رضى الله عنهم في النواحى والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازى والإمارة والقضاء والأحكام ، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذى هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكموا بحكم الله عز وجل ، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن نظائرها من المسائل ، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين .
      وبعد الصحابة قال عن التابعين ( ص 8 : 9 ) .
     التابعون : فخلف بعدهم التابعون الذين اختارهم الله عز وجل لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم وآثاره ، فحفظوا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار وسائر ما وصفنا الصحابة به رضى الله عنهم ، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله عز وجل ونهيه بحيث وضعهم الله عز وجل ، ونصبهم له إذ يقول الله عز وجل :  ]وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ  [ " الآية "
     حدثنا عبدالرحمن محمد بن يحيى ، أنا العباس بن الوليد الترسى ، نايزيد بن زريع ، ثنا سعيد ، عن قتادة قوله عز وجل :  ]  وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ  [  التابعين .
       فصاروا برضوان الله عز وجل لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز ، أو تدركهم وصمة ، لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم ، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله عز وجل لإثبات دينه وإقامة سنته وسبله ، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى ، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماما مبرزا مقدما في الفضل والعلم ووعى السنن وإثباتها ولزوم الطريقة واحتبائها ، رحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين - إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس  يلحقهم ، ولا هو في مثل حالهم : لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان ، ولا ثبت ممن ذكرنا حالهم وأوصافهم ومعانيهم في مواضع من كتابنا هذا ، فاكتفينا بها وبشرحها في الأبواب مستغنية عن إعادة ذكرها مجملة أو مفسرة في هذا المكان.
     وفى ص 9 ، 10 جاء الحديث عن أتباع التابعين ومراتبهم :
     أتباع التابعين : ثم خلفهم تابعو التابعين وهم خلف الأخيار وأعلام الأمصار في دين الله عز وجل ، ونقل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه وإتقانه ، والعلماء بالحلال والحرام ، والفقهاء في أحكام الله عز وجل وفروضه وأمره   ونهيه ،  فكانوا على مراتب أربع .
    مراتب الرواة : فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث - فهذا الذى لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله ، ويحتج بحديثه وكلامه في   الرجال .
       ومنهم العدل في نفسه ، الثبت في روايته ، الصدوق في نقله ، الورع في دينه  ، الحافظ  لحديثه المتقن فيه ، فذلك العدل الذى يحتج بحديثه ، ويوثق في نفسه .
      ومنهم الصدوق الورع الثبت الذى يهم أحيانا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه .
      ومنهم الصدوق الورع المغفل ، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب و لا يحتج بحديثه في الحلال والحرام .
      وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق   والأمانة ، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته . انتهى المنقول من كلام ابن أبى حاتم .
      وننتقل بعد هذا إلى كتب علوم الحديث :
      وأولها المحدث الفاصل للرامهرمزى المتوفى سنة 360هـ . ومما جاء في موضوعنا ما أثبته تحت عنوان : " القول فيمن يستحق الأخذ عنه " بدأه بما يبين رأى الإمام مالك حيث قال :
      القول فيمن يستحق الأخذ عنه :
      حدثنا عبدالله بن الصقر السكرى ، ثنا إبراهيم بن المنذر الجزامى ، ثنا    معن - وقال مرة محمد بن صدقة الفدكى أحدهما أو كلاهما - قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لا يؤخذ العلم عن أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذلك : لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس ، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما  يحدث . قال الحزامىّ : فذكرت ذلك لمطرف بن عبدالله فقال : ما أدرى ما تقول ، غير أنى أشهد لسمعت مالكا يقول : أدركت ببلدنا هذا - يعنى المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة ، يحدثون ، فما كتبت عن أحد منهم حديثا قط . قلت : لم يا عبدالله ؟
       قال : لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون . قال : وقال مالك : كنا نزدحم على باب ابن شهاب ( ص 403 : 404 ) .
       وانتقل المؤلف بعد هذا إلى الإمام الشافعى ، حيث نقل عنه ما ذكرته من  قبل ، ثم قال :
       قال الشافعى : وكان ابن سيرين والنخعى وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن من عرف .
       قال الشافعى : وما لقيت أحدا من أهل العلم يخالف هذا المذهب  ( ص 405 ) .
         وجاء بعد هذا بآراء آخرين غير مالك والشافعى .
        وبعد الرامهرمزى يأتى كتاب علوم الحديث للحاكم المعروف بتشيعه ، ولكنه لم يكن رافضيا ، ولذلك أترك النقل منه هنا وأبقيه عند الحديث عن الجرح والتعديل عند الشيعة الاثنى عشرية ليتضح الفرق بين الشيعة والرافضة .
        ومن الكتب المتقدمة فى علـوم الحديث الكفاية في علم الروايـة ، لأبى بكر أحمد بن على بن ثابت ، المعـروف بالخطيب البغدادى ، والمتوفــى سنة 463 هـ .
        وتحدث عن الرواية عن أهل الأهواء والبدع فقال ( ص 125 ) :
       والذى يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل ، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب ، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال ، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة ، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم ، فاحتجوا برواية عمران بن حطان وهو من الخوارج ، وعمرو بن دينار ، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع وكان عكرمة إباضياً ، وابن أبى نجيح وكان معتزليا ، وعبدالوارث بن سعيد وشبل بن عياد ، وسيف بن  سليمان ، وهشام الدستوائى ، وسعيد بن أبى عروبة وسلام بن مسكين ، وكانوا قدرية وعلقمة بن مرثد ، وعمرو بن مرة ، ومسعر بن كدام ، وكانوا مرجئة ، وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد ، وعبد الرزاق بن همام وكانوا يذهبون إلى التشيع ، في خلق كثير يتسع ذكرهم ، دوّن أهل العلم قديما وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم فصار ذلك كالإجماع منهم ، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقاربة الصواب .

باب ذكر بعض المنقول

      عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع قد اسلفنا الحكاية عن أبى عبد الله الشافعى في جواز قبول شهادة أهل الأهواء غير صنف من الرافضة خاصة ، ويحكى نحو ذلك عن أبى حنيفة إمام أصحاب الرأى وأبى يوسف القاضى .
      وبعد هذا ذكر عدة روايات منها :
      بسنده عن حرملة بن يحيى قال : سمعت الشافعى يقول : لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة ( ص : 126 ) .
      وعن أبى يوسف قال : أجيز شهادة أهل الأهواء أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون أن الله لا يعلم الشئ حتى يكون .
     وعن ابن المبارك قال : سأل أبو عصمة أبا حنيفة : ممن تأمرنى أن أسمع الآثار ؟ قال : من كل عدل في هواه إلا الشيعة ، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  ، ومن أتى السلطان طائعا ، أما إنى لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغى ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم . فهذان لا ينبغى أن يكونا من أئمة المسلمين ( ص : 126 ) .
     وعن عبدالرحمن بن مهدى قال : من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل ، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك ( ص : 127 ) .
     وقيل لأحمد بن حنبل : يا أبا عبدالله سمعت من أبى قطن القدرى ؟
     قال : لم أره داعية ، ولو كان داعية لم اسمع منه .
     قلت ـ أى الخطيب البغدادى : إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفا أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها كما حكينا في الباب الذى قبل هذا عن الخارجى التائب قوله : كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ( ص : 128 ) .
     وعن أبى داود قال : ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج ، ثم ذكر عمران بن حطان ، وأبا حسان الأعرج ( ص : 130) .

حوار الإمام الشافعي لفرقة ضلت

       إذا كان السلف الصالح متمسكاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم   تمسكهم بكتاب الله العزيز ، فإن فرقة شذت في عصر الإمام الشافعى فردت سنة رسول صلى الله عليه وسلم  ، ورأت أنها لا تقوم على الكتاب الذى أنزله الله تبياناً لكل شئ . وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة ، وذكر حواره مع واحد منها في كتاب جماع العلم في الجزء السابع من كتابة الأم .
       وقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله :
       لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، والتسليم لحكمه ، بأن الله عز وجل لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه ، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد ، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى .
      ثم قال رحمه الله وجزاه خيراً :
باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها
       قال الشافعى رحمه الله تعالى :
      قال لى قائل يُنسب إلى العلم بمذهب أصحابه… ..
      وذكر الشافعى قوله بأن القرآن نزل تبياناً لكل شىء ، بلسان عربى مبين ، وأن الأحاديث تعتمد على من يجوز عليهم الكذب ، والخطأ ، والنسيان ، والغلط .
      فبين الإمام أن السنة وحى ، لا يمكن الاستغناء عنها ؛ فلا يستقيم أمر الدين بغيرها ، ولا نعرف أحكام العبادات والمعاملات وغيرها إلا بها . وأنه يحتـاط فى قبولها أكثر مما يحتاط فى قبول الأقوال التى تستباح بها الدماء والأموال والأعراض . واستمر الإمام فى حواره الممتع المقنع حتى اهتدى ذاك الضال . وهذا الحوار نقلته تاماً فى بحث " السنة بيان الله على لسان رسوله " وهو ملحق بهذا الجزء ، ولذلك أكتفى به ، وأحيل عليه .

بعد الإمام الشافعى

     هذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال ، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة . ويأتى القرن الثالث ، الذى توفى الإمام الشافعى في العام الرابع من بدايته ، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها ، حيث دون مسند الإمام أحمد ، والصحيحان ، وكتب السنن الأربعة ، وغيرها من الكتب الآخرى : كسنن سعيد بن منصور ، والدارمى ، ومسانيد إسحاق بن راهويه ، وبقى بن مخلد ، والبزار ، وأبى يعلى .
     غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة .
     ننظر مثلا إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ . فنراه جعل كتابه في الرد على أعداء أهل الحديث ، والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف ، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى . ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه ، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه ، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث .
      فيذكر منهم النظام ويقول : وجدنا النظام شاطرا من الشطار ، يغدو على سكر ، ويروح على سكر ، ويبيت على جرائرها ، ويدخل في الأدناس ، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ
     وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة ، وطعن في أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة ، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله : هذا هو قولـه– أى       النظام - في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم ، كأنه لم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة ، ولم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة ، ولم يسمع بقوله تعالى  ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ[   ([32]) .
      وبعد حديثه عن النظام ، ورده عليه يقول : ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذابا أفاكا ... إلخ وهكذا استمر ابن قتيبة في كتابه .
     وكان أسوأ وأشد خطرا من هؤلاء الذين تحدث عنهم الرافضة الذين اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة ، فأشركوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم ، ووضعوا الأخبار في ظلمات هذا المفهوم ، وفى ظلماته أيضاً كتبوا في الجرح والتعديل .
     شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب التفسيرهي تفاسير العسكرى والقمى والعياشى التي تحدثنا عنها من قبل في الجزء الثانى ، وبالرجوع إليها وجدنا أنها تطعن في خير الناس : صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رضى الله عنهم ورضوا عنه ، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصا ومعنى ، وجاء الطعن والقول بالتحريف في روايات مفتريات اعتبروها صحيحة بمقياسهم .
     وألف كتاب رابع وهو الكافى للكلينى تلميذ القمى ، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول في الحديث عندهم ، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً ، ووضع من المفتريات ما لايستطيع أن يتصوره أى مسلم ، وسيأتى الحديث عنه بالتفصيل .
     وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات : فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام ! وشيخه ليس ثقة فحسب ، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات ، ولا يعتبر الحديث صحيحا إلا إذا كان الرواة كلهم جميعا من طائفتهم ، والجرح عندهم سيئ للغاية ، وسيتضح هذا جليا في الفصول التالية .  
 
 
*****

في عصر السيوطي

           وفى هذه العجالة التي لاتهدف إلى الحصر والاستقصاء ، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع ، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتابا تحت عنوان " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " ، وبين سبب تأليف كتابه فقال : اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء ، ومن الأراء كهيئة الخلاء ، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة ، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارساً - بحمد الله تعالى - منذ أزمان ، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علواً وشرفاً - لا يحتج بها ، وأن الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث " وما جاءكم عنى من حديث فاعرضوه على القرآن ، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه " ([33])
  ([34])  هكذا سمعت الكلام بجملته منه ، وسمعه منه خلائق غيرى ، فمنهم من لايلقى لذلك بالاً ، ومنهم من لايعرف أصل هذا الكلام ، ولا من أين جاء ، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك ، وأبين بطلانه ، وأنه من أعظم المهالك .
      فاعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر حديث النبى صلى الله عليه وسلم  - قولا كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى ، أو مع من يشاء الله من فرق الكفرة .
       روى الإمام الشافعى - رضى الله عنه - يوما حديثا ، وقال أنه صحيح ، فقال له قائل : أتقول به يا أبا عبدالله ؟ فاضطرب وقال : يا هذا ! أرأيتنى خارجا من كنيسة ؟ أرأيت في وسطى زنارا ؟ أروى حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم          ولا أقول به ؟
      وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن ، وهم في ذلك مختلفو المقاصد ، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى ، وأن جبريل - رضي الله عنه - أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً ، ومنهم من أقر للنبى صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، ولكن قال : إن الخلافة كانت حقا لعلى ... إلخ .  
       ثم قال السيوطى بعد ذلك : وهذه آراء ما كنت استحل حكايتها ، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس في راحة منه من أعصار .
      وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم ، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم ، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك والله الموفق ([35]) .
     والكتاب طبع في ستين ومائة صفحة ، فارجع إليه .

تعقيب

    قد يقال : كيف ذكر السيوطى أن الرافضة تنكر الاحتجاج بالسنة وعندها أربعة كتب معتمدة في السنة ؟
      والجواب أن الرافضة أرادوا هدم السنة المشرفة التي بين أيدى المسلمين حتى لا يبقى إلا كتبهم التي يتداولونها فيما بينهم والتي وضعت لتأييد عقيدتهم الباطلة كما سيتضح من دراستها ، والله تعالى أعلم .
    ومنهم من جعل عقله حكما لرفض أحاديث صحت سندا ومتنا ، بل في أرقى مراتب الصحاح ، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة والنار ، وعلامات الساعة ، والملائكة والجن . ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم ، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد ،وكيف نحكم العقل في أمور لا نعرف شيئا عنها إلا بالنقل الصحيح ؟ فمتى ثبت النقل لزم التسليم . أحيانا ترى جاهلا مغروراً يقف أمام حديث متفق عليه ويقول : هذا مرفوض عقلا ! وكان عليه أن يسأل نفسه : أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول ؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرناً بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها ؟
     ومن أسوأ الطاعنين في عصرنا المستشرقون ، وأشد منهم خطراً تلامذتهم المقلدون التابعون لهم : والمستشرقون طعنوا في القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل ، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ،وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول .
     ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعاً من اختراعات المسلمين المتأخرين ، أرادوا أن يثبتوا أحكاما فنسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير في السنة ، فمثلا طعنوا في أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله عنه ، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين ، وهو كما قال الشافعى " أثبت من روى الحديث فى دهره " . وطعنوا في ابن شهاب الزهرى ، الإمام الحجة الثبت ، أول من استجاب لعمر بن عبدالعزيز في جمع السنة ... وهكذا .
      ثم ظهر اتجاه آخر عندهم ، اعتبره بعضهم هدما للفكر الاستشراقى ، ولذلك ثاروا على القائلين به ، مع أنه في النهاية يصل إلى البهتان نفسه .
      ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولا بأن السنة لها أصل ، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة ، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم ، فيقولون : إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله ، لأن السند لم يكن معروفا عندهم ، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء   المدرسة ، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولا ، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ([36]). 
       ومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا في النهاية إلى التشكيك في السنة كلها.
      هؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد ، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد ، ولذلك فهى محرفة مزورة ، ولكن لا شك أنهم قرءوا عن جمع السنة وتنقيتها ، وشروط رجال الحديث ، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعا بهذا الإسناد ، ولكن ماذا تنتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله ، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاّ ؟
      فلا تنتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات . وإن كنا مطمئنين تماما إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون  ، فالله عز وجل لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه ، وإنما تعهد بحفظه   ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ ، كما تعهد ببيانه  ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  [ ، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة ، وهى المبينة له .

أبو هريرة رضى الله تعــالي عنه

     في عصرنا وجدنا المستشرقين من الصليبيين والصهيونيين ، ومعهم العلمانيون والرافضة ، يجترءون على راوية الإسلام الأول سيدنا أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه وأرضاه .
     وهؤلاء جميعا ليس بينهم وبين الصحابى الجليل عداء خاص ، وإنما العداء للسنة المشرفة التى كان الصحابى الجليل أحفظ من رواها في دهره كما قال الإمام الشافعى ، والعداء للإسلام نفسه ، فلا يقوم بغير السنة المطهرة
      وفى المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامى الذى عقد بالكويت في شوال سنة 1405 ، وخصص للسنة المطهرة ، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث ، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين ، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل .
     ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له ، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر ، ويكفى ذكر بعض الحقائق من باب الذكرى ، فإنها تنفع المؤمنين ، حتى يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار ".
     وما أريد أن أثبته هنا كتبته في بحث " السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم " . وهذا البحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر ، ثم رأيت أن ألحقه بهذا الجزء الثالث ، وبذلك يمكن الرجوع إليه ، ولا حاجة للتكرار .

التدوين عند الشيعة

     تحدثنا من قبل عن تدوين السنة المطهرة ، وأثبتنا أن التدوين بدأ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم تتابع التدوين بعد ذلك وظل متصلا دون توقف حتى جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى .
     وكتب السنة التي بين أيدينا يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجرى ، ووصلنا الكثير مما دون في القرن الثانى ، أما القرن الثالث فيعتبر العصر الذهبى لتدوين السنة المشرفة .
      والفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام ، ولها عقائد خاصة بها ، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها ، ووضوحها لدى معتنقيها . وهذا أمر بدِهى ، أن الكتب إنما توضع لتأييد هذه العقائد ، والدعوة لها ، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب .
       بل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب ، وهى وضع الأخبار وتناقلها والاحتجاج بها قبل أن تجمع في كتاب ، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة .
      فبالنسبة للشيعة مثلا وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد ، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه في تلك المرحلة ، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها ، وما كانت أى فرقة لتضع أخباراً في إمام إلا بعد ولادته ، لأنها لا تعلم الغيب في واقع الأمر ، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم .
     وللبيان أثبت بعض ما جاء في كتاب من كتب الشيعة أنفسهم ، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختى ، وسعد بن عبدالله القمى ، والاثنان عاشا في القرن الثالث ، وأدركا بداية القرن الرابع .
     
      يبين الكتاب تفرق الشيعة بعد موت الإمام جعفر الصادق ، ومما جاء فيه : لما توفى أبو عبدالله بن محمد ، افترقت بعده شيعته ست فرق وكانت وفاته بالمدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهو ابن خمس وستين سنة ، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين ، ودفن في القبر الذى دفن فيه أبوه وجده في البقيع ، وكانت إمامته أربعا وثلاثين سنة إلا شهرين ، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر بن قحافة .
      ففرقة منها قالت : إن جعفر بن محمد حى  لم يمت ، ولا يموت حتى يظهر ويلى أمر الناس ، وهو القائم المهدى ، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال : إن رأيتم رأسى قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوا فإننى أنا صاحبكم ، وأنه قال لهم : إن جاءكم من يخبركم عنى أنه مرضنى وغسلنى وكفننى ودفننى فلا تصدقوه ،فإنى صاحبكم ، صاحب السيف ، وهذه الفرقة تسمى الناووسية ، وسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس .
      وفرقة  زعمت : أن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه ، وقالوا : كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس ، لأنه خاف فغيبه عنهم ، وزعموا : أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ، ويقوم بأمور الناس ، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده ، وقلدهم ذلك له ، وأخبرهم أنه صاحبهم والإمام لا يقول إلا الحق ، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق ، وأنه القائم لم يمت . وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة . وأم إسماعيل وعبدالله ابنى جعفر بن محمد هي فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب . وأمها أسماء بنت عقيل بن أبى طالب .
      وفرقة ثالثة زعمت : أن الإمام بعد جعفر هو ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وأمه أم ولد ، وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه ، فلما توفى قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل ، وكان الحق له ، ولا يجوز غير ذلك لأن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين ، ولا تكون إلا في الأعقاب ، ولم يكن لأخوى إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق ، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع على بن الحسين . وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية ، برئيس لهم كان يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر .
      فأما الإسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبى الخطاب محمد بن أبى زينب الأسدى الأجدع . وقد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن إسماعيل ، وأقروا بموت إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه ، وهم الذين خرجوا في حياة أبى عبدالله جعفر بن محمد فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبدالله بن العباس ، وكان عاملا على الكوفة ، فبلغه عنهم أنهم أظهروا الإباحات ، ودعوا إلى نبوة " أبى الخطاب " ، وأنهم مجتمعون في مسجد الكوفة قد لزموا الأساطين يرون الناس أنهم لزموها للعبادة ، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل ورجال ليأخذهم ويأتيه   بهم ، فامتنعوا عليه وحاربوه ، وكانوا سبعين رجلاً ، فقتلهم جميعاً فلم يفلت منهم إلا رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى فعد فيهم ، فلما جن الليل خرج من بينهم فتخلص ، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبى خديجة . وذكر بعد ذلك أنه قد تاب ورجع ، وكان ممن يروى الحديث ، فحارب عيسى محاربة شديدة بالحجارة والقصب والسكاكين التي كانت مع أتباعه ، وجعلوا القصب مكان الرماح ، وقد كان أبو الخطاب قال لهم : قاتلوهم فإن قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف ، ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لايضركم ولا يعمل فيكم ، ولا يحتك في أبدانكم ، فجعل يقدمهم عشرة عشرة للمحاربة ، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلا  ، قالوا له ياسيدنا ، ما ترى ما يحل بنا  من القوم ؟ وما ترى قصبنا لا يعمل فيهم ولا يؤثر ، وقد يكسر كله ، وقد عمل سلاحهم فينا وقتل من ترى منا ؟ فذكر رواة العامة أنه قال لهم إن كان قد بدا لله فيكم فما ذنبى ؟
      وقال رواة الشيعة أنه قال لهم : يا قوم قد بليتم وامتحنتم ، وأذن في قتلكم وشهادتكم ، فقاتلوا على دينكم واحسابكم ، ولا تعطوا بلدتكم فتذلوا مع أنكم لا تتخلصون من القتل ، فموتوا كراما أعزاء واصبروا فقد وعد الله الصابرين أجراً عظيما ، وأنتم الصابرون . فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، وأسر أبو الخطاب ، فأتى به عيسى بن موسى ، فأمر بقتله فضربت عنقه في دار الرزق  على شاطئ الفرات وأمر بصلبه وصلب أصحابه فصلبوا ، ثم أمر بعد مدة بإحراقهم فأحرقوا ، وبعث برءوسهم إلى المنصور ، فأمر بها فصلبت على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام ، ثم أحرقت .
      فلما فعل ذلك قال بعض أصحابه : إن أبا الخطاب لم يقتل ، ولا قتل أحد من أصحابه ، وإنما لبس على القوم وشبه عليهم ، وإنما حاربوا بأمر أبى عبدالله جعفر ابن محمد ، وخرجوا متفرقين من أبواب المسجد ولم يرهم أحد ، ولم يجرح منهم أحد ، وأقبل القوم يقتل بعضهم بعضا على أنهم يقتلون أصحاب  أبى الخطاب  ، وإنما يقتلون أنفسهم ، حتى جن عليهم الليل ، فلما أصبحوا نظروا في القتلى فوجدوهم كلهم منهم ، ولم يجدوا من أصحاب أبى طالب قتيلا ولا جريحا ، ولا وجدوا منهم أحدا . وهذه الفرقة هي التي قالت : إن أبا الخطاب كان نبياً مرسلاً ، أرسله جعفر بن محمد ، ثم إنه صيره بعد ذلك حين حدث هذا الأمر من الملائكة - لعن الله من يقول هذا . ثم خرج بعد ذلك من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبى الخطاب ، فقالوا بإمامته وأقاموا  عليها .
      وصنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة ، واختلفوا في رئاسات أصحابهم ومذاهبهم ، حتى تراقى بعضهم إلى القول بربوبيته ، وأن الروح التي صارت في آدم ومن بعده من أولى العزم من الرسل صارت فيه .
      وقالت فرقة منهم : إن روح جعفر بن محمد تحولت عن جعفر في أبى الخطاب ، ثم تحولت بعد غيبة أبى الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ثم ساقوا الإمامة على هذه الصفة في ولد محمد بن إسماعيل  .
      وتشعبت منهم فرقة من المباركية ممن قال بهذه المقالة ، تسمى القرامطة ، وإنما سميت بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب بقرمطويه ، وكانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا لا يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم وآله إلا سبعة أئمة : على بن أبى طالب وهو إمام رسول ، والحسن والحسين ، وعلى بن الحسين ، ومحمد بن على ، وجعفر بن محمد ، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الإمام القائم المهدى ، وهو رسول . وزعموا  أن النبى صلى الله عليه وسلم وآله انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذى أمر فيه بنصب على بن أبى طالب رضي الله عنه للناس بغدير خم ، فصارت الرسالة في  ذلك اليوم إلى أمير المؤمنين   وفيه ، واعتلوا في ذلك بخبر تأولوه ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله : من كنت مولاه فعلى مولاه ، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة ، وتسليم منه ذلك لعلى بن أبى طالب بأمر الله عز وجل ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم وآله بعد ذلك صار مأموما لعلى بن أبى طالب ، محجوجا به ، فلما مضى على رضي الله عنه صارت الإمامة في الحسن ، ثم صارت من الحسن في الحسين ، ثم صارت في على بن الحسين ، ثم في محمد بن على ، ثم كانت في جعفر بن محمد ، ثم انقطعت عن جعفر في حياته فصارت في إسماعيل بن جعفر كما انقطعت الرسالة عن محمد صلى الله عليه وآله في حياته . ثم إن الله عز وجل بدا له في إمامة جعفر وإسماعيل فصيرها في محمد بن إسماعيل ، واعتلوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمد أنه قال : ما رأيت مثل بداء لله في إسماعيل ، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حى               لم يمت وأنه غائب مستتر في بلاد الروم ، وأنه القائم المهدى ، ومعنى القائم   عندهم أنه عندهم أنه يبعث بالرسالة ، وبشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وآله ، وأن  محمد بن إسماعيل من أولى العزم ، وأولو العزم عندهم سبعة : " نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم ، وعلى رضي الله عنه ، ومحمد بن إسماعيل " على معنى أن السموات سبع ، وأن الأرضين سبع ، وأن الإنسان بدنه سبع : يداه ورجلاه ، وظهره ، وبطنه ، وقلبه ، وأن رأسه سبع : عيناه وأذناه ، ومنخراه ، وفمه وفيه لسانه وفمه بمنزلة      صدره الذى فيه   قلبه ، والأئمة سبع كذلك وقلبهم محمد بن إسماعيل ، واعتلوا في نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وآله وتبديلها ، بأخبار رووها عن أبى عبدالله جعفر بن محمد أنه قال : لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً  " وأنه قال : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود  غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " ، ونحو ذلك من أخبار القائم ، وزعموا أن الله تبارك وتعالى جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم ، ومعناها عندهم الإباحة للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا ،وهو قول الله عز وجل] وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا [   (البقرة : 35 ) يعنى محمد بن إسماعيل وأباه إسماعيل ، ] وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ  [  (البقرة : 35 ) أى موسى بن جعفر بن محمد ،وولده من بعده ، ومن ادعى منهم الإمامة ، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين الذى حكاه الله عز وجل في كتابه ، وأن الدنيا اثنتا عشرة جزيرة في كل جزيرة حجة ، وأن الحجج اثنا عشر ، ولكل حجة داعية ، ولكل داعية يد ، يعنون بذلك أن اليد رجل له دلائل وبراهين يقيمها كدلائل الرسل ، ويسمون الحجة الأب ، والداعية الأم ، واليد الابن يضاهئون قول النصارى في ثالث ثلاثة ، أن الله الأب والمسيح الابن ، وأمه مريم ، فالحجة الأكبر هو الرب ، وهو الأب ، والداعية هي الأم ، واليد هو    الابن –- كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيداً  ، وخسروا  خسرانا مبينا . وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله تعالى على عباده ، وسنها نبيه صلى الله عليه وسلم   وآله ، وأمر بها ظاهر وباطن ، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة ، أمثال مضروبة ، وتحتها معان هي بطونها ، وعليها العمل ، وفيها النجاة ، وأن ما ظهر منها هي التي نهى عنها ، وفى استعمالها الهلاك والشقاء وهى جزء من العقاب الأدنى ، عذب الله بهم قوما ، وأخذهم به ليشقوا بذلك ، إذ لم يعرفوا الحق ، ولم يقوموا به ولم يؤمنوا .
     وهذا أيضاً مذهب عامة أصحاب أبى الخطاب - ومع ذلك استحلوا استعراض الناس بالسيف وسفك دمائهم ، وأخذ أموالهم ، والشهادة عليهم بالكفر والشرك على مذهب البيهسية والأزارقة من الخوارج ، في قتل أهل القبلة وأخذ أموالهم والشهادة عليهم بالكفر ، واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى عز وجل ]  فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  [ ( التوبة : 5 ) قالوا : إن قتلهم يجب أن يكون بمنزلة نحر الهدى وتعظيم شعائـر الله ، وتأولوا في ذلك قـول الله   ] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب [(الحج : 32) . ورأوا سبى النساء وقتل الأطفال ، واعتلوا في ذلك بقول الله تبارك وتعالى ] لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا  [  ( نوح : 26 ) ، وزعموا أنه يجب عليهم أن يبدأوا بقتل من قال بالإمامة ممن ليس على قولهم ، وخاصة من قال بإمامة " موسى بن جعفر " وولده من بعده ، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى  ]قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً [  ( التوبة : 123) ، فالواجب أن يبدأوا بهؤلاء ثم بسائر الناس ، وعددهم كثير إلا أنه لا شوكة لهم ولا قوة ، وكانوا كلهم بسواد الكوفة واليمن أكثر ، ونواحى البحر واليمامة وما والاها ، ودخل فيهم كثير من العرب فقووا بهم وأظهروا أمرهم ، ولعلهم أن يكونوا زهاء مائة ألف .
      وقالت الفرقة الرابعة من أصحاب أبى عبدالله جعفر بن محمد : إن الإمام بعد جعفر ابنه محمد ، وأمه أم ولد يقال لها حميدة ، وهو موسى وإسحق بنو جعفر بن محمد لأم واحدة . وتأولوا في إمامته خبرا ، وزعموا أن بعضهم روى لهم أن محمد بن جعفر دخل ذات يوم على أبيه وهو صبى صغير ، فدعاه أبوه فعدا إليه فكبا في قميصه ، ووقع لحر وجهه ، فقام إليه جعفر وقبله ، ومسح التراب عن وجهه ، ووضعه على صدره ، وقال : سمعت أبى يقول : إذا ولد لك ولد يشبهنى ، فسمه باسمى ، فهو شبيهى وشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وعلى سنته ، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر ، وفى ولده من بعده . وهذه الفرقة تسمى  السميطية ، وتنسب إلى رئيسهم يقال له " يحيى بن أبى السميط " ، وقال بعضهم هم الشميطية لأن رئيسهم كان يقال له يحيى بن أبى شميط .
        والفرقة الخامسة منهم قالت : الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح ، وذلك أنه كان عند مضى جعفر أكبر ولده سنا ، وجلس مجلس أبيه بعده ، وادعى الإمامة بوصية أبيه ، واعتلوا أى الأفطحية بحديث يروونه عن أبيه وعن جده أنهما قالا : الإمامة في الأكبر من ولد الإمام : فمال إلى عبدالله والقول بإمامته جل من قال بإمامة أبيه ، غير نفر يسير عرفوا الحق وامتحنوا عبدالله بالمسائل في الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك فلم يجدوا عنده علما ، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبدالله بن جعفر هي " الفطحية"  وسموا بذلك لأن عبدالله كان أفطح الرأس ، وقال بعضهم كان أفطح الرجلين ، وقال بعض الرواة أنهم نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبدالله بن فطيح . ومال إلى هذه الفرقة عامة مشايخ الشيعة وفقهائها ، ولم يشكوا في أن الإمامة في عبدالله بن جعفر وفى ولده من بعده .
     فلما مات عبدالله ولم يخلف ذكراً ، ارتاب القوم واضطربوا وأنكروا الروايات الكثيرة عن على بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد من أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسنين ، ولا تكون إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى انقضاء الدنيا ، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته سوى قليل منهم ، إلى القول بإمامة موسى بن جعفر . وقد كانت جماعته من شيعة عبدالله قد رجعوا في حياته عن إمامته لروايات وقفوا عليها رووها عن جعفر أنه قال " إن الإمامة بعدى في ابنى موسى ، وأنه دل عليه ، وأشار إليه ، وأعلمهم في عبدالله أمورا لا يجوز أن تكون في الإمام ولا يصلح من كانت فيه للإمامة ، وروى بعضهم أن جعفر قال لموسى : يابنى إن أخاك سيجلس مجلسى ويدعى الإمامة بعدى فلا تنازعه ولا تتكلمن فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى .
      فلما توفى عبدالله رجعت شيعته عن القول به ، وثبتت طائفة على القول بإمامته ثم بإمامة موسى بن جعفر من بعده . وعاش عبدالله بعد أبيه سبعين يوما أو نحوها .
       وقالت الفرقة السادسة منهم : إن الإمام هو موسى بن جعفر بعد أبيه ، وانكروا إمامة عبدالله ، وخطأوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة . هذا هو التفرق الذى حدث بعد موت الإمام جعفر الصادق .
       وأضيف هنا ما جاء في الكتاب عن تفرق الشيعة بعد الإمام الحادى عشر ، وهو الحسن العسكرى :
       قال المؤلفان في بيان هذا التفرق :
      وتوفى ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر ، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه ، وهى أم ولد يقال لها عسفان ، ثم سماها أبوه حديثا ، فافترق أصحابه من بعده فرقا :
     ففرقة منها قالت : إن الحسن بن على حى لم يمت ، وإنما غاب ، وهو   القائم ، ولا يجوز أن يموت الإمام ولا ولد له ، ولا خلف معروف ظاهر ، لأن الأرض لا تخلو من إمام ، وقد ثبتت إمامة الحسن بن على ، والرواية قائمة أن للقائم غيبتين فهذه الغيبة إحداهما ، وسيظهر ويعرف ثم يغيب غيبة أخرى ، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الواقفة على موسى بن جعفر . وإذا قيل لهذه الفرقة : ما الفرق بينكم وبين الواقفة ؟ قالوا إن الواقفة أخطأت في الوقوف على موسى لما ظهرت وفاته لأنه توفى عن خلف قائم أوصى إليه وهو الرضا رضي الله عنه ، ولأنه رحمه الله عليه توفى عن بضعة عشر ذكرا ، كل إمام ظهرت وفاته كما ظهرت وفاة آبائه وله خلف ظاهر معروف فهو ميت لا محالة ، وإنما القائم المهدى الذى يجوز الوقوف على حياته من ظهرت له وفاة عن غير خلف ، فيضطر شيعته إلى الوقوف عليه إلى أن يظهر ، لأنه لا يجوز موت إمام بلا خلف ، فقد صح أنه  غاب .
      وقالت الفرقة الثانية : إن الحسن بن على مات وعاش بعد موته ، وهو القائم المهدى ، واعتلوا في ذلك برواية اعتلت بها فرقة من واقفة موسى بن جعفر رووها عن جعفر بن محمد ، أنه قال : إنما سمى القائم قائما لأنه يقوم بعدما يموت ، فالحسن بن على قد مات ولا شك في موته ، ولا خلف له ، ولا وصى موجود ، فلا شك أنه القائم ، وأنه حى بعد الموت ، لأن الأرض لا تخلو من حجة ظاهر ، فهو رضي الله عنه غائب مستتر ، وسيظهر ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا . وإنما قالوا إنه حى بعد الموت ، وأنه مستتر خائف لأنه لا يجوز عندهم أن تخلو الأرض من حجة قائم على ظهرها ، عدل حى ظاهر أو خائف مغمور ، للخبر الذى روى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال في بعض خطبه : " اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك ظاهر أو مغمور ، لئلا تبطل حججك وبيناتك " . فهذا دليل على أنه عاش بعد موته . وليس بين هذه الفرقة والفرقة التي قبلها فرق أكثر من أن هذه صححت موت الحسن بن على رضي الله عنه ، وأن الأولى قالت إنه غاب وهو حى وأنكرت موته ، وهذه أيضاً شبيهة بفرقة من الواقفة على موسى بن جعفر رضي الله عنه . وإذا قيل لهم : من أين قلتم هذا ، وما دليلكم عليه ، رجعوا إلى تأول الروايات .
      وقالت الفرقة الثالثة : إن الحسن بن على توفى ولا عقب له ، والإمام بعده أخوه ، جعفر ، وإليه أوصى الحسن ، ومنه قبل جعفر الوصية وعنه صارت إليه الإمامة . فلما قيل لهم إن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارعين متعاديين طول زمانهما ، وقد وقفتم على صنايع جعفر ومخلفى الحسن ، وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه ، قالوا : إنما ذلك بينهما في الظاهر ، فأما في الباطن فكانا متراضيين ، متصافيين ، لا خلاف بينهما ، ولم يزل جعفر مطيعا له ، سامعا منه ، فإذا ظهر فيه شىء من خلافه فعن أمر الحسن ، فجعفر وصى الحسن ، وعنه أفضت إليه الإمامة . ورجعوا إلى بعض قول الفطحية في عبدالله وموسى وزعموا أن موسى بن جعفر إنما كان إماما بوصية أخيه عبدالله إليه ، وعن عبدالله صارت إليه الإمامة  لا عن أبيه ، وأقروا بإمامة عبدالله بن جعفر وثبوتها بعد إنكارهم لها وجحودهم إياها ، وأوجبوا فرضها على أنفسهم ليصححوا بذلك مذهبهم . وكان رئيسهم والداعى لهم إلى ذلك رجل من أهل الكوفة من المتكلمين يقال له على الطاحى الخزار ، وكان مشهورا في الفطحية ، وهو ممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه ، وكان متكلما محجاجا ،وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزوينى ، غير أن هذه أنكرت إمامة الحسن بن على رضي الله عنه ، وقالت إن جعفرا أوصى أبوه إليه لا إلى الحسن .
      وقالت الفرقة الرابعة : إن الإمام بعد الحسن هو جعفر ، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه ، لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن . ولم يكن محمد  إماما ، ولا الحسن أيضاً ، لأن محمدا توفى في حياة أبيه ، وتوفى الحسن ولا عقب له ، وكان مدعيا مبطلا ، والدليل على ذلك أن الإمام لا يموت حتى يوصى ويكون له خلف ، والحسن قد توفى ولا وصى له ، ولا ولد ، فادعاؤه الإمامة باطل ، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه ، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر لقول أبى عبدالله جعفر بن محمد وغيره من آبائه صلوات الله عليهم أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر ، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه .
      أما الفرقة الخامسة : فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن على المتوفى في حياة أبيه ، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما ، وأن أباهما لم يشر إليهما بشىء من الوصية والإمامة . ولا روى عنه في ذلك شىء أصلا ، ولا نص عليهما بشىء يوجب إمامتهما ، ولا هما في موضع ذلك وخاصة جعفر : فإن فيه خصالا مذمومة ، وهو بها مشهور ، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل . وأما الحسن فقد توفى ولا عقب له ، فعلمنا أن محمدا كان الإمام ، قد صحت الإشارة من أبيه إليه ، والحسن قد توفى ولا عقب له ، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف ، ثم رأينا جعفر في حياة الحسن وبعد مضيه ، ظاهر الفسق ، غير صائن لنفسه ، معلنا بالمعاصى ، وليس هذا صفة من يصلح للشهادة على درهم ، فكيف يصلح لمقام النبى صلى الله عليه وسلم وآله ، لأن الله عز وجل لم يحكم بقول شهادة من يظهر الفسق والفجور ، فكيف يحكم له بإثبات الإمامة مع عظم فضلها وخطرها وحاجة الخلق إليها . وإذ هي السبب الذى يعرف به دينه ويدرك رضوانه ، فكيف تجوز في مظهر الفسق ، وإظهار الفسق لا يجوز تقية ، هذا ما لايليق بالحكيم عز وجل ، ولا يجوز أن ينسب إليه تبارك وتعالى ، فلما بطل عندنا أن تكون الإمامة تصلح لمثل جعفر ، وبطلت عمن لا خلف له ، لم يبق إلا التعلل بإمامة أبى جعفر محمد بن على أخيهما ، إذ لم يظهر منه إلا الصلاح والعفاف ، وإن له عقبا قائما معروفا ، مع ما كان من أبيه من الإشارة بالقول مما لا يجوز بطلان مثله ، فلابد من القول بإمامته وأنه القائم المهدى ، أو الرجوع إلى القول ببطلان الإمامة أصلا ، وهذا مما لايجوز.
       وقالت الفرقة السادسة : إن لحسن بن على ابنا سماه محمدا ، ودل      عليه ، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفى ولا خلف له ، وكيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيته ، وجرت أموره على ذلك ، وهو مشهور عند الخاص والعام ، ثم توفى ولا خلف له ، ولكن خلفه قائم وولد قبل وفاته بسنين ، وقطعوا على إمامته وموت الحسن ، وأن اسمه محمد ، وزعموا أن أباه أمر بالاستتار في حياته مخافة عليه ، فهو مستتر خائف في تقية من عمه جعفر وغيره من أعدائه وأنها إحدى غيباته ، وأنه هو الإمام القائم  ، وقد عرف في حياة أبيه ونص عليه ، ولا عقب لأبيه غيره ، فهو الإمام لا شك فيه .
       وقالت الفرقة السابعة : بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر ، والذين ادعوا له ولدا في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم ، لأن ذلك لو كان ، لم يخف كما لم يخف غيره ، ولكنه مضى ولم يعرف له ولد ، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف . وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتا عند السلطان ، وعند سائر الناس ، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك ، فقد ولد له ابن بعد وفاته بثمانية أشهر ، وقد كان أمر أن يسمى محمداً . وأوصى بذلك وهو مستور لا يرى . واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبر يروى عن أبى الحسن الرضا رضي الله عنه ، أنه قال : ستبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع ، فهذا   هو .
       وقالت الفرقة الثامنة : أنه لا ولد للحسن أصلاً ، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن بن على وقد توفى ولا ولد له ظاهر معروف أن له ولدا مستوراً لجازت مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ، ولجاز مثل ذلك في النبى صلى الله عليه وآله ، أن يقال خلف ابنا نبيا رسولا ، ولجاز أن تدعى الفطحية أن عبدالله بن جعفر بن محمد خلف ولدا ذكرا إماما ، وأن أبا الحسن الرضا رضي الله عنه خلف ثلاثة بنين غير أبى جعفر ، أحدهم الإمام ، لأن مجىء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب ، كمجىء الخبر بأن النبى صلى الله عليه وسلم وآله لم يخلف ذكرا من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابنا ولا كان للرضا أربعة بنين ، فالوالد قد بطل لا محالة . ومع ذلك فهناك حبل قائم ... فإنه لا يجوز أن يمضى الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة .
      واحتج أصحاب الولد على هؤلاء بالخبر الذى روى عن جعفر أن القائم يخفى على الناس حمله وولادته ، وقالوا أنكرتم علينا أمرا وقلتم بمثله قلتم إن هناك حبلا قائما . فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم ، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم ، فاستقصينا  في ذلك غاية الاستقصاء فلم نجده ، فنحن في الولد لذلك أصدق   منكم ، لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ثم يعرف بعد ذلك ويصح نسبه .
      وقال المنكرون : الأمر الذى ادعيتموه منكر شنيع ينكره عقل كل عاقل ، ويدفعه التعارف والعادة مع ما فيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين ، أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر ، وقد مضى للحبل الذى ادعيتموه سنون ، وأنكم على قولكم بلا صحة ولا بينة .
       وقالت الفرقة التاسعة : إن الحسن بن على قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لايجوز تكذيب مثلها ، وكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن الولى له والعدو ، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه ، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا خلف له فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن ابن على ، وأن الإمامة انقطعت وذلك جائز في المعقول والقياس والتعارف ، كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد ، فلا يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم وآله نبى ، فكذلك جاز أن تنقطع الإمامة لأن الرسالة والنبوة أعظم خطراً وأجل والخلق إليها أحوج ، والحجة بها ألزم ، والعذر بها أقطع ، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام   الباهرة ، ومع ذلك فقد انقطعت ، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة . واعتلوا في ذلك بخبر يروى عن الصادق أن الأرض لا تخلو من حجة ، إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم ، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت ، فهذا عندنا ذلك الوقت ، والله يفعل ما يشاء ، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة . وهذا أيضاً جائز من وجه آخر كما جاز أن لا يكون قبل النبى صلى الله عليه وسلم وآله فيما بينه وبين عيسى رضي الله عنه نبى ، ولا وصى ، ولما رويناه من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات ، ورووا ثلاثمئة سنة وروى مائتا سنة ، ليس فيها نبى ولا وصى ، وقد قال الصادق رضي الله عنه : إن الفترة هي الزمان الذى لا يكون فيه رسول ولا إمام ، والأرض اليوم بلا حجة ، إلا أن يشاء اللع فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم وآله ، فيحيى الأرض بعد موتها ، كما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وآله على حين فترة من الرسل ، فجدد ما درس من دين عيسى ودين الأنبياء قبله صلى الله عليهم ، فكذلك يبعث القائم إذا شاء عز وجل والحجة علينا إلى أن يبعث القائم - وظهوره : الأمر والنهى المتقدمان والعلم الذى في أيدينا مما خرج عنهم إلينا ، والتمسك بالماضى ، مع الإقرار بموته ، كما كان أمر عيسى رضي الله عنه ونهيه ، وما خرج من علمه واعلم أوصيائه ، والتمسك بالإقرار بنبوته وبموته ، والإقرار بمن ظهر من أوصيائه ، حجة على الناس قبل ظهور نبينا صلى الله عليه وسلم وآله .
     وهذه الفرقة لا توجب قيام القائم ، ولا خروج مهدى ، وتذهب في ذلك إلى بعض معانى البداء .
     وقالت الفرقة العاشرة : إن محمد بن على ، الميت في حياة أبيه ، كان الإمام بوصية من أبيه ، وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه ، ولا يجوز أن يشير إمام قد ثبتت إمامته وصحت على غير إمام ، فلما حضرت الوفاة محمدا لم يجز أن يوصى ولا يقيم إماما ، ولا يجوز له أن يوصى إلى أبيه ، إذ إمامة أبيه ثابتة عن جده ولا يجوز أيضاً أن يأمر مع أبيه وينهى ويقيم من يأمر معه ويشاركه . وإنما ثبتت له الإمامة بعد مضى أبيه ، فلما لم يجز إلا أن يوصى فقد أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يقال له نفيس ، وكان عنده ثقة أمينا ، ودفع إليه الكتب والوصية ، وأمره إذا حدث به حدث الموت أن يؤدى ذلك كله إلى أخيه جعفر ، ما فعل الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنه ، لما خرج إلى الكوفة ، فقد دفع كتبه والوصية وما كان عنده من السلاح وغيره إلى أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وآله واستودعها ذلك كله ، وأمرها أن تدفعه إلى على بن الحسين الأصغر إذا رجع إلى المدينة ، فلما انصرف على بن الحسين من الشام إليها ، دفعت إليه جميع ذلك ، وسلمته له ، فهذا  بتلك المنزلة في الإمامة لجعفر بوصية " نفيس " إليه عن محمد أخيه ، فإن نفيسا لما خاف على نفسه لما علم أهل الدار قصته وأحسوا بأمره وحسدوه ، ونصبوا له وبغوه الغوائل ، وخشى أن تبطل الإمامة وتذهب الوصية دعا جعفرا وأوصى إليه ، ودفع إليه جميع ما استودعه أخوه الميت في حياة أبيه ، ودفع إليه الوصية على نحو ما أمره ، وهكذا ادعى جعفر أن الإمامة صارت إليه من قبل محمد أخيه ، لا من قبل أبيه وهذه الفرقة تسمى النفيسية .
       وقالت فرقة من النفيسية أنكروا إمامة الحسن رضي الله عنه : لم يوص أبوه إليه ، ولا غير وصيته إلى محمد ابنه ، وهذا عندهم جائز صحيح ، فقالوا بإمامة جعفر من هذا الوجه وناظروا عليها . وهذه الفرقة تتقول على أبى محمد الحسن بن على رضي الله عنه تقولا شديداً ، وتكفره وتكفر من قال بإمامته ، وتغلو في القول في جعفر ، وتدعى أنه القائم ، وتفضله على أمير المؤمنين على ابن أبى طالب رضي الله عنه وتقدمه على الحسن والحسين وجميع الأئمة ، وتعتل في ذلك : أن القائم أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله . وأخذ نفيس ليلا وألقى في حوض كان في الدار كبير فيه ماء كثير ، فغرق فيه فمات وهذه الفرقة هي النفيسية الخالصة .
      وقالت الفرقة الحادية عشرة منهم : لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم ما تقولون في الإمام : أهو جعفر أم غيره ؟ قالوا : لا ندرى ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته فقد اشتبه علينا الأمر ولسنا نعلم أن للحسن بن على ولدا أم   لا ، أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد ، وقد كثر الاختلاف ، إلا أنا نقول إن الحسن بن على كان إماما مفترض الطاعة ثابت الإمامة ، وقد توفى رضي الله عنه وصحت وفاته ، وأن الأرض لا تخلو من حجة ، ونحن نتوقف ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده إذ لم يصح عندنا أن له خلفا وخفى علينا أمره حتى يصح لنا الأمر  ويتبين ، ونتمسك بالأول كما أمرنا أنه إذا هلك الإمام ، ولم يعرف الذى بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر ، فنحن نأخذ بهذا ونلزمه ، ولا ننكر إمامة أبى محمد ، ولا ننكر موته ، ولا نقول إنه رجع بعد موته ، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ولا ننتميه حتى يظهر الله الأمر إذا شاء ويكشفه ويبينه لنا ، وهذه الفرقة لا تثبت لجعفر بن على إمامة أحد من ولده ولا من غيره ، بوجه من الوجوه ولا تثبت إمامة إمام إلا بوصية أبيه إليه ، ووصية ظاهرة ، ولم تثبت لجعفر وصية ظاهرة ولا باطنة ، وكل إمام اختلف المؤتمون به في مخرج إمامته ممن هي ، وممن أوصى إليه ، ومن أقامه فهى باطلة لا تثبت ، وأصحاب جعفر يختلفون في إمامة جعفر ومخرجها ، فبعضهم يقول إنها له بوصية أبيه إليه وإقامته ، وبعضهم يدعيها له من قبل أخيه محمد الميت في حياة أبيه ، وبعضهم يدعيها له عن أخيه .
      وقالت الفرقة الثانية عشرة : منهم وهم الإمامية : ليس القول كما قال هؤلاء كلهم ، بل الله عز وجل في الأرض حجة من ولد الحسن بن على بن محمد ابن على الرضا ، وأمر الله بالغ ، وهو وصى لأبيه قائم بالأمر بعده هاد للأمة مهدى على المنهاج الأول والسنن الماضية ، ولا تكون الإمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ولا يجوز ذلك ، ولا تكون إلا في عقب الحسن بن على بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده متصلا ذلك ما اتصلت أمور الله . ولو كان في الأرض رجلان ، لكان أحدهما الحجة ، ولو مات أحدهما لكان الآخر الحجة ما اتصل أمر الله ، ودام نهيه في عباده وتكليفه قائما في خلقه . ولا يجوز أن تكون الإمامة في عقب من لم تثبت له إمامة ، ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه ، ولا في ولده ولا في وصى له من أخ ولا غيره ، ولو جاز ذلك لصح مذهب أصحاب إسماعيل بن جعفر ابن محمد ولثبتت إمامة ابنه محمد بن إسماعيل بعد مضى جعفر بن محمد ، وكان من قال بها من المباركية والقرامطة محقا مصيبا في مذهبه ، وهذا الذى ذكرناه هو المأثور عن الأئمة الصادقين مما لا دفع له بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية ، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب لصحة مخرج الأخبار المروية فيه وقوة أسبابها ، وجودة أسانيدها وثقة ناقليها . ولا يجوز أن تخلو الأرض من حجة ، ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها ولا يجوز شئ من مقالات هذه الفرق كلها ، فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن على ، مقرون بوفاته ، معترفون بأن له خلفا من صلبه ، وأن خلفه هو الإمام من بعده ، حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن أمره ، كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ، إذ الأمر  لله تبارك وتعالى  يفعل ما يشاء ، ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء ، ونطق وصموت ، كما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وآله في حال نبوته بترك إظهار أمره ، والسكوت والإخفاء من أعدائه والاستتار وترك إظهار النبوة التي هي أجل وأعظم وأشهر من الإمامة ، فلم يزل كذلك سنين إلى أن أمره بإعلان ذلك ، وعند الوقت الذى قدره تبارك وتعالى ، فصدع بأمره وأظهر الدعوة لقومه ، ثم بعد الإعلان بالرسالة ، وإقامة الدلائل المعجزة والبراهين الواضحة اللازمة بها الحجة وبعد أن كذبته قريش وسائر الخلق من عرب وعجم ، وما لقى من الشدة ولقيه أصحابه من المؤمنين ، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ، وأقام هو مع قومه حتى توفى أبو طالب فخاف على نفسه وبقية أصحابه ، فأمره الله عند ذلك بالهجرة إلى المدينة ، وأمره بالاختفاء في الغار والاستتار من العدو ، فاستتر أياما ، خائفا مطلوبا ، حتى أذن الله له وأمره بالخروج ، وكما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه : اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك على خلقك ظاهراً معروفا ، أو خافياً مغموداً كيلا تبطل حجتك وبيناتك . وبذلك أمرنا ، وبه جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمة الماضين ، وليس للعباد أن يبحثوا عن أمور الله ويقفوا أثر ما لا علم لهم به ، ويطلبوا إظهاره ، فستره الله عليهم وغيبه عنهم وقال الله عز وجل لرسوله  ] وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  [         ( الإسراء : 36 ) ، فليس يجوز لمؤمن ولا مؤمنة طلب ما ستره الله ، ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك ، إذ هو رضي الله عنه مغمود خائف مستور بستر الله تعالى ، وليس علينا البحث عن أمره ، بل البحث عن ذلك وطلبه محرم ولا يحل ، لأن في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا وكشفه وإعلان أمره والتنويه باسمه معصية لله والعون على سفك دمه رضي الله عنه ودماء شيعته وانتهاك حرمته ، أعاذ الله من ذلك كل مؤمن ومؤمنة برحمته وفى ستر ذلك والسكون عنه حقنها وصيانتها وسلامة ديننا والانتهاء إلى أمر الله وأمر وأئمتنا وطاعتهم . وفقنا الله وجميع المؤمنين بطاعته ومرضاته بمنه ورأفته ، ولا يجوز لنا ولا لأحد من المؤمنين أن يختار إماما برأيه ومعقوله واستدلاله ، وكيف يجوز هذا وقد حظره الله جل وتعالى على رسله وأنبيائه وجميع خلقه ، فقال في كتابه إذ لم يجعل الاختيار إليهم في شىء من ذلك  ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  [ ( الأحزاب : 36 ) ، وقال  ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ  [( القصص : 68 ) ، وإنما اختيار الحجج والأئمة إلى الله عز وجل وإقامتهم إليه فهو يقيمهم ويختارهم ويخفيهم إذا شاء ويظهرهم ويعلن أمرهم إذا أراد ويسترهم إذا شاء فلا يبديهم ، لأنه تبارك وتعالى أعلم بتدبيره في خلقه وأعرف بمصلحتهم ، والإمام أعلم بأمور نفسه وزمانه وحوادث أمور الله   منا . وقد قال أبو عبدالله الصادق رضي الله عنه : " وهو ظاهر الأمر ، معروف المكان ، لا ينكر نسبه ولا تخفى ولادته وذكره شائع مشهور في الخاص والعام : من سمانى باسم فعليه لعنة الله " ولقد كان الرجل من شيعته يلقاه في الطريق فيحيد عنه ولا يسلم عليه تقية ، فإذا لقيه أبو عبدالله شكره على فعله وصوب له ما كان منه وحمده عليه ، وذم من تعرف إليه وسلم عليه وأقدم عليه بالمكروه من الكلام . وكذلك وردت الأخبار عن أبى إبراهيم موسى بن جعفر رضي الله عنه من منع تسميته مثل ذلك ، وكان أبو الحسن الرضا يقول : لو علمت ما يريد القوم منى لأهلكت نفسى عندى بما لايوثق دينى ، بلعب الحمام والديكة وأشباه ذلك ، هذا كله لشدة التستر من الأعداء ولوجوب فرض استعمال التقية فكيف يجوز في زماننا هذا ترك استعمال هذا مع شدة الطلب وجور السلطان وقلة رعايته لحقوق أمثالهم ، ومع ما لقى رضي الله عنه من " صالح بن وصيف " لعنه الله ، وحبسه إياه ولأهل بيته ، والأمر بقتله ، وطلب الشيعة ، وما نالهم منه من الأذى والتعنت ، وتسميته من لم يظهر خبره ولا اسمه وخفيت ولادته . وقد رويت أخبار كثيرة : أن القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره ولا يعرف اسمه ولا يعلم مكانه ولا يعرف إلا أنه لا يقوم حتى يظهر ويعرف أنه إمام ابن إمام ، ووصى ابن وصى ، يؤتم به قبل أن يقوم ، ومع ذلك فإنه لابد من أن يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه ، وإن قالوا ، لأن الإشارة بالوصية من إمام إلى إمام بعده لا تصح ولا تثبت إلا بشهود عدول من خاصة الأولياء أقل ذلك شاهدان فما فوقهما ، إلا أن لا يكون للإمام الماضى إلا ولد واحد فيستغنى بذلك عن الإشارة إليه على ما يروى عن أبى جعفر محمد بن الرضا . ومع هذا فإن الرضا لم يدع الإشارة إليه ، والوصية والإشهاد على ذلك لأنه لابد منه ، إذ السنة جارية من رسول الله بذلك ، ومن الأئمة من بعده ، وإذ قد فعله أمير المؤمنين بالحسن وفعله الحسن بالحسين مع وصية رسول الله وإشارته إليه أن الإمامة في عقب الحسن بن محمد ما اتصلت أمور الله ولا ترجع إلى أخ ،  ولا عم ، ولا ابن عم ، ولا ولد ولد مات أبوه في حياة جده  ، ولا يزول عن ولد الصلب ، ولا يكون أن يموت إمام إلا ولد له لصلبه وله ولد . فهذه سبيل الإمامة ، وهذا المنهاج الواضح والفرض الواجب اللازم الذى لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية الصحيحة التشيع عليه ، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن على رضوان الله عليه .
      وقالت الفرقة الثالثة عشرة : مثل مقالة الفطحية ، والفقهاء منهم أهل الورع والعبادة ، مثل عبدالله بن بكير بن أعين ونظرائه ، فزعموا : أن الحسن بن على توفى ، وأنه كان الإمام بعد أبيه بوصية أبيه إليه ، وأن جعفر بن على هو الإمام بعده ، كما كان موسى بن جعفر إماما بعد عبدالله بن جعفر ، للخبر الذى روى : أن الإمامة فى الأكبر من ولد الإمام إذا مضى ، وأن الخبر الذى روى عن الصادق رضي الله عنه : أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام صحيح لا يجوز غيره ، وإنما ذلك إذا كان للماضى خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه ، بل تثبت في خلفه ، وإذا توفى ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة ، لأن هذا معنى الحديث عندهم ، وكذلك قالوا في الحديث الذى روى : أن الإمام لا يغسله إلا إمام ، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره ، وأقروا أن جعفر بن محمد رضي الله عنه غسله موسى ، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك لأنه كان الإمام بعد عبدالله ، فلذلك جاز أن يغسله موسى ، فهذه الأخبار بأن الإمام لا يغسله إلا الإمام صحيحة جائزة على هذا الوجه ، فهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا ، والإمام عندهم " جعفر بن على " على هذا التأويل ضرورة ، وعلى هذه الأخبار والمعانى التي وصفناها ...
      مما سبق نلاحظ ما يأتى :-
1        ـ عندما وقفت الناوسية عند الإمام الصادق ، واعتبرته القائم المهدى ، بدأت في وضع الأخبار التي تؤيد عقيدتها ، ولم تستطع أن تقوم بهذا قبل موته .
2         ـ والإسماعيلية الخالصة قامت بمثل هذا بالنسبة لإسماعيل بن جعفر .
3      ـ والمباركية جعلت الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر ، ويذكر التاريخ تفرقها بعد ذلك لعدة فرق ، ومنهم القرامطة الذين زعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين ، واستباحوا المحارم وجميع ما خلقه الله !! ومع وضوح كفرهم استدلوا بما يؤيد عقيدتهم .
4         ـ والفرقة الرابعة التي قالت بإمامة محمد بن جعفر ، وفى ولده من  بعده ، وضعت من الأخبار ما يدل على إمامته ، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده .
5      ـ والفرقة الخامسة وضعت أيضاً من الأخبار ما يدل على إمامة عبدالله بن جعفر ، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده . فلما مات ولم يخلف ذكرا حدث التفرق المذكور ، وأنكر القوم ما أنكروا من الروايات ، ووضعوا روايات جديدة تتفق مع العقيدة الجديدة ، وانظر مثلا إلى هذه الرواية:
     قال جعفر لموسى :  " يا بنى إن أخاك - يقصد عبدالله - سيجلس مجلسى ، ويدعى الإمامة بعدى ، فلا تنازعه ولا تتكلمن ، فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى " .
    فهذه الرواية التي ذكرت للاستدلال على إمامة موسى بن جعفر لم توضع قبل موت عبدالله بن جعفر ، لأن الوضاعين من هؤلاء الشيعة لم يكونوا يعرفون من الذى سيموت قبل الآخر . 
6         ـ  والفرقة السادسة التي قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه صارت بعد وفاته خمس فرق .
      ولعل في هذا ما يكفى لبيان ما أردت بيانه .
      فالشيعة الاثنا عشرية التي نتحدث عنها كانت انبثاقا من إحدى الفرق الخمس السابقة ، وخمس الفرق كلها كانت إحدى الفرق الست السابقة . وكل فرقة من الفرق الخمسة افترقت بعد ذلك عدة فرق . وإذا واصلنا المسيرة نجد أن الشيعة اتباع الحسن العسكرى - الإمام الحادى عشر عند الاثنى عشرية - انقسمت  بعد موته إلى ما يقرب من عشرين فرقة ، وكل فرقة تضع من الأخبار ما يؤيد عقيدتها الجديدة ، ولا يمكن وضع هذه الأخبار قبل وفاة الإمام .
 
      ونلحظ أن كل هذه الفرق أكدت أن الحسن العسكرى لا خلف له ما عدا فرقة مع فرقة الإمامية .
 
      ومعنى هذا أن الشيعة الاثنى عشرية لم تبدأ في وضع الأخبار التي تتصل بالاثتى عشر إماما إلا بعد الحسن العسكرى  ، أى  في النصف الثانى من القرن الثالث . وبعد هذا تبدأ مرحلة الكتب .
       والواقع العملى يؤيد ما بينته هنا ، فكتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم أولها ظهر في القرن الرابع ، وهو الكافى ، ثم جاء بعده باقى الكتب .

الأصول الأربعمائة

      قال مؤلف كتاب " دراسة حول الأصول الأربعمائة "  ص 7 :
      بلغ الرواة عنه  أى الإمام الصادق  أربعة آلاف رجل ، وانصرفت طائفة كبيرة من هؤلاء لضبط ما رووه عن الإمام سماعاً في كتاب خاص في مواضيع الفقه والتفسير والعقائد وغيرها ، وقد اصطلح التاريخ الشيعى على تسمية هذه الكتب بالأصول ، كما حصرها في أربعمائة أصل ، وهذا ما نعنيه بالأصول الأربعمائة . ا . هـ
       وتحدث المؤلف بعد هذا مباشرة عن الاختلاف حول تحديد مفهوم الأصل ، ثم ذكر أسماء أصحاب الأصول ، ولكن عددهم لم يبلغ الثمانين ، ثم قدم دراسة حول الأصول بصفة عامة ، ثم تعريفاً مقتضباً للأصول الموجودة كاملة ، أو الموجود قسم منها ، وبلغ العدد ثمانية وعشرين .
       وانتهى بعد ذلك إلى نتيجة البحث فقال :-
       " وقد توصلنا من هذا البحث إلى النتائج التالية " :
أولاً : أن الأصل مما اصطلح عليه علماء الشيعة في القرن الخامس الهجرى .
ثانياً : أن المحدثين ذكروا في تحديد مفهوم الأصل أقوالاً كانت في الغالب مجرد حدس وتخمين كما صرح بذلك السيد محسن الأمين .
     وأن لكلمة الأصل معنيين :
الأول : المعنى الاصطلاحي وهو عبارة عن الحاوى للحديث المروى سماعاً من الإمام الصادق ( ع ) غالبا ومن تأليف رواته (ع ) وقد استشهدنا لذلك بنصوص المتقدمين ، وأن أغلب من ذكرهم الطوسى والنجاشى في أصحاب الأصول هم من أصحاب الإمام الصادق ( ع ) ودراسة الأصول الموجودة .
الثانى : المعنى اللغوى بمعنى المصدر والمرجع  كما في عصرنا  وذلك حيث تستعمل في غير كتب الحديث من العلوم المختلفة أو تستعمل قبل القرن الخامس الهجرى .
ثالثاً : تحديد زمن التأليف بعصر الإمام الصادق ( ع ) أى من روى عنه ( ع ) وينافى ذلك أن يروى عن أبيه الباقر ( ع ) أو ابنه الكاظم ( ع ) .
رابعاً : إن أريد من الأصل مفهومه اللغوى فأصول أحاديث الشيعة عدداً ستة آلاف وستمائة  تقريباً .
     وإن أريد مفهومه الاصطلاحى المذكور فلا يزيد على المائة عددا والمذكور منها في فهرستى الطوسى والنجاشى لا تزيد على نيف وسبعين أصلاً .
خامساً : أن أعيان الأصول قد أهملت نظراً لاحتواء الكتب الأربعة وجوامع الحديث لهذه الأصول وغيرها من مصادر أحاديث الشيعة ، ولأجل ذلك استغنى المحدثون عن الأصول بأعيانها لوجود مضامينها ورواياتها في هذه الكتب المتأخر تأليفها زمناً عن زمن تأليف الأصول ولم أقف – حسب تتبعي – للأصول التي ذكرها الشيخ الطوسى على اكثر من ثلاثة أصول موجودة اليوم ، ومن الكتب التي وصفت بأنها أصول على أكثر من سبعة وعشرين كتاباً ، وعسانى أوفق للاطلاع عليها في المستقبل .
      ويقول الشهيد الثانى بهذا الصدد : كان قد استقر أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سموها أصولاً فكان عليها اعتمادهم ، وتداعت الحال إلى أن ذهب معظم تلك الأصول ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول ، وأحسن ما جمع منها الكافى والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه . انتهى كلام المؤلف.
       ولو صح كلامه فإنه يعنى أن التدوين كان للآراء والاجتهادات الفقهية وغيرها ، كما كان للأحاديث التي رواها الإمام الصادق ، والشيعة يرون أن كل ما صدر عنه يعتبر من السنة ، ولكن الإمام الصادق نفسه لا يمكن أن يرى العصمة لنفسه أو حق التشريع ، ويندر أن يوجد في عصره من يرى عصمته إلا الغلاة .
      فما يصح نقله عن الإمام الصادق لا يختلف عما ثبت عن الأئمة الأربعة : أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد ، وغيرهم من الأئمة الأعلام إلا فيما نراه من الاختلاف بين هؤلاء الأئمة المجتهدين أنفسهم . أما ما يدون في عصر الإمام الصادق افتراء عليه فإن الافتراء لا يتجاوز عصره والعصور السابقة ، ولا يمكن أن يتصل بمن يأتى بعده مما يعد في علم الغيب . ولسنا هنا في حاجة إلى دراسة هذه الأصول ، أو البحث عن أصحابها ، ولكن الذى يعنينا هو أن ما يخص الشيعة الاثنى عشرية لم يظهر في هذا العصر حتى  يدون ، ولذا عجبت كل العجب من عنوان أحد هذه الأصول ، وقد ذكره المؤلف في ص 47 ، والعنوان :
     " مقتضب الأثر في الأئمة الاثنى عشر " ! ... ومن غير الممكن على الإطلاق أن يوضع هذا العنوان فى عصر الإمام الصادق ، فما كان أحد في وقته يعرف أسماء من يأتى بعده ، حيث لا يعلم الغيب إلا الله ، ولكن يمكن أن يوضع هذا العنوان بعد الإمام الحادى عشر ، وتنسب الأقوال المفتراة إلى الصادق أو غيره ، هذا هو الواقع الذى يمكن أن يكون . فلو نسب هذا العنوان إلى من عاش في عصر الصادق فإن هذا يعنى أن واضع العنوان يفتري على من عاش في عصر الإمام .
        وعلى كل حال بعد قراءة العنوان جاء ما يلي :
       " تأليف أحمد بن محمد بن عياش الجوهرى ، المتوفى سنة 401 هـ " .
       إذن عاش المؤلف بعد الإمام الحادى عشر ، بل بين وفاة كل منهما قرن ونصف ، فهذا هو الذى يتفق مع ما سبق بيانه .
 

الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة

      رأينا من قبل الجرح والتعديل عن الجمهور ، والموقف من الرواية عن أهل البدع ، وما يتصل بالعدالة والضبط .
      والصحابة الكرام ، خير أمة أخرجت للناس ، شهد لهم ربهم عز وجل وكفى بالله شهيدا ، وشهد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم ، وما أعظمها من شهادة !  ولذلك فهم ليسوا في حاجة إلى شهادة بعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعدالتهم أمر معلوم مسلم به عند جمهور المسلمين . ومن طعن فيهم ممن ينتسب إلى الإسلام كاد أن يخرج عن الملة إن لم يكن قد خرج بالفعل . وتبعاً للجرح والتعديل عند الفرق يحكم على   الأحاديث ، وتؤلف الكتب .
      وقبل أن أبين الجرح والتعديل عند سلف عبدالحسين ، وأثر هذا في كتبهم التي قال إنها مقدسة ، وصحاح متواترة ، أردت أن أوضح موقف الحاكم ـ كما جاء في كتابه معرفة علوم الحديث ، وهو شيعى لكنه غير رافضى ، حتى لا نخلط بين موقف الشيعة وموقف الرافضة .
      تحدث الحاكم عن أصح الأسانيد فقال ( ص 55 ) :
      إن أصح أسانيد أهل البيت : جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على إذا كان الراوى عن جعفر ثقة .
     وأصح أسانيد الصديق : إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر .
     وأصح أسانيد عمر : الزهرى عن سالم عن أبيه عن جده .
     وأصح أسانيد المكثرين من الصحابة لأبى هريرة : الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ، ولعبدالله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر ، ولعائشة  عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر ، عن عائشة .   
      سمعت أبا بكر أحمد بن سلمان الفقية يقول : سمعت جعفر بن أبى عثمان الطيالسى يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب .
      ومن أصح الأسانيد أيضاً محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن زهرة القرشى عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشى عن عائشة .
     وأصح أسانيد عبدالله بن مسعود : سفيان بن سعيد الثورى عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم بن يزيد النخعى عن علقمة بن قيس النخعى عن عبدالله بن مسعود .
     وأصح أسانيد أنس : مالك بن أنس عن الزهرى عن أنس .
     وأصح أسانيد المكيين : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر .
     وأصح أسانيد اليمانيين : معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة .
    ومما ذكره الحاكم نرى أنه لا يختلف عن جمهور المسلمين في نظرته للصحابة الكرام ، وفى التوثيق بصفة عامة على خلاف ما نراه عند الرافضة .
      وفى ص 56 يقول : إن أوهى أسانيد أهل البيت : عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفى ، عن الحارث الأعور ، عن على .
     وفى ص 63 تحدث عن معرفة فقه الحديث فقال :  " فأما فقهاء الإسلام ، أصحاب القياس والرأى والاستنباط والجدل والنظر ، فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد . ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث ، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم .
      فمن أشرنا إليه من أهل الحديث محمد بن مسلم الزهرى " وذكر الحاكم بإسناده بعد هذا عن مكحول قال : " ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية من    الزهرى " .
     وفى ص 240 بدأ الحديث عن النوع التاسع والأربعين فقال : " هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة ، والتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب "  .
      وأول من ذكرهم من هؤلاء الأئمة الإمام الزهرى . وفى عصرنا وجدنا الرافضة والمستشرقين  لهدف واحد خبيث  يطعنان في هذا الإمام الجليل . ومن الأئمة الأعلام الذين ذكرهم : الإمام سفيان الثورى ( ص 245 ) ، وسيأتى في نماذج من الجرح والتعديل ما قاله الرافضة في هذا الإمام .
      ومستدرك الحاكم معروف مشهور ، وسبق الإشارة إليه ، غير أنه جمع الصحيح والحسن والضعيف والموضوع .
     وممن عرف بالتشيع كذلك النسائى ، صاحب السنن ، أحد الكتب الستة المعتمدة عند جمهور المسلمين ، و عبدالرزاق صاحب المصنف ، وابن عبدالبر ، صاحب الكتب الكثيرة النافعة . ( انظر منهاج السنة لابن تيمية ج 7 ص 13 ، 373 )  ، ومنهج هؤلاء في الجرح والتعديل يعتبر من منهج الجمهور .
     أما أسلاف عبدالحسين فإن منهجهم تأثر بعقيدتهم في الإمامة ، فكما رفضوا الخلافة الراشدة للشيخين وذى النورين ، رفضوا ما ثبت عنهم من أخبار ، وطعنوا فيهم وفيمن لم يقل بقول عبدالله بن سبأ في الوصى بعد النبى ، ولذلك طعنوا وجرحوا من شهد لهم ربهم عز وجل والرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم . وفى ظلمات هذه الجهالة ألفت كتبهم .

نماذج من الجرح والتعديل

        الجرح والتعديل عند هؤلاء القوم – كما رأينا – يرتبط بعقيدتهم الباطلة في الإمامة ، ووضعت كتبهم – كما سنرى – لتأييد هذه العقيدة . وكتب الرجال عندهم طعنت في خير جيل عرفته البشرية وجرحت صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورضى عن الصحابة الكرام البررة . ولم يسلم من الطعن إلا من اشتهر في التاريخ بولائه لعلى ابن أبى طالب . وقولهم بعصمة الأئمة جعلهم لا ينظرون إليهم على أنهم رواة ثقات بل جعلوهم مصدرا للتشريع ، فأقوالهم سنة واجبة الاتباع كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دون أدنى فرق ، وأشرت إلى هذا من قبل . وسأكتفى هنا ببيان بعض النماذج مما جاء في كتب الرجال عندهم . وأصول هذه الكتب الرجالية خمسة هي : رجال البرقى ، ورجال الكشى ، ورجال الشيخ الطوسى ، وفهرسته ، ورجال النجاشى . وقد رجع إلى هذه الأصول وغيرها عبدالله الماماقانى في كتابه " تنقيح المقال في علم الرجال " . والمؤلف يلقبونه بالعلامة الثانى آية الله ، أما علامتهم الأول فهو ابن المطهر الحلى الذى رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية . كما أشرت من قبل ، وكتاب تنقيح المقال من أكبر الكتب حجماً ومكانة عندهم .
      وإليك بعض النماذج مما جاء في هذا الكتاب .
1         ـ على بن ابى طالب :
      أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام ، مناقبه وفضائله لا يسع البشر عدها وإحصاءها ، قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربى . وقد ورد أنه لو كان البحر مداداً ، والأشجار أقلاماً وأوراق الأشجار قرطاساً ، والجن والإنس كتاباً ، لما أحصوا مناقبه !! ( جـ 2 ص 264 ) .
2        ـ محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة:
      جليل القدر عظيم المنزلة من خواص على رضي الله عنه وحوارييه . أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس لا من قبل أبيه . من أنجب النجباء ، من أهل بيت سوء . بايع أمير المؤمنين على البراءة من أبيه ، ومن الخليفة الثانى ، وقال له : أشهد أنك إمام مفترض الطاعة ، وأن أبى في النار ... إلخ .
     ( انظر ترجمته في ملحق الجزء الثانى ص 57 ، 58  وينسب الرافضة هذه الأقوال للإمامين الباقر والصادق ، وحاشاهما - رضى الله تعالى عنهما - أن ينطقا بمثل هذا الكفر الذى لا يقوله إلا عبدالله بن سبأ وأمثاله وأتباعه )
3        ـ عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوى خليفة العامة :
      بالغت العامة في مدحه ، ومن لاحظ ترجمته المتفرقة وأمعن النظر فيها لم يعتمد على خبره ... إلخ  ( 2/ 201 )
4        ـ عبدالله بن عمرو بن العاص :
     كان كأبيه في الرأى والنفاق ، والكذب على الله ورسوله ، والخروج مع معاوية بصفين ، وكفى بذلك جرحا ... إلخ ( 2 / 200، وفى ترجمته أخذ الرافضى يلعنه ويلعن أباه ! ) .
5        ـ عبدالرحمن بن عوف :
     في ترجمته اتهام له ولذى النورين عثمان بن عفان - رضى الله تعالى   عنهما ، وفى نهاية الترجمة قال : لا أعتمد على روايته ، لأن من خان في الأصول لا يوثق به في الفروع ( 2/146 : 147 )
6        ـ خالد بن الوليد :
     تعاقد مع أبى بكر على قتل على رضي الله عنه ، ثم ندم أبو بكر خوفاً من الفتنة ، سماه العامة سيف الله ، والأحق بتسميته سيف الشيطان ... زنديق ، أشهر من كفر إبليس في العداوة لأهل البيت .. إلخ . ( اقرأ ترجمته 1 / 394 تجد هذا الكفر والضلال والمفتريات وغيرها ) .
7        ـ أنس بن مالك :
      جاء في ترجمته أنه كان من المنحرفين عن على رضي الله عنه ، الكاتمين لمناقبه حباً للدنيا ، فدعا عليه بالعمى فكف بصره ، وأنه كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! .   ( انظر أكاذيب وأباطيل هؤلاء الرافضة في ترجمته 1 /154 : 155 ) .
8        ـ النعمان بن بشير :
      كان منحرفا عن على رضي الله عنه ، وعدواً له ، فزندقته لا شك فيها .. إلخ  ( 3 / 272 ، وفى الترجمة غير هذا من التكفير واللعن لهذا الصحابى الجليل ولغيره من الكرام البررة ) .
9        ـ معاذ بن جبل :
  في ترجمته أنه مالأعدو الله أبا بكر وعمر ، على ولى الله على بن أبى  طالب ، والبشرى بالنار له ولأبى بكر وعمر وأبى عبيدة وسالم ، وأن الصحابة هلكوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا أربعة .. إلى غير ذلك مما لا يصدر إلا عن الكفار والضالين . ( انظر هذا الضلال في ترجمته 3 / 220 : 221 ).
10    ـ سفيان الثورى :
    إذا كان هؤلاء القوم قد طعنوا وكفروا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الصحابة الكرام ،وخيرهم جميعا الشيخان الصديق والفاروق ، رضى الله تعالى عنهم جميعاً ، إذا كان الأمر قد انحط إلى هذا الدرك الأسفل ، فلا نعجب بعد هذا إذا طعنوا في أئمة المسلمين بعد الصحابة .
       ففى ترجمة الإمام سفيان الثورى يذكرون أكاذيب ينسبونها إلى الإمام الصادق افتراء على الله تعالى وعلى الصادق رضى الله عنه ، ثم يعقبون عليها بما يأتى :
        يتبين أمران :-
    أحدهما : أن سفيان الثورى كذاب خبيث مدلس معاند يهودى ، قد آثر دنياه على آخرته على علم منه بذلك بنص الصادق .
    والآخر : أن مذهب العامة ـ أى جمهور المسلمين ـ مبنى على الأكاذيب !! من بدايته إلى نهايته ، أعاذنا الله تعالى من ذلك ، ولا جمع الله بيننا وبينهم في الدنيا ولا الآخرة . ( انظر 2/37 : 38 ) .
     وبعــــــد ....
      فلعل هذه التراجم ـ مع قلتها ـ كافية لبيان منهج الرافضة في الجرح والتعديل ، واجترائهم على الله عز وجل ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الصحابة الكرام ، وعلى أئمة المسلمين سواء أكانوا من أهل البيت الأطهار أم من غيرهم . وإذا جئنا إلى التطبيق العملى فإنا نرى هذا المنهج مطبقا في كتبهم التي قال عنها الرافضى عبدالحسين إنها مقدسة ، متواترة صحيحة ، وما هي إلا هدم للإسلام أصوله وفروعه ، وامتداد لمآرب عبدالله بن سبأ .
      وفى الجزء الرابع في خاتمة الكتاب سنجد مثل هذه التراجم عندما نتحدث عن أبى القاسم الخوئى المرجع الأعلى للشيعة في العراق ، وعن كتابه معجم رجال الحديث ، مما يبين استمرار غلو الرافضة وزندقتهم حتى عصرنا إلا من عصم ربى من معتدلى الشيعة غير الرافضة .

مفهوم السنة عندهم

       قال أحد علمائهم المعاصرين :-
      " السنة في اصطلاح الفقهاء : قول النبى أو فعله أو تقريره " ثم قال : " أما فقهاء الإمامية بالخصوص - فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجرى قوله مجرى قول النبى ، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع - فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره ، فكانت السنة باصطلاحهم : قول المعصوم أو فعله أو تقريره .
     والسر في ذلك أن الأئمة من آل البيت - عليهم السلام - ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبى والمحدثين عنه ، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية ، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبى لتبليغ الأحكام الواقعية ، فلا يحكون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي ، وذلك من طريق الإلهام كالنبى من طريق الوحى أو من طريق التلقى من المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه : علمنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم ينفتح لى من كل باب ألف باب .([37]
  
      وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها ، ولا من نوع الاجتهاد في الرأى والاستنبـاط من مصـادر التشريـع بل هم أنفسـهم مصـدر للتشريع ، فقولهم ( سنة ) لا حكاية السنة . وأما ما يجىء على لسانهم أحياناً من روايات وأحاديث عن نفس النبى صلى الله عليه وسلم ، فهى إما لأجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه ، وإما لأجل إقامة الحجة على الغير ، وإما لغير ذلك من الدواعى .
      وأما إثبات إمامتهم ، وأن قولهم يجرى مجرى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو بحث يتكفل به علم الكلام " ([38]) .
      وما أظننا بحاجة إلى بيان أثر الإمامة هنا ، فهى أوضح من أن يطال فيها الحديث ، فجعلوا الإمام كالنبى المرسل : العصمة لهم جميعاً ، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره يستوى في هذا أن يكون المعصوم هو الرسول الكريم وأن يكون أحد أئمة الجعفرية . ولذلك رأينا من قبل أنهم جعلوا للإمام ما للنبى المصطفى من بيان القرآن الكريم وتقييد مطلقة ، وتخصيص عامة . ورأينا كذلك أن الإخباريين منعوا العمل بظاهر القرآن الكريم لأنهم لا يستمدون شريعتهم إلا مما ورد عن أئمتهم . وحتى يكون الإمام مصدراً للتشريع قائماً بذاته جعل له الإلهام مقابلاً للوحى بالنسبة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم .
       وهذا العالم الجعفرى ـ مع شططه ـ يمثل جانب الاعتدال النسبى ، فقد رأينا غيره يذهب إلى بقاء الوحى مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد . وما ذكره هذا العالم لا يصح إلا بما أشار إليه في الفقرة الأخيرة من إثبات إمامة الأئمة ، وأن قولهم  يجرى مجرى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو ما أثبتنا خلافه في الجزء الأول .

 

مراتب الحديث

        الإخباريون من الجعفرية ـ وهم قلة قليلة ـ لا علم لهم بمصطلح   الحديث ، فهم يتلقون بالقبول كل ما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث المعتمدة عندهم ، بل يرون تواتر " كل حديث وكلمه بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية وترتيب الكلمات والحروف " ([39]) وكتب الحديث هذه أربعة ظهرت في القرنين الرابع والخامس ، وأصحابها يرون صحة ما أثبتوا في كتبهم .
       والجعفرية الاثنا عشرية ظلوا قرابة ثلاثة قرون بعد ظهور هذه الكتب لا يفترقون كثيراً عن النزعة الإخبارية ، فأول من وضع مصطلح الحديث وبين مراتبه عندهم هو الحسن بن المطهر الحلى الملقب بالعلامة الذى توفى سنة 726 هـ ([40]).
       والحديث عند جمهور الجعفرية ينقسم إلى متواتر وأخبار آحاد . وأثر عقيدتهم الباطلة يظهر في المتواتر باشتراطهم " أن لا يكون ذهن السامع مشوباً بشبهة أو تقليد يوجب نفى الخبر ومدلوله " ([41]) وندرك الأثر هنا عندما نراهم يقولون : " بهذا الشرط يندفع احتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين رضي الله عنه - بالإمامة " ([42]) فإذا ما نقل بالتواتر أن الرسول صلى الله عليه وسلم  لم ينص على إمامة أحد من بعده فالاتهام يوجه إلى السامعين ، وبذلك يصلون إلى هدفهم بعدم حجية هذا النقل . وعلى العكس من هذا نراهم يذهبون إلى تواتر حديث الثقلين والغدير ([43]) .  
      فعقيدة الإمامة توجههم في رفض الأخذ بالتواتر أو رفع غيره إلى مرتبته ، ما دام الخبر متعلقاً بهذه العقيدة .
     وأخبار الآحاد عندهم تنقسم إلى أربع مراتب ، هي أصول الأقسام وإليها يرجع كل تقسيم آخر ، وهذه المراتب هي : الصحيح ، والحسن ، والموثق ، والضعيف . فأما الصحيح عندهم فهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامى عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة " ([44]).
      وزاد بعضهم في التعريف أن يكون العدل ضابطاً ، ورأى صاحب مقباس الهداية أن قيد العدل يغنى عن ذلك ، فمن ليس ضابطا فليس بعدل ([45]) أى أنهم متفقون على أن شروط الصحة هي :-
  1. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع .
  02 أن يكون الرواة إماميين في جميع الطبقات .
  03 وأن يكونوا كذلك عدولا ضابطين .
       وأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوى ، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات .
      وأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله : " لا تقبل رواية الكافر ، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب ، لوجوب التثبت عند الفاسق ، والمخالف من المسلمين ، إن كفرناه فكذلك ، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافاً لأبى الحسن لاندراجه تحت الآية ، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم ، ولأن قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين ، فلا يقبل كالكافر الذى ليس من أهل   القبلة . احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصرى وقتادة وعمر بن عبيد ، مع علمهم بمذهبهم ، وإنكارهم على من يقول بقولهم ، والجواب المنع من المقدمتين ، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة . والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضاً لاندراجه تحت اسم الفاسق " ([46]) .
      ويقول الماماقانى ([47]) : " الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوى " . ويقول أيضاً : " وهو الذى اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقاً للأكثر لقوله تعالى :-
] إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [([48]) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان ، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة " .
      يستفاد مما سبق : أن الإيمان شرط في الراوى ، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته ، وغير الجعفرى كافر أو فاسق ، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحاً ، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة .
     ويأتى بعد الصحيح : الحسن : ، وهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامى ممدوح مدحاً مقبولا معتداً به ، غير معارض بذم ، من غير نص على عدالته ، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة ، أو في بعضها . ([49]
     ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن :
1.       اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع .
2.       أن يكون جميع الرواة إماميين .
3.       وأن يكون ممدوحين مدحاً مقبولاً معتداً به ، دون معارضة بذم ، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به .
4.       ألا ينص على عدالة الراوى ، فلو كان الرواة عدولاً لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح .
5.     تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه ، أو في بعضها . يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتى العدالة ، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول ، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسناً .
      ويقول صاحب ضياء الدراية ( ص 24 ) :
      " ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام " :
·         ما له دخل في قوة السند ، مثل صالح وخير .
·         ما له دخل في قوة المتن لا في السند ، مثل فهيم وحافظ .
·         ما ليس له دخل فيهما ، مثل شاعر وقارئ .
     فالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا ، والثانى ينفع في مقام الترجيح ، والثالث لا عبرة له في المقامين ، بل هو من المكملات " .
  ويقول عن الجمع بين القدح والمدح ( الصفحة ذاتها ) :
" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحاً من   جهة ، ومقدوحاً من جهة أخرى " .
     وأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتى :
1.       اشتراط إمامية الراوى .
2.       قبول رواية الإمامى غير ثابت العدالة ، ورفض رواية غير الإمامى كائناً من كان ، وبالغاً ما بلغ من العدالة والتقوى والورع .
3.       قبول رواية الإمامى الممدوح المقدوح أحياناً بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب ، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفرى : فهذا قدح لا يغتفر ([50]).
     ويأتى بعد الحسن الموثق ، وهو : " ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه ، مع فساد عقيدته ، بأن كان من أحد الفرق المخالفة  للإمامية ، وإن كان من الشيعة ، مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح " ([51]).
      وهذا التعريف يفيد اشتراط ما يأتى :
1.       اتصال السند إلى المعصوم .
2.       أن يكون الرواة غير إماميين ، ولكنهم موثقون من الجعفرية على وجه الخصوص .
3.       أو يكون بعضهم كذلك ، والآخرون من رجال الصحيح ، حتى لا يدخله ضعف آخر ، فيكفى أن دخل في الطريق من ليس بإمامى .
     وأثر عقيدة الإمامة هنا يبدو فيما يأتى :-
1.       جعل الموثق بعد الصحيح والحسن لوجود غير الجعفرية في السند .
2.       التوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم ، ولذلك قال صاحب ضياء     الدراية : ([52])  " توثيق المخالف لا يكفينا ، بل الموثق عندهم ضعيف عندنا ، والمدار في الموثق إنما هو توثيق أصحابنا " .
     ويوضح المامقانى توثيق أصحابه بقوله :
     " يمكن معرفة غير الإمامى الموثق بأن يكون الإمام قد اختاره لتحمل الشهادة أو أدائها ، في وصية ، أو وقف ، أو طلاق ، أو محاكمة ، أو نحوها ، أو ترحم عليه أو ترضاه ، أو أرسله رسولاً إلى خصم له أو غير خصمه ، أو ولاه على وقف أو على بلدة ، أو اتخذه وكيلاً ، أو خادماً ملازماً ، أو كاتباً ، أو أذن له في الفتيا والحكم أو أن يكون من مشايخ الإجازة ([53]) أو تشرف برؤية الإمام الثانى عشر الحجة المنتظر أو نحو هذا " ([54]) .
     فالتوثيق إذن لا يخرج عن النطاق الجعفرى الاثنى عشرى .
3.       مع هذا النوع من التوثيق لا يدخل السند مع الموثقين إلا رجال الصحيح ، وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا القسم في المرتبة الثالثة .
     وبعد الموثق يأتى : الضعيف ، وهو " ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة ، بأن اشتمل طريقة على مجروح بالفسق ونحوه ، أو على مجهول الحال ، أو ما دون ذلك كالوضاع " ([55]) .
      وفى الحديث عن الصحيح رأينا كيف أنهم اعتبروا غير الجعفرى كافراً أو فاسقاً فروايته ضعيفة غير مقبولة . ولا تقبل من غير الجعفرى إلا من نال توثيق الجعفرية .
     وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من أجلاء الصحابة ، والتابعين ، وأئمة المحدثين والفقهاء ، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية . فالروايات التي يدخل في سندها أى من هؤلاء الصديقين الصالحين الأئمة الأعلام الأمناء ، تعتبر روايات ضعيفة في نظر هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا ([56]) .

التعارض والترجيح

       روى الكلينى في أصول الكافى عن عمر بن حنظلة قال :
    " سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان ، وإلى القضاة ، أيحل ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً ، وإن كان حقاً ثابتاً له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به قال تعالى : ] يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ[ ([57]) قلت : فكيف يصنعان ؟ قال ينظران إلى ما كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حكماً فإنى قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد ، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله .
     قلت : فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا ، فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما ، واختلفا فيما حكما ، وكلاهما : اختلفا في حديثكم ؟
    قال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر .
    قال - قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟
     قال : ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذى حكما به المجمع عليه من أصحابك فيأخذ به من حكمنا . ويترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند أصحابك .
     قلت : فإن كان الخبران عنكما ([58]) مشهورين  قد رواهما الثقات عنكم ؟
     قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة ، وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة .
     قلت : جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفاً حكمه من الكتاب والسنة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأى الخبرين يؤخذ ؟
     قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .
    فقلت : جعلت فداك ، فإن وافقهما الخبران جميعاً ؟
      قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل ، حكامهم وقضاتهم ، فيترك ، ويؤخذ بالآخر .
      قلت : فإن وافق حكامهم الخبران جميعاً ؟
    قال : إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ([59]) . 
     هذه الرواية يسميها الجعفرية الرافضة مقبولة ابن حنظلة ، وفى باب الترجيح عندهم هى " العمدة في الباب ، المقبولة التي قبلها العلماء بأن راويها صفوان بن يحيى الذى هو من أصحاب الإجماع ، أى الذين أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم : كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم " ([60]) .
      ويقول المظفر : " من الواضح أن موردها التعارض بين الحاكمين ، لا بين الراويين ، ولكن لما كان الحكم والفتوى في الصدر الأول يقعان بنص الأحاديث ، لا أنهما يقعان بتعبير من المحاكم أو المفتى كالعصور المتأخرة استنباطاً من الأحاديث تعرضت هذه المقبولة للرواية والراوى ، لارتباط الرواية بالحكم . ومن هنا استدل بها على الترجيح للرواية المتعارضة " ([61]) .
     ثم يقول بعد بيان انحصار دليل مخالفة العامة في هذه المقبولة : والنتيجة أن المستفاد من الأخبار أن المرجحات المنصوصة ثلاثة : الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة . وهذا ما استفاده الشيخ الكلينى في مقدمة الكافى ([62]).
      وهذه المقبولة التي اعتبرت العمدة في باب الترجيح  بصفة عامة ، والدليل الوحيد على مخالفة العامة ـ–أى جمهور المسلمين ـ– بصفة خاصة ، أقول : هذه المقبولة مرفوضة من وجهة نظرنا لما يأتى :
1.      أنها اعتبرت كل حاكم أو قاض غير جعفرى اثنى عشرى طاغوتاً أمرنا أن نكفر به بنص القرآن الكريم .
2.       أنها اعتبرت أخذ الحق الثابت سحتاً ما دام أخذه عن طريق هؤلاء الحكام والقضاة .
3.       أنها جعلت حكم الحكم الجعفرى الرافضى كحكم الله تعالى ، ومن لم يقبله فكأنما أشرك بالله سبحانه .
4.       أنها تدعو إلى مخالفة جمهور المسلمين حتى عند ظهور موافقتهم للكتاب والسنة .
      فالإمام الصادق أعمق إيماناً ، وأرفع شأنا من أن يصدر منه هذه الجهالة ، وإنما تصدر هذه الرواية عن غال ، يفترى على الأئمة ، يريد لأمة الإسلام أن تفترق ولا تتحد .
      وبعد هذا نرى أثر عقيدة الإمامة في باب الترجيح عند الجعفرية يظهر فيما يأتى :
 1. جعلوا المشهور عندهم مقدما على غيره ، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة ، فالمشهور الجعفرى المخالف للكتاب والسنة مقدم على غيره الموافق للكتاب والسنة .
      ثم " إنهم لا يزالون يقدمون المشهور على غيره ولو كان راوى الغير أعدل وأصدق " ([63]) وهذا مما جعل غلاة الجعفرية يسيرون إلى أهدافهم من طريق ممهد ، ولنضرب لهذا مثلا لعله كاف لما أردنا توضيحه .
    صاحب كتاب " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " قال عن الروايات التي يرى أنها تثبت - على حد افترائه - تحريف القرآن الكريم :" الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفى حديث ، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق والداماد ، والعلامة المجلسى وغيرهم " ([64]) فهذه روايات جعفرية مشهورة مستفيضة ، فلما تعارضت مع كتاب الله تعالى : حيث أخبر سبحانه بأنه الحافظ لكتابه العزيز ولا تبديل لكلماته ، حرفوا معناه كما رأينا من قبل في الجزء الثانى ، فهؤلاء القوم لم يناقضوا أنفسهم هنا ، فهم غلاة في المبدأ وغلاة في التطبيق . ولكن الذين يمثلون جانب الاعتدال النسبى عند الجعفرية أبوا أن يهدم الإسلام من أساسه فرفضوا الأخذ بهذه الروايات ، وكان عليهم إذن أن يغيروا المبدأ حتى لا يناقضوا أنفسهم عند التطبيق . فهم يتفقون مع الغلاة في تقديم المشهور ، واختلفوا معهم عندما جاء المشهور الجعفرى لتقويض البناء الإسلامى .
2. جعلوا من المرجحات مخالفة العامة ، أى عامة المسلمين ، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقهم ، استناداً إلى المقبولة المرفوضة فهى مستندهم الوحيد ، وهى التي تزعم أن الإمام الصادق قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .
     ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة ـ– سحيقة عميقة ـ– فابتعد الجعفرية كثيراً عن الخط الإسلامى الصحيح ، لأنهم استقروا " على تقديم مخالف العامة على موافقهم ، من غير ملاحظة المرجحات السندية وجوداً وعدماً ، حتى لو كان الخبر مستفيضاً يحملونه على التقية عند التعارض " ([65]) .
    والحمل على التقية هنا يعنى أن الخبر في ذاته لا يحمل قرائن التقية لأنهم يقولون : " الذى يكون من الشرائط لحجية الخبر هو أن لا يكون في الخبر قرائن التقية بحيث يستفاد من نفس الخبر أنه صدر تقية ، والذى يكون مرجحاً ، مجرد المخالفة والموافقة للعامة من دون أن يكون في الخبر الموافق قرائن  التقية " ([66]) .  
      وهم يعودون بهذا المبدأ الهدام إلى عصر الصحابة الكرام : فيقولون : " بأن الرشد في خلافهم ، وأن قولهم في المسائل مبنى على مخالفة أمير المؤمنين  رضي الله عنه فيما يسمعونه منه " ([67]) .
     ثم يقولون : " التعليل بأن الرشد في خلافهم محتمل لوجوه :
    الأول  - أن يكون إصابة الواقع غالباً في مخالفتهم ، فهم غالباً في ضلالة وبعد عن الواقع .
    والثانى - أن يكون نفس مخالفتهم رشداً ، فالمخالفة لهم حسن ذاتاً .
    والثالث - أن يكون ذلك من جهة صدور الخبر الموافق تقية ، فيكون الأخذ بالخبر المخالف رشداً من باب تمامية وجه صدوره بخلاف الموافق " ([68]) .
     وبعد : فإنا لا نعجب عندما ينفث غلاة الجعفرية الرافضة وزنادقتهم سمومهم بمثل هذه الأقوال ، ولكن لا ندرى كيف يصبح هذا المبدأ مقبولا عند الجعفرية جميعاً ؟ وكنا ننتظر ، من معتدليهم نسبياً ودعاة التقريب منهم ، أن يقفوا موقفاً يتفق مع اعتدالهم الظاهرى ، ودعوتهم للتقريب بين المذاهب الإسلامية .
     ونضرب مثلا هنا - والأمثلة جد كثيرة - يبين كيف تمكن واضعو هذا المبدأ من توجيه المذهب الجعفرى وجهة بعيدة عن أمة الإسلام في كثير من الأحكام ، وبالطبع على غير أساس من الحق ، والمثل هو ما رواه الكلينى :
  " عن زرارة بن أعين ، عن أبى جعفر قال : سألته عن مسألة فأجابنى ، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابنى ، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابنى وأجاب صاحبى ، فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول الله ، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان ، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ، فقال : يا زرارة : إن هذا خير لنا ، وأبقى لنا ولكم ، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم " ([69]).
      فهنا إذن ثلاث فتاوى تعطى أحكاماً مختلفة لمسألة واحدة ، ولا أساس لهذا الاختلاف سوى عدم اجتماع الشيعة على حكم واحد ، حتى لا يكشف أمرهم ، فيصبحوا عرضة للقتل . ولكن هذه الفتاوى عند الجعفرية الاثنى عشرية سنة ومصدر تشريع ، فعند الترجيح يؤخذ بما خالف الأمة الإسلامية ، ويترك ما   وافقها ، حتى إذا كان المتروك موافقاً للكتاب والسنة : على أن هذا ما حضره زرارة ويمكن أن يأتى آخرون ، فتكثر الروايات ، وتختلف الأحكام بغير دليل شرعى ، والترجيح لما خالف جمهور المسلمين .
 

الكتب الأربعة

      للجعفرية الاثنى عشرية كتب كثيرة تروى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم وكذلك عن أئمتهم ، ولكن الذى يعنينا هنا الكتب المعتمدة لديهم ، فغير المعتد ليس بحجة لهم أو عليهم .
      وهذه الكتب المعتمدة أربعة :
     أولها ( الكافى ) لأبى جعفر محمد بن يعقوب الكلينى ، الملقب بحجة الإسلام وثقته ، المتوفى سنة 329 هـ .
    والثانى ( فقيه من لا يحضره الفقيه ) لمحمد بن بابويه القمى ، الملقب  بالصدوق ، المتوفى سنة 381 هـ .
    والآخران هما ( التهذيب ) و ( الاستبصار ) ، وكلاهما لمحمد بن الحسن الطوسى شيخ الطائفة ، المتوفى سنة 460 هـ .
    والكافى له المقام الأعلى عند الجعفرية ، يقول عبدالحسين المظفر في مقدمته لأصول الكافى : " ولما كان البحث يدور حول كتابنا هذا ، فقد عرفت ما سجله على صفحاته مؤلفه من الأحاديث التي يبلغ عددها زهاء سبعة عشر ألف حديث ، وهى أول موسوعة إسلامية  استطاع مؤلفها أن يرسم بين دفتيها مثل هذا العدد من الأحاديث ، وقد كلفته هذه المجموعة أن يضحى من عمره عشرين سنة قضاها في رحلاته متنقلا من بلدة إلى أخرى ، لا يبلغه عن أحد مؤلف ، أو يروى حديثا ، إلا وشد الرحال إليه ، ومهما كلفه الأمر فلا يبرح حتى يجتمع به ، ويأخذ عنه ، ولذلك تمكن من جمع الأحاديث الصحيحة . وهذه الأحاديث التي جاءت في الكافى جميعها ذهب المؤلف إلى صحتها ، ولذلك عبر عنها بالصحيحة " ([70]) .
 
      ويقول : " ويعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم رضي الله عنه ( يعنى الإمام الثانى عشر ) فاستحسنه وقال : كاف لشيعتنا " ([71]) .
     " وقد اتفق أهل الإمامة ، وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب ، والأخذ به والثقة بخبره ، والاكتفاء بأحكامه . وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره ، على أنه القطب الذى عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم ، وعندهم أجل وأفضل من جميع أصول الأحاديث " ([72]) .
       فلا خلاف إذن بين الجعفرية حول مكانة الكافى ، ولكنا ذكرنا من قبل أن مراتب الحديث المعروفة عند متأخرى الجعفرية ظهرت على يد علامتهم الحلى ، أى بعد الكلينى بقرابة أربعة قرون ، والكلينى يذهب إلى أن كل ما جمعه في الكافى صحيح ، فماذا يعنى بالصحيح هنا ؟
      يوضح هذا أحد كتابهم فيقول : " إن الصحيح عند المتقدمين هو الذى يصح العمل به والاعتماد عليه ، ولو لم يكن من حيث سنده مستوفياً للشروط التي ذكرناها ، والصحيح في عرف المتأخرين هو الجامع لتلك الشروط " ([73]) .
      ثم يقول بعد حديث عن الكلينى وكتابه : " المتحصل من ذلك أن الذين اعتمدوا على الكافى ، واعتبروا جميع مروياته حجة عليهم فيما بينهم وبين الله سبحانه ، هؤلاء لم يعتمدوا عليها إلا من حيث الوثوق والاطمئنان بالكلينى الذى اعتمد عليها ، وكما ذكرنا فإن وثوق الكلينى بها لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة ، بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها نظراً لقرب عهده بالأئمة عليهم السلام ، ووجود الأصول المختارة في عصره .
     هذا بالاضافة إلى عنصر الاجتهاد والذى يرافق هذه البحوث في الغالب . يؤيد ذلك أن الكلينى نفسه لم يدع بأن مرويات كتابه كلها من الصحيح المتصل سنده بالمعصوم بواسطة العدول ، فإنه قال في جواب من سأله تأليف كتاب جامع يصح العمل به ، والاعتماد عليه ، قال : وقد يسر لى الله تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخيت . وهذا الكلام منه كالصريح في أنه قد بذل جهده في جمعه وإتقانه ، معتمدا على اجتهاده وثقته بتلك المجاميع والأصول الأربعمائة التي كانت مرجعاً لأكثر المتقدمين عليه ، ومصدراً لأكثر مرويات كتابه " ([74]) .
       ويقول الحسنى أيضا : " والشئ الطبيعى أن تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافى - على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الأئمة عليهم السلام وبين الطبقات التي توالت مع الزمن بمجئ دور العلامة الحلى :  انفتح باب التشكيك في تلك الروايات على مصراعيه بعد أن صنف الحديث إلى الأصناف الأربعة ، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود إلى الحديث ، وعرضوا مرويات الكافى وغيره على أصول علم الدراية وقواعده ، فما كان منها مستوفياً للشروط المقررة أقروا العمل به والاعتماد عليه ، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة . وعلى هذا الأساس ، توزعت أحاديث الكافى التي بلغت ستة عشر  ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً على النحو التالي :
       الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً ، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً ، الموثق ألف ومائة وثمانية وعشرون حديثاً ، القوى ([75]) ثلاثمائة وحديثان والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثاً ([76]) .     
     ومما تجدر الإشارة إليه أن اتصاف هذا المقدار من روايات الكافى بالضعف لا يعنى سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار ، وعدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين ، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها ، وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة ، أو بعض الكتب المعتبرة ، أو موافقتها للكتاب والسنة ، أو لكونها معمولاً بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا أشتهر العمل بها والأعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة وربما تترجح عليها في مقام التعارض ([77]) .
      والكافى يقع في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع : فالأصول وهى التي تتصل بالعقائد ، تقع في الجزأين الأول والثانى . والفروع في الفقه تقع في خمسة أجزاء ، أما الجزء الأخير وهو الروضة ، فيقول عنه الدكتور حسين على  محفوظ : لما أكمل الكلينى كتابه هذا ، وأتم رد مواده إلى فصولها ، بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت ، ورسائل الأئمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وألوان العلم مما لاينبغى تركه ،فألف هذا المجموع الأنف ، وسماه ( الروضة ) لأن الروضة منبت أنواع الثمر ، ومعدن ألوان الزهر . والروضة على كل حال مرجع قيم وأصل شريف ... إلخ ([78])  .
     هذا هو الكافى ، الكتاب الأول عند الجعفرية ، أما الكتب الثلاثة الأخرى فإنها تقتصر على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية ، أى أنها تلتقى مع الفروع من الكافى . ولذلك عندما نبحث عن أثر عقيدة الإمامة في الكتب الأربعة سندرس أولاً الأصول مع الروضة ، ثم نجعل الفروع من الكافى مع بقية الكتب الأربعة . وأصحاب هذه الكتب سبق الحديث عنهم في الجزء الثانى عندما عرضنا ما دار بين الجعفرية حول تحريف القرآن الكريم ونقصه ، فالغلاة الضالون الذين ذهبوا إلى وقوع التحريف والنقص استندوا إلى روايات من الكافى كتلك التي ذكرها زاعماً نسبتها إلى الإمام الصادق وهى " إن القرآن الذى جاء به جبرئيل رضي الله عنه إلى  محمد - صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية " ، أى أن أكثر من عشرة آلاف آية أسقطت من كتاب الله تعالى : وكذلك ألصقت التحريف بكثير من آى القرآن الكريم ، كما استندوا إلى روايات مشابهة جاءت في غير الكافى كما بينا . وعندما بحثنا عن الغلاة الضالين الذين قاموا بحركة التشكيك في كتاب الله تعالى وجدنا القول عندما ضاق انحصر في على بن إبراهيم القمى الذى تحدثنا عنه وعن تفسيره وفى تلميذه الكلينى ، وكلما اتسع أضيف إليهما غيرهما ، أى الكلينى من أوائل الغلاة الذين قادوا حركة التضليل والتشكيك في كتب الله العزيز . وعندما بحثنا عمن تصدى لهذه الحركة الضالة وجدنا الصدوق والطوسى من الأوائل الذين سبقوا إلى هذا الفضل ([79]) والإشارة هنا إلى ما سبق الحديث عنه تغنى عن الخوض في هذا الموضوع خوضا نجتنبه قدر الإمكان إلا ما دعت الضرورة إليه ، فالكافى مملوء بهذا الضلال المضل ، وعلى الأخص في الأصول والروضة ، وهى الأجزاء التي  نبدأ الآن الحديث عنها ، وبيان ما بها من ضلال وزيع تأثراً بعقيدة الرفض   الباطلة ، وبما نادى به ابن سبأ  اللعين .

أولا : الجزء الأول من أصول الكافى

     عندما ننظر فى الجزء الأول من أصول الكافى نجد أن أكثر من ثلثيه يقع تحت عنوان   ( كتاب الحجة ) ، قال الكلينى فى خطبة الكافى " ووسعنا قليلاً كتاب الحجة ، وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها ، وأرجو أن يسهل الله  ـ جل وعز ـ إمضاء ما قدمنا من النية ، إن تأخر الأجل صنفنا كتاباً أوسع وأكمل منه ، نوفيه حقوقه كلها " ( ص 9) .
        والكتاب كما يبدو من عنوانه يتعلق بالحجة أى الإمام ، فالكتاب نفسه إذن أثر من آثار عقيدة الإمامة الباطلة ! وننظر فى أبواب كتاب الحجة هذا فنرى " باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث " ( ص 167 ) .
       والرواية الأولى : عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل وكان " رسولاً نبياً " ما الرسول وما النبي ؟ قال النبي الذي يرى في منامه ، ويسمع الصوت ولا يعاين الملك . والرسول الذي يسمع الصوت ، ويرى في المنام ويعاين الملك . قلت " الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت                       ولا يرى ، ولا يعاين الملك ، ثم تلا هذه الآية  ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [ولا محدث([80]) .
     وضم الباب ثلاث روايات أخرى ([81]) .
     وذكر الكلينى بعد هذا ثلاث روايات بأن " الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف " .
     وفى " باب أن الأرض لا تخلو من حجة " ( ص 178 –179 ) ذكر الكلينى ثلاث عشرة رواية منها :
    عن أبى عبدالله : أن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم ([82]) .
    وعنه : أن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل .
    وعنه أيضاً : لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت .
    وعن أبى جعفر : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله .
    وفى " باب أنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة "         ( 179-180) ذكر خمس روايات منها :     " عن أبى عبدالله : لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام وقال : إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل – أنه تركه بغير حجة لله عليه ".    وذكر الكلينى أربع عشرة رواية فى " باب معرفة الإمام والرد إليه " ( ص 180-185) منها :
  " عن أبى حمزة عن أبى جعفر قال : إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لايعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً .
     قلت : جعلت فداك فما معرفة الله ؟ قال : تصديق الله عز وجل ، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم ، وموالاة على والائتمام به وأئمة الهدى والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم ، هكذا يعرف الله عز وجل " ([83]) .
     وعن أبى عبدالله : " كان أمير المؤمنين إماماً ثم كان الحسن إماما ثم كان الحسين إماماً ، ثم كان على بن الحسين إماماً ثم كان محمد بن على إماماً ، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى : ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم " ([84]) .
      وترى الكلينى بعد هذا يحرف معانى بعض آي القرآن الكريم ليؤيد ما سبق وليصل إلى الافتراء بأن أصحاب الثلاثة ضلوا أى أصحاب الخلفاء الراشدين الثلاثة.
    وفى " باب فرض طاعة الأئمة " يذكر سبع عشرة رواية ، منها ما نسبه للإمام الصادق : " نحن الذين فرض الله طاعتنا ، لا يسع الناس إلا معرفتنا ، ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمناً ، ومن أنكرنا كان كافراً ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً " ([85]) .
     وفى " باب فى أن الأئمة شهداء الله عز وجل على خلقه " ( ص 190 - 191) يذكر خمس روايات ويحرف معانى بعض آيات القرآن الكريم ، ليجعل أئمة الجعفرية الرافضة هم الشهداء على الناس .
    وفى " باب أن الأئمة هم الهداة " ( 191 - 192) يذكر أربع روايات ، ويحرف معنى الآية السابعة من سورة الرعد " إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"   فيؤول كلمة هاد بأنها الإمام على ، ثم أئمة الشيعة الجعفرية من بعده .
      وفى " باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه " ( ص 192-193) يذكر ست روايات منها:
     عن أبى جعفر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال تبارك وتعالى : " استكمال حجتى على الأشقياء من أمتك من ترك ولاية على والأوصياء من بعدك ، فإن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك ، وهم خزانى على علمى من بعدك " . ثم قال الرسول : " لقد أنبأنى جبريل رضي الله عنه بأسمائهم وأسماء آبائهم " .
     وفيها : " عن أبى عبدالله إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه فى سمائه وأرضه ، ولنا نطقت الشجرة ، وبعبادتنا عبدالله عز وجل ، ولولانا ما عبدالله " .
    وفى " باب أن الأئمة خلفاء الله عز وجل فى أرضه وأبوابه التى منها يؤتى "   ( ص 193-194) يذكر الكلينى ثلاث روايات ويذكر أن الأئمة المراد من قول الله تعالى : ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [  ( 55: النور ) .
     وفى " باب أن الائمة نور الله عز وجل " ( ص 194-196) يذكر هذه الروايات : عن أبى خالد الكابلى ، عن أبى جعفر : ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [  ([86]) .
     قال : يا أبا خالد ، النور والله نور الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، وهم والله نور الله الذى أنزل ، وهم نور الله فى السموات والأرض . والله يا أبا خالد لنور الإمام فى قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار ، وهم والله ينورن قلوب المؤمنين ، ويحجب الله عز وجل نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم ، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا ، فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة  الأكبر " .
     وعن أبى عبدالله فى تفسير النور فى ( الآية 157) من الأعراف " النور في هذا الموضع على أمير المؤمنين والأئمة " .
     وعن أبى جعفر فى ] نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [ ( الحديد : 28) يعنى إماماً       تأتمون به.
         وعن صالح بن سهل الهمدانى قال : قال أبو عبدالله فى قول الله      تعالى :] اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ[. فاطمة عليها السلام     ] فِيهَا مِصْبَاحٌ [الحسن ]  الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [الحسين ] الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [ فاطمة كوكب درى بين نساء أهل الدنيا ]  يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ     مُّبَارَكَةٍ [ إبراهيم رضي الله عنه ]  لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ  [ لا يهودية ولا نصرانية   ] يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ [يكاد العلم ينفجر بها ]  وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ [ إمام منها بعد إمام ] يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء [يهدى الله للأئمة من يشاء ]وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [ ([87]) .
      قلت :  ] أَوْ كَظُلُمَاتٍ[ قال  : الأول وصاحبه  ] يَغْشَاهُ مَوْجٌ [الثالث    ] مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ  [الثانى  ]  بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [ معاوية لعنه الله وفتن بين أمية ] إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ[ المؤمن فى ظلمه فتنتهم ] لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا [ إماماً من ولد فاطمة عليها السلام ]فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[ إمام يوم القيامة([88]) .
     وقال فى قوله تعالى ] يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم [([89]) أئمة المؤمنين يوم القيامة تسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة . وعن على بن جعفر عن أخيه موسى مثله .
    وعن أبى الحسن ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [ ، ([90]) قال : يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم ... " والله متم نوره : والله متم الإمامة ، والإمامة هي النور وذلك قوله عز وجل : ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا[([91]) قال : النور هو الإمام .
      وفى " باب أن الأئمة هم أركان الأرض " (196-198) يروى الكاينى : عن أبى عبدالله : ما جاء به على آخذ به ، وما نهى عنه أنتهى عنه ، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد - صلى الله عليه وسلم ، ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - الفضل على جميع من خلق الله عز وجل ، المتعقب عليه في شىء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى  رسوله ، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله . كان أمير المؤمنين باب الله الذى لا يؤتى إلا منه ، وسبيله الذى من سلك بغيره هلك ، وكذلك يجرى لأئمة الهدى واحداً بعد واحد ، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها ، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى ، وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول : أنا قسيم الله بين الجنة والنار ، وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا صاحب العصا والميسم ، ولقد أقرت لى جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمدرضي الله عنه ، ولقد حملت على مثل حمولته وهى حمولة الرب ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى فيكسى ، وأدعى فأكسى ، ويستنطق وأستنطق فأنطق على حد منطقه ، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقنى إليها أحد قبلى : علمت المنايا والبلايا والأنساب ، وفصل الخطاب ، فلم يفتنى ما سبقنى ، ولم يعزب عنى ما غاب عنى ، أبشر بإذن الله وأؤدى عنه ، كل ذلك من الله مكننى فيه بعلمه ([92]).           
     وذكر الرواية السابقة أيضاً بطريق آخر ، وذكر مضمونها بطريق ثالث ، وفيها أن الأئمة " جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم ، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى " .
      ثم ذكر رواية مماثلة عن أبى جعفر ، وفيها أن الإمام علياً قال : " وإنى لصاحب الكرات ([93])ودولة الدول ، وإنى لصاحب العصا والميسم ، والدابة التي تكلم الناس " .
    وفى  " باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته "  ( ص 198-205) يذكر الكلينى فيما يرويه : إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل رضي الله عنه بعد النبوة ... فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبى صلى الله عليه وسلم فقال جل وتعالى ] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ[ ([94]) فكانت له خاصة فقلدها صلى الله عليه وسلم علياً بأمر الله تعالى على رسم مما فرض الله . فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى ] وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [([95])  فهى في ولد على خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبى بعد محمد ، فمن أين يختار هؤلاء الجهال الإمام المطهر من الذنوب ، والمبرأ من العيوب ، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم ، نظام الدين ، وعز المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين . الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب ، فمن ذا الذى يبلغ معرفة الإمام ، أو يمكنه اختياره .. راموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة ، وآراء  مضلة ، فلم يزدادوا منه إلا بعداً ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، ولقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً ، ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين .
      رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وأهل بيته إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ ([96])  وقال عز وجل : ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ ([97]) وقال : ] مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [إلى ] إِن كَانُوا صَادِقِينَ [([98]) .
      وأن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدر لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعى بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار .
     وفى " باب أن الأئمة ولاة الأمر وهم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز وجل " ( ص 205 - 206 ) يذكر الكلينى خمس روايات منها :
     إن الإمام الباقر سئل عن قول الله تعالى : ] أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ ([99]) فكان جوابه : ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [ ، يقولون لأئمة الضلالة والدعاة إلى النار : هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا        ] أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ [ يعنى الإمامة والخلافة . ]فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [نحن الناس الذين عنى الله.  …] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ [ ([100]) نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين .
      وفى " باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه " ( ص 206 –- 207 ) يذكر ثلاث روايات .
          وفى " باب أن الآيات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه هم الأئمة " ( ص 207 ) يذكر ثلاث روايات ، يحرف بها معانى بعض آى القرآن الكريم كما فعل في الباب السابق .
      وفى " باب ما فرض الله - عز وجل ، ورسوله - صلى الله عليه وسلم . من الكون مع الأئمة"   ( ص 208 - 210) ، يذكر سبع روايات ، روايتين أن الأئمة هم مراد الله تعالى من قوله : ] اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ[([101]) .
      وينسب خمساً من الروايات للرسول -صلى الله عليه وسلم ، فيزعم أنه قال : من سره أن يحيا حياتى ، ويموت ميتتى ، ويدخل الجنة . فليتول على بن أبى طالب وأوصياءه من بعده . وفى بعضها : لقد أتانى جبرائيل بأسمائهم ، وأسماء آبائهم ، وأحبائهم والمسلمين لفضلهم .
      وفى رواية أخرى : إلى الله أشكو أمر أمتى ، المنكرين لفضلهم ، القاطعين فيهم صلتى ، وأيم الله ليقتلن ابنى ، لا أنا لهم الله شفاعتى .
     ونجد تحريف الكلينى لمعانى بعض آيات القرآن المجيد في الأبواب التالية " باب أن الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة " (ص 210-212) ثلاث روايات .
     " باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هو الأئمة " ( ص 212 ، روايتان ) .
     " باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة " ( ص 213 ، ثلاث روايات ) .
     " باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم " ( ص 213 - 214خمس روايات ) .
     " باب في أن من اصطفاه الله من عباده ، وأورثهم كتابه هم الأئمة " ( ص 214 -215 ، أربع روايات ) .
     " باب أن القرآن يهدى للإمام " ( ص 216 ، روايتان ) .
     " باب أن النعمة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه الأئمة " (ص 217، أربع روايات ) .
    " باب أن المتوسمين الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه هم الأئمة والسبيل فيهم مقيم " ( ص 218-219، خمس روايات ) .
     ويذكر الكلينى روايتين في " باب أن الأئمة في كتاب الله إمامان : إمام يدعو إلى الله ، وإمام يدعو إلى النار " ( ص 215-216) وأولى الروايتين هي :
     عن أبى حعفر : لما نزلت هذه الآية " ] يَوْمَ نَدْعُو كلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [ ([102]) قال المسلمون : يا رسول الله ، ألست إمام الناس كلهم أجمعين ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ، ولكن سيكون من بعدى أئمة على الناس من الله من أهل بيتى ، يقدمون فى الناس فيكذبون ، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم ، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو منى ومعى وسيلقانى ، ألا ومن ظلمهم وكذبهم فليس منى ولا معى ، وأنا منه برىء .
     وفى"  باب عرض الأعمال على النبى صلى الله عليه وسلم والأئمة " ( ص 219- 220) يذكر ست روايات منها :
    عن عبدالله بن أبان الزيات ، وكان مكينا عند الرضا قال : قلت للرضا : ادع الله لى ولأهل بيتى ، فقال : أو لست أفعل ؟ والله إن أعمالكم لتعرض على في كل يوم وليلة قال : فاستعظمت ذلك ، فقال لى : أما تقرأ كتاب الله عز وجل ]وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [ ([103]) قال : هو والله على بن أبى طالب ([104]) .
    وفى " باب أن الطريقة التي حث على الاستقامة عليها ولاية على " ( ص 220) ، يذكر روايتين .
     وفى " باب أن الأئمة معدن العلم ، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة " ( ص 221 ) يذكر ثلاث روايات .
     وفى " باب أن الأئمة ورثة العلم ، يرث بعضهم بعضاً العلم "  ( ص 221 ـ 223 ) يذكر ثمانى روايات .
     وفى " باب أن الأئمة ورثوا علم النبى وجميع الأنبياء والأوصياء ، الذين  قبلهم " ( ص 223- 226) يذكر سبع روايات ، منها :
     كتب الرضا : أما بعد ، فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان أمين الله في خلقه ، فلما قبض صلى الله عليه وسلم كنا أهل البيت ورثته ، فنحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ، ومولد الإسلام ([105]) ، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان ، وحقيقة النفاق . وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق ، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا ، ليس على ملة الإسلام غيرنا وغيرهم ... ] كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ [( من أشرك بولاية على ) ]  مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ ( من ولاية على ) إن الله ( يا محمد ) ] وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ[ ([106]) . من يجيبك إلى ولاية على .
عن أبى الحسن الأول ([107]) أن الله يقول : ] وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [ ([108]) ، ثم قال :] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [ ([109]) فنحن الذين اصطفانا الله عز وجل ، أورثنا هذا الذى فيه تبيان كل شىء ([110]) .
     وفى " باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها " ( ص 227 - 228) يذكر روايتين تفيدان معنى الباب .
     ويذكر الكلينى ست روايات في " باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ، وأنهم يعلمون علمه كله " ( ص 228-229) . والجزء الأول من الباب يتفق مع ما ذكرناه من ذهاب الكلينى إلى وقوع النقص في كتاب الله تعالى ، والجزء الأخير يذكرنا بما قلنا عن القرآن الناطق ([111]) .
      وفى " باب ما أعطى الأئمة من اسم الله الأعظم " ( ص 230) يذكر ثلاث روايات تفيد أن الذى أحضر عرش بلقيس كان عنده حرف واحد من اسم الله الأعظم ، وهو ثلاثة وسبعون حرفا ، على حين أن أئمة الجعفرية عندهم اثنان وسبعون ، واستأثر الله سبحانه بحرف واحد .
      وفى " باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء " (ص 231-232) يذكر خمس روايات هي : عن أبى جعفر : كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب ، ثم صارت إلى موسى بن عمران ، وإنها لعندنا ، وإن عهدى بها آنفا وهى خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها ، وإنها لتنطق إذا استنطقت ، أعدت لقائمنا يصنع بها ما كان يصنع موسى ، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون ، وتصنع ما تؤمر به ، إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون . يفتح لها شعبتان : إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعا ، تلقف ما يأفكون بلسانها .
       وعن أبى عبدالله : ألواح موسى عندنا ، وعصا موسى عندنا ، ونحن ورثة النبيين .
       وعن أبى عبدالله : قال أبو جعفر : إن القائم إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه : ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا ، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير ، فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه ، فمن كان جائعا شبع ، ومن كان ظامئا روى ، فهو زادهم حتى ينزلوا  النجف  من ظهر الكوفة.
      وعن أبى جعفر : خرج أمير المؤمنين ذات ليلة بعد عتمة وهو يقول : همهمة همهمة وليلة مظلمة ، خرج عليكم الإمام وعليه قميص آدم ، وفى يده خاتم سليمان ، وعصا موسى .
     والرواية الأخيرة تبين أن قميص يوسف جاء إبراهيم من الجنة ، فحماه من النار ، وأن هذا القميص عندهم من الرسول صلى الله عليه وسلم .
     وفى " باب ما عند الأئمة من سلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتاعه " ( ص232-237) يذكر تسع روايات تفيد أن الأئمة عندهم كل ما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم. وفى بعض الروايات أن من هذا المتاع ما هو من الجنة ، وفى رواية عن أمير المؤمنين أن رسول صلى الله عليه وسلم كلمه حماره قائلاً : " بأبى أنت وأمى : إن أبى  حدثنى ، عن أبيه عن جده ، عن أبيه ، أنه كان مع نوح في السفينة ، فقام إليه نوح فمسح على كفله ، ثم قال : يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم . فالحمد لله الذى جعلنى ذلك الحمار " ([112]) .
     وفى " باب أن مثل سلاح رسول الله مثل التابوت في بنى إسرائيل "  ( ص 238) ذكر أربع روايات ، وهى تفيد أن أى أهل بيت وجد التابوت على بابهم أوتوا النبوة ، ومثلهم من صار إليه السلاح ، فإنه يؤتى الإمامة .
     وفى " باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة " ( ص 238 ـ 242) ذكر الكلينى ثمانى روايات هي :
 1- عن أبى بصير قال : دخلت على أبى عبدالله رضي الله عنه فقلت له : جعلت فداك إننى أسألك عن مسألة ، ههنا أحد يسمع كلامى ؟ قال : فرفع أبو عبدالله رضي الله عنه سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال : يا أبا محمد سل عما بدا لك . قال : قلت : جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم عليا رضي الله عنه باباً يفتح له منه ألف باب ؟ قال : فقال يا أبا محمد ، علم رسول صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ألف باب يفتح من كل باب ألف باب . قال : قلت هذا والله العلم . قال : فنكث ساعة في الأرض ثم قال : إنه لعلم وما هو بذاك .
     قال : ثم قال : يا أبا محمد ، وإن عندنا الجامعة ، وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال : صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإملائه من فلق فيه ، وخط على بيمينه ، فيها كل حلال وحرام وكل شىء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش . وضرب بيده إلى فقال : تأذن لى يا أبا محمد ؟ قال : قلت : جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت ، قال : هذا والله العلم ، قال : إنه لعلم وليس بذاك .
      ثم سكت ساعة ثم قال : وإن عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟ قال :  قلت : ومال الجفر ؟ قال وعاء من أدم ، فيه علم النبيين والوصيين ، وعلم العلماء الذين مضوا من بنى إسرائيل ، قال : قلت إن هذا هو العلم ، قال : إنه لعلم وليس بذاك . ثم سكت ساعة ثم قال : وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام ، وما يدريهم ما مصحف فاطمة رضي الله عنه ؟ قال : قلت : وما مصحف فاطمة عليها السلام ؟ قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات ، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال : قلت هذا والله العلم ، قال : إنه لعلم وما هو بذاك .
      ثم سكت ساعة ثم قال : إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، قال : قلت : جعلت فداك هذا والله أعلم . قال : إنه لعلم وليس بذاك .
     قال : قلت : جعلت فداك فأى شئ العلم ؟ قال : ما يحدث بالليل والنهار ، الأمر من عبدالأسر ، والشىء بعد الشىء إلى يوم القيامة .
  2- عن حماد بن عثمان قال : سمعت أبا عبدالله رضي الله عنه يقول : تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة ، ذلك أننى نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام قال : قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : إن الله تعالى لما قبض نبيه عليه الصلاة والسلام دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لايعلمه إلا الله عز وجل ، فأرسل الله إليها ملكا يسلى غمها ويحدثها ، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه فقال : إذ أحسست بذلك وسمعت الصوت ، فقولى لى . فأعلمته بذلك ، فجعل أمير المؤمنين رضي الله عنه يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا . قال : ثم قال : أما إنه ليس فيه شىء من الحلال والحرام ، ولكن فيه علم ما يكون .
   3-عن الحسن بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه يقول : إن عندي الجفر الأبيض:  قلت : فأي شىء فيه ؟قال: زبور داود،وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى، ومصحف إبراهيم رضي الله عنه، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآنا، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلي أحد، حتى فيه الجلدة، ونصف الجلدة ، وربع الجلدة، وأرش الخدش .
       وعندى الجفرالأحمر، قال: قلت: وأي شئ في الجفر الأحمر؟ قال السلاح، وبذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل . فقال له عبد الله بن أبي يعفور : أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟ فقال : أي والله كما يعرفون الليل أنه ليل ، والنهارأنه نهار ، ولكنهم يحملهم الحسد على الجحود والإنكار ، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم .
4- عن سليمان بن خالد قال: قال أبوعبدالله : إن في الجفرالذين يذكرونه لما يسوؤهم، لأنهم لا يقولون الحق([113]) والحق فيه، فليخرجوا قضايا على وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات ، وليخرجوا مصحف فاطمة عليها السلام، فإن فيه وصية فاطمة عليها السلام ، ومعه سلاح رسول الله  صلى الله عليه وسلم وإن الله عز وجل يقول: ] فأتوا   بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  [ ([114]) .
5-عن أبى عبد الله :هو(آي الجفر) جلد ثور مملوء علما، قال له فالجامعة ؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه ، وليس من قضية إلا وهى فيها ، حتى أرش الخد ش.
   إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وسبعين يوما ، وكان داخلها حزن شديد على أبيها ، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها ، وكان على يكتب ذلك،فهذا مصحف فاطمة.
6-عن أبى عبدالله قال : إن عندنا كتابا إملاء رسول الله  صلى الله عليه وسلموخط على صحيفة فيها كل حلال وحرام.
7-عبدالملك بن أعين قال لأبى عبدالله : إن الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبدالله فهل له سلطان ؟ فقال : والله إن عندى لكتابين فيهما تسمية كل نبى وكل ملك يملك الأرض ، لا والله مامحمد بن عبدالله في واحد منهما.
8-كتاب فاطمة : ليس من ملك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا .
    وفي" باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة يوم الجمعة " (ص 253-254 ) يذكر ثلاث روايات عن أبى عبدالله منها :
    إذا كان ليلة الجمعة وافي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  - العرش ووافي الأئمة معه ووافينا معهم ، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأفقدنا .
    وفي " باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم " ( ص254 -255) يذكرأربع روايات . ويذكر أربع روايات كذلك تحت " باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التى خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل " (ص 255-256 )
     وفى  "باب نادر فيه ذكر الغيب " ( 256 257) يذكر أربع روايات ، منها رواية تعجب لوجودها في هذا الكافى ، وهى :
    عن أبى عبدالله : " يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل . لقد هممت بضرب جاريتى فلانة فهربت منى ، فما علمت في أى بيوت الدار هي " .
    كلمة حق جرى بها قلم لا يعرف الحق ، لذا كان عجيبا ، ولكن سرعان ما زال هذا العجب ، فالراوية التالية عن نفس الإمام أنه سئل " الإمام يعلم الغيب ؟ فقال : لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشئ أعلمه الله ذلك "
     فالكلينى إذن لم يذكر الراوية الأولى للأخذ بها ، ولكن ليهدم هذا المعنى المستقر في أخلاد المؤمنين ببيان أن الأئمة لا يعلمون الغيب إلا بإرادتهم عن طريق الله سبحانه ، فما أهون أن يعلم مكان الجارية إذا أراد ! والأبواب التالية توضح ما أراده الكلينى :
     " باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا " ( ص 158) فيه ثلاث   روايات .
     " باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون ، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم "    ( ص 258 –260) فيه ثمانى روايات .
     " باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون ، وأنه لا يخفى عليهم الشىء "  ( ص 260-262) فيه ست روايات .
     " باب جهات علوم الأئمة " ( ص264) فيه ثلاث روايات تفيد أن هذه الجهات هي الوارثة والإلهام .
     " باب أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه " ( ص 264-265) فيه روايتان .
     وفى " باب أن الله عز وجل لم يعلم نبيه علما إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين وأنه كان شريكه في العلم " ( ص362) يذكر ثلاث روايات .
     وفى " باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى الأئمة في أمر الدين ( ص 265-268) يذكر عشر روايات .
     وفى " باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى ، وكراهية القول فيهم بالنبوة " ([115]) (ص 268-270) ، يذكر سبع روايات .
     وفى " باب أن الأئمة محدثون مفهمون " ( ص 270-271) يذكر خمس روايات .
     وفى " باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة " (ص 271- 272) يذكر ثلاث روايات تفيد أن هذه الأرواح خمس : روح الإيمان وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح الحياة ، والخامسة روح القدس وهى خاصة بالأنبياء " فإذا قبض النبى صلى الله عليه وسلم - انتقل روح القدس فصار إلى الإمام ، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو وروح القدس كان يرى به " ([116]) .
     وفى " باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة " ( ص 273-274) يذكر ست روايات ، منها أن الإمام الصادق قال عن قوله تعالى ] وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [ ([117])
     قال : " خلق من خلق الله - عز وجل - أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ويسدده ، وهو مع الأئمة من بعده "
     ومنها أن الإمام الصادق قال : ما سبق أيضاً عن قوله تعالى ]وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [  ([118]) وأنه كذلك قال : منذ أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد صلى الله عليه وسلم  ما صعد إلى السماء وأنه لفينا .
     وفي " باب وقت ما يعلم الإمام جميع علم الإمام الذي كان قبله " (ص274-275) يذكـــر ثلاث روايات . 
     وفي " باب أن الأئمة في العلم والشجاعة والطاعة سواء"(ص275) يذكر ثلاث روايات ويحرف معنى آية كريمة  .
وفي " باب أن الإمام يعرف الإمام الذي يكون من بعده، وأن قول الله تعالى  ] إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [ ([119]) فيهم عليهم الصلاة والسلام   نزلت " ( ص 276 ـ 277 ) يذكر سبع روايات ، ويحرف معنى آيات أخريات :
      وفى " باب أن الإمامة عهد من الله عزوجل معهود من واحد إلى واحد " ( ص 277 ـ 279 ) ، يذكر أربع روايات منها :
     عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله فذكر الأوصياء وذكرت إسماعيل فقال :لاوالله يا أبا محمد ، ما ذاك إلينا ، وما هو إلا إلي الله عز وجل ، ينزل واحد بعد واحد([120]) .
     وفي " باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل ، وأمر منه لا  يتجاوزونه "(ص279-284) يذكر أربع روايات مطولة ، والكلينى هنا يخرج لنا بطريقة جديدة في الافتراء على الله عز وجل ، فالروايات تفيد أن جبرئيل – رضي الله عنه - نزل على محمد- صلى الله عليه وسلم - بكتاب كل إمام يفك خاتما ، وينفذ ما بالجزء الذى يخصه من الكتاب .
ومن هذه الروايات  :
      عن أبي عبد الله : أن الوصية نزلت من السماء على محمد كتابا([121]) لم ينزل على محمد كتاب مختوم إلا الوصية ، فقال جبرئيل : يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أى أهل بيتى يا جبرئيل ؟ قال : نجيب الله منهم وذريته ، ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم رضي الله عنه ، وميراثه لعلى وذريتك من صلبه . قال : وكان عليها خواتيم ، قال ففتح على الخاتم الأول ومضى لما فيها ، ثم فتح الحسن الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها ، فلما توفي الحسن فتح الحسين الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة ،لا شهادة لهم إلا معك ، قال : ففعل … إلخ  .
     ومنها  وأن الحسين قرأ صحيفته التى أعطيها ، وفسر له ما يأتى بنعى وبقى فيها أشياء لم تقض ، فخرج للقتال ..وكانت تلك الأمور التى بقيت أن الملائكة سألت الله تعالى في نصرته فأذن لها، ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى   قتل ، فنزلت وقد انقضت مدته وقتل ، فقالت الملائكة : يارب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته ، فانحدرنا وقد قبضته ، فأوحى الله إليهم : أن الزموا قبره حتى تروه قد خرج فانصروه ، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته ، فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه ، فبكت الملائكة تعزيا وحزنا على ما فاتهم من نصرته ، فإذا خرج يكونون أنصاره .
     وفي " باب الأمور التى توجب حجة الإمام (ص284-285) يذكر ست روايات تفيد أن الأمور هي : الفضل ، والوصية والسلاح وأن يكون الإمام أكبر ولد أبيه ما لم يكن فيه عاهة كإسماعيل بن جعفر . ومن هذه الروايات : الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ، ولا طير ولا بهيمة ،ولا شئ فيه الروح ، فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام  . وفي " باب ثبات الأمانة في الأعقاب ، وأنها لاتعود في أخ ولا عم ولا غيرهما من القرابات (ص285-286) يذكر خمس روايات ، ويستثنى الحسين من عدم العودة في الأخ .
     وفي " باب ما نص الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على الأئمة واحدا فواحدا "   (ص 286-292) يذكر سبع روايات وفي إحداها إبطال إمامة محمد بن الحنفية .
    وفي " باب الإشارة والنص على أمير المؤمنين "(ص292-297) يذكر تسع روايات ، وفيها تحريف لبعض آى القرآن الكريم نصا ومعنى ، وفيها تخطئة وإنكار لنص آيه كريمة ، وتعريض بالشيخين : الصديق والفاروق رضى الله تعالى عنهما ، وبأنهما ارتدا.. إلخ .
     ويعقد الكليني بعد هذا أحد عشر بابا كل باب للإشارة والنص على أحد الأئمة بحسب الترتيب الزمني إلى أن يصل إلي الإمام الثاني عشر في باب الإشارة والنص إلي صاحب الدار في(ص329) ويضمن هذه الأبواب ثلاثة وتسعين رواية  ؟ !
     وبعد الباب الأخير يأتي " باب في تسمية من رآه " (ص329-332) يذكر خمس عشرة رواية لتسمية من رأى إمامهم الأخير  .
    وباب في النهى عن الاسم (ص332-333) يذكر أربع روايات وفيها : لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه .
    " وباب نادر في حال الغيبة " (ص333-335) فيه ثلاث روايات  .
    " وباب في الغيبة "(ص335-343) يذكر الكليني فيه إحدى وثلاثين رواية يستفاد منها أن إمامهم الثاني عشر يشهد المواسم ويرى الناس ولا يرونه . وأن له غيبتين إلخ . وفي بعض الروايات تحريف لمعاني آيات من القرآن الكريم ، وفي بعض التحريف تحديد لزمن الغيبة ، ففي قوله تعالى " فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس" ([122]) يروى روايتين أن المراد هو " إمام يخنس سنة ستين      ومائتين " ([123]) .
    وفي" باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر الإمامة " (ص343  367 ) يذكر تسع عشرة رواية منها  :
     رواية بطريقين عن أبي جعفر : أن محمد بن على المسمى بابن الحنفية طلب من على بن الحسين بعد استشهاد أبيه الحسين ألا ينازعه في الإمامة لأنه أحق بها. ولكن عليا خوف عمه من عقاب الله تعالى ، وطلب الاحتكام للحجر الأسود ، فسأل ابن الحنفية الحجر فلم يجبه ، فقال على بن الحسين لو كنت إماما لأجابك ، ثم سأل على الحجر فتحرك حتى كاد أن يزول عن موضعه ، ثم أنطقه الله عز وجل بلسان عربي مبين ، وشهد بأن الوصية لعلى([124]) .
      وفي رواية عن موسى بن جعفر أنه أثبت إمامته لمن طلب الإثبات بأن أمر شجرة لتأتيه ، فجاءت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه ، ثم أشار إليها فرجعت ([125]) .
      وعن محمد بن على الرضا : أن عصا في يده نطقت وقالت : إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة ([126]).
      وفي " باب كراهية التوقيت " ( ص 368-369) يذكر سبع روايات ، الأولى هي :-
      عن أبي جعفر: إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين ، فلما أن قتل الحسين اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة ، فحدثناكم فأذعتم الحديث ، فكشفتم قناع الستر ، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .
       وفي رواية : إذا حدثناكم الحديث فجاء على ما حدثناكم به فقولوا : صدق الله ، وإذا حد ثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا : صدق الله تؤجروا مرتين ([127]) .
       وفي " باب التمحيص والامتحان " (ص369-371) يذكر ست روايات .
       وفي " باب من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر"         (ص371-372) يذكر سبع روايات وفي" باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ، ومن جحد الأئمة أو بعضهم ، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل " (ص372-374) يذكر اثنتي عشرة رواية ، وهذه الروايات يستفاد منها أن غير أئمة الجعفرية الرافضة كفار وإن كانوا فاطميين علويين ، ومن تبعهم كان مشركا بالله. وفي الروايات تحريف لمعانى آيات ذكرت ، وتكفير لفلان وفلان ، أي الصديق والفاروق – ومن والاهما ، وقاعدة عامة لظاهر القرآن وباطنه " وأن القرآن له ظهر وبطن ، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر ، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق " .
     وفي " باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى " (ص376-377) يذكر أربع روايات تـفيد أنه يموت ميتة جاهلية .
     وفي " باب فيمن عرف الحق من أهل البيت ومن أنكر " (ص377-378) يذكر أربع روايات منهـا   :
      عن الرضا: الجاحد منا له ذنبان، والمحسن له حسنتان .
       وفي " باب ما يجب على الناس عند مضى الإمام ( ص 378-380 ) يذكر ثلاث روايات  .
      وفي " باب أن الإمام متى يعلم أن الأمر قد صار إليه " (ص380-382) يذكر ست روايات  .
     وفي " باب حالات الأئمة في السن "(ص382-384) يذكر ثماني روايات .
    وفي " باب أن الإمام لا يغسله إلا إمام من الأئمة " ([128]) (ص384-385) يذكر ثلاث  روايات  .
    وفي " باب مواليد الأئمة (ص385-389) يذكر ثماني روايات منها : عن أبي عبد الله : إن الله تبارك وتعالى إذا أحب أن يخلق الإمام أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش فيسقيها أباه ، فمن ذلك يخلق الإمام ، فيمكث أربعين يوما وليله في بطن أمه لا يسمع الصوت . ثم يسمع بعد ذلك الكلام ، فإذا ولد بعث ذلك الملك فيكتب بين عينيه : " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم  " ( 115: الأنعام ) فإذا مضى الإمام الذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به إلى أعمال الخلائق فبهذا يحتج الله على خلقه ([129])
       وفي الباب أكثر من راوية تفيد هذا المعنى باختلاف في مكان الكتابة .
      وفي " باب خلق أبدان الأئمة وأرواحهم وقلوبهم "(ص389-390) يذكر أربع روايات منها  :
      عن أبي جعفر : إن الله خلقنا من أعلى عليين ، وخلق قلوب شيعتنا  مما خلقنا ، وخلق أبدانهم من دون ذلك ، فقلوبهم تهوى إلينا لأنها خلقت مما خلقنا ، ثم تلا هذه الآية :] كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [ ([130]) وخلق عدونا من سجين ، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك ، فقلوبهم تهوى إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ، ثم تلا هذه الآية ] كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ [ ([131]) .
     وفي " باب التسليم وفضل المسلمين " أى للأئمة (ص390-392) ، يذكر ثماني روايات  .
     وفي " باب أن الواجب على الناس بعد ما يقضون مناسكهم ، أن يأتوا الإمام         فيسألون   عن معالم دينهم ، ويعلمونه ولا يتهم ومودتهم له " (ص392-393) يذكر ثلاث روايات منها  :
      نظر أبو جعفر إلى الناس يطوفون حول الكعبة فقال : هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية ، إنما أمروا أن يطوفوا بها ثم ينفروا إلينا يعلمونا ولا يتهم ومودتهم ، ويعرضوا علينا نصرتهم  .
     ومنها أنه نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان وهم حلق في المسجد فقال : هؤلاء الصادون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين ، إن هؤلاء  الأخابث لو جلسوا في بيوتهم ، فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى ،                وعن رسوله  صلى الله عليه وسلم .
      وفي " باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم ، وتطأ بسطهم وتأتيهم بالأخبار " (ص393-394) ، يذكر أربع روايات  .
      وفي " باب أن الجن يأتيهم : فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجهون في أمورهم " (ص394-397) يذكر سبع روايات تفيد معنى الباب ، وأن بعض الناس رأوا الجن يخرجون من عند الأئمة ، وفي رواية : إن ثعبانا جاء وأمير المؤمنين يخطب ، فأمر بعدم قتله ، وصعد الثعبان إليه فقال أمير المؤمنين من أنت ؟ فقال الثعبان : عمرو بن عثمان خليفتك على الجن ، وإن أبي مات ، وأوصاني أن آتيك فأستطلع رأيك ..إلخ  .
       وفي " باب في الأئمة أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود([132]) ولا يسألون البينة " ص (397-398) يذكر خمس روايات  .
      وفي " باب أن مستقى العلم من بيت آل محمد صلى الله عليه وسلم " (ص398-399) يذكر روايتين  .
      وفي " باب أنه ليس شىء من الحق في يد ا لناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شىء لم يخرج من عندهم فهو باطل " (ص399-400 ) .
يذكر ست روايات .
     وفي " باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستعصب " (ص401-402 ) يذكر خمس روايات .
    وفي " باب ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بالنصيحة لأئمة المسلمين ، و اللزوم لجماعتهم ومن هم ؟ " (ص403-405) يذكر خمس روايات تؤيد فرقته الرافضة  .
    وفي " باب ما يجب من حق الإمام على الرعيه وحق الرعيه على الإمام " (ص405-407) يذكر سبع روايات  .
    وفي " باب أن الأرض كلها للإمام " (407-410) يذكر ثماني روايات تفيد معنى الباب ، وأن الله تعالى أورث أئمة الجعفرية الأرض كلها ، فأداء            الخراج يجب أن يكون لهم  .
    ومما جاء في " باب نادر" (ص411-412) : عن جابر عن أبي جعفر قال : قلت له : لم سمى أمير المؤمنين ؟ قال : الله سماه وهكذا أنزل في كتابه :
] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ[ وأن محمداً رسولى وأن علياً أمير المؤمنين ؟ ([133]) .
      وفي " باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " (ص412-436) ، يذكر الكلينى اثنتين وتسعين رواية : ويبدو من العنوان أن الكلينى أراد هنا أن يخضع كتاب الله لهواه ، فيحرف معناه ليؤيد عقيدته في الإمامة ، أراد إذا أن يجعل آيات الله تعالى تتحدث عن أئمة الجعفرية . ولكن الكلينى لم يكتف بهذا فسلك مسلك شيخه على بن إبراهيم القمي صاحب التفسير الضال المضل الذي تحدثنا عنه ، ولذا ترى الكلينى هنا يحرف نصوص آيات قرآنية ، ويطعن في الصحابة الكرام بصفة عامه ، فيصمهم بالكفروالردة والنفاق ، ويطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة بصفة خاصة باعتبار أنهم – كما يفتري - اغتصبوا الولاية من أمير المؤمنين ، ويطعن في الشيخين بصفة أخص.
      والروايات التى تحمل تحريف نصوص الآيات الكريمة هي الروايات  أرقام 8، 23، 25، 26، 27، 28، 31، 32، 43، 47، 48، 58، 59، 60، 62، 63، 64، 91 .
      والطعن في الصحابة الكرام البررة في أكثر الروايات ، أما الروايات التي تطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة فهي أرقام :17، 42، 73، 83 .
والروايات التى تطعن في أبي بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما هي :3 ، 14، 43، 79 .
       ونكتفى هنا بذكر رواية واحدة من روايات الباب ، وهي الرواية  رقم 91 (ص442-435) وهي :
        عن محمد بن الفضيل عن إمامهم الحادى عشر :
قال : سألته عن قول الله عز وجل ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [ قال : يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم . قلت ]  وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [قال : والله متم الإمامه لقوله عز وجل ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [ فالنور هو الإمام : قلت ] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [ قال : هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق ، قلت: ] لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ قال: يظهر على جميع الأديان عند قيام القائم ، قال    الله : ] وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [ولاية القائم ]  وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[بولاية على ، قلت : هذا تنزيل ؟ قال : نعم أما هذا الحرف فتنزيل وأما غيره فتأويل  .
      قلت :  ] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [ قال : إن الله تبارك وتعالى سمى من لم يتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين ، وجعل من جحد وصية إمامته كمن جحد محمدا ، وأنزل بذلك قرآنا : يا محمد ] إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ [ ( بولاية وصيك ) قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ( بولاية على) لكافرون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله ( والسبيل هو الوصي) إنهم ساء ما كانوا يعملون . ذلك بأنهم آمنوا ( برسالتك) وكفروا ( بولاية وصيك )   فطبع( الله ) على قلوبهم فهم لا يفقهون " وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله " قال: وإذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية على يستغفر لكم النبي من ذنوبكم " لووا رءوسهم " قال الله " ورأيتهم يصدون : (عن ولاية على ) وهم مستكبرون " عليه . ثم عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال .
] سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ يقول الظالمين لوصيك .
    قلت : ] أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ قال : إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية على كمن يمشي على وجهه لا يهتدى لأمره وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم ، والصراط المستقيم أمير المؤمنين .
    قال : قلت : ] إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ[  قال يعنى جبرئيل عن الله في ولاية على قال : قلت : ] وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [ قال : قالوا : إن محمدا كذاب على ربه وما أمره الله بهذا في على فأنزل الله بذلك قرآنا فقال (إن ولاية على ) تنزيل من رب العالمين . ولو تقول علينا(محمد) بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين " ثم عطف القول فقال : إن( ولاية على ) لتذكرة للمتقين ( العالمين ) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين . وإن (عليا) لحسرة على الكافرين . وإن( ولايته) لحق اليقين . فسبح ( يا محمد) باسم ربك العظيم " يقول اشكر ربك العظيم الذي أعطاك هذا الفضل .
     قلت : قوله : ]  لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [ قال الهدى الولاية ، آمنا بمولانا فمن أمن بولاية مولاه ] فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا [ قلت : تنزيل قال : لا تأويل قلت : قوله  ] لَا أَمْلِكُ لكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [ قال إن رسول الله دعا الناس إلى ولاية على فاجتمعت إليه قريش فقالوا : يا محمد اعفنا من هذا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
      هذا إلى الله ليس إلى ، فاتهموه ، وخرجوا من عنده فأنزل الله ] قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ ( إن عصيته ) أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ [ ( في على ) قلت : هذا تنزيل قال : نعم ثم قال توكيدا : ]  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ( في ولاية على ) فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا[ قلت " حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا " يعنى بذلك القائم وأنصاره ، قلت " واصبر على ما يقولون" قال: يقولون فيك
]  وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [ ] وَذَرْنِي ( يا محمد )  وَالْمُكذِّبِينَ ( بوصيك ) أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [ قلت :إن هذا تنزيل ؟ قال : نعم .. إلخ ([134]) .
      وفي " باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية " (436 ـ 438) ، يذكر تسع روايات يستفاد منها أن ولاية أئمة الجعفرية الإمامية الرافضة ولاية الله تعالى جاء بها كل الأنبياء ، وكتبت فى جميع صحفهم ، ويؤمن بها ما لا يحصى من الملائكة ، منكرها كافر ، وجاهلها ضال ، ومن اتخذ معهم أئمة آخرين كان مشركاً ، ومن جاء بهذه الولاية دخل الجنة .
      وفى " باب فى معلافتهم أولياءهم والتفويض إليهم " ( ص 438 ـ 439 ) ، يذكر ثلاث روايات هى :
 1-عن أبي عبد الله : إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين وقال له : إني أحبك وأتولاك ، فكذبه . فكرر ثلاثا فقال له : كذبت ما أنت كما قلت ، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ، ثم عرض علينا المحب لنا ، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض ، فأين كنت ؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم  يراجعه".
     وفي رواية أخرى قال ابو عبد الله : كان في النار .
2- عن أبي حعفر : إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة  النفاق . 3-عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله قال سألته عن الإمام فوض الله  إليه كما فوض إلى سليمان بن داود ؟ فقال نعم . وذلك أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها ، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول ، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين ثم قال :]   هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ ( أعط )  بِغَيْرِ                 حِسَابٍ [([135]) وهكذا هي فى قراءة على .. إلخ .
      وفي أبواب التاريخ " يذكر الكلينى روايات نرى في الحاشية رفضا لبعضها وطعنا في سندها ، ولكن أثر الإمامه يبدو كذلك فيما لم يطعن ، فيه ، مثال هذا ما رواه أن أبا جعفر المنصور أمر بإحراق دار الإمام جعفر الصادق ، فخرج يتخطى النار، ويمشى فيها ، ويقول : أنا ابن أعراق الثرى ، أنا ابن إبراهيم خليل الله ([136]) .
    وفي " باب ما جاء في الاثنى عشر والنص عليهم (ص252-535) يذكر الكلينى عشرين رواية ، نذكر هنا نص إحدى الروايات  :
عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ، قال : قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري :إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها ؟ فقال له جابر : أى الأوقات أحببته ، فخلا به في بعض الأيام فقال له : يا جابر أخبرنى عن اللوح الذى رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح المكتوب ؟ فقال جابر : أشهد بالله أنى دخلت على أمك فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم  فهنيتها بولادة الحسن ورأيت في يديها لوحا أخضر ، ظننت أنه من زمرد ، ورأيت فيه كتابا أبيض ، شبه لون الشمس ، فقلت لها : بأبي وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اللوح ؟
     فقالت هذا لوح أهداه الله إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيه اسم أبي واسم بعلى واسم ابنى واسم الأوصياء من ولدى ، وأعطانيه أبي ليبشرنى بذلك . قال جابر : فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته . فقال له أبي : فهل لك ياجابر أن تعرضه على ؟ فقال : نعم فمشى معه أبي إلى منزله فأخرج صحيفة من رق فقال : يا جابر انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك . فنظر جابر في نسخته فقرأه فما خالف حرف حرفا فقال جابر : فأشهد بالله أنى هكذا رأيته في اللوح مكتوبا .   
ونص الكتاب هو  :

بسم الله الرحمن الرحيم

       هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين ، عظم يا محمد أسمائى ، واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي ، إني أنا الله لا إله إلا أنا ، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين ، إني أنا الله لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي ، أو خاف غير عدلي ، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين . فإياى فاعبد وعلىّ فتوكل ، إنى لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا . وإنى فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين ، فجعلت حسنا معدن علمى بعد انقضاء مدة أبيه ، وجعلت حسينا خازن وحيي ، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة ، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة . جعلت كلمتى التامة معه وحجتي البالغة عنده ، بعترته أثيب   وأعاقب ، أولهم على سيد العابدين ، وزين أوليائي الماضين ، وابنه شبه جده المحمود : محمد الباقر علمى والمعدن لحكمتى ، سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد على ، حق القول منى لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه ، أتيحت بعد موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضى   لاينقطع ، وحجتي لا تخفي ، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفي ، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي ، ومن غير آية من كتابي فقد افترى على ، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدى وحبيبي ، وخيرتي في على ، وليي وناصري ، ومن أضع عليه أعباء النبوة ، وأمتحنه بالاضطلاع بها ، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي ـ حق القول منى لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه ، فهو معدن علمي وموضع سري ، وحجتي علي خلقي . لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه ، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار ، وأختم بالسعادة لابنه على وليي وناصري والشاهد في خلقي وأمينى على وحيي ، أخرج منه الداعي إلى سبيلي ، والخازن لعلمي الحسن وأكمل ذلك بابنه " م ح م د " رحمة للعالمين ، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فيذل أوليائي في زمانه ، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم ، فيقتلون ويحرقون ، ويكونون خائفين مرعوبين ، وجلين تصبغ الأرض بدمائهم ، ويفشو الويل والرنة في نسائهم ، أولئك أوليائي  حقا ، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس ، وبهم أكشف الزلازل و أدفع الآصار والأغلال ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .
      قال عبد الرحمن بن سالم : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله ([137]).
   وفى " باب صلة الإمام " ( ص537-538) يذكر سبع روايات منها :
     عن أبى عبدالله :ما من شئ أحب إلى الله من إخراج الدراهم إلى الإمام وأن الله ليجعل له الدرهم فى الجنة مثل جبل أحد ، ثم قال : إن الله يقول فى كتابه :       ]   مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً  [([138]) .
    قال : هو والله فى صلة الإمام خاصة .
    وعنه : درهم يوصل به الإمام أفضل من ألفى درهم فيما سواه من وجوه البر .
    وفى " باب الفىء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه "               ( 538-549) يكتب الكلينى صفحة عن الباب ، ثم يذكر ثمانياً وعشرين رواية منها :
   عن الإمام الصادق " نحن قوم فرض الله طاعتنا ، لنا الأنفال ، ولنا صفو   المال " ([139]) .
    ويفسر ابنه موسى الكاظم ـ كما يزعم الكلينى ـ  صفو المال بقوله : " للإمام صفو المال : أن يأخذ من هذه الأموال صفوها ، الجارية الفارهة ، والدابة   الفارهة ، والثوب والمتاع بما يحب أو يشتهى ، فذاك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس " ([140]).
    وعن الإمام الصادق أيضاً : " من أين دخل على الناس الزنى ؟.. من قبل خمسنا أهل البيت إلا شيعتنا الأطيبين ، فإنه محلل لهم لميلادهم " ([141]) .
     وبانتهاء هذا الباب ينتهى كتاب الحجة .
    وإذا نظرنا فى بقية الجزء الأول فإنا نراه لا يخلو من التأثر بعقيدة الإمامة . مثال هذا :
   ما يطالعنا فى خطبة الكتاب " دعوا ما وافق القوم فإن الرشد فى خلافهم " ([142]) ، وفى كتاب فضل العلم " يغدو الناس على ثلاثة أصناف : عالم ومتعلم وغثاء ، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وسائر الناس غثاء " ([143]) ، والرواية عن الإمام الصادق .
   وعن ابنه موسى " لعن الله أبا حنيفة ، وكان يقول : قال على ، وقلت " ([144]) ، وعن الإمام على : " ذلك القرآن فاستنطقوه .. ولن ينطق لكم ،                  أخبركم عنه .. إلخ " ([145]) .
     وعن سليم بن قيس الهلالى قال : قلت لأميرالمؤمنين : إنى سمعت من سلمان والمقداد وأبى ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبى الله صلى الله عليه وسلم غير ما فى أيدى الناس ، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت فى أيدى الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبى الله صلى الله عليه وسلم أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أن ذلك كله باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدين ، ويفسرون القرآن بآرائهم ، قال فأقبل على فقال : قد سألت فافهم الجواب ، إن فى أيدى الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ووهماً ، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال : أيها الناس قد كثرت على الكذابة ، كمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، ثم كذب عليه من بعده ، وإنما آتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :       رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثر ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمداً ، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم  يصدقوه ، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه وسمع منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ، ووصفهم بما وصفهم ، فقال عز وجل : ]وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ           لِقَوْلِهِمْ   [ ( 4 : المنافقون ) ، ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة .
    ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذباً .
   ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أمر به ، ثم نهى عنه ، وهو لا يعلم - أو سمعه ينهى عن شئ ، ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ.
   وآخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم ينسه ، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع ، لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ .. وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم دخلة ، وكل ليلة دخلة ، فيخلينى فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيرى ([146]) .
     وتنظر مثلا فى باب النوادر من كتاب التوحيد (ص 143-146) تجد          ما يأتى : عن الحارث بن المغيرة النصرى قال : سئل أبو عبدالله عن قول الله  تبارك وتعالى ]   كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ  [ (88 : القصص ) فقال : ما يقولون فيه ؟ قلت يقولون يهلك كل شىء إلا وجه الله ، فقال : سبحان الله ! لقد قالوا قولاً عظيماً ، إنما عنى بذلك وجه الله الذى يؤتى منه .
     وعن أبى جعفر : " نحن المثانى الذى أعطاه الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، ونحن وجه الله نتقلب فى الأرض بين أظهركم ، ونحن عين الله فى خلقه ، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده ،عرفنا من عرفنا ، وجهلنا من جهلنا وإمامة المتقين " .
     وعن أبى عبدالله فى قول الله عز وجل : ]وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ         بِهَا   [ (180: الأعراف ) قال : نحن والله الأسماء الحسنى التى لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا .
    وعنه : إن الله خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا ، وجعلنا عينه فى عباده ، ولسانه الناطق فى خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة         والرحمة ، ووجهه الذى يؤتى منه وبابه الذى يدل عليه وخزانه فى سمائه   وأرضه ، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار ، وجرت الأنهار ،وبنا نزل غيث السماء وينبت عشب الأرض ، وبعبادتنا عبدالله ، ولولا نحن ما عبدالله .
    وعن أسود بن سعيد قال : كنت عند أبى جعفر فأنشأ يقول ابتداء منه من غير أن أسأله : نحن حجة الله ، ونحن باب الله ، ونحن لسان الله ، ونحن وجه الله  ونحن عين الله فى خلقه ، ونحن ولاة الله فى عباده .
    وعن أمير المؤمنين : أنا عين الله وأنا يد الله ، وأنا جنب الله وأنا باب الله .
    وعن أبى الحسن موسى :  ] يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ[         (الزمر :56) قال : جنب الله أمير المؤمنين ، وكذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهى الأمر إلى آخرهم .
   وعن أبى جعفر : بنا عبدالله وبنا عرف الله وبنا وحد الله تبارك وتعالى ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى .
    وعن أبى جعفر :  ] وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [(57 : البقرة ، 160: الأعراف ) قال : إن الله تعالى أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول : ]إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ   [ ( 55 : المائدة ) يعنى الأئمة منا .
 

ثانياً : الجزء الثانى من أصول الكافى

      بعد عرضنا للجزء الأول أعتقد أننا لسنا في حاجة إلى أن نطيل الحديث عن الجزء الثانى ، ذلك أن هذا الجزء يتحدث في جملته عن الإيمان والكفر ، والجزء السابق بين مفهوم الإيمان والكفر عند الكلينى ، وأمثاله من غلاة الفرقة الضالة وزنادقتهم . كما رأينا في كثير من رواياته ، فقد ربط الإيمان والكفر بإمامة الجعفرية الإمامية فالمؤمن بها هو المؤمن ، ومنكرها كافر ، إلى غير ذلك مما رأينا . فهذا الجزء إذن يعتبر امتدادا للجزء الأول ، فيكفى أن نورد بعض الأمثلة لنرى أن الكلينى ظل سائرا في نفس الطريق الذى رسمه لنفسه تأثراً بعقيدته في الإمامة .
       من هذه الأمثلة ما رواه عن أبى جعفر قال : " إن الله تبارك وتعالى حيث خلق ماء عذبا وماء أجاجا فامتزج الماءان ، فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديداً ، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذريدبون : إلى الجنة بسلام ، وقال لأصحاب الشمال : إلى النار ولا أبالى ، ثم قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى   شهدنا ، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ثم أخذ الميثاق على النبيين ، فقال : ألست بربكم وأن هذا محمد رسولى ، وأن هذا على أمير المؤمنين ؟ قالوا : بلى فثبت لهم النبوة . وأخذ الميثاق على أولى العزم أننى ربكم ، ومحمد رسولى ، وعلى أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمرى وخزان علمى – عليهم    السلام - ، وأن المهدى أنتصر به لدينى ، وأظهر به دولتى ، وانتقم به من   أعدائى ، وأعبد به طوعا وكرها . قالوا : أقررنا يارب وشهدنا . ولم يجحد آدم ولم يقر ، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة فى المهدى ، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله عز وجل :    وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا قال : إنما هو فترك ([147]). ثم أمر نارا فأججت ، فقال لأصحاب الشمال : ادخلوها ، فهابوها . وقال لأصحاب اليمين : ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا وسلاما . فقال أصحاب الشمال : يارب أقلنا فقال قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها   فهابوها ، ثم ثبتت الطاعة والولاية والمعصية ([148]).
     وعنه أيضاً قال : " إن الله عز وجل خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب ، وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة ، وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار . ثم بعثهم في الظلال . فقلت . وأى شئ الظلال ؟ فقال : ألم تر إلى ظلك في الشمس شيئا وليس بشئ . ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله عز وجل : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ ([149]) ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض .
     ثم دعوهم إلى ولايتنا ، فأقر بها والله من أحب وأنكر من أبغض وهو قوله : ]فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ  [([150]) .
    ثم قال أبو جعفر رضي الله عنه  : كان التكذيب ثم ([151]) .
    وعنه كذلك قال : " بنى الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشئ كما نودى بالولاية " ([152]) .
     وفى رواية أخرى زاد : فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه ، يعنى الولاية ([153]) .
  
  وعن عجلان أبى صالح قال : " قلت لأبى عبدالله رضي الله عنه : أوقفنى على حدود الإيمان . فقال الخمس وأداء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وولاية   ولينا ، وعداوة عدونا ، والدخول مع الصادقين "([154]).
      وعن زرارة عن أبى جعفر قال : " بنى الإسلام على خمسة أشياء : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية . قال زرارة : قلت وأى شئ من ذلك أفضل ؟ فقال : الولاية أفضل ، لأنها مفتاحهن ، والوالى هو الدليل عليهن .
     أما لو أن رجلا قام ليله ، وصام نهاره ، وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ، ولم يعرف ولاية ولى الله فيواليه ، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ، ولا كان من أهل الإيمان " ([155]).
     والكلينى لا يكتفى بربط الإيمان والكفر بالإمامة ولكن يربطهما كذلك بمبادئ الجعفرية ، استمع إليه مثلا وهو يروى عن الإمام الصادق : " إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له " " التقية من دين الله " ، " والله ما عبدالله بشئ أحب إليه من الخبء . قلت : وما الخبء ؟ قال التقية " ، " التقية من دينى ودين آبائى ولا إيمان لمن لا تقية له " ([156]) .
      وكتاب الإيمان والكفر في أصول الكافى يبدأ من أول الجزء الثانى إلى صفحة 464 ، وعدد رواياته 1609 ، وباقى الجزء يقع في 210 صفحة ويتناول ثلاثة كتب ، منها كتاب فضل القرآن ، ونورد هنا بعض الروايات التي ذكرها الكافى في هذا الكتاب .
       روى عن سعد الخفاف قال : قلت " جعلت فداك يا أبا جعفر ، وهل يتكلم القرآن ؟ فتبسم ثم قال : رحم الله الضعفاء من شيعتنا ، إنهم أهل تسليم ثم قال لهم : يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى . قال سعد : فتغير لذلك لونى وقلت : هذا شئ لا أستطيع أنا أتكلم به في الناس . فقال أبو جعفر : وهل الناس إلا شيعتنا ؟ فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقنا . ثم قال يا سعد أسمعك كلام القرآن ؟ قال سعد : فقلت : بلى صلى الله عليك فقال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " فالنهى كلام ، والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله ، ونحن أكبر " ([157]) .
 
     وعن أبى عبدالله قال : " لا والله لا يرجع الأمر والخلافة إلى آل أبى بكر وعمر أبدا ، ولا إلى بنى أمية أبدا ، ولا في ولد طلحة والزبير أبدا ، وذلك أنهم نبذوا القرآن وأبطلوا السنن ، وعطلوا الأحكام . وما عدل أحد عن القرآن إلا إلى النار " ([158]).
       ويروى الكلينى عن أبى عبدالله أيضاً : " إن القرآن نزل أربعة أرباع : ربع حلال ، وربع حرام ، وربع سنن وأحكام ، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم " ([159]).
 
    إلا أنه يروى عن أبى جعفر : " نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدونا ، وربع سنن وأمثال ، وربع فرائض وأحكام " ([160]) .
    ويروى عن أمير المؤمنين : " نزل القرآن أثلاثا : ثلث فينا وفى عدونا ، وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام " ([161]) .
   
      وروى عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبى عبدالله رضي الله عنه : " إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف . فقال : كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد "([162]) .
     وروى الكلينى أن أبا عبدالله قال : " نزل القرآن بإياك أعنى واسمعى يا   جارة " ([163]) .
     وعن أحمد بن محمد بن أبى نصر قال : " دفع إلى أبو الحسن رضي الله عنه مصحفا   وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه " لم يكن الذين كفروا " فوجدت فيه اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم . قال : فبعث إلى : ابعث إلى بالمصحف " ([164]) .
    وعن سالم بن سلمة قال : " قرأ رجل على أبى عبدالله رضي الله عنه وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبدالله رضي الله عنه : كف عن هذه القراءة ، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام القائم رضي الله عنه قرأ كتاب الله عز وجل على حده ، وأخرج المصحف الذى كتبه على رضي الله عنه وقال : أخرجه على رضي الله عنه إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وآله ، وقد جمعته من اللوحين . فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه ، فقال : أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا ، وإنما كان على أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه " ([165]).
      ويختم الكلينى كتاب فضل القرآن برواية عن أبى عبدالله جعفر الصادق أنه قال : " إن القرآن الذى جاء به جبرئيل رضي الله عنه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وآله سبعة عشر آلف آية " ([166]) .
      بعد هذا أعتقد أن هذه الأمثلة ـ على قلتها ـ تكفى لبيان ما أردنا إيضاحه .
 

ثالثاً : روضة الكافى

     بعد الانتهاء من الأصول يجىء دور الجزء الثامن من الكافى وهو الروضة وننظر في هذه المسماة بالروضة فنرى الكلينى مواصلا السير يخبط في ظلمات جهالته وضلاله ، يدفعه غلوه في عقيدته في الإمامة .
     فالكلينى يظل مصرا على قوله بتحريف القرآن ، ونراه هنا ، وهو يزعم نسبة هذا الافتراء للأئمة الكرام ، يتخذ من الأساليب ما يؤيد فريته ، فمثلا يصور أحد الأئمة قارئا لآية تخالف ما بين الدفتين ، فيأتى الراوى المذكور في السند ليقول :    " جعلت فداك ، إنا نقرؤها هكذا " فيجيب الإمام على حد زعمه قائلاً :
     " هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه فيما حرف من كتاب     الله " ([167]) .
      أو قائلا : " هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهكذا والله مثبت في مصحف فاطمة عليهما السلام " ([168]) .
      أو يزعم أنه قال : " هذا مما أخطأت فيه الكتاب " ([169]) .
      أو قال " هكذا نقرؤها وهكذا تنزيلها " ([170]).
      وأحياناً يذكر تعليلا ليثبت التحريف ([171]) أو يؤيد أن كلمة موجودة في الآية وهى غير موجودة ([172]).
      وأحياناً يأتى بافتراء ليثبت التحريف بصفة عامة ، استمع إليه وهو ينسب حديثا لأحد الأئمة قال: لا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم ، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله ، وخانوا أماناتهم . وتدرى ما خانوا أماناتهم ؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه ، وبدلوه ، ودلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم ، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ([173]).
     هذا بالنسبة للتحريف في نص القرآن الكريم ، أما التحريف في المعنى فإنا لا نكاد نجد آية تعرض لها الكلينى إلا حرف معناها ، ولذلك فهو يضع قاعدة عامة تؤيد هذا التحريف ، فينسب لأحد الأئمة أنه قال :
      " ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ، وتذكر أهلها بخير ، إلا وهى فينا وفى شيعتنا ، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر ، وتسوق إلى النار ، إلا وهى في عدونا ومن خالفنا ..
      ليس على مالة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا ، وسائر الناس من ذلك براء " ([174]).
      عن أبى عبدالله في قوله تعالى : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [ قال : قتل على بن أبى طالب وطعن الحسن ]وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا قال : قتل الحسين فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا: فإذا جاء نصر دم الحسين بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ[ قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم ، فلا يدعون وترا لآل محمد إلا قتلوه وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً خروج القائم ، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ  [ خروج الحسين في سبعين من أصحابه ، عليهم البيض المذهب ، لكل بيضة وجهان ، المؤدون إلى الناس أن الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه ، وأنه ليس بدجال ولا شيطان ، والحجة القائم بين أظهرهم ، فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين جاء الحجة الموت ، فيكون الذى يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده فى حضرته الحسين بن على ، ولا يلى الوصى إلا الوصى ([175]).
      وعن عبدالله بن النجاش قال : سمعت أبا عبدالله رضي الله عنه يقول في قول الله    عز وجل :أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا يعنى الله فلانا وفلانا ([176]).]وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا[  يعنى والله النبى صلى الله عليه وسلم وآله وعليا رضي الله عنه " مما صنعوا " ([177]) أى لو جاءوك بها يا على فاستغفروا الله مما صنعوا ، واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله توابا رحيما فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  [فقال أبو   عبدالله : هو والله على بعينه  ]  ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ على لسانك يا رسول الله  ([178]) ، يعنى به من ولاية على     ]  وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[   لعلى([179]) .
       وينسب الكلينى للإمام على خطبا يبرأ منها الإمام ، ويبرأ ممن وضعها افتراء عليه .
       انظر إلى " خطبة الوسيلة " ([180]) ، تجد غلوا في الأئمة وتكفيرا لمن أنكر إمامتهم ، واتهاما للصديق والفاروق ولصحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وبيان أن إمهال الله لهم كإمهاله سبحانه لعاد وثمود وأضرابهم ، وأن المصير واحد .
      وانظر إلى " خطبة الطالوتية " ([181]) تجد اتهاما للصحابة الكرام الذين سينزل بهم على حد زعمه ما نزل بالأمم من قبلهم ، لصدهم عن الحق ، وتركهم الوصى الذى به أمروا . وتجد قوله : " أما والله لو كان لى عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعداؤكم - لضربتكم بالسيف حتى تئولوا إلى الحق "([182]).
    وتجد بعد هذا : " ثم خرج من المسجد فمر بصيرة فيها نحو ثلاثين شاه فقال : والله لو أن لى رجالا ينصحون لله عز وجل ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن أكلة الذبان عن ملكه " ([183]) .
      وتجد كذلك : " لولا عهد عهده إلى النبى الأمى - صلى الله عليه وسلم - لأوردت المخالفين خليج المنية ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت ، وعن قليل يعلمون " ([184]) .
     وانظر إلى خطبته بعد مقتل ذى النورين تجد حديثا عن الجبابرة وهامان وفرعون وعثمان([185])  وتجد القول : قام الثالث ([186])كالغراب ، همه بطنه ، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له : شغل عن الجنة ، والنار أمامه ([187]) .
       والكلينى لا يقتصر على خطب وأقوال تفترى على سيدنا على ­- رضى الله تعالى عنه - ولكنا نرى أثرا للغلو كذلك في الحديث عن الإمام على ، مثال هذا :
        إنه كان في يوم ميلاد الرسول الكريم بشر أبو طالب زوجته بقوله : أما إنك ستلدين غلاما يكون وصى هذا المولود ([188]).
     وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " إن عليا يحملكم على الحق ، فإن أطعتموه ذللتم ، وإن عصيتموه كفرتم بالله " ([189]).
    وأن حرب على شر من حرب الرسول صلى الله عليه وسلم ([190]).
     وأن من يشهد للأنبياء جعفر وحمزة ، أما على فهو أعظم منزلة من ذلك ([191])وأن عليا كتم وبايع مكرها ([192]) ، وأنه أشار إلى الأرض عندما اضطربت وقال لها : اسكنى مالك، ثم التفت إلى أصحابه وقال : أما إنها لو كانت التي قال الله عز وجل لأجابتنى ولكن ليست بتلك([193]) ، وأنه أعتق ألف مملوك ([194]) .
      وفى الحديث عن إمامهم الثانى عشر يروى الكلينى عن الإمام الباقر أنه قال : إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامه ([195]).
      وعنه أيضاً : " إذا قام القائم عرض الإيمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقة وإلا ضرب عنقه ، أو يؤدى الجزية كما يؤديها اليوم أهل الذمة ، ويشد على وسطه الهميان ويخرجهم من الأمصار إلى السواد " ([196]).
     وعن أبى عبدالله الصادق ، " إن قائمنا إذا قام مد الله عز وجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لايكون بينهم وبين القائم يريد أن يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه " ([197]) .
      وعنه أيضاً عندما سئل : متى فرج شيعتكم ؟ فقال : إذا اختلف ولدا العباس ، ووهى سلطانهم ، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم ، وخلعت العرب أعنتها ، ورفع كل ذى صيصية صيصيته ، وظهر الشامى وأقبل اليمانى وتحرك الحسنى وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ([198]).  
 
      والكلينى يكثر من الحديث عن الجعفرية الإمامية ومخالفيهم ونستطيع أن نعرف الطابع العام لهذا الحديث ما دمنا قد عرفنا أنه ربط الإيمان بالولاية .
      فالإمامية الرافضة كلهم يدخلون الجنة ولا يدخل النار منهم أحد ([199]) ، وهم وحدهم دون غيرهم المغفور لهم ([200]) وغير الجعفرى كافر ([201]) ولا توبة بغير  الولاية ([202]) والناصب شر ممن ينتهك المحارم كلها ([203]) لا يبالى صلى أم زنى ([204]) وأبو حنيفة ناصب ([205]) .
     وحضور مساجد غير الجعفرية الاثنى عشرية والمشى إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم ([206]) .
      ويروى الكلينى عن الإمام الكاظم : " إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عز وجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجبنا إلى ذلك ، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم ، وأجابوا إلى ذلك ، وعوضهم الله عز وجل " ([207])
           ويروى عن أبى جعفر بأن على بن أبى طالب ينزل أهل الجنة منازلهم ويزوجهم ، ويدخل أهل النار النار ، وأبواب الجنة والنار إليه ([208]).
      وبمثل هاتين الروايتين يريد الكلينى أن يؤكد ما ذهب إليه من حديثه عن الجعفرية ومخالفيهم .
      والكلينى الذى سلك مسلك شيخه القمى فى محاولة التشكيك فى كتاب الله تعالى ، والطعن فى الصحابة الكرام ، نراه هنا يعود مرة أخرى للطعن فى نقلة الشريعة ، وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول  صلى الله عليه وسلم ، وقد مر شىء منه فى الصفحات السابقة ، ولكن المتصفح لروضة الكافى يجد الكثير من هذا الطعن ، مثال هذا :
      ما رواه من أن المسلمين ارتدوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة هم : المقداد وأبو ذر وسلمان ، وأنهم أصبحوا أهل جاهلية ، وبمثابة من عبد العجل ، وكل حاكم قبل القائم فهو طاغوت يعبد من دون الله ([209]).
      وما رواه من أن الشيخين كافران منافقان سخرا من الرسول صلى الله عليه وسلم واستهزءا به ورمياه بالجنون وأنهما صنما هذه الأمة ([210]) .
      وما رواه كذلك هذا المفترى الضال الزنديق : من أن أبا بكر أضمر وهو فى الغار أن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر ، وأن أول عداوة بدت منه للرسول صلى الله عليه وسلم فى على ، وأول خلاف منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بقبا فى الهجرة ، وأول من بايعه إبليس حيث جاء على هيئة شيخ كبير ([211]) .
      وإلى جانب ما سبق نرى الكلينى متأثراً بعقيدته الباطلة فى الإمامة عندما يأتى بروايات لها صلتها بالموضوعات التاريخية ، فإلى جانب الحديث عن البيعة أو النص على الأئمة كما رأينا نرى موضوعات أخرى فمثلاً :
      ذكرنا فى الجزء السابق شيئاً عن خرافة السفيانى ([212]) ونجد هنا ذكراً له فى عدد من الروايات ([213]).
      والشيعة الإمامية يسمون الرافضة لسبب تاريخى معروف ([214]) ولكن الكلينى يروى أن الله تعالى سماهم بهذا الاسم ([215]) .
      واسم الجعفرية نسبة إلى الإمام جعفر ، فنرى الكلينى هنا يرى أن الجنة فيها نهر يقال له جعفر على شاطئه الأيمن درة بيضاء فيها ألف قصر ، فى كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم ([216]) .
      وهكذا نرى روضة الكافى لا تكاد تقل عن أصوله تأثراً بعقيدة الإمامة .
      وبعد هذا العرض لأصول الكافى وروضته نستطيع أن نقول : 
      1 ـ إن الكلينى اتخذ من السنة بمفهومها عنده وسيلة لإثبات عقيدته فى الإمامة ورأيه فى الأئمة وما يتصفون به . ووسيلة كذلك لبيان بطلان ما ذهب إليه غير الجعفرية الذين لم يأخذوا بعقيدته فى الإمامة ، وأنهم مهما تعبدوا فهم فى النار ، فعبادتهم غير مقبولة فى زعم الكلينى ، على حين أن الجعفرية جميعاً بغير استثناء سيدخلون الجنة ولا تمسهم النار مهما ارتكبوا من الموبقات   والآثام ، ومهما كان خطؤهم فى حق الله تعالى أو فى حق عباده .
      والكلينى من أجل هذا كله نراه يفترى آلاف الروايات وينسبها للرسول صلى الله عليه وسلم ولآل بيته الأطهار .
      وفى بحثنا للإمامة فى الجزء الأول عندما وصلنا إلى دلالة السنة اعتمدنا على ثمانية كتب لم نضم إليها كتاب الكافى ، وأظننى الآن لست فى حاجة لتأييد وجهة نظرى .
      2 ـ والكلينى اتخذ من السنة كذلك وسيلة لتحريف كتاب الله تعالى نصاً ومعنى ، وقد نهج هنا منهج شيخه على بن إبراهيم القمى ، صاحب التفسير الضال المضل الذى تحدثنا عنه فى الجزء السابق ، ونهج منهجه كذلك فى الطعن فى الصحابة الكرام : نقلة الشريعة وحملة رسالة الإسلام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم . وخص بمزيد من الطعن الذين تولوا الخلافة الراشدة قبل الخليفة الرابع الإمام على رضى الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم .
      3 ـ والكلينى أقدم على ما لا يقل خطورة وضلالاً عن القول بتحريف القرآن الكريم ونقصه حيث افترى على الله الكذب فزعم أنه جل شأنه أنزل كتباً من السماء بخط إلهى تؤيد فرقته الجعفرية .
      4 ـ والكلينى يضمن كتابه بعض الأحداث التاريخية ، ويذكرها بحسب  هواه ، ويفسرها بما يشتهى ، وبما يشبع غيه وضلاله .

رابعاً ـ فروع الكافى وبقية الكتب

      قلنا إن الفروع من الكافى تشتمل على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية وهى بهذا تلتقى مع كتاب الصدوق " فقيه من لا يحضره الفقيه " وكتابى الطوسى   " التهذيب والاستبصار " .
      وبعد أن انتهينا من الحديث عن أثر عقيدة الإمامة فى أصول الكافى وروضته لسنا فى حاجة إلى التوسع فى بيان أثر الإمامة فى الفروع والكتب الثلاثة ما دامت هذه كلها متعلقة بالفقه ، فالفقه خصصناه بالجزء الرابع ، والآراء التى تأثرت بالإمامة تعتمد بصفة عامة على ما جاء فى هذه الكتب . إذن يمكن القول بأن أثر الإمامة فى الفقه يبين إلى حد كبير أثر الإمامة فى فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى .
      ولنأخذ مثلاً أثر الإمامة فى " كتاب الحج " كما نراه فى الفقه وفى كتب الحديث الأربعة عند الجعفرية .
      فأما الفقه فنجد أنهم يرون أن غير الجعفرى الإمامى إذا حج ثم صار جعفرياً فيستحب أن يعيد الحج . ولا يصح للجعفرى أن ينوب فى الحج عن غير  الجعفرى إلا إذا كان أباه ، وفى الزيارة يستحب استحباباً مؤكداً زيارة الأئمة ، وفى الدعاء يستحب أن يكون بالأدعية المأثورة ، إلى غير ذلك مما سيظهر من دراستنا للحج فى الجزء اللاحق .
      وننظر إلى ما كتبه المحمدون الثلاثة ـ أصحاب الكتب الأربعة فى كتاب الحج من كتبهم فنراهم يذكرون ما يدل على هذه الأحكام:
      فيروى الثلاثة عن الإمام الصادق : عن رجل حج ولا يدرى ، ولا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته والدينونة به أعليه حجة الإسلام ؟ فقال : قد قضى فريضة الله عزوجل والحج أحب إلي ([217]) .  
 
      وفى " باب الحج عن المخالف " ([218]) يروى الكلينى عن وهب قال : قلت لأبى عبد الله : " أيحج الرجل عن الناصب ؟ فقال : لا ، فقلت : فإن كان أبى ؟ قال : فإن كان أباك فنعم " .
      ويروى أن الإمام الهادى كتب " لا يحج عن الناصب ولا يحج به " .
      وفى فضل الزيارة وثوابها يروى الكلينى والقمى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال   للحسن : يا بنى من زارنى حياً أو ميتاً ، أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقاً  علي أن أزوره يوم القيامة فأخلصه من ذنوبه ([219]) .
      ويرويان عن أبى جعفر أنه قال : " من تمام الحج لقاء الإمام " ([220]) .
      ويروى الكلينى والطوسى عن يونس بن أبى وهب قال : " دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله فقلت : جعلت فداك ، أتيتك ولم أزر أمير المؤمنين ؟ قال : بئس ما صنعت ، لولا أنك من شيعتنا ما نظرت إليك ، ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة ، ويزوره الأنبياء ويزوره المؤمنون " ([221]) .
      ويروى القمى والطوسى عن الإمام الصادق قال : " إن الله تبارك وتعالى يبدأ إلى زوار قبر الحسين بن على بن أبى طالب عشية عرفة ، قيل له : قبل نظره إلى أهل الموقف ؟ قال نعم ، قيل وكيف ذلك ؟ قال : لأن فى أولئك أولاد زنى وليس فى هؤلاء أولاد زنى " ([222])  .
      ويروى القمى  عن البيزنطى قال : قرأت كتاب أبى الحسن الرضا : أبلغ شيعتى أن زيارتى تعدل عند الله تعالى ألف حجة . قال : قلت لأبى جعفر ـ يعنى ابنه ـ ألف حجة ؟ قال : إى والله وألف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه([223]) .
      ويروى الثلاثة عن الإمام الصادق : يا سدير تزور قبر الحسين فى كل يوم ؟ قلت : جعلت فداك لا . قال : فما أجفاكم ! قال : فتزورونه فى كل جمعة ؟ قلت : لا قال : فتزورونه فى كل شهر ؟ قلت لا : قال فتزورونه فى كل سنة : قلت قد يكون ذلك . قال : يا سدير ما أجفاكم للحسين ! أما علمت أن لله عزوجل ألفى ألف ملك شعث غبر يبكون ويزورونه لا يفترون ؟ وما عليك يا سدير أن تزور قبر الحسين فى كل جمعة خمس مرات وفى كل يوم مرة ؟
      قلت : جعلت فداك إن بيننا وبينه فراسخ كثيرة . فقال لى : اصعد فوق سطحك ثم تلتفت يمنة ويسرة ثم ترفع رأسك إلى السماء ثم تنحو نحو القبر وتقول : السلام عليك يا أبا عبد الله السلام عليك ورحمة الله وبركاته . تكتب لك زورة ، والزورة حجة وعمرة ([224]).
      وروى الكلينى عن بشير الدهان قال : قلت لأبى عبد الله : " ربما فاتنى الحج فأعرف ([225])عند قبر الحسين فقال : أحسنت يا بشير ، أيما مؤمن أتى قبر الحسين عارفاً بحقه فى غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات ، وعشرين حجة وعمرة مع نبى مرسل أو إمام عدل ، ومن أتاه فى يوم عيد كتب الله مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبى مرسل أو إمام عدل . ([226]) قال : قلت له : كيف لى بمثل الموقف ؟ قال : فنظر إلى شبه المغضب ثم قال لى : يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها ، ولا أعلمه إلا قال : وغزوة ([227]).
      وذكر الكلينى بعد هذا عشر روايات لم يقل فضل زيارة قبر الحسين فى إحداها عن عشرين حجة ، وفى أكثر من رواية قال : من أتى قبر أبى عبد الله عارفاً بحقه ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ([228]) .
      وبالنسبة للأدعية المأثورة روى الثلاثة فيما يقال عند زيارة قبر أمير  المؤمنين :
      السلام عليك يا ولى الله ، أنت أول مظلوم ، وأول من غصب حقه .. جئتك عارفاً بحقك ، مستبصراً بشأنك معادياً لأعدائك ومن ظلمك .. لعن الله من خالفك ، ولعن الله من افترى عليك وظلمك ، ولعن الله من غصبك ، ولعن الله من بلغه بذلك فرضى به ، أنا إلى الله منهم برىء . لعن الله أمة خالفتك وأمة جحدتك وجحدت ولايتك ، وأمة تظاهرت عليك ، وأمة قتلتك ، وأمة حادت عنك وخذلتك . الحمد لله الذى جعل النار مثواهم وبئس الورد المورود ، وبئس ورد الواردين ، وبئس الدرك المدرك . اللهم ألعن قتلة أنبيائك ، وقتلة أوصياء أنبيائك بجميع لعناتك ، وأصلهم حر نارك ، اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة واللات والعزى والجبت وكل ند يدعى من دون الله ، وكل مفتر . اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم وأولياءهم وأعوانهم ومحبيهم لعناً كثيراً .
      أشهد أنك جنب الله ، وأنك باب الله ، وأنك وجه الله الذى يؤتى منه ، وأنك سبيل الله .
      أشهد أن من قاتلكم وحاربكم مشركون ، ومن رد عليكم فى أسفل درك من الجحيم ([229]) .
      ومما رواه القمى عند زيارة قبر الحسين :
      " بكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها ، وبكم تنزل السماء قطرها ، وبكم يكشف الله الكرب ، وبكم ينزل الله الغيث ، وبكم تسبح الأرض التى تحمل أبدانكم . لعنت أمة قتلتكم ، وأمة خالفتكم ، وأمة جحدت  ولايتكم ، وأمة ظاهرت عليكم ، وأمة شهدت ولم تنصركم ، الحمد لله الذى جعل النار مأواهم وبئس الورد المورود " ([230]) .
      هذه بعض روايات كتاب الحج التى بدا فيها أثر الغلو فى عقيدة الإمامة . وكان لهذه الروايات صداها فى الفقه الجعفرى ، ولكن نجد روايات أخرى يبدو فيها هذا الأثر ، أثر الغلو فى العقيدة ، ولا أثر لها فى الفقه . مثال هذا ما رواه الكلينى عن الحارث عن أبى جعفر قال :
      " كنت دخلت مع أبى الكعبة ، فصلى على الرخامة الحمراء بين العمودين فقال : بهذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل ألا يردوا هذا الأمر فى أحد من أهل بيته أبدا .
      قال : قلت : ومن كان ؟ قال : كان الأول والثانى وأبو عبيدة بن الجراح وسالم بن الحبيبة ([231]) .
      وما رواه أيضاً عن حسان الجمال قال : حملت أبا عبد الله من المدينة إلى مكة ، فلما انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد فقال : ذلك موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : من كنت مولاه فعلى مولاه . ثم نظر إلى الجانب الآخر فقال : ذلك موضع فسطاط أبى فلان وفلان وسالم مولى أبى حذيفة وأبى عبيدة الجراح .
      فلما رأوه رافعاً يديه قال بعضهم : انظروا إلى عينيه تدور كأنهما عينا مجنون ، فنزل جبرئيل بهذه الآية : ] وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ ([232]).
      وبعد : فهذه الأمثلة القليلة توضح الاتجاه العام لتأليف هذه الكتب تأثراً بعقيدة الإمامة ؛ وما يقال عن أثر الإمامة فى الفقه الجعفرى أقل مما يقال عن أثرها فى هذه الكتب الأربعة ، ففى الكتب مزيد من التأثر بالغلو فى عقيدة   الإمامة ، ومزيد من الكفر والضلال والزندقة .
      وإذا كان هؤلاء أعداء الإسلام الذين أرادوا هدمه من الداخل كما يتضح بجلاء من كتبهم وآرائهم ومعتقداتهم فمن الواضح البين أنهم اتخذوا شعار حب آل البيت الأطهار ستاراً لهدفهم وعدائهم ، ومن اللازم الذى لا ينفك أبداً أن عداءهم للإسلام وأهله يستتبع عداءهم لآل البيت الأطهار ، وهذا العداء يظهر من وقت لآخر من حيث أرادوا كتمانه :
     انظر مثلاً إلى زواج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنهم ، وما سبق من قولهم " ذاك فرج غصبناه " ، وقولهم بأن علياً وافق خوفاً من تهديد عمر!
      إن أمة الإسلام تعرف علياً الشجاع المقدام الذى لا يخشى أحداً إلا الله عزوجل ، والرافضة يصورونه هنا جباناً ذليلاً مهاناً !! وانظر إلى عثمان بن عفان ذى النورين ، وهو من آل البيت ، وزواجه من ابنتى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ، فلم يراع الرافضة مكانتهما من أبيهما صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا يتحدثون عنهما بعبارات   ساقطة ، بل شكوا فى نسبهما كما بينا فى الجزء الأول .
      ثم انظر إلى حب آل البيت الأطهار للخلفاء الراشدين الثلاثة رضى الله تعالى عنهم :
      فهذا على بن أبى طالب يختار أسماء الثلاثة لثلاثة من أبنائه ، وهم أبو بكر الذى قتل بين يدى أخيه الحسين ، وعمر ، وعثمان الذى قتل أيضاً مع أخيه  الحسين .
      ومن أحفاد على بن أبى طالب :
      أبو بكر بن الحسن الذى قتل بين يدى عمه الحسين ، وعمر بن الحسن الذى قتل كذلك مع أخيه وعمه الحسين .
      وعمر بن الحسين الذى قتل بين يدى أبيه .
      ( انظر معجم رجال الحديث للخوئى ، ففيه ترجمة هؤلاء جميعاً ) .
      أفترى رافضة الأمس أو اليوم يسمون أحد أسماء هؤلاء الثلاثة ؟ أم أنهم  ـ لعنهم الله تعالى ـ لا يذكرون أى اسم من الأسماء الثلاثة إلا مع اللعن  والتكفير ؟!  
 

كسر الصنم

أو
تحطيم الصنم
 
      العالم الشيعى المعروف آية الله العظمى البرقعى هاله موقف إخوانه الشيعة من كتاب الكافى ، على الرغم مما فيه .
      وقد بينت أنه قائم على هدم الإسلام كله ، بكتابه الكريم ، وسنته المشرفة المطهرة ، وحماته الصحابة الكرام البررة ، متخذاً منهج ابن سبأ اللعين .
      فآية الله العظمى البرقعى هاله تقديس إخوانه الشيعة لهذا   الكتاب ، فألف كتاباً كبيراً أسماه :
 
كسر الصنم ، أو تحطيم الصنم
 
      والمقصود بالصنم هنا كتاب الكافى ، ولقد أحسن كثيراً فى اختيار العنوان ؛ فالرافضة بالنسبة لهذا الكتاب كعبدة الأصنام بالنسبة للصنم ، فكما حطمت الأصنام يجب أن يحطم هذا الكتاب الصنم ! ([233])
      فلعل الشيعة يثوبون إلى رشدهم ، ويتنبهون إلى هذا الخطر بعد أن نبههم عالم من أكبر علمائهم ، نسأل الله جلت قدرته أن يتوب عليهم ليتوبوا .
     

مقدمة

         الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .
      والحمد لله الذى لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه ، توجب على مؤدى ماضى نعمه بأدائها : نعمة حادثة يجب عليه شكره بها . ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته . الذى هوكما وصف نفسه ، وفوق ما يصفه به خلقه .أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله . وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة إلا به .
      وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه .
      وأستغفره لما أزلفت وأخرت ، استغفار من يقر بعبوديته ، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو .
      وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ([234]) .
      أما بعد : فقد نزل القرآن الكريم مفرقاً فى ثلاث وعشرين سنة ، قال تعالى فى سورة الإسراء: ] وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً  [([235]).
    والرسول ـ صلى الله عليه وسلم . عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ ، ويبين مراد الله تعالى .
      وكان منهج الصحابة . رضى الله تعالى عنهم ـ كما قال ابن مسعود : " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن ، ونعمل بهن ، فتعلمنا العلم والعمل   جميعاً . " وكانوا يأخذون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخفى عليهم من هذا العلم .وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء ، نزل قوله تعالى فى الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل :]  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ  [ .وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله عز وجل :] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ . فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم ؟ وما بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وما العلاقة بين البيانين ؟

بيان الكتاب والسنة

 
      أولاً : من القرآن الكريم ما جاء البيان نصاً لا يحتاج إلى بيان آخر : كقوله تبارك وتعالى :
     ] فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمـن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  [ ([236]) .
      فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة ، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع ، فمنع هذا الاحتمال بمزيد البيان ]  تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  [ .
      ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف فى أصول الفقه : بالمحكم ، أو المفسر . إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه ، وهو كثير . وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل ، وهو أكثر .
 
      ثانياً : فى الآية الكريمة السابقة ذكر العمرة والحج ، ولكن كيف نؤديهما ؟
      فى قوله عز وجل : ] وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ  [ بيان أن الصلاة مفروضة، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة ؟ وكيف   تؤدى؟ وما مواقيتها ؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة ، وكذلك ما يتعلق   بالزكاة.
      كل هذا بينه الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عزوجل ـ الذكر بإحكام الفرض ، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم  بيان ما أنزل . وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة ؛ فلا يستطيع أحد أن ينكره .
      ومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة ، محتملاً للتأويل ، كمطلق يقيد ، وعام يخصص ، إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور .
      ثالثاً : جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله تبارك وتعالى ، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو عن الله تعالى ؛ فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
      " فكل من قَبِل عن الله فرائضه فى كتابه ، قبل عن رسول الله سننه ، بفرض الله طاعة رسوله على خلقه ، وأن ينتهوا إلى حكمه . ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل ، لما افترض الله من طاعته . فيجمع القبولُ لما فى كتاب الله ولسنة رسول الله ، القبولَ لكل واحد منهما عن الله ، وإن تفرقت فروع الأسباب التى قبل بها عنهما " ([237]).
      والآيات الكريمة التى تبين وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنها من طاعة الله عزوجل ، وتحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذه الآيات كثيرة ، نكتفى هنا بذكر بعضها .
 
القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحذر من معصيته
قال الله سبحانه وتعالى :   ]    وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[ .  ( 7 : الحشر ) .
وقال :  ]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا   [ ( 59  النساء  ) .
وقال:] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا[ ( 36 :    الأحزاب ) . 
وقال :   ]  مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ   [ ( 80 : النساء ) .
وقال :   ]  إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  [ ( 10 : الفتح ) .
وقال :   ]  فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا   [ ( 65 : النساء ) .
وقال :   ]  لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ    أَلِيمٌ   [ ( 63 : النور ) .
      وقال :  ]   إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ  [ ( 51 ـ 52 : النور )
      فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقرونة بطاعة الله   عزوجل ، ومذكورة وحدها ، وحذرت من يعصى أمر رسول الله ، وحكمت عليه بالضلال المبين ، وبعدم الإيمان ، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله تبارك وتعالى . إذن بيان لسنة من بيان كتاب الله العزيز.

السنة وحى

      ولا يكون مثل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى ، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال :   ]  وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى   [ ( 3 ، 4 : النجم ) .
      وقال :   ]  وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ  [ ( 52 ، 53 : الشورى ) .
وفى آيتين كريمتين : إحداهما تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأخرى تخاطب المؤمنين ، جاء البيان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب والحكمة ، وسيأتى فى كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هى السنة .
والآيتان هما قوله تعالى : ]وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  [ ( 113 : النساء ).
وقوله عزوجل: ]  وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ    [ ( 231 : البقرة ) .
وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلاً أمرنا باتباعه ، والتعبد به وتلاوته ، فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة . وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يبين وجوب طاعته ، ويحذر من معصيته .
      فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه والحاكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم   قال: " لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمرى ، مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدرى ، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه " .
      وفى رواية لهم أيضاً : " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته ، يحدث بحديثى ، فيقول : بينى وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ([238]) .
      وفى خطبته الشريفة فى حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال : " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً ، أمراً بيناً ، كتاب الله وسنة نبيه " ([239]).
      وروى أبو داود فى مراسيله عن حسان بن عطية قال : " كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " ([240]).
      وروى الدارمى عن محمد بن كثير ، عن الأوزاعى ، عن حسان قال : " كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه القرآن " ([241]) ورواه الخطيب البغدادى فى الكفاية ( ص 12 ) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً .

اعتصام السلف بالسنة

      كان السلف الصالح متمسكاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تمسكهم بالقرآن الكريم ، فالكل وحى واجب الاتباع .
      ففى صحيح البخارى نجد " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " ومما جاء فى هذا الكتاب : " وكانت الأئمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من  أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره ، اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم " .
      ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى فى باب التورع من الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة .
      من هذه الروايات أن أبا بكر الصديق ـ رضى الله تعالى عنه ـ كان إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به ، وإن لم يكن فى الكتاب وعلم من رسول الله فى ذلك الأمر سنة قضى به ، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال : أتانى كذا وكذا ، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء ، فيقول أبو بكر : الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا .فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به .
      وموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور ، حيث توقف " لا أجد لك فى كتاب الله شيئاً " إلى أن بلغه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاها السدس .
      ومن روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، كتب إلى شريح " إذا جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال ، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به ".
      ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له : " يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة ، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت " .
      ومنها أن عبد الله بن مسعود قال : " أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا  هنالك ، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون ، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما فى كتاب الله عز وجل ، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله فليقض  بما قضى به رسول الله ، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون " .
      ومما يبين ما جاء فى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم ، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : أذكر الله امرأ سمع النبى صلى الله عليه وسلم فى الجنين شيئاً ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة ، فقال : كنت بين جارتين لى ، يعنى ضرتين ، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنيناً ميتاً ، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره . وقال غيره : إن كدنا أن نقضى فى مثل هذا برأينا .
      وروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب : " أن عمر بن الخطاب قضى فى الإبهام بخمس عشرة ، وفى التى تليها بعشر ، وفى الوسطى بعشر ، وفى التى تلى الخنصر بتسع ، وفى الخنصر بست " .
      ثم قال الشافعى : لما كان معروفاً ـ والله أعلم ـ عند عمر أن النبى قضى فى اليد بخمسين ، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع ، نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، فهذا قياس على الخبر.
      فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم ، فيه : أن رسول الله قال : " وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل " ، صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم ـ والله أعلم ـ حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله .
      وفى الحديث دلالتان :
أحدهما : قبول الخبر والآخر : أن يقبل الخبر فى الوقت الذى يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذى قبلوا.             
      ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ، ثم وجد خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالف عمله ، لترك عمله لخبر رسول الله .
      ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه ، لا بعمل غيره بعده .
      ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم ، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله ، وترك كل عمل خالفه .
      ولو بلغ عمر هذا صار إليه ، إن شاء الله ، كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله ، بتقواه لله ، وتأديته الواجب عليه فى اتباع أمر رسول الله ، وعلمه ، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر ، وأن طاعة الله فى اتباع أمر رسول الله .
      ثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق ، فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول : " الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا " ، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه : " أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته ، فرجع إليه عمر "  ([242]).ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام ، وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد .
      روى البخارى فى الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل ، " أن جابر بن عبد الله حدثه ، أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم . فابتعت بعيراً ، فشددت إليه رحلى شهراً  ، حتى قدمت الشام . فإذا عبد الله بن أنيس ، فبعثت إليه أن جابراً بالباب . فرجع الرسول فقال : جابر بن عبد الله ؟ فقلت : نعم . فخرج فاعتنقنى . قلت : حديث بلغنى لم أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت … إلخ " ([243]).
      وروى الحميدى فى مسنده ( 1 / 189 ) ، وبسنده عن عطاء بن أبى رباح قال : خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر ، وهو بمصر ، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى ، وهو أمير مصر ، فأخبر به ، فجعل  فخرج إليه فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟
فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى وغير عقبة ، فابعث من يدلنى على منزله . قال : فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به فعجل فخرج إليه فعانقه ، وقال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك فى ستر المؤمن . قال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمناً فى الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة " .
      فقال له أبو أيوب : صدقت . ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة ، فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر .
      هذان مثلان ، فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى ، والرحلة فى طلب الحديث معلومة مشهورة .
 

حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت

      إذن كان السلف الصالح متمسكاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تمسكهم بكتاب الله العزيز ، غير أن فرقة شذت فى عصر الإمام الشافعى ، فردت سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم   ، ورأت أنها لا تقدم مع الكتاب الذى أنزله الله تبياناً لكل شىء . وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة ، وذكر حواره مع واحد منها فى كتاب جماع العلم ، فى الجزء السابع من كتابه الأم ( ص 250 ) .               
      وقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله :
لم أسمع أحداً نسبه الناس ، أونسب نفسه إلى علم ، يخالف فى أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتسليم لحكمه ، بأن الله عز وجل لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه . وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن ما سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله تعالى علينا ، وعلى من بعدنا وقبلنا ، فى قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد لا يختلف فى أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى .ثم قال رحمه الله وجزاه خيراً :
 

باب حكاية قول الطائفة التى ردت الأخبار كلها

قال الشافعى رحمه الله تعالى : قال لى قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه : أنت عربى ، والقرآن نزل بلسان من أنت منه ، وأنت أدرى بحفظه ، وفيه لله فرائض أنزلها ، لو شك شاك ـ قد تلبس عليه القرآن بحرف منها ـ استتبته ، فإن تاب وإلا قتلته .وقد قال الله عز وجل فى القرآن :  ]  تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ  [ . فكيف جاز عند نفسك ، أو لأحد فى شىء فرض الله ـ أن يقول مرة : الفرض فيه عام ، ومرة : الفرض فيه خاص، ومرة : الأمر فيه فرض ، ومرة : الأمر فيه دلالة ، وإن شاء : ذو إباحة ؟
وأكثر ما فرقت بينه من هذا عندك حديث ترويه عن رجل عن آخر عن آخر ، أو حديثان أو ثلاثة ، حتى تبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرءون أحداً لقيتموه وقدمتموه فى الصدق والحفظ ، ولا أحداً لقيت ممن لقيتم ـ : من أن يغلط وينسى ويخطئ فى حديثه . بل وجدتكم تقولون بغير واحد منهم : أخطأ فلان فى حديث كذا ، وفلان فى حديث كذا . ووجدتكم تقولون ، لو قال رجل لحديث أحللتم به وحرمتم من علم الخاصة : لم يقل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما أخطأتم أو من حدثكم ، وكذبتم أو من حدثكم ـ : لم تستتيبوه ، ولم تزيدوا : على أن تقولوا : بئس ما قلت .
      أفيجوز أن يفرق بين شىء من أحكام القرآن ، وظاهره واحد عند من  سمعه ـ : يخبر من هو كما وصفتم فيه ؟ وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله ، وإنكم تعطون بها وتمنعون بها ؟
      قال : فقلت : إنما نعطى من وجه الإحاطه  ، أو من جهة الخبر الصادق ، وجهة القياس . وأسبابها عندنا مختلفة ، وإن أعطينا بها كلها فبعضها أثبت من بعض .
      قال : ومثل ماذا ؟
      قلت : إعطائى من الرجل بإقراره ، وبالبينه ، وإبائه اليمين وحلف صاحبه . والإقرار أقوى من البينة ، والبينة أقوى من إباء اليمين ويمين صاحبه . ونحن وإن أعطينا عطاء بها واحداً فأسبابها مختلفة .
      قال : وإذا قمتم على أن تقبلوا أخبارهم ، وفيهم ما ذكرت من أمركم بقبول أخبارهم ، وما حجتكم فيه على من ردها ؟
      فقال : لا أقبل منها شيئاً إذا كان يمكن فيه الوهم ، ولا أقبل إلا ما أشهد به  على الله ، كما أشهد بكتابه ، الذى لا يسع أحداً الشك فى حرف منه . أو يجوز أن يقوم شئ مقام الإحاطة وليس بها ؟
      فقلت له : من علم اللسان الذى به كتاب الله وأحكام الله ، دله علمه بهما على قبول أخبار الصادقين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفرق بين ما دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفرق بينه من أحكام الله . وعلم بذلك مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذ كنت لم تشاهده خبر الخاصة وخبر العامة .
      قال : نعم .
      قلت : فقد رددتها إذ كنت تدين بما تقول !
      قال : أفتوجدنى مثل هذا ، مما تقوم بذلك الحجة فى قبول الخبر ؟ فإن أوجدته كانت أزيد فى إيضاح حجتك ، وأثبت للحجة على من خالفك ، وأطيب لنفس من رجع من قوله لقولك .
      ـ فقلت : إن سلكت سبيل النصفة ، كان فى بعض ما قلت دليل على أنك مقيم من قولك على ما يجب عليك الانتقال عنه . وأنت تعلم أن قد طالت غفلتك فيه عما لا ينبغى أن تغفل من أمر دينك .
      قال : فاذكر شيئاً إن حضرك ؟
      قلت : قال الله عزوجل : ] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  [ .
      قال : فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله ، فما الحكمة ؟
      قلت : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      قال : أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة ، والحكمة خاصة ، وهى   أحكامه ؟
      قلت : تعنى بأن يبين لهم عن الله عزوعلا مثل ما بين لهم فى جملة  الفرائض ، من الصلاة والزكاة والحج وغيرها ، فيكون قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه ، وبين كيف هى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
      قال : إنه ليحتمل ذلك .
      قلت : فإن ذهبت هذا المذهب فهى فى معنى الأول قبله ، الذى لا تصل إليه إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      قال : فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام ؟
      قلت : وأيهم أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة : أن يكونا شيئين أو شيئاً واحداً ؟
      قال : يحتمل أن يكونا كما وصفت ، كتاباً وسنة ، فيكونا شيئين ، ويحتمل أن يكونا شيئاً واحداً .
      قلت : فأظهرهما أولاهما فى القرآن دلالة على ما قلنا ، وخلاف ما ذهبت إليه .
      قال : وأين هى ؟
      قلت : قول الله عزوجل : ] وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [ فأخبر أنه يتلى فى بيوتهن شيئان .
      قال : فهذا القرآن يتلى ، فكيف تتلى الحكمة ؟
      قلت : إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة ، كما ينطق بها .
      قال : فهذه أبين فى أن الحكمة غير القرآن من الأولى .
      وقلت : افترض الله علينا اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم .

      قال : وأين ؟

      قلت : قال الله عزوجل : ] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [ .
      وقال عزوجل : ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  [ .
      وقال : ]   فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ .
      قال : ما من شئ أولى بنا أن نقوله فى الحكمة : من أنها سنة رسول الله   صلى الله عليه وسلم  ، ولو كان بعض ما قال أصحابنا : أن الله أمر بالتسليم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكمته إنما هو مما أنزله ـ لكان من لم يسلم ، له أن ينسب إلى التسليم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
       قلت : لقد فرض الله عزوجل علينا اتباع أمره فقال : ]   وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا  [ .
       قال : إنه لبين فى التنزيل أن علينا فرضاً أن نأخذ الذى أمرنا به ، وننتهى عما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      قال : قلت : والفرض علينا وعلى من هو من قبلنا ومن بعدنا واحد ؟
      قال : نعم .
      قلت : فإن كان ذلك علينا فرضاً فى اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم :أنحيط أنه إذا فرض علينا شيئاً فقد دلنا على الأمر الذى يؤخذ به فرضه ؟
      قال : نعم .
      قلت : فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزوجل فى اتباع أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أحد قبلك أو بعدك ، ممن لم يشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
      وإن فى أن لا آخذ ذلك إلا بالخبر لما دلنى على أن الله أوجب على أن أقبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
*****
      قال : وقلت له أيضاً : يلزمك هذا فى ناسخ القرآن ومنسوخه .
      قال : فاذكر منه شيئاً ؟
      قلت ـ قال تعالى : ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ [ .
      وقال فى الفرائض : ]   وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ  [ .
      فزعمنا بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين . فلو كنا ممن لا يقبل الخبر فقال قائل : الوصية نسخت الفرائض ، هل نجد الحجة عليه إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !
      قال : هذا شبيه بالكتاب والحكمة ، والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد صرت إلى : قبول الخبر لزم للمسلمين ، لما ذكرت وما فى مثل معانيه من كتاب الله . وليست تدخلنى أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره ، إذا بانت الحجة فيه ، بل أتدين بأن على الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيت الحق .
      ولكن أرأيت العام فى القرآن ، كيف جعلته عاماً مرة ، وخاصاً أخرى ؟
      قلت له : لسان العرب واسع . وقد تنطق بالشىء عاماً تريد به الخاص فيبين فى لفظها . ولست أصير فى ذلك بخبر إلا بخبر لازم . وكذلك أنزل فى القرآن ، فبين فى القرآن مرة ، وفى السنة أخرى .
      قال : فاذكر منها شيئاً ؟
      قلت : قال الله عزوجل : ] اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  [ . فكان مخرجاً بالقول عاماً يراد به العام .
      وقال : ]  إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  [ . فكل نفس مخلوقه من ذكر وأنثى فهذا عام يراد      به العام .
      وفيه الخصوص : وقال : ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  [ . فالتقوى وخلافها لا تكون إلا للبالغين غير المغلوبين على عقولهم .
      وقال : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ  [ . وقد أحاط العلم أن كل الناس فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يدعون من دونه شيئاً ، لأن فيهم المؤمن . ومخرج الكلام عاماً فإنما أريد من كان هكذا .
      وقال :] واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعدُونَ فِي السَّبْتِ  [   دل على أن العادين فيه أهلها دونها .
       وذكرت له أشياء مما كتبت فى ( كتابى ) ([244]) .
      فقال : هو كما قلت كله . ولكن بين لى العام الذى لا يوجد فى كتاب الله أنه أريد به خاص ؟
      قلت فرض الله الصلاة . ألست تجدها على الناس عاماً ؟
      قال : بلى .
      قلت : وتجد الحيض مخرجات منه ؟
      قال : نعم .
      وقلت : وتجد الزكاة على الأموال عامة ، وتجد بعض الأموال مخرجاً منها ؟
      قال : بلى .
      قلت : وتجد الوصية للوالدين منسوخة بالفرائض ؟
      قال : نعم .
      قلت : وفرض المواريث للآباء وللأمهات والولد عاماً ، ولم يورث المسلمون كافراً من مسلم ، ولا عبداً من حر ، ولا قاتلاً ممن قتل : بالسنة ؟
      قال : نعم . ونحن نقول ببعض هذا .
      قلت : فما دلك على هذا ؟
      قال : السنة . لأنه ليس فيه نص قرآن .
      قلت : فقد بان لك فى أحكام الله تعالى فى كتابه فرض الله طاعة رسوله ، والموضع الذى وضعه الله عز وجل به ، من الإبانة عنه : ما أنزل خاصاً وناسخاً ومنسوخاً ؟
      قال : نعم . وما زلت أقول بخلاف هذا ، حتى بان لى خطأ  من ذهب هذا المذهب . ولقد ذهب فيه أناس مذهبين : أحد الفريقين لا يقبل خبراً ، وفى كتاب الله البيان .
      قلت : فما لزمه ؟
      قال : أفضى به ذلك إلى عظيم من الأمر ، فقال : من جاء بما يقع عليه اسم " صلاة " وأقل ما يقع عليه اسم " زكاة " فقد أدى ما عليه ، لا وقت فى ذلك ، ولو صلى ركعتين فى كل يوم ، أو قال : فى كل أيام ! وقال : ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض !
      وقال غيره : ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر! فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن . فدخل عليه ما دخل على أو قريب منه . ودخل عليه أن صار إلى قبول الخبر بعد رده . وصار إلى أن لا يعرف ناسخاً ولا منسوخاً ، ولا خاصاً ولا عاماً.
      والخطأ ومذهب الضلال فى هذين المذهبين واضح ، لست أقول بواحد منهما.
      ولكن هل من حجة فى أن تبيح المحرم بإحاطة بغير إحاطة ؟
      قلت : نعم .
      قال : ما هو ؟
      قلت : ما تقول فى هذا ، لرجل إلى جنبى ، أمحرم الدم والمال ؟
      قال : نعم .
      قلت : فإن شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلاً وأخذ ماله ، فهو هذا الذى فى يديه ؟
      قال : أقتله قوداً ، وأدفع ماله الذى فى يديه إلى ورثة المشهود له .
      قال : قلت : أو يمكن فى الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط ؟
      قال : نعم .
      قلت : فكيف أبحت الدم والمال ، المحرمين بإحاطة ـ : بشاهدين ، وليسا بإحاطة ؟
      قال : أمرت بقبول الشهادة .
      قلت : أفتجد فى كتاب الله تعالى نصاً أن تقبل الشهادة على القتل ؟
      قال : لا . ولكن استدلالاً أنى لا أؤمر بها إلا بمعنى .
      قلت : أفيحتمل ذلك المعنى أن يكون لحكم غير القتل ، ما كان القتل يحتمل القود والدية ؟
      قال : فإن الحجة فى هذا : أن المسلمين إذا اجتمعوا أن القتل بشاهدين فقلنا : الكتاب محتمل لمعنى ما أجمعوا عليه ، وأن لا تخطئ عامتهم معنى كتاب الله ، وإن أخطأ بعضهم .
      فقلت له : أراك قد رجعت إلى قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإجماع دونه ؟ !
      قال : ذلك الواجب على .
      وقلت له : أتجدك إذا أبحت الدم والمال المحرمين بإحاطة ـ : بشهادة ، وهى غير إحاطة ؟
      قال : كذلك أمرت .
      قلت : فإن كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين فى الظاهر ، فقبلتهما على الظاهر ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وإنا لنطلب فى المحدث أكثر مما نطلب فى الشاهد ، فنجيز شهادة بشر لا نقبل حديث واحد منهم .
      ونجد الدلالة على صدق المحدث وغلطه ممن شركه من الحفاظ ، وبالكتاب والسنة . ففى هذا دلالات . ولا يمكن هذا فى الشهادات .
      قال : فأقام على ما وصفت من التفريق فى رد الخبر ، وقبول بعضه مرة ورد مثله أخرى ، مع ما وصفت فى بيان الخطأ فيه ، وما يلزمهم اختلاف أقاويلهم.
      وفيما وصفنا ههنا ، وفى الكتاب قبل هذا ـ دليل على الحجة عليهم وعلى غيرهم .
      فقال لى : قد قبلت منك أن أقبل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلمت أن الدلالة على معنى ما أراد بما وصفت من فرض الله وطاعته ، فأنا إذا قبلت خبره فعن الله قبلت ما أجمع عليه المسلمون فلم يختلفوا فيه ، وعلمت ما ذكرت من أنهم لا يجتمعون ولا يختلفون إلا على حق ، إن شاء الله تعالى … إلخ .
 
*****
 

بعد الإمام الشافعى

      هذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال ، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة .
      ويأتى القرن الثالث ، الذى توفى الإمام الشافعى فى العام الرابع من بدايته ، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها ، حيث دون مسند الإمام أحمد ، والصحيحان ، وكتب السنن الأربعة ، وغيرها من الكتب الأخرى : كسنن سعيد بن منصور ، والدارمى ، ومسانيد إسحاق بن راهويه ، وبقى بن مخلد ، والبزار ، وأبى يعلى . غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة .
      ننظر مثلاً إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة 276  هـ، فنراه جعل كتابه فى الرد على أعداء أهل الحديث ، والجمع بين الأخبار التى ادعوا عليها التناقض والاختلاف ، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى . ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه ، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه ، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث .
      فيذكر منهم النظام ويقول : وجدنا النظام شاطراً من الشطار ، يغدو على سكر ، ويروح على سكر ، ويبيت على جرائرها ، ويدخل فى الأدناس ، ويرتكب الفواحش والشائنات  إلخ .
      وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة ، وطعن فى أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة ، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله : هذا هو قوله ـ أى النظام ـ فى جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم ، كأنه لم يسمع بقول الله عز وجل فى كتابه الكريم : ] مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ  [ إلى آخر السورة ، ولم يسمع بقوله تعالى : ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ  [([245]) .
      وبعد حديثه عن النظام ، ورده عليه يقول : ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذاباً أفاكاً… إلخ .
      وهكذا استمر ابن قتيبة فى كتابه .
      وكان أسوأ وأشد خطراً من هؤلاء الذين تحدث عنهم ، قوم اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة ، فأشركوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم ، ووضعوا الأخبار فى ظلمات هذا المفهوم ، وفى ظلماته أيضاً كتبوا  فى الجرح والتعديل .
      شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب هؤلاء ، وبالرجوع إليها نجد أنها تطعن فى خير الناس : صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رضى الله عنهم ورضوا عنه ، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصاً ومعنى ، وجاء الطعن والقول بالتحريف فى روايات مفتراه ، اعتبروها صحيحة بمقياسهم .
      وألف كتاب رابع لتلميذ لأحد أصحاب الكتب الثلاثة ، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول فى الحديث عندهم ، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً ، ووضع من المفتريات ما لا يستطيع أن يتصوره أى مسلم .وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات : فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام ! وشيخه ليس ثقة فحسب ، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات ! ولا يعتبر الحديث صحيحاً إلا إذا كان الرواة كلهم جميعاً من طائفتهم .
      والجرح عندهم سيئ للغاية ، ولذلك أكتفى بالإشارة السريعة . فأذكر هذه النماذج :
      عثمان بن عفان الأموى خليفة العامة : ضعيف .
      عبد الله بن عمر بن الخطاب : الخبيث ، ضعيف .
      عبد الرحمن بن عوف : من أضعف الضعفاء .
      المغيرة بن شعبة : صحابى فى غاية الضعف .
      محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة : من أجلاء الثقات ، وتربى فى بيت سوء .
      معاوية بن أبى سفيان : زندقته أشهر من كفر إبليس .
      هذه نماذج قليلة ، نجد منها أكثر من عشرة آلاف فى كتاب واحد ، وهى مع قلتها تكشف ضلال هؤلاء فى جرحهم وتعديلهم .
      وأذكر هنا أن أحد هذه الكتب الثلاثة التى رزئ بها القرن الثالث وصل إليه المستشرقون ، فاعتمدوا عليه فى طعنهم فى القرآن الكريم ، وهكذا أخذ أعداء الله سلاحهم فى الطعن فى الإسلام من قوم انتسبوا للإسلام .
      وأذكر أيضاً أن معاوية بن أبى سفيان ، وهو من الأمناء ، أحد كتاب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام ابن الوزير اليمانى من الشيعة الزيدية ، بتتبع أحاديثه ، فوجد أن ما صح عنه من أحاديث الأحكام ثلاثون حديثاً كلها صحيحة مروية  من طرق أخرى ليس فيها معاوية ، كما لم يصح أى حديث عنه ، فيه طعن فى على بن أبى طالب ـ رضى الله تعالى عنهم جميعاً . ولعل فى هذا ما يدمغ أولئك الطاعنين .
 
*****

فى عصر السيوطى

      وفى هذه العجالة التى لا تهدف إلى الحصر والاستقصاء ، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع ، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتاباً تحت عنوان " مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة " . وبين سبب تأليف كتابه فقال :
      اعلموا ـ يرحمكم الله ـ أن من العلم كهيئة الدواء ، ومن الآراء كهيئة الخلاء ، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة ، وإن مما فاح ريحه فى هذا الزمان وكان دارساً ـ بحمد الله تعالى ـ منذ أزمان وهو أن قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر فى كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية ـ زادها الله علواً وشرفاً ـ لا يحتج بها ، وأن الحجة فى القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث : " ما جاءكم عنى من حديث فاعرضوه على القرآن , فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه . " ([246])
      هكذا سمعت الكلام بجملته منه ، وسمعه منه خلائق غيرى ، فمنهم من لا يلقى لذلك بالاً ، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام ، ولا من أين جاء .
      فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك ، وأبين بطلانه ، وأنه من أعظم المهالك .
      فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن من أنكر كون حديث النبى صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف فى الأصول حجة ، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى ، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة .
      روى الإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ يوماً حديثاً ، وقال إنه صحيح ، فقال له قائل : أتقول به يا أبا عبد الله ؟ فاضطرب وقال : يا هذا ! أرأيتنى خارجاً من كنيسة ؟ أرأيت فى وسطى زناراً ؟ أروى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به ؟
      وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن ، وهم فى ذلك مختلفو المقاصد ، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى وأن جبريل ـ عليه السلام ـ أخطأ فى نزوله إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ، ومنهم من أقر للنبى صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، ولكن قال : إن الخلافة كانت حقاً لعلى  إلخ .
      ثم قال السيوطى بعد ذلك :
      وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها ، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس فى راحة منه من أعصار .
      وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة فى زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم ، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم فى دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم ،وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك ، والله الموفق ([247]) .
      والكتاب طبع فى ستين ومائة صفحة ، فارجع إليه .

الطاعنون فى العصر الحديث

      وننتقل بعد هذا إلى عصرنا الحديث ، حيث زادت الطامة ، وكثر الطاعنون ، وهم أصناف :
       فمنهم بقايا الفرق ، وأشرت إلى بعضهم آنفاً . وهم لا يكتفون بما فى كتبهم من ضلال . ولكنهم من وقت لآخر يثيرون ما يريدون به هدم السنة : كالطعن فى صحابى جليل راوية ، أو راو أجمعت الأمة على توثيقه . أو كتاب صحيح تلقته الأمة بالقبول  إلخ
       ومنهم من يطعن لجهله ما يتصل بالسنة ، فيتشكك ويشكك فى ثبوتها.وهو لا يدرى أن البشرية كلها فى تاريخها الطويل لم تعرف علماً نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقل بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو رجع إلى كتب مصطلح الحديث ، وعلم الرجال ، وشروح السنة لاستراح وأراح .
      ومنهم من دفعه هذا الجهل إلى القول بأن القرآن الكريم وحده يكفى ، مستدلاً بقوله تعالى : ]  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ  [  ، وقوله : ]  مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ  [ .
     وهذا جهل بالكتاب والسنة معاً ، ووقوع فيما حذر منه الله عز وجل ، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وردة إلى قول الطائفة التى ذكرها الإمام الشافعى . ولو أن هؤلاء قرأوا حوار الشافعى ، وتدبروا ما ذكرنا من آيات كريمة ، وأحاديث شريفة ، لأدركوا مدى ضلالهم وبعدهم عن سواء السبيل . والعجيب أن هؤلاء أسموا أنفسهم بالقرآنيين ، والقرآن نفسه يشهد على بطلان دعواهم .
      ومنهم من جعل عقله حكماً لرفض أحاديث صحت سنداً ومتناً ، بل فى أرقى مراتب الصحاح ، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة، والنار ، وعلامات الساعة ، والملائكة ، والجن . ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم ، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد ، وكيف نحكم العقل فى أمور لا نعرف شيئاً عنها ، إلا بالنقل الصحيح ، فمتى ثبت النقل لزم التسليم . أحيانا ترى جاهلاً مغروراً يقف أمام حديث متفق عليه ويقول : هذا مرفوض   عقلا ! وكان عليه أن يسأل نفسه : أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا   عقول ؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرناً بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها ؟ !
       ومن أسوأ الطاعنين فى عصرنا المستشرقون ، وأشد منهم خطراً تلامذتهم المقلدون التابعون لهم .
      والمستشرقون طعنوا فى القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل ، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول . ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعاً من اختراعات المسلمين المتأخرين ، أرادو أن يثبتوا أحكاماً فنسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير فى السنة ، فمثلا طعنوا فى أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله تعالى عنه ، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين ، وهو كما قال الإمام الشافعى " أثبت من روى الحديث فى دهره " ، وطعنوا فى ابن شهاب الزهرى ، الإمام الحجة الثبت ، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز فى جمع السنة …. وهكذا .
      ثم ظهر اتجاه آخر عندهم ، اعتبره بعضهم هدماً للفكر الاستشراقى ، ولذلك ثاروا على القائلين به ، مع أنه فى النهاية يصل إلى البهتان نفسه .
      ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولاً بأن السنة لها أصل ، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة ، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم ، فيقولون : إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله ، لأن السند لم يكن معروفاً عندهم ، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء   المدرسة ، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولاً ، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ([248]) .
      ومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة كلها.
      هؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد ، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد ، ولذلك فهى محرفة مزورة ، ولكن لا شك أنهم قرأوا عن جمع السنة وتنقيتها ، وشروط رجال الحديث ، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعاً بهذا الإسناد ، ولكن ماذا ننتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله ، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ؟
فلا ننتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات ، وإن كنا مطمئنين تماماً إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون ، فالله عز وجل لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه ، وإنما تعهد بحفظه] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [  كما تعهد ببيانه ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [  ، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة وهى المبينة له .
 

أهذا مفكر إسلامى ؟ !

      الأمر العجيب الغريب حقاً أن نجد من المسلمين من يردد قول المستشرقين ، ومن يصبح لهم تبعاً ، ومن يعجب بأقوالهم فيذكرها منسوبة إليهم ، أو يذكرها وينسبها لنفسه !
      ذكر المرحوم الدكتور مصطفى السباعى أن الدكتور على حسن عبد القادر عندما ألف كتاباً ، وذكر فيه شبه المستشرقين ، وطعنهم فى الإمام الزهرى ، فثار عليه الأزهر ، قال له الأستاذ أحمد أمين : " إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة ، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة ، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك ، وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها ، كما فعلت أنا فى فجر الإسلام وضحى الإسلام " !
      والشيخ السباعى رحمه الله ناقش المستشرقين وأتباعهم ، وبين تهافت وسخف أقوالهم فى كتابه " السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى " ، غير أنه لم يعش ليرى ثمرة غرس أحمد أمين ، فقد ربى أبناءه فى هذه البيئة التى تتضح من نصيحته الدكتور عبد القادر ، ولا شك أنه نصح ابنه نصائح أدهى وأمر ، ولذلك جاء الابن أسوأ بكثير من أبيه . أخذ حسين بنصيحة أبيه أحمد أمين فى سرقة كلام المستشرقين ، لكنه لم يختر ما يراه مناسباً بل لم يتردد فى أخذ أى شىء عندهم ، ولا مانع من أن يزيد : ولذلك نراه يطعن فى القرآن الكريم وفى عقائد المسلمين ، وهذا ما لم يفعله أبوه .
      وفى السنة يقول ما قاله المستشرقون تماماً ! ويضيف إضافات تدل على جهله التام ، وافترائه  إلى غير حد .
      ولنذكر شيئاً قليلاً مما قاله :

أولاً : زعمه أن الشريعة قاصرة وأن الرسول غير معصوم !!

      للكاتب مقالات منشورة فى مجلات لها اتجاهات معلومة ، وجمع أكثر هذه المقالات فى كتاب ، إذا حملت نفسك على قراءته ، وتصبرت ولم تقف عند المقدمات الخادعة ، أدركت يقيناً أنك أمام مؤامرة خبيثة لئيمة لهدم الإسلام :
      وإن كنت ممن رزئ بقراءة هذا الكتاب ، غير أننى سأقتصر على ذكر نماذج منه تكفى لكشف المؤامرة ، وبيان حقيقة التآمر . وما جاء فى الكتاب لا يحتاج إلى مناقشة ؛ فهو بعيد عن المنهج العلمى ، والكاتب ينسب نفسه للإسلام ثم ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، فكيف يناقش ؟
مع غير المسلمين طالت المناقشات التى أثبتت حقائق الإسلام ، ودمغت أباطيل خصومه ، ودحضت شبههم ، ولكن كيف تكون مثل هذه المناقشات مع من أطلق عليه المزيفون " المفكر الإسلامى ، والكاتب الإسلامى"؟!
أيمكن أن نتصور مسلماً يقول : إن القرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة لا تصلح لكل زمان ومكان ، وأرسل بها رسول غير معصوم ؟
      قال الكاتب فى ص 43 : قد كان هذا القرآن وحده كافياً لأن يحكم أوضاع المجتمع الإسلامى فى صورته الأولى ، وأن ينظم شئونه الدينية والاجتماعية والسياسية ، بيد أنه ما انقضت فترة وجيزة على وفاة النبى حتى كان العرب قد انطلقوا من بيدائهم … وباتوا يحكمون شعوباً شديدة التباين فى عاداتها وأخلاقها وبيئاتها وحضارتها عن أهل شبه الجزيرة ، وأسسوا مدناً جديدة ، أو سكنوا مدناً قائمة تزخر بسكان هم الآن فى حاجة إلى شريعة أكثر تعقيداً ، وأوفى تفصيلاً من تلك التى كانت صالحة لأن تحكم مجتمعاً فى بساطة مجتمع مكة والمدينة

      وعن اتخاذ السنة مصدراً ثانياً للشريعة قال فى ص 44 :

      إزاء هذا التوسع الجغرافى الهائل ، وإزاء ضغط الظروف التاريخية الجديدة دائبة التغير ، واختلاف المكان والزمان ، تلمس المسلمون وفقهاؤهم الدليل    الهادى 
      ومع أن الرسول لم يدع قط أنه معصوم من الخطأ إلا حين يملى أو يتلو آيات ربه ، بل ونبهه القرآن ذاته إلى أخطاء بدرت منه ، فقد افترض أنصار الالتزام بالسنة أن العناية الإلهية إنما كانت توجه كل عمل أتى به ، وكل كلمة صدرت عنه منذ بعثه الله رسولاً إلى قومه إلى أن مات . ومن ثم فقد رأوا أن أحكام السنة ملزمة فى الحالات التى لم يرد بصددها حكم قرآنى .
      ومما ذكره الكاتب هنا تظهر آراؤه الآتية :
      1 ـ إنكار صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان ، فالقرآن الكريم جاء بشريعة قاصرة ، لا تصلح لغير المجتمع الأول فى مكة والمدينة .
      2 ـ الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قومه ، أى أنه لم يرسل إلى الناس كافة .
      3 ـ الرسول صلى الله عليه وسلم غير معصوم ، فلا يجب اتباعه .
      4 ـ الذين رأوا وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم طائفة فقط من المسلمين أسماهم الكاتب " أنصار الالتزام بالسنة " .
      وهذه الآراء تعارض الكتاب والسنة ، وتنكر ما أجمعت عليه خير أمة أخرجت للناس ، وما هو معلوم من الدين بالضرورة  .
      والدراسة الموجزة السابقة فيها ما يكفى لبيان هذا ، ومناقشة علماء الأمة لأعدائنا أبطلت مثل هذه المفتريات ، ولكن العجب كل العجب أن تصدر هذه الآراء ممن ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام !

ثانياً : التشكيك فى كتاب الله المجيد

      يقول الكاتب فى ص 38 : صحيح أننا نعلم أن الصحابى عبد الله بن مسعود ـ وكان يعتبر نفسه أحد الثقات الكبار فى القرآن ـ ذهب إلى أن نسخة القرآن التى أقرها الخليفة عثمان بن عفان محرفة غير كاملة ، واتهم زيد بن ثابت وأصحابه ممن جمعوا القرآن باستبعاد آيات تلعن الأمويين ، غير أن هذا الاتهام غير مقبول ، فقد كان على بن أبى طالب والكثيرون غيره من الصحابة أحياء وقت قيام زيد بمهمته ، ولم نسمع أن أحدهم أيد زعم ابن مسعود ، واحتج على استبعاد آيات .
      ثم يقول فى ص 48 :وقد اتهمه ـ أى عثمان بن عفان رضى الله عنه ـ هؤلاء الخصوم بأنه قد حذف من مصحفه خمسمائة كلمة أوردتها مصاحف أخرى كمصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود .
      وفى الصفحة ذاتها يقول :وقد حكى عن عبد الله بن مسعود أنه كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسول ، فكان لا يحدث عنه إلا أضاف قوله : " والحديث إما فوق ذلك وإما قريب من ذلك ، وإما دون ذلك ."
      ثم يقول فى ص 83 :وقد أبى بعض مفكرى اليونان وروما الأقدمين ـ مثل فيثاغورث ونومابومبيليوس ـ أن يخلفوا نصوصاً تكبل فكر التابعين ، فأحرقوا قبيل وفاتهم ما كتبوا أو أوصوا بأن تدفن كتاباتهم معهم ، حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته .
      وقد يقال إن نبى الإسلام أيضاً لم يأمر بجمع القرآن ، بدليل أن الخليفة أبا بكر تردد حين عرض ابن الخطاب عليه الفكرة ، قائلاً لعمر إنه لايستطيع أن يقدم علي ما لم يقدم عليه النبى ، ولا أوصى به قبل وفاته.غير أن الافتراض الأساسى فى الدين ـ أى دين ـ هو أن تعاليمه الواردة في النص المقدس صالحة للكافة في كل زمان ومكان.
ويقول فىالصفحات من131 إلى 133 :كان الشكل الغالب للملكية فى شبه جزيرة العرب فى الجاهلية وفى زمن رسول الله عليه السلام هو الملكية المنقولة دون العقارية . وكان يمكن للبدوى أن يحمل راحلته كل ما يملكه وينتقل به من موطن إلى موطن سعياً وراء الماء   والكلأ . وبالتالى فقد كان الاعتداء على السارى فى الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح ، فى مصاف قتله . لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة حازمة رادعة بالغة الشدة لجريمة السرقة فى مثل هذا المجتمع . أما وقد دخل الإسلام  مجتمعات تعرف شكلاً من الملكية أهم من الملكية المنقولة ، وأصبح سلب الرجل قربة مائة لا يعنى أمراً جللاً ، فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى ، دون أن يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجاً على الإسلام وروحه . بالعكس ، فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية ، حيث إنها ـ فى المجتمع غير البدوى ـ تحقق نفس النتائج المرجوة التى توخاها الإسلام فى المجتمع البدوى .
      إن الشاعر يقول :
      إذا أنت أكرمت الكريم ملكته                   وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
      بمعنى أن المعاملة الواحدة فى حالتين مختلفتين ستسفر حتماً عن نتيجتين متنافرتين . فى حين يعلم أى معلم صبيان مثلاً أن هناك وسائل متباينة لمعاملة صبية مختلفى الطباع والمستوى ، للوصول إلى نتيجة واحدة ، وهى التلقى الحسن للعلم .
      وكذلك بالنسبة للحجاب الذى فرض فى المدينة حيث كان النساء يلقين من المتسكعين من شبان المدينة كل مضايقة وعبث كلما خرجن وحدهن إلى الخلاء ، فنزلت آية  ‌‌‌‌‌] يَا أَيُّهــا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ  [ ( سورة الأحزاب 59 ) ، وذلك حتى يميز الشبان بين المحصنات وغير المحصنات .
      وقد يعزز من رأيى هذا :أن أحكاماً قرآنية معينة نسختها أحكام قرآنية تالية ، حين تغيرت أوضاع المسلمين بالهجرة وانتشار الإسلام والفتح ، وغير ذلك من التطورات التى حدثت خلال أقل من ربع قرن ، واستلزمت مع ذلك نسخاً لبعض الأحكام .
      إن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك ، لن يدع مجالاً لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى . كذلك لن تكون الحكومات والفقهاء حينئذ فى حاجة إلى النفاق والمداراة ، والالتواء والسفسطة ، وغض الطرف عن تفسير ما يقعون فيه من تناقض حين يقررون مثلاً إلغاء الرق الذى أباحه الإسلام ، أو يستبدلون عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة .
      كذلك سيؤدى الأخذ بهذا المنحى من التفكير إلى الحد من عدد المتخلين من أبنائنا المثقفين عن الإسلام بأسره بدعوى أن الديانات والتقاليد إنما هى للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر ، وسيكون من الأسهل إقناعهم بأن هذه الديانات والتقاليد ليست عقبة فى سبيل التقدم ، وإنما يمكن أن تكون وسيلته" أ.هـ  .
      هذه أقوال الكاتب منقولة بنصها ، ومنها نلحظ ما يأتى :
      1 ـ أنه لجأ إلى التشكيك فى كتاب الله العزيز بطريقة خبيثة خادعة :
      فهو فى الصفحة الثامنة والثلاثين ينسب لابن مسعود القول بالتحريف ، ونسبة هذا لابن مسعود من المفتريات التى لا أصل لها ، فهو كغيره من الصحابة _ رضى الله تعالىعنهم وأرضاهم ـ يعرف كيف كتب الوحى بعد نزوله مباشرة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإملائه ، ويعرف معنى قوله تعالى : ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ ( 9 : الحجر)  ، وقوله عزوجل : ]   لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ  [ ( 64 :  يونس ) .
وقوله تبارك وتعالى : ]   وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ ( 41 ـ 42 : فصلت ) .
وقوله جلت قدرته : ] لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  [ ( 16 ـ 19 القيامة ) .
      ويعرف ابن مسعود كغيره كيف جمع القرآن الكريم بعد الرسولصلى الله عليه وسلم من السطور والصدور ليكون بين دفتين فى مصحف واحد.
      ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن الكريم وصلنا متواتراً كما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ، دون تغيير أو تحريف أو تبديل ، أوإسقاط أو زيادة .من أنكر هذا فقد كذب كتاب الله العزيز نفسه.
ولكن الكاتب يورد الكذب على ابن مسعود كأنه شىء ثابت مسلم حيث يقول " صحيح أننا نعلم… إلخ " .
      ثم بعد هذه الفرية يظهر نفسه كأنه مدافع عن كتاب الله تعالى رافض( لزعم ) ابن مسعود .
      وبعد عشر صفحات يذكر أن مصحف الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود فيه خمسمائة كلمة ليست فى مصحف عثمان ، وهو الذى نقل منه مصاحف المسلمين اليوم ، ثم يضيف أن هذا الصحابى الجليل كان شديد الخشية من أن يغير من نص كلمات الرسولصلى الله عليه وسلم .
      وهكذا يحاول أن يصل إلى هدفه ، فابن مسعود بلا شك له مكانته عند المسلمين قاطبة . وهو إذا كان يتحرى الدقة بالنسبة لكلمات الرسولصلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يكون موقفه من القرآن الكريم ، ولذلك فعنده خمسمائة كلمة ليست عند المسلمين اليوم .
      وظهور الكاتب كالمدافع فى المرة الأولى يساعده فى الوصول الى هدفه ، فهو أولاً يحاول أن يبعد عن نفسه تهمة الكفر والردة إذا ظهر مشككاً فى كتاب الله تعالى غير مؤمن به فألصق التهمة بالصحابى الجليل ، تهمة التشكيك ، فإذا أخذ أى مسلم بروايات الكاتب فليس عليه من حرج أن يكون كالصحابى الجليل ابن مسعود الذى يعرف من قوله " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن , ونعمل بهن ، فتعلمنا العلم والعمل جميعا "
      وإذا قال أحد : القرآن محرف أو سقط منه ما سقط فعلى مسلمى العصر أن يقبلوا قوله ، فهو منسوب لصحابى يجلونه، وليس لهم أن يكفروا القائل ، أو أن يحكموا بردته ، وإلا كان حكماً بكفر وردة الصحابى الجليل
      2 ـ ماذكره فى الصفحة الثالثة والثمانين يكشف عن خبيئة نفسه تجاه النصوص : فالنصوص تكبل فكر التابعين ، لذلك أحسن أولئك المفكرون صنعاً بإحراق الكتابات أو دفنها حتى يتيحوا لكل جيل فى كل قطر أن يخرج بفكر يناسب عصره وبيئته .
      وإذا كان لايستطيع أن يصرح بوجوب إحراق أو دفن القرآن الكريم حتى لانتكبل بالنص ، ونشرع لأنفسنا ما يناسب عصرنا وبيئتنا ، إذا كان لا يستطيع هذا ( المسلم ) أن يصرح بهذا ، فإنه يقوله بطريقته الملتوية الخبيثة : وقد يقال إن نبى الإسلام أيضاً لم يأمر بجمع القرآن …إلخ ، فهذا موقف المفكرين ، ومثله موقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالاعتصام بالكتاب العزيز ، فضلاً عن السنة المطهرة ، السبب فى أننا لم نستطع أن نختار ما يناسب جيلنا وبيئتنا ، حيث كبلتنا النصوص .
      ومن قبل ذكر أن القرآن الكريم جاء بشريعة ناقصة غير عامة ، فلم تستطع أن تسير المجتمع خارج مكة والمدينة ، وهنا يقول قولته ، وبعد هذا يصرح بوجوب ترك أحكام شرعية نص عليها القرآن الكريم ، وهكذا يحاول أن يصل إلى الهدف ولكن كما جاء فى ص 143 " هذه المواقف تبدو عند تسطيرها للنشر وقد تقنعت بألف قناع ، وإذا هذه الآراء وقد أقدمت على إيصالها إلى جمهور المؤمنين تظهر مقمطة فى قماط المومياء ، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ، وكأنما هى تسعى فى آن واحد إلى أن تكشف عن نفسها وتستتر ، وتسفر عن وجهها وتحتجب "
      ثم يحاول أن يهدم إيمان المسلمين بأن الإسلام الذى جاء بخير كتاب أنزل صالح لكل زمان ومكان ، فيقول " غير أن الافتراض الأساسى فى الدين ـ أى  دين ـ هو أن تعاليمه الواردة فى النص المقدس  صالحة للكافة فى كل زمان ومكان " ومعلوم أن هذا الافتراض غير صحيح إلا فى الإسلام ، فكل نبى جاء إلى قومه خاصة وجاء خاتم النبيين إلى الناس عامة ، والكاتب يسوى بين الإسلام وغيره ، ويجعل الصلاحية مجرد افتراض فى جميع الديانات  .
      3 ـ فى الصفحات الثلاث الأخيرة بعد أن مهد بأباطيله السابقة ، يصل إلى ما يرمى إليه وهو ترك العمل بكتاب الله تعالى ، ولكن لا يريد أن يعلن أنه خرج عن الإسلام كلية . وإنما هو مصلح دينى ثائر ، ولذلك يظل حريصاً على اللجوء إلى الخداع والأساليب الملتوية الخبيثة ، فهو عندما يأتى إلى حد السرقة ، وأمرالله تعالى القطعى الثبوت القطعى الدلالة ، فلا مجال فيه لاجتهاد مجتهد ولا تأويل متأول ، نراه يتحدث عن البدوى والملكية المنقولة دون العقارية ويترك مجتمع مكة والمدينة الذى تحدث عنه من قبل . وكأن الإسلام جاء بهذا الحكم للسرقات التى هى فى مصاف القتل فى المجتمع البدوى ، وأما غيره فحكم الله لا يصلح ولا يتناسب . تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
      ولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لنبهناه إلى منهج القرآن الكريم حيث ينص على مبادئ عامة كلية لا جزئية فيما يتغير تبعاً للزمان والمكان كالمبادئ التى تتصل بالحكم ، ويفصل فيما هو ثابت لا يتغير كأحكام الميراث وبعض ما يتصل بالزواج والفرقة بين الزوجين ، والحدود والقصاص وغير ذلك مما يعرفه المسلمون .
      فالسارق هو السارق فى أى زمان وأى مكان ، وقطع الرسول صلى الله عليه وسلم فى مجن لا تصل قيمته إلى دينار واحد ، وليس المجن فى ذاته أمراً جللاً ولكن ذات السرقة هى الأمر الجلل ، والمرأة المخزومية التى سرقت لم تسرق مثل ما تحدث عنه وأراد أن يبرر به إبطال حكم الله تعالى . ومما يؤكد عموم الحكم المعلوم قول الرسول صلى الله عليه وسلم  " وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " ثم أمر بقطع يد المخزومية . وتنفيذ حكم الله تعالى يعنى صلاح الناس ودرء المفاسد ، فهو الخالق سبحانه وتعالى ‌‌‌‌‌‌‌‌‌] أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خــلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ ولو أن حكم السرقة كان لمجتمع محدود فى زمن محدود لما جاء بهذا العموم والتأكيد ، فالله عزوجل الذى أرسل خاتم رسله كافة للناس بشيراً ونذيراً كان يعلم مدى انتشار الإسلام إلى يوم القيامة ، والبيئات التى سيدخلها هذا الدين .
      ولو أن الكاتب لم ينسب نفسه للإسلام لبينا له الفرق بين الحد والتعزير , وكيف أن الحدود وضعت لهذا العدد القليل من الجرائم للحفاظ على الضرورات التى كفلها الإسلام ولا تقوم حياة ولاتصلح بغيرها ، أما ماعدا هذه الجرائم فقد شرع الإسلام لها العقوبة التعزيرية ، وهذه العقوبة التى شرعها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية المطهرة ، وطبقها سلفنا الصالح ، ومن تبعهم بإحسان ، هذه العقوبة التعزيرية هى التى يمكن أن تختلف تبعاً لاختلاف الأحوال والزمان  والمكان  .
      وقول الكاتب " فقد يجد المجتمع عقوبة لجريمة السرقة غير العقوبة فى المجتمع البدوى " يبين أن الحكم ليس لله عز وجل ، فليس هو المشرع وحده ، وإنما المجتمع هو الذى يصنع الأحكام لنفسه ، وأن هذا الحكم للمجتمع البدوى  فقط ، وليس حكماً إلهياً لكل الناس فى كل زمان ومكان . ومع أن هذا كفر   صريح ، حاول الكاتب أن يوهم المسلمين بأن هذا هو الإسلام ، فأضاف " دون أن يكون اختياره للعقوبة الثانية خروجاً عن الإسلام وروحه ، وبالعكس فإن الالتزام بروح الإسلام يقتضى منا اختيار هذه العقوبة الثانية " .
      وإذا كان الكاتب يعتبر نفسه من المسلمين فإنا نسأله : ما ضوابط الإسلام ؟ وعلى أى أساس تختار العقوبة الثانية ؟ ومن الذى يختارها ؟
      ولماذا جعل الله عز وجل لعقوبة السرقة حداً ولم يجعلها من العقوبات التعزيرية مثل معظم العقوبات ؟
     وإذا قال ربنا عز وجل : ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ  [  وقال أحد : لا ، لا نقطع ، فهل يكون مؤمناً بالله خاضعاً   لحكمه ؟ ولو جاز هذا فى السرقة ، أفليس من الجائز أن يقال فى أى حكم آخر ؟ وإذا كانت أحكام الله لا تنفذ فما الفرق بيننا وبين الكفار والمشركين الذين لا يتلقون حكماً من الله تعالى وإنما يضعون الأحكام لأنفسهم ؟
      4 ـ فى حديثه عن الحجاب يؤكد ما أراده آنفاً ، وهو ترك العمل بكتاب الله المجيد ، فيذكر سبب نزول الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب ، وكأنى به لا يدرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، سواء أجهل هذا أم تجاهله فقد أراد إبطال العمل بكتاب الله العزيز : فجعل حكم السرقة لا يتعدى المجتمع البدوى فى زمن قصير محدود ، والحجاب لا يتعدى مجتمع المدينة فى زمن محدود أيضاً ، فالافتراض الذى ذكره من قبل ليضل به ، وهو افتراض الصلاحية لكل زمان ومكان ، يأتى هنا ليؤكد بطلان هذا الافتراض .
      والآية الكريمة التى ذكرها تتحدث عن التغطية بالجلباب ، وهو الرداء فوق الخمار ، وفسرها ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ بقوله : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن فى حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ، ويبدين عيناً واحدة .
      ولم يشر الكاتب إلى الآية الكريمة التى ذكرت الخمار ]  وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ  [ ، وأظنه قرأ تفسيرها وعرف ما فعلته الصحابيات ـ رضى الله تعالى عنهن ـ من الاستجابة الفورية لأمر الله عز وجل ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [.والصحابيات ـ رضى الله تعالى عنهن ، خير جيل عرفته  البشرية ، وضعن الخمر على رءوسهن ونحورهن عندما نزل الأمر الإلهى ، وغطين الوجوه من فوق رءوسهن بالجلابيب . ونهاهن الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس النقاب والقفازين أثناء الإحرام ، فكن يلبسن هذا وهن غير محرمات ، فإذا أحرمن خلعن النقاب والقفازين.وروى أبو داود تحت باب فى المحرمة تغطى وجهها عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت :
      " كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات ، فإذا جاوزنا كشفناه " .
      والأمر بالحجاب واضح وصريح ، وطبقته الصحابيات فور نزوله ، وأجمعت عليه أمة الإسلام خلال أربعة عشر قرناً من الزمان ، ووقع الخلاف فقط فى الجزء المعفو عنه ]وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا  [ ولكن الخلاف لا يتعدى الوجه والكفين فى هذا الاستثناء .
      ومع هذا أراد الكاتب أن يشكك فى هذا الأمر المستقر نصاً وإجماعاً فقال فى حاشية ص 131 " وقد اختلف المفسرون حول آيات الحجاب وما إذا كانت تخاطب نساء النبى وحده ، أم تلزم المسلمات طرا " ولا أدرى من أين اختلق هذا   الاختلاق ؟ وهل عمى عن قراءة الآية الكريمة التى ذكرها هو نفسه عند الحديث هنا عن الحجاب وفيها ] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ  [ نعم]    فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[. ثم يضيف فرية أخرى حيث يقول فى حاشيته " وعلى أى الأحوال فقد كانت كل من سكينة بنت الحسين بن على وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله من السافرات " ، هكذا يقول هذا المفترى ، ولو كان مسلماً حقاً وقرأ خبراً ساقطاً مثل هذا لكان عليه أن يرد هذا الإفك لكنه يأتى به كشىء مؤكد لينتقل منه إلى إفك جديد ، فيهاجم المفسرين  الأولين ، ويذكر أنهم هم الذين فرضوا على كل نساء المسلمين ما فرضه القرآن على نساء النبى وبناته ، ومرة أخرى أعمى هذا المفترى الكذاب عن قراءة   ]وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ [ بعد قوله تعالى ] قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ [ ؟!
      وإذا كان هذا ( المسلم ) حزيناً لأن المرأة المسلمة التزمت بحجاب فرضه عليها ـ بحسب إفكه ـ المفسرون ، وليس الوحى المنزل ، فما الذى يريده حتى يذهب حزنه ؟
      نرى الإجابة على هذا السؤال فى بداية حديثه عن الموضوع الذى ذكر فيه الحجاب ، وهو تحت عنوان" فرص نجاحنا فى إقامة مجتمعنا على أسس إسلامية ".
      قال فى ص 124 : " كان تطوير الحضارة الأوربية ، بصفة عامة تطوراً متصلاً متجانساً " .
      ثم قال فى ص 126 : " لقد جاء تحرير المرأة فى الغرب ـ حريتها الجنسية ( أى والله هكذا قال : الجنسية ! ) وحقوقها السياسية واستقلالها الاقتصادى ـ ثمرة لقرون طويلة من التطور والكفاح ، وجاء فى مجتمعاتنا الإسلامية لا نتيجة لفكر أصيل عميق الجذور …… إلخ .
      ثم يضرب مثلاً لحرية المرأة العربية التى وصلت إليها دون تطور متصل متجانس ودون فكر أصيل عميق الجذور ، ولذلك فهى حرية بعيدة عن روح الحضارة الغربية ، يضرب هذا المثل بالفتاة العربية المرتدية البكينى على شاطىء البحر !! هكذا تتضح إجابة السؤال . والمسلمون يعرفون أن المرأة فى الإسلام شرع لها ربها كل ما يناسبها من الحقوق ، فأخذت من الاستقلال الاقتصادى ما لم تصل إليه المرأة فى الغرب ، وأخذت من الحقوق السياسية ما يتناسب معها ولا يخرجها عن طبيعهتا ، غير أنها لم تأخذ ـ لا هى ولا الرجل ـ الحرية الجنسية التى أخذها سادة الكاتب الغربيون بل أربابه .
      والإسلام أوصل عقوبة الزنى إلى حد الرجم ، ولما ترك الناس شرع الله عز وجل ووضعوا لأنفسهم القوانين ، لم يروا الزنى جريمة فى ذاته ، فالمتزوجة مثلاً إذا زنت فإنها لا تعاقب بأى عقوبة فضلاً عن الرجم ما دام الزوج رضى بمعاشرتها ، أما إذا لم يرض ورغب فى عقوبتها ، فأقصى حكم هو أن تحبس سنتين ، وغير المتزوجة إذا زنت فهى لم تعتد على حقوق أحد ، ولم ترتكب  جريمة ، وإنما لها حريتها الجنسية !!
      هكذا اختار الناس ما يناسب عصرهم ، ولا يمكن أن يكون هذا باسم الإسلام إلا إذا أحرقت النصوص ودفنت حتى لا تكبل مثل هذا ( المفكر الإسلامى والمصلح الدينى !! ) فيعيدها جاهلية باسم روح الإسلام ، بل كان أهل الجاهلية أقل فجوراً ، وفسقاً من سادته الغربيين ، وما زلنا نذكر القول المشهور : أو تزنى الحرة ؟!
      وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول " تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا  أبداً ، كتاب الله وسنة نبيه " .
      ليس عجيباً أن نجد من ينادى بالحرية الجنسية ، فقد وجدنا من ينادى بحرية الشذوذ الجنسى ، ولكن العجيب الغريب أن نجد من يجعل هذا من الأسس الإسلامية التى يريد أن يقوم عليها مجتمعنا الحديث ، والأشد غرابة ونكراً أن ينسب القائل نفسه أو أن ينسبه أحد إلى الإسلام ، فما بالك إذا قيل بأنه مفكر إسلامى ؟! إلا إذا كانت المعانى اضطربت ، فأريد باللقب أنه مفكر فى هدم الإسلام ومحاربته وإفساد المجتمع المسلم .
      5 - معلوم أن النسخ لا يكون إلا بأمر الله عزوجل ، ولا نسخ بعد انقطاع الوحى .
      والكاتب بعد حديثه عن حرق النصوص أو دفنها يأتى إلى نسخها ، والنتيجة واحدة ، وهى ترك العمل بكتاب الله العزيز ما دام النسخ ليس من حق الله وحده . ويحاول أن يزين هذا الضلال ، ضلال ترك العمل بكتاب الله العزيز بقوله " إن تسليمنا بأن روح الإسلام هى التى ينبغى أن تكون الهادى للسلوك لن يدع مجالاً لاتهام الإسلام بمنافاة مقتضيات العصر والتطورات التاريخية التى حدثت بعد القرن السابع الميلادى " .
      ومعنى هذا أن نصوص القرآن لا تصلح بعد ذلك القرن فقد فقدت صلاحيتها منذ ثلاثة عشر قرناً ، وعلينا أن نحل مكانها ما أسماه بروح الإسلام ، وحينئذ يكون حكماً إسلامياً شرعياً استبدال عقوبة الحبس بعقوبة قطع يد السارق التى نصت عليها أحكام الشريعة .
      لا يخفى علينا ما كتبه بعض أعلام المسلمين عن صلاحية الإسلام للتطبيق فى كل زمان ومكان ، وعن الحدود وأثر تطبيقها فى المجتمع ، وعن حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ، ورد الشبهات التى أثارها أعداء الإسلام ، ولكن هذا الكاتب لا يسلك مسلك المسلمين ، بل يردد أقوال أعداء الإسلام وخصومه بل أكثر مما قاله الأعداء ! وانظر إلى إشارته إلى الرق ، وإلى إشارته الأخيره من أن الإسلام الذى استمدت أحكامه من النصوص ، إنما هو للمتاحف والسياح لا لمواجهة احتياجات العصر ، مما جعل الكثير من المسلمين المثقفين يتخلون عن الإسلام بأسره .
      فهو لا يريد الإسلام الذى ارتضاه الله لنا ديناً ، وإنما يريد إسلاماً عصرياً ، يبيح مثلاً الحرية الجنسية لا الاستعفاف ، والبكينى لا الحجاب . والرد عليه يطول جداً ، وهو مسطور فى كتب كثيرة ، ولكن الذى أريده هنا أن أبين موقفه من القرآن الكريم .
      وبعد هذا البيان لنا أن نتساءل : أمسلم هو ؟ أم أنه حزين لأن الله عزوجل قد حفظ القرآن وحفظ دينه ؟ ولنا أيضاً أن نتساءل : لمصلحة من النفخ فيمن يحاول أن يهدم الإسلام ؟ وكيف بمجلات تصدر فى بلاد الإسلام تفسح صدورها وصفحاتها لمثله وتلقبه بالمفكر الإسلامى ؟!  
ثالثاً : موقفه من السنة المطهرة :
      أوامر الله تبارك وتعالى جاءتنا فى كتابه الكريم ، وعلى لسان رسوله   الأمين ، والسنة وحى ، وهى كالقرآن فى وجوب الاتباع ، وذكرت ما بين هذا من قبل .
      والمستشرقون من اليهود والصليبيين والملاحدة ، والحاقدون على الإسلام والمسلمين ، حاولوا أن يدكوا صرح الإسلام بالطعن فى الوحى من الكتاب    والسنة ، وأهداف هؤلاء واضحة معلومة فلا عجب من مسلكهم ،ولكن إن تعجب فعجب أن تجد ممن ينتسبون إلى الإسلام من مدهم بمعاول الهدم ، ومن أصبح لهم تابعاً وبوقاً يردد أقواهم على أنها العلم الصحيح لا البهتان العظيم .
      فذلك على بن إبراهيم القمى ، المتوفى سنة 307 هـ ، وهو من الفرق الإسلامية ، له كتاب فى التفسير ، بينت ما به من ضلال وزيغ فى الباب السابق ، وعندما طعن المستشرقون فى كتاب الله العزيز اعتمدوا على تفسير القمى كما صرح بهذا المستشرق اليهودى جول تسيهر . وهذا كاتبنا يردد أقوال سادته ، ولكن لأن الأمر يتعلق بكتاب الله المجيد لجأ إلى طريقته التى أشرت إليها آنفاً .
     وأحمد أمين لم يأخذ بأقوال المستشرقين فى القرآن الكريم ، ولكن أخذ شيئاً من أقوالهم فى السنة المطهرة ونسبه لنفسه كما صرح فى نصيحته للدكتور على حسن عبد القادر .
     أما شجرته الخبيثة ، ابنه حسين ، فقد كان أسوأ من المستشرقين وأشد خطراً . ولم يتورع أن يأخذ عنهم أى شىء قالوه فى السنة ، بل أضاف من الأكاذيب والمفتريات ما لا يليق بذى بقية من دين ، أو مسكة من عقل .
      وقد رأينا فريته بأن الشريعة الإسلامية قاصرة ، والرسول غير معصوم ، وهذا القول بداية حديثه عن السنة ، ولو صح فلا سنة إذن عند المسلمين  !
      ولا حاجة لكتبها ، ولا وزن للصحيحين ولا لكتب السنن الأربعة ولا لغيرها ، فالحديث إذا ثبت ثبوت التواتر ، وقطعنا بأنه قول الرسول الكريم ، فما قيمة هذا الحديث إذا كان لرجل غير معصوم ؟
     وإذا كان الكفار لا يرونه معصوماً لأنهم لا يرونه رسولاً ، فكيف ينطق بهذا الكفر من ينسب نفسه أو ينسبه أحد إلى الإسلام ؟
والله عزوجل تعهد بحفظ كتابه المجيد نصاً وبياناً ، وكان من تمام حفظ الكتاب حفظ السنة ، ولهذا هيأ الله تبارك وتعالى من يحفظ سنة رسوله المصطفى ، فلم تعرف البشرية فى تاريخها علماً نقل من جيل إلى جيل بالدقة التى نقلت بها السنة المطهرة . قال الإمام مسلم فى كتاب التمييز ( ص171 ) وهو كتابه فى العلل :
      " واعلم ، رحمك الله ، أن صناعة الحديث ، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم ، إنما هى لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين دون غيرهم . إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة ، من عصر إلى عصر من لدن النبى صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا . فلا سبيل لمن نابذهم من الناس ، وخالفهم فى المذهب ، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار ، من نقال الأخبار وحمال الآثار .
وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم فى التعديل والتجريح . وإنما اقتصصنا هذا الكلام ، لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه ، على تثبيت الرجال وتضعيفهم ، فيعرف ما الشواهد عندهم ، والدلائل التى بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله ، أو سقطوا من أسقطوا   منهم ، والكلام فى تفسير ذلك يكثر " ا . هـ .
      بمثل هذا نقل إلينا الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأصحاب كتب الحديث منهم من لم يلتزم بالوقوف عند الصحيح ، وإنما نقل الصحيح وغير الصحيح ، وفى بعض الكتب نجد أحاديث موضوعة ، ولكن الجهابذة من الأئمة الأعلام وضعوا من الشروط وألفوا من الكتب ما يجعل علماء أى عصر يستطيعون معرفة درجة كل حديث ، وأى مسلم يستطيع أن يدرك هذه الحقائق متى عرف كيف دونت السنة من قبل عصر التدوين إلى ما بعده ، وبالاطلاع على ما كتب فى علوم الحديث ، والجرح والتعديل . والذين أثاروا الشبه حول السنة تصدى لهم من بين زيفها وبطلانها ، ورأينا كلام الإمام الشافعى الممتع المقنع الذى هدى الله تعالى به من حاوره بعد الضلال .
      وفى عصرنا بين كثير من العلماء أباطيل المستشرقين ، أما الكاتب فنراه يأخذ بهذه الأباطيل ، ويأخذ أيضاً بنصيحة أبيه ، فيسطو على أقوالهم وينسبها لنفسه  . بل سطا على أبيه ( !! ) فيما أخذه عنه عن المستشرقين ، فلم يرده لأبيه ولا للمستشرقين .
      وأقوال المستشرقين التى أشرت إليها من قبل يرددها حيث يقول : " وقد شرع الجيل التالى للصحابة ، جيل التابعين ، يجمع روايات أقوال النبى وأفعاله . مما كان شائعاً فى عصره ، واتخذ من هذه السنة مصدراً ثانياً للشريعة " ويقول بعد هذا :" ثم بذلت المحاولات بعد ذلك من أجل رفع أحكام السنة إلى مصاف الأحكام القرآنية فيما يتصل بالتشريع ، وقيل إن النبى إنما استنها بأمر من الله تعالى ، وأنها نزلت عليه كما أنزلت آيات الذكر " ـ ثم يقول : "أدرك الفقهاء أنه ما من فرصة أمام الرأى لأن يصادف القبول لدى جمهور المؤمنين ما لم يستند إلى سنة متواترة ، أو يزعم أن له أصلاً فى الحديث ، ومن ثم فقد لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى " .
      هكذا ردد الكاتب أباطيلهم فرحاً بنسبتها لنفسه ، منفذاً بحمق وجهل وصية  أبيه ، وهذا المسلم أما عرف موقف الصحابة الكرام من السنة المطهرة ، وكيف أن أبا بكر الصديق توقف فى أحكام حتى وجدها فى السنة كمسألة الجدة .
      والفاروق عدل من أحكام عندما بلغته السنة ؟ وغير الشيخين من الصحابة رضى الله عنهم ورضوا عنه ، الذين اعتصموا بالكتاب والسنة معاً ، فلا إسلام بدونهما ، ولا حكم إلا لهما ، فكيف إذن يقول مسلم بأن السنة ليست مصدراً من مصادر التشريع وإنما لجأ إلى هذا التابعون ، والفقهاء والعلماء هم الذين كذبوا على الله ورسوله فاختلقوا السنة ؟ !كيف يقول هذا مسلم ؟ ولكن لا غرابة بعد أن عرفنا رأيه فى القرآن الكريم نفسه .
      ولوضع الأحاديث واستباحة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسباب كثيرة تحدث عنها العلماء. وكان من نتائج هذا ما رأيناه من جهود الأئمة الأعلام لحفظ السنة المطهرة ، وتنقيتها من هذا الزيف . ومنذ وقت مبكر بدأ النظر فى الإسناد ، فكما قال ابن سيرين : ما كانوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم .
      أى أن الإسناد بدأوا ينظرون فيه فى عهد الخليفة الثالث ذى النورين رضى الله عنه عندما وقعت الفتنة ، فإذا كان الراوى من ذوى الأهواء أو المجروحين لم يؤخذ عنه الحديث . وقال ابن سيرين أيضاً : لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء .
      فليس الأمر كما قال المستشرقون وأبواقهم من أن السنة وضعت فى القرن الثانى ، فالواقع العملى وكتب السنة ، تشهد بكذبهم ، ومن فضل الله سبحانه وتعالى على المسلمين أن وفق هؤلاء الأئمة ، فكشفوا الوضّاعين ، وبينوا علامات الوضع فى السند ، وعلاماته فى المتن ، وذكروا لنا كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة أفردت لها مؤلفات للتحذير منها ، ونبه على بعضها فى مؤلفات أخرى جمعت بين الموضوع وغيره .
      والكاتب لا يسلك المنهج العلمى فى كلامه عن أسباب الوضع ، وإنما يأخذ شيئاً قليلاً من الأسباب الحقيقية ويخلطه بكلام المستشرقين ، فيطعن فى أئمة أثبات أعلام ، بل فى صحابة كرام بررة ، ويبدو مضطرباً كاللص وهو يأخذ من هنا وهناك ، فيضرب أمثلة للوضع بأحاديث موضوعة وأخرى صحيحة ، قد تصل إلى أعلى مراتب الصحيح ، بعضها وصل إلى مرتبة التواتر ، وفى موضع يطعن فى الإسناد ويقول : كان الاهتمام بالمتن ، وفى موضع آخر يطعن فى المتن ، ويقول : كان الاهتمام بالإسناد دون المتن . ويتحدث عن تزييف الأسانيد الصحيحة ، وأن أى أحد يستطيع أن يقوم بهذا ، وهو كلام يدل على جهل تام بعلم الإسناد ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .
      والرد على ما بثه الكاتب من سموم وأكاذيب ومفتريات ، يحتاج إلى سفر ضخم ، ولكن بحسبنا أن نكشف حقيقته ، ونبين موقفه من السنة الشريفة عند الله وعند المؤمنين ، كما بينا موقفه المخزى من كتاب الله المجيد .
      ويمكن أن يذكر هنا أقوال علماء الإسلام فى السنة المطهرة ، وأقوال المعاصرين منهم فى الرد على المستشرقين الذين سرق الكاتب أكاذيبهم وشبههم ، وواضح أن هذا يطول جداً ، ولذلك نكتفى بذكر بعض الأمثلة ، ونكتفى أيضاً بأخذ هذه الأمثلة من كتاب السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى للشيخ الدكتور مصطفى السباعى رحمه الله ، فقد أبطل باطل المستشرقين وأحمد أمين أبى الكاتب وناصحه الأمين .
      بدأ الدكتور السباعى حديثه عن السنة مع المستشرقين بعرض تاريخى لأغراض المستشرقين ، وبين مدى خطر هؤلاء وأثرهم السيئ على من خدع بهم من المثقفين المسلمين .
      ثم قال رحمه الله :ننتقل من هذه المقدمة الضرورية إلى بيان موقف المستشرقين من السنة وشبههم التى أثاروها حولها ، والتى تأثر بها كثير من الكتاب المسلمين كما رأيت ، ولعل أشد المستشرقين خطراً وأوسعهم باعاً ، وأكثرهم خبثاً وإفساداً فى هذا  الميدان ، هو المستشرق اليهودى المجرى " جولد تسيهر " .
      وذكر خلاصة قوله فى السنة وتشكيكه بها ، ثم أخذ يفصل الجواب لهذه الخلاصة ، دون تتبع لكل فقرة من الفقرات . فإن كتابه كما قال ـ يضيق عن الرد التفصيلى ، وللعلم فإن الكتاب اقترب من خمسمائة صفحة .

هل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين ؟

      قال الدكتور السباعى رحمه الله تحت عنوان : هل كان الحديث نتيجة لتطور المسلمين : " يقول جولد تسيهر : إن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى ! ولا ندرى كيف يجرؤ على مثل هذه الدعوى ، مع أن النقول الثابتة تكذبه " وأخذ يثبت كذب هذا المفترى الحاقد .أما ابن أحمد أمين فقد أخذ الفرية وصاغها بأسلوبه كأنه صاحبها .

الأمويون وعلماء المدينة :

      وانتقل الدكتور السباعى بعد هذا للرد على افتراءات اليهودى الحاقد حول دور الأمويين وعلماء المدينة فى وضع الأحاديث ، وأن العلماء الأتقياء استجازوا الكذب دفاعاً عن الدين .
      والمفتريات الذى ذكرها الدكتور السباعى وبين بطلانها وتهافتها أخذها ( المفكر الإسلامى ) كأنها من بنات أفكاره .
الإمام الزهرى :
      قبل أن يتحدث الدكتور السباعى عن الإمام الزهرى ومكانته فى التاريخ ، ليدفع الباطل قال رحمه الله : ـ
     وهنا نجد من حقنا وواجبنا أن نزيح الستار عن مؤامرة هذا اليهودى المستشرق على أكبر إمام من أئمة السنة فى عصرة ، بل على أول من دون السنة من التابعين ، لنرى ما فيها من لؤم وخبث ودس وتحريف ، وإنها لخطة مبيتة من هذا المستشرق أن يهاجم أركان السنة واحداً بعد الآخر ، فلقد هاجم أكبر صحابى روى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبو هريرة رضى الله عنه .
      وسترى كيف ناقشنا هذه الاتهامات التى أوردها الأستاذ أحمد أمين فى فجر الإسلام وتابع فيها المستشرق احتساباً لغير وجه الله تعالى ، حتى إذا فرغ من تهديم أبى هريرة على زعمه جاء هنا لهدم ركن السنة فى عصر التابعين ، حتى إذا تم له انهارت السنة بعد أن وجه إليها المعاول من ناحيتين ، ناحية رواتها وأئمتها ، وناحية الشك بها جملة ، كما ترى صنيعه هنا ، ولكن الله غالب على أمره ، ولابد للحق من هزيمة الباطل مهما أوى الباطل إلى ظل ظليل وركن متين " ( ص 206 ) .
      والمؤامرة التى دبرها المستشرق وتابعه أحمد أمين فى جزء منها ، أعادها كاملة غير منقوصة ( المصلح الدينى ! ) ابن أحمد أمين " والله يعلم المصلح من المفسد " .
حديث لا تشد الرحال : المثل الذى أراد الكاتب أن يصل به إلى هدفه السيئ فى الطعن فى الإمام الزهرى ، العلم الثبت الحجة العدل الضابط الذى لم يطعن فيه أحد قبل اليهودى المستشرق ، وهو حديث " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد … " وقال : حين أراد الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم صد الناس عن الحج إلى مكة خشية أن يجبر عدوه عبد الله بن الزبير الحجاج الوافدين من الشام على مبايعته خليفة للمسلمين ، أسند إلى الزهرى ـ وهو الفقيه التقى الصالح ـ مهمة البحث عن حديث ( أو اختلاق حديث ) يضع الحج إلى بيت المقدس ، بمثابة الحج إلى مكة ، فكان إذا اشتكى الناس من خطر الحج إلى مكة أجابهم عبد الملك بقوله : هذا ابن شهاب الزهرى يحدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تشد الرحال .. إلخ .
واختلاق أن الإمام ابن شهاب الزهرى ـ وحاشاه ـ اختلق هذا الحديث هو من كلام اليهودى الخبيث المفترى ، وذكر الدكتور السباعى هذه الفرية وقال : " فهذا لعمرى عجب من أعاجيب الافتراء والتحريف والتلاعب بحقائق التاريخ " ثم أخذ يفند هذا الافتراء بأدلة منها سن الزهرى آنذاك ، وأن نصوص التاريخ قاطعة بأنه فى عهد الزبير لم يكن يعرف عبد الملك ولا رآه بعد ، وأهم من هذا أن الحديث روته كتب السنة كلها ، وهو مروى عن طرق مختلفة غير طريق الزهرى : فقد أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى من غير طريق الزهرى ، ورواه مسلم من ثلاث طرق إحداها من طريق الزهرى ، وثانيتها من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعه عن أبى سعيد ، وثالثتها عن طريق ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر ابن عمران بن أبى أنس عن سلمان الأغر عن أبى هريرة ، أى أن الإمام الزهرى لم ينفرد برواية الحديث كما زعم المستشرقون .
      ومع أن هذه الأدلة وغيرها تثبت سخف هذا الافتراء الذى اختلقه اليهودى ، إلا أن هذا المسلم ابن أحمد يذكر الفرية كحقيقة مسلمة دون نسبتها لمفتريها الأول ، ودون نظر إلى الأدلة الواضحة البينة ، ودون أن يعبأ بعقول المسلمين ومشاعرهم تجاه إمام أجمعت الأمة على إمامته وعلمه وفضله .
حديث اتخاذ الكلب للزرع : ـ
      روى ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراطان ، فقيل لابن عمر : إن أبا هريرة رضى الله عنهـ يزيد فى الرواية ( أو كلب زرع ) ، فقال ابن عمر : " إن لأبى هريرة زرعاً " . اعتبر جولد قول ابن عمر نقداً لأبى هريرة ، وقال أحمد أمين : " وهذا نقد من ابن عمر لطيف فى الباعث النفسى " .
       وذكر الدكتور السباعى حديث أبى هريرة الذى ذكر فيه اتخاذ الكلب   للزرع ، وأشار إلى الكتب التى أخرجته كالصحيحين وغيرها ، ثم قال : قد تعرض الشراح لزيادة أبى هريرة ومن وافقه فيها ، وبينوا مراد ابن عمر من مقالته تلك فى أبى هريرة . قال الحافظ ابن حجر فى " فتح البارى " بعد أن بين أن مراد ابن عمر تثبيت رواية أبى هريرة : " وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن زهير وعبد الله بن مغفل ، وهو عند مسلم . "
      وقال النووى عند قول ابن عمر ، إن لأبى هريرة زرعا : " ليس هذا توهيناً لرواية أبى هريرة ولا شكا فيها ، بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه ، والعادة أن المبتلى بشىء يتقنه عن غيره ويتعرف من أحكامه ما لا يعرف غيره ، وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهى اتخاذه للزرع من رواية ابن مغفل ومن رواية سفيان بن زهير . وذكرها أيضا من رواية ابن الحكم واسمه عبد الرحمن بن أبى نعيم البجلى عن ابن عمر . فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحققها عن النبى صلى الله عليه وسلم رواها عنه بعد ذلك ، وزادها فى حديثه الذى كان يرويه بدونها ، ويحتمل أنه تذكر فى وقت أنه سمعها من النبى صلى الله عليه وسلم فرواها ، ونسيها فى وقت ، فتركها . والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة ، بل وافقه جماعة من الصحابة فى روايتها عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة . " .
وقال الدكتور السباعى بعد بيان الإمام النووى :هذا هو الوضع الصحيح للمسألة ، ومنه تعلم أنه ليس فيها تكذيب ابن عمر لأبى هريرة فى تلك الزيادة ، وبيان الباعث النفسى على اختلاقها ونسبتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وكيف يتصور هذا من ابن عمر وهو الذى اعترف بأن أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وسيأتى معنا مزيد بيان لمكان أبى هريرة فى نفس ابن عمر ونفوس الصحابة جميعاً . أم كيف يذكرالأئمة قول ابن عمر ويخرجونه فى صحاحهم لو كان تكذيباً منه لأبى هريرة ؟ أم كيف يعمل الفقهاء برواية أبى هريرة ويبنون عليها أحكامهم لو كان مراد ابن عمر تكذيبها وإنكارها ؟ .
      الواقع أنه ليس فى الأمر شىء من هذا ، ولكن أمانة صاحب " فجر الإسلام " أبت عليه إلا أن يرى فيما صنع ابن عمر نقداً لطيفاً … لأبى هريرة … وبياناً للباعث له على هذه الزيادة ، وتأبى عليه أمانته العلمية أيضا إلا أن يرشدنا إلى موضوع هذا النقد من كتب الحديث ، فيقول فى ذيل الصحيفة " انظر النووى على مسلم " ، وأنت سمعت كلام النووى فهل سمعت فيه رائحة التكذيب من ابن عمر لأبى هريرة ؟ بل ألم تره يرد على ما قد يخطر بالبال ردا قوياً واضحاً ؟ ولك أن تتساءل بعد هذا : أهو لم يفهم عبارة النووى ؟ أم فهمها ولكنه آثر رأى المستشرق اليهودى جولد تسيهر ؟ ( ص 287 ـ 289 ) . وابن أحمد أمين الذي ترعرع في هذه البيئة ، جاء بعد كل هذا ليقول:
روى البخارى حديثاً يأمر النبى فيه بقتل كل الكلاب إلا كلاب الصيد، فلما قيل لعبد الله بن عمر : إن أبا هريرة يضيف إلى الحديث عبارة " أو الزرع " رد ساخراً بأن أبا هريرة إنما أضافها بعد أن أصبح صاحب مزرعة !

كذب الصالحين وتدليس المحدثين : ـ

      ذكر الدكتور السباعى هنا كلاماً للمستشرق اليهودى ، ثم فنده ، ومما قاله : " أما ما نقله جولد تسيهر من قول وكيع عن زياد بن عبد الله البكائى من أنه كان مع شرفه فى الحديث ـ كذوباً ـ فهذه إحدى تحريفات هذا المستشرق الخبيث ، فأصل العبارة كما وردت فى التاريخ الكبير للإمام البخارى : وقال ابن عقبة السدوسى عن وكيع : هو ( أى زياد بن عبد الله ) أشرف من أن يكذب . فأنت ترى أن وكيعا ينفى عن زياد بن عبد الله الكذب مطلقاً لا فى الحديث فحسب ، وأنه أشرف من أن يكذب ، فحرفها هذا المستشرق اليهودى إلى أنه كان مع شرفه فى الحديث كذوباً . وهكذا تكون أمانة هذا المستشرق .هذا ما قاله الدكتور السباعى رحمه الله ، أما حسين أحمد أمين فيقول :
      تحدث وكيع عن زياد بن عبد الله قائلاً : " إنه كان يكذب فى الحديث مع شرفه " . " وحسين لم ينسب هذا لليهودى حتى يمكن أن يقال مثلاً بأنه لم ينتبه لتحريفه وتضليله ، ولكنه يذكر هذا كحقيقة يعرفها هو . فما أعظم أمانة اليهودى المستشرق وحسين معاً ! وما أنبل هدفهما !!
      وذكر الدكتور السباعى ما نقله المستشرق عن يزيد بن هارون " إن أهل الحديث بالكوفة فى عصره ما عدا واحداً كانوا مدلسين " .
      ثم أخذ الشيخ يبين المراد باصطلاح التدليس عند المحدثين ، والمقبول منه والمرفوض ، والكلام فى التدليس مفصل فى كتب مصطلح الحديث ، والمدلسون معروفون ، والكلام عنهم مفصل فى كتب الجرح والتعديل .
      وهذا المفكر المسلم كان أسوأ وأقبح من اليهودى اللعين ، ويبدو أنه يجهل مفهوم التدليس ، فبنى على ما قرأه لسيده المستشرق اليهودى قولاً يهدم ـ فى زعمه ـ كل صحيح ثابت ثبوت الجبال فى زعمه .
      فقال : " أما الإسناد الذى من شأنه أن يكسب القول وقاراً وينيله التصديق ، فكان أمره هيناً وشكلياً محضاً ، فبوسع أى مختلق أن يدلس حديثاً ويصدره بسلسلة ذهبية من الإسناد ، يراعى فيها الاتصال بين المحدث وكاتب الحديث ، أو حتى دون أن يراعيه " . ( ص 51 )
      فالكاتب يريد أن يهدم الإسناد الذى فاق به المسلمون البشرية جمعاء فيذكر هذا القول الجاهل . فالسلسلة الذهبية هى ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ، ولا تكون ذهبية إلا إذا كان من سمع من الإمام مالك عدلاً ضابطاً ثقة ، وعادة لا يكون واحداً هو الذى سمع وإنما يكون الإمام أثبته فى الموطأ أو حدث به تلامذته ، أو مجموعة من المسلمين . وإذا جاء مختلق ـ كما يقول الجاهل ( المفكر المسلم !! ) وقال : حدثنى مالك ، فإن الحديث يكون موضوعاً غير مقبول لوجود هذا   المختلق ، فالحديث يحمل على أقل درجة فى رجال الإسناد . فإذا وجدنا حديثاً متصل الإسناد ، وكل رواته فى أعلى مراتب التوثيق والعدالة والضبط ما عدا واحداً ؛ وهذا الواحد مختلق ، فالحديث يحمل على هذه الدرجة السفلى ، فيحكم عليه علماء الحديث بأنه موضوع لا يجوز الاحتجاج به ولا يحل كتابته إلا على سبيل التحذير .
      وإذا كان الإسناد غير متصل وخلا من الوضاعين ، فالحديث مع هذا لا يكون صحيحا ، فما بالك إذا كان فيه مختلق .
      وبعد : فلعل فى هذا ما يكفى لبيان موقف هذا الكاتب من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واشتراكه فى المؤامرة الدنيئة التى حاكها المستشرقون ، وأنه قام بدوره بغير هدى ولا علم ولا إسلام .

رابعاً : موقفه من عقائد المسلمين

      موقف غير المسلمين من عقائدنا معلوم معروف ، سواء أكانوا كفاراً أم يهود أم نصارى ، أما أن نتحدث عن موقف كاتب من عقائدنا وهو منسوب لنا فهذا أمر غريب حقاً .
      ولكن ماذا نقول والإسلام فى تاريخه الطويل رزئ بمن انتسب إليه وحاول أن يهدمه من الداخل . وكان هؤلاء خطرهم أشد ممن عادى الإسلام صراحة ، ومن هنا ندرك قول الحق تبارك وتعالى :
      ] إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ .
      وما سبق يبين موقفه من عقيدة المسلمين في كتاب ربهم ، وسنة نبيهم ، والشريعة التامة الكاملة العامة .
      ومن العقائد الأساسية في الإسلام الإيمان بالقضاء والقدر، ولكنه يتحدث عن هذا الإيمان كنزعة لا عقيدة إسلامية ، ثم يرد هذه النزعة عند البدوي إلي حياته في الصحراء وليس إلي إيمانه بالله عز وجل ، أما هذه النزعة عند غير البدوي فيفسرها بقوله الفاجر : " ليس المسئول عن ذلك وحده اتصال الغازي البدوي به ، وإنما لابد من إرجاعه كذلك إلي شكل الحكم الاستبدادي الذي ساد كافة الأقطار الإسلامية ، والذي خلق للريفي وقاطن المدينة موقفاً شبيهاً بالموقف الذي يتعرض له البدوي في الصحراء " . ( ص136 ) .
      فالإيمان بقضاء الله تعالي وقدره لا يراها هذا ( المصلح الديني ! ) عقيدة إسلامية مردها دخول الإيمان في القلوب ، وإنما هي أثر من آثار سوء طبيعة البادية ، وسوء الحكم في غيرها .
      ومعني هذا أنه لا يري الإيمان بقضاء الله ولا قدره متي عاش الإنسان في بيئه غير بدوية ، وفي ظل حكم غير مستبد .
      ولعله هنا ينظر إلي سادته الغربيين فيقرهم علي عدم إيمانهم بالقضاء   والقدر . ولذلك يقول بعد قليل في صفحة 139 :
      " قد يكون بوسع الألماني أو السويسري أن يخطط من الآن لإجازة سنوية يقضيها في جزيرة مايوركا بعد خمس سنوات خلال النصف الثانى من شهر حزيران . أما عن عباد الله في أقطارنا ، فلا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله " .
      ولا أدري ممن يسخر وهو يذكر آيات كريمة يرددها عباد الله ، وهي قوله تعالى في سورة الكهف ( 23 : 24 ) : ] وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [ .
     وهل الإيمان بالمشيئة الإلهية يمنع التخطيط ؟ وهل التخطيط يمنع المشيئة الإلهية ؟ ويبقي أن نسأل : أيعتبر مسلماً من يستهزئ بقول الله تعالي ، ولا يؤمن بمشيئته ولا بقضائه وقدره ؟

خامساً : قوله الكذب بوثنية المسلمين !!

      الإسلام دين التوحيد الخالص ، تلك حقيقة يعرفها كل مسلم ، وكل من يدرس الإسلام دراسة صحيحة .
      ولكن كاتبنا المسلم يرى غير هذا !
      اقرأ معى قوله في صفحة 84 :
     " وقد كان أشق ما فرضته عليهم الأديان السماوية تجريد مفهوم الرب :
     فالعبادة في العالم القديم لم تكن بالتى يمكن تحليلها دون وثن أو صورة ، وكانت آلهة الأقدمين دوماً محسوسة مجسدة ، صنماً كانت أو كوكباً أو ملكاً أو ظاهرة طبيعية . فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان .
     غير أن الإحساس ظل قائماً لدى عامة البشر بالفجوة الهائلة التي باتت تفصل بينهم وبين إلههم ، حتى إن صور لهم هذا الإله على أنه أب لهم ، أو أقرب إليهم من حبل الوريد . وكان أن نشأت لديهم حاجة ( وثنية ) ملحة إلى ملء هذه الفجوة بأية وسيلة ، أو اجتيازها بأية حيلة ، وهى حاجة نفسية رأى بعض رجال الدين من الحكمة أن يستجيبوا لها بقدر محدود خشية أن تنصرف العامة عن الدين بأسره ، أو حرصاً على بقاء سلطانهم ، وسرعان ما حلت التماثيل الدينية والأيقونات مكان الوثن ، وتقديس الأولياء محل عبادة الآلهة والملوك والأسلاف " .
     هذا ما قاله بالنص ! وفكر في قوله : " فكان لابد إذن من مرور قرون طويلة حتى يرسخ هذا المفهوم الجديد للإله في الأذهان " ، وما دام الأمر يحتاج إلى مرور قرون طويلة فعلى أقل تقدير يكون الصحابة رضى الله عنهم وأرضاهم ، والتابعون لهم بإحسان ، يكون خير الناس هؤلاء وثنيين !
     فإذا شهد الله سبحانه وتعالى وهو يخاطب هؤلاء المسلمين كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [.
      قال الكاتب : لا ، بل كانت عندهم حاجة وثنية ملحة ، وهى حاجة نفسية ! التخلص منها يحتاج إلى مرور قرون طويلة حتى يؤمنوا بإله واحد أحد فرد صمد لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .
     وطعنه في سلفنا الصالح لا يعنى أنه يريد أن يبرئ الخلف ، وأن الوثنية انتهت بعد هذه القرون الطويلة ، وإنما ينتقل من فرية إلى فرية ، ليصل إلى ما رسمه لنفسه إرضاء لسادته ، أو ما رسمه له سادته من أعداء الإسلام فيتحدث عن الذين دخلوا فى دين الله أفواجاً فى البلاد التى فتحها المسلمون ، ويصور الجزيه كما صورها الأعداء ، ويرى أن الذين دخلوا فى الإسلام دخلوا بمعتقداتهم القديمة ، وخدعوا المسلمين الفاتحين ، بل أثروا في الدين نفسه ، وأقرهم عدد من الفقهاء على وثنيتهم ، وعلى هدم أركان إسلامية .
     وهذا الكاتب عنده جرأة عجيبة على الكذب والافتراء على الأموات وعلى الأحياء على السواء ، اقرأ مثلاً قوله في صفحة 98 : " فإن نحن قلنا بعد كل هذا إن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ القناوى بقنا ( وهو طواف يبادر إليه الكثيرون فور وصولهم إلى تلك المدينة ) ، فيه غناء عن أداء فريضة الحج إلى بيت الله الحرام ، وإن قلنا إن عدداً من الفقهاء قد أيد هذا الرأى استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحميل ما لايطيق من نفقات الحج إلى مكة ، ثم إن نحن افترضنا بعد ذلك أن هذا الشيخ أسطورة ، وأن القبر إنما أقيم على طلل معبد إله من آلهة القدماء المصريين ، لوصلنا إذن إلى نتيجة غربيه وهى أن العامة قد أحلت محل ركن من أركان الإسلام الخمسة طقساً وثنياً خالصاً يرجع إلى زمن الفراعنة . وبهذا تكون شعوب الأقطار المفتوحة قد أفلحت في خداع الفاتحين "
    هذا كلامه عن أمر لا يزال موجوداً ! ونسأل هنا :  أين الكثيرون الذين يطوفون بالقبر سبعاً ؟
     ومَنْ مِنْ المسلمين رأي أن هذا يغني عن الحج ؟ وما أسماء هؤلاء الفقهاء الذين أيدوا هذا الرأي وأحلوا الطقس الوثني محل ركن من أركان الإسلام ؟ بل ما اسم فقيه واحد من هذا العدد ؟
     أي قارئ يستطيع أن يدرك مدى صفاقة هذا الكاتب في اختلاقه للأكاذيب ووضعه للإفك ، ولكن انظر إلي ما يكشف عن خبيئة نفسه عندما يقول " استنكاراً منه لفكرة أن يفقر البعض نفسه بتحمل ما لا يطيق من نفقات الحج إلي مكة " .
     ومعلوم أن الحج فرض علي المستطيع فقط ] وَلِلّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [ .
     فكان يكفى أن يبين هذا العدد من الفقهاء حكم الله تعالي ، ولكن المفتري يري أنهم استنكروا فكرة الحج المكلف ، فاستبدلوا به الطقس الوثنى . ومن كلام هذا الكاتب يتضح هدفه ، فلا إسلام في أى عصر : فالعرب ظلوا علي وثنيتهم بعد دخولهم في الإسلام ، والبلاد التي دخلها الإسلام ظل أهلها علي وثنياتهم القديمة وإن خدعوا الفاتحين وتظاهروا باعتناق الإسلام ، ويضرب مثلاً لذلك بعامة من المصريين ، وعدد من فقهائهم ، لا يزالون علي وثنيتهم الفرعونية حتي عصرنا الحاضر .
     وهكذا يرضى الكاتب سادته وأربابه من دون الله ، ويسخط الله ورسوله والمؤمنين .

أبو هريرة رضي الله تعالي عنه

     وجدنا مؤامرة المستشرقين في محاولة هدم السنة المطهرة ، وذلك بالتشكيك فيها جملة ، والطعن في رواتها من الأئمة الأعلام .
     والكاتب غذي بهذا التضليل ، فردده وزاد عليه . ورأينا فريته بأن الفقهاء والعلماء بعد عصر الصحابة هم الذين اخترعوا السنة . ولكن شياطينه زينت له أن هذا وحده لا يكفي ، فأراد أن يطعن في خير جيل من خير أمة أخرجت للناس ، شهد الله تعالي لهم ، وشهد الرسول صلى الله عليه وسلم . ولذلك أراد أن يكون الطعن هنا بأسلوبه الملتوي الخبيث . أثني علي بعضهم وشهد لهم ، ولكن هذا يذكرنا بقول الله عز وجل :
     ] إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ .
     وانتقل الكاتب من هذا الثناء إلي الطعن في بقية الصحابة الكرام ليقول بأنهم هم جذور المأساة : مأساة وضع واختلاق الأحاديث ، أي أن هذا الجيل المثالي الغرة في جبين البشرية كلها ، هو الذي بدأ الكذب علي الرسول صلى الله عليه وسلم !!  ] كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [ .
     وهذا الكذاب الأشر لا يجد ما يؤيد به كذبته إلا ما ذكره المستشرق اليهودى ، ثم أبوه أحمد أمين بعد هذا ، وهو حديث كلب الزرع الذي سبق بيان ما يتصل به . وراوية الإسلام الأول كثير في عصرنا من سلك مسلك اليهودى المستشرق  في الطعن فيه .
     وفي المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامي الذي عقد بالكويت في شوال سنة 1405 هـ ، وخصص للسنة المطهرة ، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث ، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين ، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل .
     ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له ، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر ، وأكتفي بذكر بعض الحقائق من باب الذكرى ، فإنها تنفع   المؤمنين ، حتي يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمي الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار ".

إسلامه :

      عاش أبو هريرة أكثر من ثلاثين سنة قبل إسلامه . ثم هداه الله عزوجل وشرح صدره للإسلام فى عام خيبر . والمعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم صار إلى خيبر فى المحرم ، وتم فتحها فى صفر فى العام السابع من الهجرة ، وقد شهدها أبو هريرة وأسهم له الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا أن أبا هريرة رضى الله عنه أسلم فى بداية العام السابع . وقد عاش فى الإسلام خمسين عاماً ، أو يزيد ؛ لأنه مات سنة 59 هـ على الأشهر ، وقيل بأنه مات قبل هذا بعام أو عامين .

عريف أهل الصفة :

      عندما أسلم لزم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه مدة أربع سنوات إلا قليلاً . وساعد على هذه الملازمة أنه كان من أهل الصفة ، ذلك المكان المظلل فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذى كان يعتبر أول مدرسة فى المدينة المنورة ، ومثوى لفقراء المسلمين .
      وبارك الله عزوجل لأبى هريرة فى هذه الفترة الزمنية القصيرة التى صحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحفظ الكثير من الحديث النبوى الشريف حتى أصبح أشهر من لجأ إلى الصفة وأعلم من تخرج فى تلك المدرسة وعريفها ، بفضل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتفرغه وإخلاصه وجده فى طلب العلم .
      قال ابن عبد البر فى الاستيعاب ( 4 / 208 ) :
      " أسلم أبو هريرة عام خيبر ، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم لزمه وواظب عليه رغبة فى العلم ، راضياً بشبع بطنه ، فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يدور معه حيث دار . وكان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار ؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة ، والأنصار بحوائطهم .
      فقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث . وقال له : يا رسول الله ، إنى قد سمعت منك حديثاً كثيراً ، وأنا أخشى أن أنسى . فقال : ابسط رداءك . قال فبسطته ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت شيئاً بعد " .

حديث بسط الرداء :

      وحديث بسط الرداء ذكره البخارى فى كتاب المناقب من صحيحه ، فى باب ملحق بباب علامات النبوة ، ولفظ الحديث الشريف : " قلت : يا رسول الله ، إنى سمعت منك حديثاً كثيراً فأنساه . قال : فأبسط رداءك ، فبسطته ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت حديثاً بعد " .
      وذكره الحميدى فى مسنده ( 2 / 483 ) ، وزاد : " وقام آخر فبسط رداءه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : سبقك بها الغلام الدوسى " .
      روى الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : " إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل حديث أبى هريرة ؟ وإن إخوتى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق فى الأسواق ، وكنت ألزم الرسول صلى الله عليه وسلم على ملء بطنى ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا . وكان يشغل إخوتى من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصفة أعى حين ينسون ؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث يحدثه : إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضى مقالتى هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول ، فبسطت نمرة على ، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدرى ، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شئ " . وفى رواية " فما نسيت شيئاً سمعته بعد " .
      ويعقب الحافظ ابن حجر على هذا الخبر فيقول : " وهو من علامات النبوة ، فإن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروى الحديث فى عصره ، ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه " .
      وفى موضع آخر يقول : " والحديث المذكور من علامات النبوة ، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية فى عصره " . ( انظر قوله الأول فى تهذيب التهذيب 12 / 266 ، والآخر فى الإصابة 4 / 268 ، وراجع شرحه : فتح البارى ) .

شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم :

  أما شهادة خير البشر صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة التى أشار إليها ابن عبد البر فإنا نرى ما يبينها فى حديث شريف . ففى الجزء الثالث من المستدرك ( ص 509 ) نقرأ ما يأتى :  حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا العباس بن محمد الدورى ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو الأحوص ، عن زيد العمى ، عن ابى الصديق الناجى ، عن أبى سعيد الخدرى ـ رضى الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله   وسلم : " أبو هريرة وعاء العلم "
      ولم يتكلم الحاكم على الحديث ، قال الذهبى فى تلخيص المستدرك ( 1 / 3 ) : " لم أره يتكلم عن أحاديث جمة ، بعضها جيد وبعضها واه " .
      والذهبى الذى تعقب الحاكم فى كثير من الأحاديث ، وبين أنها ضعيفة أو موضوعه ، لم يشر إلى أى وهى فى إسناد هذا الحديث الشريف . وربما كان هذا كافياً لقبوله ، حيث إنه من أحاديث الفضائل ؛ فقد ثبت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: "إذا روينا فى الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا فى الفضائل ونحوها تساهلنا " .
      ( راجع ص 11 من كتاب : القول المسدد فى الذب عن المسند لابن حجر ).والذهبى نفسه قال فى سير أعلام النبلاء ( 2 / 594 ) : " كان حفظ أبى هريرة الخارق من معدودات النبوة " ، واستدل باحاديث أشار إلى صحتها ، وذكر من الأدلة ما يثبت ما ذهب إليه هو وغيره من الأئمة ، ثم ذكر هذا الحديث الشريف ولكن بلفظ : " أبو هريرة وعاء من العلم " بزيادة " من " وهذا يدل على قبوله وعدم رفضه ، وإن لم ينص على صحته ([249]) .
      ومن النظر فى رجال الإسناد نرى أن الحديث صحيح أو حسن على الأقل عند بعض الأئمة ، وعند أكثرهم يعتبر ضعيفاً لا يحتج به فى الحلال والحرام ، ولكن يكتب ، وموضع الخلاف مرده إلى وجود زيد العمى ، ومثله إن لم يحتج بحديثه ، أخذ به فى الفضائل ونحوها ، أى أن هذا الحديث يقبل من حيث الإسناد .
      أما المتن فله ما يعضده ، ويشهد بصحته ، وقد يكفى ما سبق من الأحاديث الشريفة الأخرى ، وما بينته من الدلالات ، وما أثبته الأئمة من أن حفظ أبى هريرة من علامات النبوة ، ولكن فلنزد الأمر وضوحاً وتأكيداً .
      فى كتاب العلم فى صحيح البخارى نجد " باب حفظ العلم " . ونقرأ أحاديث الباب فنراها كلها تتعلق بحفظ أبى هريرة وحده .
      ويأتى الحافظ فى الفتح ليفسر مسلك الإمام البخارى فيقول : " لم يذكر فى الباب شيئاً عن غير أبى هريرة ، وذلك لأنه كان أحفظ الصحابة للحديث ، قال الشافعى رضى الله عنه : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى عصره وقد كان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول : كان يحفظ على المسلمين حديث      النبى صلى الله عليه وسلم .

هكذا فليكن الحفظ :

      ومما يثبت حفظه ما رواه الحاكم بسنده : " حدثنا الزعيزعه كاتب مروان بن الحكم ، أن مروان دعا أبا هريرة ، فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله ، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب ، فجعل يسأله عن ذلك ، فما زاد ولا نقص ، ولا قدم ولا أخر " .
      وصحح الحاكم الخبر ، ووافقه الذهبى . ( انظر المستدرك 3 / 510 ) . وذكره الذهبى فى سير أعلام النبلاء ( 2 / 598 ) ثم عقب بقوله : " قلت : هكذا فليكن الحفظ . قال الشافعى : أبو هريرة  إلخ . " .
      وذكره ابن حجر فى الإصابة ( 4 / 205 ) ، وابن كثير فى البداية والنهاية  ( 8 / 106 ) .
      وبين لنا زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه سبب حفظ أبى هريرة رضى الله تعالى عنه :
      حدث محمد بن قيس بن مخرمة أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه يسأله عن شئ فقال له زيد : " عليك بأبى هريرة فإنى بينما أنا وأبو هريرة وفلان فى المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكره ، إذ خرج علينا النبى صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا ، فسكتنا فقال : عودوا للذى كنتم فيه . قال زيد : فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ، ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إنى اسألك ما سألك صاحباى ، وأسألك علماً لا ينسى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آمين . فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله تعالى علماً لا ينسى ، فقال : سبقكم بها الغلام الدوسى " . قال ابن حجر : " أخرجه النسائى بسند جيد فى العلم من كتاب السنن " . (الإصابة 4 / 208 ، وذكره فى التهذيب 12 / 266 ) وأخرجه الحاكم فى المستدرك ( 3 / 508 ) وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ولكن الحاكم رواه عن طريق حماد بن شعيب ، فتعقبه الذهبى وقال : قلت : حماد ضعيف . وفى سير أعلام النبلاء ( 2 / 600 ) ذكر هذا الخبر وقال : " أخرجه   الحاكم ، لكن حماد ضعيف " .
      وفى موضع آخر من السير ( 2 / 616 ) ذكر الخبر بإسناد آخر ، فيه الفضل بن العلاء بدلاً من حماد ، ثم قال : " تفرد به الفضل بن العلاء ، وهو صدوق " . وفى موضع ثالث ( 2 / 68 ) قال الذهبى : " وفى سنن النسائى أن أبا هريرة دعا لنفسه : اللهم إنى أسألك علماً لا ينسى . فقال النبى صلى الله عليه وسلم . آمين " .

شهادة ابن عمر :

      وابن عمر رضى الله تعالى عنهما بين حفظ أبى هريرة وعلمه وفضله ، أما الذين ذكروا أنه كذبه وسخر منه فقد وقعوا فى خطأ جسيم ، حيث أخذوا من الأخبار ما يشتهون وتركوا منها ما يثبت ما لا يريدون .
      ولننظر مثلاً إلى هذا الخبر الصحيح عن ابن عمر نفسه ، فإنه : مر بأبى هريرة وهو يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط ، فإن شهد دفنها فله قيراطان ، القيراط أعظم من أحد . فقال له ابن عمر : أبا هر ، انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !!
     فقام إليه أبو هريرة ، حتى انطلق به إلى عائشة ، فقال لها : يا أم المؤمنين ، أنشدك بالله ، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تبع جنازة فصلى عليها فله   قيراط ، فإن شهد دفنها فله قيراطان ؟ فقالت : اللهم نعم . فقال أبو هريرة : إنه لم يكن يشغلنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودى ولا صفق بالأسواق ، إنى إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها ، وأكلة يطعمنيها .
      فقال له ابن عمر : أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلمنا بحديثه ".
      ( انظر الخبر ، وبيان الشيخ شاكر لصحة إسناده ، فى المسند للإمام أحمد ج 6 ص 213 ، حديث رقم 4453 ط دار المعارف ) .
      والخبر انتهى بشهادة ابن عمر ، ولكن الطاعنين يذكرون الجزء الأول فقط !! أما غيرهم فإما أن يذكر الخبر كاملاً ، أو يكتفى بذكر الشهادة ، فهى المقصود من إيراد الخبر .
      فالحاكم يذكر الخبر كاملاً فى المستدرك ( 3 / 510 ـ 511 ) ، ويقول : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
      والذهبى فى تلخيص المستدرك يكتفى بشهادة ابن عمر ، ويعقب بقوله :      " صحيح " وفى سير أعلام النبلاء ، يذكر الخبر بتمامه ، ويقول : رواته ثقات     ( 2 / 617 ) . وفى موضع آخر ( 2 / 629 ) يذكر الشهادة وحدها . ويضيف ابن حجر شهادة أخرى ، وهى قول ابن عمر : " أبو هريرة خير منى وأعلم بما   يحدث " . ( الإصابة 4 / 208 ، وتهذيب التهذيب 12 / 267 ) . وذكر أيضاً أن ابن عمر قال : " أكثر أبو هريرة . فقيل لابن عمر : هل تنكر شيئاً مما يقول ؟ قال : لا ، ولكنه اجترأ وجبنا . فبلغ ذلك أبا هريرة فقال : ما ذنبى إن كنت حفظت ونسوا " . ( انظر الإصابة 4 / 209 ) .

حفظ ونسوا

      ومراجعة بعض الصحابة الكرام لأبى هريرة يرجع فى الغالب الأعم إلى حفظ أبى هريرة ونسيان غيره ؛ فحفظه من معجزات النبوة كما رأينا ، ويرجع إلى أنه سمع ما لم يسمعوه .
      روى الحاكم بسنده عن محمد بن عمرو بن حزم : أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة ، يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينكره بعضهم ، ويعرفه البعض ، حتى فعل ذلك مراراً ، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .ولم يعقب الذهبى على هذا الخبر . ( انظر المستدرك 3 / 511 ) .
ولكن الذهبى فى سير أعلام النبلاء ( 2 / 617 ) ذكر الخبر وقال : رواه البخارى فى تاريخه ، وهو عن محمد بن عمارة بن حزم الأنصارى ، وفيه : " أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة ، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، بضعة عشر رجلاً ، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبى صلى الله عليه وسلم بالحديث ، فلا يعرفه بعضهم ، ثم يتراجعون فيه ، فيعرفه بعضهم ، ثم يحدثهم بالحديث ، فلا يعرفه بعضهم ، ثم يعرفه ، حتى فعل ذلك مراراً قال : فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
      وروى الترمذى والحاكم أن طلحة رضى الله تعالى عنه سئل عن كثرة أحاديث أبى هريرة فقال :
      " والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم . إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوتات وأهلون ، وكنا نأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفى النهار ثم نرجع ، وكان هو مسكيناً لا مال له ولا أهل ، وإنما كانت يده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدور معه حيثما دار ، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع " .
      وهذا الخبر ذكره أيضاً البخارى فى التاريخ وأبو يعلى ( انظر تحفة الأحوذى 4 / 353 ) والذهبى فى السير ( 2 / 605 ، 606 ، وفى حاشية 606 بيان لصحة الإسناد ) وابن كثير فى البداية والنهاية ( 8 / 109 ) ، وابن حجر فى أكثر من كتاب ، وزاد فى الإصابة ( 4 / 209 ) قول طلحة : " قد سمعنا كما سمع ، ولكنه حفظ ونسينا " . وقال ابن كثير فى البداية والنهاية ( 8 / 109 ) : " قال شعبة ، عن أشعث بن سليم ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة ، فقيل له : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحدث عن أبى    هريرة ؟ ! فقال : إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع ، وإنى إن أحدث عنه أحب إلى من أحدث عن رسول صلى الله عليه وسلم يعنى ما لم أسمعه منه " . والخبر أخرجه الحاكم فى المستدرك ( 3 / 512 ) ، وذكره الذهبى فى السير ( 2 / 606 ) . وقال ابن حجر فى الإصابة ( 4 / 205 ) : قال وكيع فى نسخته : حدثنا الأعمش عن أبى صالح قال : كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرجه البغوى من رواية أبى بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ : ما كان أفضلهم ولكنه كان أحفظ . ( وانظر المستدرك 3 / 509 ، سير أعلام النبلاء 2 / 597 ) وابن حجر بعد أن ذكر عدة أخبار تبين حفظ وفضل هذا الصحابى الجليل ، قال : والأخبار فى ذلك كثيرة ( الإصابة 4 / 208 ) .
      وابن كثير ذكر قول أبى صالح بلفظ : " كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم يكن بأفضلهم " . ( البداية 8 / 106 ) . وفى موضع سابق ( 8 / 104 )  قال ابن كثير : " قد لزم أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه فلم يفارقه فى حضر ولا   سفر ، وكان أحرص شىء على سماع الحديث منه وتفقه عنه ، وكان يلزمه على شبع بطنه " .  ثم ذكر حديثاً رواه الإمام أحمد وفيه :   " قلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين ، فقال : اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين ، وحببهم إليهما ، قال أبو هريرة : فما خلق الله من مؤمن يسمع بى ولا يرانى أو يرى أمى إلا وهو يحبنى " .
      ثم عقب الحافظ ابن كثير على هذا الحديث بقوله :
          وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه . وهذا الحديث من دلائل النبوة ، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس . قد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة والإمام على المنبر ، وهذا من تقدير الله العزيز العليم ، ومحبة الناس له رضى الله عنه .

  من أسباب كثرة مروياته  :

     وهكذا نرى أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قد بورك في الفترة الزمنية القصيرة التي شرف فيها بصحبة خير البشر صلى الله عليه وسلم ، وإلى جانب هذا فقد بارك الله سبحانه وتعالى له في باقى عمره في الإسلام حيث استطاع أن يعوض كثيراً مما فاته ، فلم يكتف بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عن كبار الصحابة الذين أدركهم مثل : أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وأبى بن كعب - أستاذ مدرسة التفسير بالمدينة في عصر التابعين - وأسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة ، وغيرهم من الصحابة الكرام البررة رضى الله تعالى عنهم ، وكان هذا من أسباب كثرة مروياته ، حيث امتد عمره بعد عصر النبوة ، واحتاج الناس إلى علمه .

أما الذين رووا عنه فما أكثرهم !!!

 قال الإمام البخارى : روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم . ( سير أعلام النبلاء 2/ 568 ، والبداية والنهاية 8 /103 ، والاستيعاب 4 /209 ، والإصابة 4 /205 ، وأضاف ابن حجر : وكان أحفظ من روى في عصره ) .
ترى : أيمكن أن يروى عنه مثل هذا العدد ، وأن يثقوا به ويلجأوا إليه ما لم يجدوا عنده العلم الصحيح النافع . والكلم الطيب الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وليس هذا فحسب ، فإنه وجد في عصر لم يشع فيه التدوين ، وقل من دون السنة  الشريفة ، ومع هذا بالبحث نجد أن عشرة قد دوَّنوا بعض ما سمعوا منه ، وأول صحيفة كاملة وصلتنا هي صحيفة همام بن منبه كتبها عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه .( انظر من كتب عنه في ص 97 : 99 من كتاب الدكتور محمد الأعظمى : دراسات في الحديث النبوى ) .
     ونتيجة لهذا الاهتمام المشكور بالرواية عن هذا الصحابى الجليل وصلنا من الأخبار التي رويت عنه (5374) ، روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من هذه الأخبار (3848) ، واتفق الشيخان على (325) ، وانفرد الإمام البخارى بثلاثة وتسعين ، والإمام مسلم بتسعة وثمانين ومائة.
     وهذه الروايات التي زادت على خمسة آلاف إنما هي بالمكرر ، وذكر الدكتور الأعظمى في كتابه : أبو هريرة في ضوء مروياته ( ص76) بأن أحاديثه في المسند والكتب الستة هي 1336 حديثاً فقط ، وذلك بعد حذف الأسانيد المتكررة .
     وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه في أقل من عام ، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة .
     والفرق بينهما أن الطالب يبذل مجهوداً ليحفظ ، ثم من طبيعته النسيان ، أما الإعجاز فظهر في الحفظ بالسماع وعدم النسيان .

    من شهادات الأئمة

     أحب أن أختم هذه الكلمة الموجزة بذكر شئ من أقوال بعض الأئمـة والحفاظ:
       قال الإمام الشافعى فى الرسالة ( ص 281 ) :  " أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره " .
      وقال الحاكم فى مستدركه ( 3 / 512 ) :  " قد تحريت الابتداء من فضائل أبى هريرة رضى الله عنه ؛ لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك ، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته ، إن هو أولهم ، وأحقهم باسم الحفظ " .
     ثم قال : وفى الصفحة التالية ذكر اسماء الصحابة الذين رووا عنه ، وعددهم ثمانية وعشرون ، منهم : زيد بن ثابت ، وأبو أيوب الأنصارى ، وأبى بن كعب ، وغيرهم من أكابر الصحابة رضى الله عنهم .

      وقال بعد ذكرهم

      " فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبى هريرة ، وذكرهم فى هذا الموضع يطول لكثرتهم ، والله يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين ، والصحابة المنتخبين ، وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، رضى الله عنهم أجمعين ، فى أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبى هريرة رضى الله عنه " .

      وقال الذهبى فى سير أعلام النبلاء

      " كان حفظ أبى هريرة الخارق من معجزات النبوة " . ( 2 / 594 ) " احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه " ( 2 / 609 ) " إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم وأدائه بحروفه." ( 2 / 619 ) 
      " قد كان أبو هريرة وثيق الحفظ ، ما علمنا أنه أخطأ فى حديث " . ( 2 / 621 )
      "  فهو رأس فى القرآن ، وفى السنة ، وفى الفقه "  . ( 2 / 627 )

      وقال ابن كثير فى البداية والنهاية ( 8 / 110 )

      " قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم " .
 

خاتمـــــــة

      هذا هو أبو هريرة وعاء العلم ، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصحابة والتابعين ، والأئمة الأعلام الهداة المهديين ، ويأخذ بقول الضالين المضلين ؟ !
      هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول :
      " وقد لهج أعداء السنة ، أعداء الإسلام ، فى عصرنا ، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة ، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته . وما إلى ذلك أرادوا ، وإنما أرادوا أن يصلوا ـ زعموا ـ إلى تشكيك الناس فى الإسلام ، تبعاً لسادتهم المبشرين . وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن ، أو الأخذ بما صح من الحديث ـ فى رأيهم ، وما صح من الحديث فى رأيهم إلا ما وافق أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوربة وشرائعها . ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن ، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن ، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون !!
      وما كانوا فى أول من حارب الإسلام من هذا الباب ، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً . والإسلام يسير فى طريقه قدماً ، وهم يصيحون ما شاءوا ، لا يكاد الإسلام يسمعهم ، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم ، وإما يدمرهم تدميراً .
      ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون ، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون ! بفرق واحد فقط : أن أولئك الأقدمين ، زائغين كانوا أم ملحدين ، كانوا علماء مطلعين ، أكثرهم ممن أضله الله على علم !!
      أما هؤلاء المعاصرون ، فليس إلا الجهل والجرأة ، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها ، يقلدون فى الكفر ، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم !! " ا . هـ . ( المسند للإمام أحمد بشرحه 12 / 84 ـ 85 )
    رحم الله تعالى أبا هريرة جزاء ما قدم للإسلام وأهله وجعلنا من محبيه ، وجمعنا معه فى واسع جنته .                 

هذا الصوت نعرفه

      هذا الكاتب لم يكتف بما جنته يداه ، وما سطره فى كتابه من كفر صريح ، بل استمر فى غيه وضلاله ، وركز هجومه على أحكام الله تعالى التى شرعها لعباده ورضيها لهم بنص كتابه المجيد . فسخر من آيات الله عزوجل ، وما جاءت به من أحكام ، كجعل شهادة الرجل كشهادة امرأتين .
      والذين تصدوا لبيان ضلال الكاتب منهم من ذكر اسمه متأذياً ، ومنهم من رأى ألا يذكر اسم اللعين .
      وقد اعجبتنى كلمة الأستاذ ثروت أباظة تحت عنوان :
      " هذا الصوت نعرفه " ، وأحب أن أختم الموضوع بذكر شىء منها .
      بدأ الأستاذ كلمته بقوله :
      تصبح الشهرة عند بعض الناس نشيدة حياه ، وأملاً يتخطفهم الموت فى سبيلها ، ويبذلون من أجل رنينها كل ما يشرف الإنسان أن يتحلى به ، حتى إذا أعيتهم الوسائل ، ووقفت دون مقاصدهم العراقيل ، بذلوا دينهم وإيمانهم ، وأعلنوا إلحادهم مجاهرين به غير مخافتين .. صارخين به غير هامسين ، يحدوهم الأمل الحقير أن يعود عليهم الكفر بما لم يدركوه فى ستار الإيمان .
      ولقد نعرف بعض هؤلاء اليوم ، ولقد عرفنا أشباهاً لهم من قبل . ومنهم من عاصرناه . ومنهم من أكرمنا الله بعدم رؤيته ، أو العيش معه فى زمن واحد .
      وربما لا يكون هؤلاء الملحدون شيوعيين . فالقاعدة المنطقية تقول : إن كل شيوعى ملحد وليس كل ملحد شيوعياً . فقد يكون الملحد إذن غير شيوعى ، بل قد يكون رأسمالياً متطرفاً . ولكنه يظل مع ذلك ملحداً كافراً زنديقاً .
      وقد يصيب الملحد بإلحاده نصيباً من الشهرة ، ولكنه ينسى أن الشهرة ليست فى ذاتها نوعاً من الشرف ، بل قد تكون لوناً من حقارة الشأن وتفاهة الفكر وهوان الشأن .
      إن نوع الشهرة هو الذى يدعو الجمهور إلى احترام الشهير وليست الشهرة فى ذاتها ..
      فالناس لا تحترم القاتل الشهير ولا اللص الحقير مهما يكن بعيد الصيت .. ولا المرتشى الوضيع مهما يكن ذا منصب خطير . ونصيب الملحد ذى الشهرة أن يدوسه الناس بالأقدام ، ويرجموه بالحجارة …     …
ثم قال :
      ومن هؤلاء من أدرك أن الهجوم على العباد مهما يكونوا أعلاماً خفاقة لن يصل بهم إلى الشهرة التى بها يحلمون وبمجدها يهيمون ، فقالوا وما لنا لا نهاجم الدين نفسه ونعلن عدم إيماننا بكلام الله وهو الله ؟ فما دامت مهاجمة الكتاب لم تأت لنا إلا بالشهرة المؤقته فلابد أن مهاجمة كلام الله ستأتى لنا بالشهرة الثابتة !
      وظهرت كتب ملحدة صريحة فى إلحادها ، وثار بها الناس وأصاب أصحابها الشهرة ، ولكنها كانت شهرة نجسة بخيسة مرغت أسماءهم فى الدنس أياماً ثم زالت عنهم الشهرة وبقى لهم الدنس .
      وتعلم الملحدون ألا يعلنوا إلحادهم ، واستفادوا من الدرس الذى رأوه رأى العين فيمن سبقهم ..    ..
ثم قال :
      ولكن رأينا فى الزمن الأخير بعض من لا نذكره ، ومن يعف القلم عن أن يخط حروف اسمه ، يعلن إلحاده فى وقاحة نعرفها لسابقيه فى الإلحاد .
      وانتقل الأستاذ ثروت أباظة بعد هذا لما أثاره هذا الكاتب فقال :
      والقضية التى ساقها هذا الملحد ليعلن بها عن إلحاده قضية متهاوية لا تحتمل أى نقاش . فالأمر فيها واضح غاية الوضوح ، وقد شرحها الله تعالى بمحكم آياته…
      ولكنه الملحد الجاهل يهاجم النص القرآنى فى جهالة رعناء ساذجة سذاجة ينفر منها الأطفال . ولو أننا قبلنا أن نناقش القضية لعقدنا مقارنة لا تنعقد بين كلام الله ـ وهو الله ـ وبين رأى فطير حقير لا يجوز له أن يذكر أو يناقش .
      وقد نسى هذا الجاهل فى حمأة جنونه بالشهرة أن هذا القرآن مر بألف وأربعمائة عام وتزيد ، وحفظه مئات الملايين ، وناقشه الأئمة الهداة .. وناقشه أيضاً الملحدون الباحثون عن الشهرة وتهجموا على قدسيته ، فإذا بالقرآن الكريم يقف شامخاً سابقاً ميسوراً على الهداة ، متأنياً إباء الجبال الشم على الملحدين الزنادقة ، لم يستطيعوا أن يهزوا حرفاً من حروفه بتشكيك ، أو يهزوا كلمة من محكم كلامه لأى أثر من حيرة .
      ومن هؤلاء الذين قرأوا القرآن علماء فى شتى ألوان العلوم : منهم علماء فى اللغة ومنهم علماء فى الفقه .. ومنهم علماء فى المنطق ، ومنهم علماء فى علم الكلام ، ومنهم من ولى القضاء ، ومنهم رجال الشرع .. وهيهات أن يحيط بالباحثين فى كتاب الله تحديد .. إنه معروض على الأزمان وعلماء هذه الأزمان على مدى ألف وأربعمائة عام .
      أولم يقدر هذا الملحد الجديد أن الذى عرض له تعرض لملايين البحوث ، ولم يقل واحد منهم بما قال ، لهوان ما قال وضآلته أن يثبت لتفكير على قدر ضئيل من الاستقامة .
      ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم هذا علم يقين .. ومهما يكن مقدار جهلك فأنت تعلم مقدار سخافة الرأى الذى سقته .. وأنت لا شك تقدر مدى الغضب الذى أثرته فى نفوس المسلمين كافة بما تقول .. وأنت أيضاً لا شك أردت أن تثير هذا الغضب بأمل منك سقيم أن تنال به ما تهفو إليه نفسك المريضة الساقطة من   شهرة .. وقسماً لن أنيلك ما تصبو إليه من الشهرة المريضة وأنا أكتب هذا الحديث متوجهاً إلى علمائنا الأفاضل ألا يحاول أحد منهم أن يجعل منك صاحب رأى فيناقشه ، فما تبقى أنت إلا أن يناقشك كرام الفقهاء وينزلوا بك سخطهم لتنال به شهرتك .
      وقد تفضل عالم جليل وتنازل وتناول رأيك بالتفنيد دون أن يذكر اسمك أو اسم مجلتك الحمراء الرعناء . وإنى أرى أنك أهون من هذا الذى فعل الشيخ  الجليل . وعلى كل حال فحسبك هذا النقاش بل هو فوق الحسب .. وإنى أكاد أثق أن الفقهاء لن يذكروك بعد ذلك أبداً فإنهم ـ لا شك ـ أدركوا مقصدك ، وإنهم من الذكاء واللماحية بحيث يجعلونك تعود من جولتك الملحدة بالخيبة وسوء المآب ([250]).
      ولا شك أنك تعلم أن مثلك لا غفران له عند الله ، فقد أشركت وما لمشرك غفران ، ولو لم تنل إلا بعدك عن رحمة لكان هذا فى ذاته أوفى عقاب لو كنت تملك من العقل صبابة .. ولكن من أين لك بها ؟ ! وهل لمن يقدم على ما أقدمت عليه أى نصيب من عقل أو إحساس أو منطق أو فكر أو خلق ؟
      لقد صدمت الشعور العام لكل المسلمين ، ولو أنك فعلت هذا وقلت شيئاً يستحق النقاش لقلنا ملحد ولكنه يحاول أن يفكر ، أما أن تصنع هذا من أجل الشهرة وحدها بعد أن أخطأتها في كل ميدان سعيت إليها فيه فتلك إذن كبرى الكبائر .. وليكونن عقابك في الدنيا خزياً وفى الآخرة ناراً لا تموت فيها ولا تحيا .
    ربنا سبحانك وتعاليت وتقدست أسماؤك ... وما هم إلا عبادك وأنت وحدك تعلم الكافر منهم ، وتعلم من اهتدى ... وأنت العدل المطلق القاهر على العباد الواحد القيوم الحق ... سبحانك لا تحاسبنا بما أتى السفهاء منا ، فإنهم يا الله لا يعلمون ... وأنت وحدك سبحانك من يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ... تعاليت..  
موقع فيصل نور 
 
 



 ([1]) نقلت ما سبق من مقدمة الإمام الشافعي لكتابه " الرسالة "  .
 ([2]) الآية : 106 .
 ([3]) 196 : سورة البقرة .
 ([4]) الرسالة للإمام الشافعى : ص 33 .
 ([5]) انظر الروايتين وبيان الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد في الرسالة ص 89 : 91 .
 ([6]) راجع الخطبة في السيرة النبوية لابن اسحاق التي جمعها ابن هشام 4 / 603  604 والحديث رواه الإمام مالك  في الموطأ مرسلا ووصله ابن عبدالبر (انظر تنوير الحوالك 2 / 208 ) ورواه الحاكم عن ابن عباس وعن أبى هريرة وبين صحة الحديث ووافقه الذهبى (انظر المستدرك وتلخيصه 1 / 93 ) .
 ([7]) انظر قواعد التحديث للقاسمى ما روى أن الحديث من الوحى  ص 59 وراجع حكم مراسيل أبى داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه ص 24  25 ، 32 .
 ([8]) سنن الدارمى 1 / 117 .
     وهذه الروية من المراسيل عن حسان أيضاً ، وهو ثقة . قال خالد بن نزار : قلت   للأوزاعى : حسان بن عطية عن من قال ؟ فقال لى : مثل حسان كنا نقول له : عن من ؟       ( انظر تهذيب التهذيب 2 / 251 ) .
     والحديث ذكره السيوطى في كتابه مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة  ص 31 وقال : أخرجه البيهقى بسنده عن حسان بن عطية وأخرجه الدارمى .*
   *وفى الحاشية أضاف المعلق : نعيم بن حماد في زوائده ، وابن نصر في السنة ، والخطيب في الفقيه والمتفقة ، وفى الكفاية ، وابن عبدالبر في الجامع وغيرهم . ثم قال : وإسناده صحيح  .
 ([9]) انظر الرسالة ص 422 : 426 ، واقرأ في الحاشية تعليق الشيخ أحمد شاكر وتخريجه للروايات .
 ([10]) انظر الأدب المفرد 2 / 433 ، باب المعانقة . ورواه الحاكم في المستدرك                   ( 4 / 574 – 575 ) ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبى على التصحيح .
 ([11]) راجع بيان عدم صحة باقي الأحاديث التي تنهى عن كتابة العلم في كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور محمد مصطفى الأعظمى ، ص 76 ، وما بعدها .
 ([12]) انظر 2 / 252 حديث رقم 1861 ، وتعليق الشيخ الألباني ، والحافظ المنذرى ذكره في كتاب العلم لا الزهد ، واختلف اسم الباب أيضاً . 
 ([13]) انظر الأحاديث من رقم 315 إلى 319 ، وتخريجها ص 364 : 365 .
 ([14]) المسند ـ بشرح الشيخ شاكر جـ 10 ، رواية رقم 6510 ، وفى الحاشية بيان صحتها .
  (2) ، (3) ، (4) حـ 11 ، وأرقام الروايات هي : 6802 ، 6930 ، 7020 ، وفى الحاشية بين الشيخ شاكر صحة هذه الروايات .
  
([18]) اختصر الإمام النووى كتاب ابن الصلاح فى كتابه " الإرشاد " ثم اختصره فى " التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير والنذير " وهو الذى شرحه السيوطى فى كتابه " تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى " . وفى الجزء الثانى من كتاب السيوطى ( ص 64 ) بدأ الحديث عن كتابة الحديث وضبطه ، وفى شرحه فصل القول فى اختلاف السلف من الصحابة والتابعين ، والجمع بين حديث النهى والأحاديث الأخرى . ( انظر كتابه إلى ص 68 ) . 
 ([19]) انظر كتابه " مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة " وانظر صور كتب النبي . في الطبعة الخامسة ص 102 ، 108 ، 123 ، 137 ، 141 ، 147 ، 162 ،  225 .  
     وانظر كذلك : ما جمعه من كتب في عهد الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم .
 ([20]) انظر ص 95 رقم 6 .
 ([21]) انظر ص 96 رقم 8 .
 ([22]) انظر ص 108 رقم 22 .
 ([23]) انظر ص 125 رقم 39 .
 ([24]) راجع ما كتبه بالتفصل ص 131 : 139 .
 ([25]) صحيح مسلم 1 / 72 . وقال النووى : أبو الزناد اسمه عبدالله بن ذكوان ، وكان الثورى يسميه : أمير المؤمنين في الحديث  .
 ([26]) انظر ص 79 .
 ([27]) سورة يوسف : الآية 80 .
 ([28]) انظر الأخبار المتصلة بجابر في صحيح مسلم 1 / 85  87 . ووفاته كانت سنة 128 هجرية في عصر الإمام الصادق ، والأخبار التي وضعها افتراء على الأئمة لا تذكر أسماء من يأتى بعده ، ولذلك ذكر عليا في السحاب ، ولم يذكر اسم من يخرج من ولده ، أما الذين وضعوا الروايات بعد إمامهم الثانى عشر في النصف الثانى من القرن الثالث وما بعدها فإنهم ذكروا* *خروجه . وللرجعة معنى آخر أيضاً عند الشيعة كما سبق بيانه في الفصل الخامس من الجزء الأول .
 ([29]) ذكرت ما يتصل بجابر لنقارن بين ما قاله الأئمة الأعلام من طعن فيه وبيان لأكاذيبه ، وبين ما يقوله الشيعة الاثنا عشرية :
   فهم يعتبرونه من اصحاب الأصول الأربعمائة التي نتحدث عنها في القسم الثانى ، وجاء في ترجمته عندهم ما يأتى:
      وثقه بن الغضايرى وغيره ، وروى الكشى وغيره أحاديث كثيرة تدل على مدحه وتوثيقه وروى فيه ذم يأتى ما يصلح جوابا عنه في زرارة ، وضعفه بعض علمائنا ، والأرجح توثيقه . وقال الشيخ : له أصل ، وروى أنه روى سبعين ألف حديث عن الباقر ، وروى مائة وأربعين ألف حديث ، والظاهر أنه ما روى أحد بطريق المشافهة عن الأئمة أكثر مما روى جابر ، فيكون عظيم المنزلة عندهم لقولهم : اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا ( وسائل الشيعة : 20 / 151 ) .
      وترجمة زرارة بن أعين التي أشار إليها صاحب الوسائل هنا جاء فيها ما يأتى : ... وروى أحاديث في ذمه ينبغى حملها على التقية ، بل يتعين ،وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاء الإمامية بعد تحقق المدح من الأئمة ( وسائل الشيعة ك 20 / 196 ) . وجاء في حاشية الوسائل ( 19 / 338 ) . جابر بن يزيد الجعفى من أصحاب الإمامين الباقر والصادق ، تابعى روى عنهما ، مات أيام الصادق سنة 128 هجرية ، له كتب وأصل ، وروى أن الصادق ترحم عليه ، وقال : إنه كان يصدق علينا ، وكان باب الإمام الباقر ، وفيه أحاديث كثيرة رواها الكشى وغيره تدل على مدحه وعظيم شأنه .
 
 ([30]) انظر مقدمة صحيح مسلم ص 105 .
 ([31]) التلاوة ] وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [ النساء : 115 .
  ([32]) راجع حديثه عن النظام ، ومناقشته له في ص 17 : 42 . 
  ([33])  ذكر الإمام الشافعى في رسالته ، تحت باب العلل في الأحاديث ، قول قائل : أفتجد : حجة على من روى النبي r قال : " ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله " ؟
      وأجاب : " فقلت له : ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر ، فيقال لنا : قد ثبتم حديث من روى هذا فى شئ " ( الرسالة : 224 ـ 225 ) .
      وقال السخاوى في تخريج الحديث : قال الدار قطنى : إن أشعث تفرد به . انتهى .
      وهو شديد الضعف ، والحديث منكر جداً ، استنكره العقيلى وقال : إنه ليس له إسناد   يصح . ( المقاصد الحسنة 1 / 36 ) .
      وذكر العجلونى قول السخاوى ، وقال : قال الصغائى : هو موضوع ( انظر كشف الخفاء 1 / 86 ) .
       وقال ابن حزم في رواية لحديث عرض السنة على القرآن : رواه الحسين بن عبدالله ، وهو ساقط متهم بالزندقة ( الأحكام : المجلد الأول ص 250 ) . وفى رواية أخرى رواها أشعث قال : أشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه (252 ) وتتبع الروايات المختلفة للحديث ،*
  * وبين سبب رفضه لها ، ثم قال : أول ما نعرض على القرآن الحديث الذى ذكرتموه ، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه ، قال الله تعالى : ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا   [ ،  وقال تعالى : ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  [ ، وقال تعالى : ] لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمـا .
     ونسأل قائل هذا القول الفاسد : في أى قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات ؟ وأن المغرب ثلاث ركعات…….…..… إلخ ص (252 ـ 253)  ، ثم قال ابن حزم " ولو أن امرأ قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة ، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل ، وأخرى عند الفجر ، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ، ولا حد للأكثر في ذلك ، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال ، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم " . ( ص 253 ـ 254 من الإحكام المجلد الأول).
    وقال الشيخ شاكر في تخريج الحديث : هذا المعنى لم يرد فيه صحيح ولا حسن ، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة ، كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف حتى لايصلح شئ منها للاحتجاج أو الاستشهاد . ثم أفاض في بيانه -– انظر حاشية ص 224 –- 225 من الرسالة .
  ([35])  انظر الكتاب المذكور : ص 11  12 .
  ([36] بين هذا الاتجاه مفصلا الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا في إحدى محاضرات رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر لعام 1405 هـ .
   ([37] اقرأ هذا القول المنسوب لأمير المؤمنين في الفصل السادس ص 154 ، 155 واقرأ في الرواية ذاتها : " إن عندنا علم ما كان ، وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة   وما يحدث بالليل والنهار ، الأمر من بعد الأمر ، والشىء بعد الشىء إلى يوم القيامة " ومعلوم أن الإمام علياً  رضى الله عنه  لم يختص بعلم دون سائر الأمة ولا ادعى هذا لنفسه فضلا عن أن يزعم  أنه يعلم ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى . ولكن إذا وجد من أله عليا ، فليس بمستغرب أن يوجد من ينسب هذا العلم له . 
 ([38])  أصول الفقه لمحمد رضا المظفر 3 /51 52 . وانظر : الأصول العامة للفقه المقارن ص 122 ، واقرأ فيه كذلك : سنة أهل البيت ص 145 وما بعدها ، وراجع تجريد الأصول ص   47 ، وضياء الدراية ص 14 .
   ([39])   تنقيح المقال في أحوال الرجال ص 183 .
  ([40])  انظر ضياء الدراية : ص23 . 
  ([41])   المرجع السابق : ص 17 .
  ([42])   انظر حاشية الصفحة السابقة من نفس المرجع .
  ([43])  انظر الأصول العامة للفقه المقارن : ص 196 .
  ([44])  مقباس الهداية في علم الدراية ص 33 ، وضياء الدراية ص 21  .
  ([45])  انظر الموضع السابق من مقباس الهداية .
   ([46])  تهذيب الوصول إلى علم الأصول ص 77 - 78 .
  ([47])  هو صاحب كتاب تنقيح المقال في علم الرجال ، وكتاب مقباس الهداية في علم الدراية وله مكانته عند الجعفرية وعلى الأخص في هذا المجال ، والنقل من كتابه الأول ص 207  .
  ([48] 6  : الحجرات .
  ([49])  مقباس الهداية : ص 34 ، ضياء الدراية : ص23 .
  ([50])  أنظر في ألفاظ الذم والقدح ، والمذاهب الفاسدة في نظر الجعفرية : ضياء الدراية :    ص 50 : 53 .
  ([51])  مقباس الهداية : ص 35 ، وراجع ضياء الدراية : 24 -25 .
  ([52])  حاشية 24 .
  ([53])  قد جرى على ألسنة أهل الفن وصف بعض الرجال بكونه شيخ الإجازة وآخر بأنه شيخ الرواية ، وفرق صاحب التكملة بينهما بأن الأول من ليس له كتاب يروى ولا رواية تنقل ، بل يجيز برواية كتاب غيره ، ويذكر في السند لمجرد اتصال السند قال : فلو كان ضعيفاً لم يضر ضعفه . والثانى : هو من تؤخذ الرواية منه ويكون في الأغلب صاحب كتاب بحيث يكون هو أحد من تستند إليه الرواية وهذا تضر جهالته في الرواية وتشترط في قبولها عدالته ، وانظر كذلك ضياء الدراية ص 57 : 59 .
  ([54])  انظر : تنقيح المقال : ص 210 ـ 211 .
  ([55])  مقباس الهداية : 35 ، وراجع ضياء الدراية : ص 25 .
  ([56])  وجدنا من شيعة اليوم من يرى النظر إلى ذوات الرواة لا إلى مذاهبهم ولكنهم لما يغيروا شيئاً . نسأل الله تعالى أن يوفقهم للعمل بما ينفع الإسلام والمسلمين .
  ([57]) 60 : النساء .
   ([58]) يقصد الباقر والصادق .
  ([59])  الكافى 1 / 67 - 68 .
  ([60])  أصول الفقه للمظفر : 3 / 217 ويعنى بالمشايخ الثلاثة أصحاب كتب الحديث عندهم  وهم : الكلينى والصدوق والطوسى  .
   ([61])   المرجع السابق : 3 / 219 .
   ([62])   نفس المرجع  : 3 /223 .
     وقال السيد حسين الموسوى : لو فرضنا أن الحق كان مع العامة في مسألة ماذا يجب علينا أن نأخذ بخلاف قولهم ؟
أجابني السيد محمد باقر الصدر مرة فقال : فنعم يجب الأخذ بخلاف قولهم ، لأن الأخذ بخلاف قولهم . وإن كان خطأ فهو أهون من موافقتهم ، على افتراض وجود الحق عندهم في تلك  المسألة . " كشف الأسرار ص 92 " .  
   ([63])  فوائد الأصول : 4 / 291 وقال المظفر بعد حديث عن المفاضلة بين المرجحات :   " والنتيجة أنه لا قاعدة هناك تقتضي  تقديم أحد المرجحات على الآخر ، ما عدا الشهرة التي دلت المقبولة على تقديمها  "   ( أصول الفقه 3 /227 )  .
   ([64])  ص 227 من الكتاب المذكور وهو ينقل هذا عن ضال مثله ثم أخذ يؤيده ، راجع ما ذكرناه عن هذا الكتاب في الجزء السابق .
  ([65])  الحاشية على الكفاية 2 / 203  .
  ([66]) فوائد الأصول 4 / 293  .
  ([67]الحاشية على الكفاية 2 / 190 .
  ([68]) المرجع السابق 2 /193  .
  ([69]) الكافى 1 /65 ، على أنا نرى عدم صدور هذا من سيدنا الباقر رضى الله تعالى عنه ، فمتن الرواية يعنى أنه يفتى بغير دليل من كتاب أو سنة بل يتعمد المخالفة والتضليل فى أحكام الله تعالى : فهذه الرواية كأختها المقبولة المرفوضة .
  ([70])  ص 8 .
  ([71] ص 19 .
  ([72])  ص 20 .
  ([73])  دراسات في الكافى للكلينى والصحيح للبخاري لهاشم معروف الحسنى ص 43 .
  ([74]) المرجع السابق : ص 126 والأصول الأربعمائة يراد بها ما اشتمل على كلام الأئمة ، أو روى عنهم بلا واسطة كما يعتقد الجعفرية ، ويعتقدون كذلك أن ما في هذا الأصول قد جمع في الكتب الأربعة المعتمدة عندهم . ( انظر ضياء الدراية الباب العاشر ص 71 وما بعدها وص  86 ، وراجع الفصل الأول من هذا القسم )   .
  ([75])  في ضياء الدراية : قد يقال للموثق (القوى ) لقوة الظن بجانبه بسبب توثيقه ، قال المامقانى : وهو وإن كان صحيحاً لغة ولكنه خلاف الاصطلاح . ونقل عن غيره أن القوى هوالمروى الإمامي غير الممدوح ولا المذموم . وعرفه غير أحد من المتأخرين ، بأنه ما خرج عن الأقسام المذكورة ولم يدخل في الضعيف . ثم قال :
 وكيف ما كان عده الأكثر من أقسام الموثق ، وبعضهم جعله أصلاً مستقلاً ( انظر ص 25) .
  ([76])  ويبقى ثمانية وستون بغير ذكر ؟
  ([77]) دراسات في الكافى : ص 129  130 وراجع ما كتب آنفاً عن الترجيح وعلى الأخص مخالفة العامة التي لم يشر لها هنا .
  ([78] مقدمة الروضة ص 9  .
  ([79] راجع الجز ءالثانى من هذا الكتاب  .
  ([80])  الآية الكريمة نصها : ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [  ( 52 : الحج ) وحرفها الكلينى ليصل إلى أن الإمام مرسل يوحى إليه .      
  ([81])  انظر ص 177 .
  ([82])  ومعنى هذا أن إمامهم الثانى عشر يقوم بهذا الدور الآن . 
   ([83])  ص 180 .
  ([84])  ص 181 .
   ([85])  ص 187 ، وانظر الباب : ص 185: 190.
  ([86]) التغابن : 8 .
  ([87]) النور : 35 .
  ([88]) يقصد الكلينى بالأول والثاني والثالث الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم ، وفى الآية التى ذكرها من سورة النور " 40 " ، ولكنه ذكر أجزاء منها ونصها ] أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [ ، ومع ظهور زندقة الكلينى وموقفه من خير البشر بعد الرسول -r ، يطلق عليها الرافضة : حجة الإسلام .   
  ([89]) الحديد : 12 .
  ([90]) الصف : 8 .
  ([91]) التغابن : 8 .
  ([92]) مما جاء في الحاشية .
     صاحب العصا : أى عصا موسى التي صارت إليه من شعيب ، وإلى شعيب من آدم ، يعنى هي عندى أقدر بها على ما قدر عليه موسى .
    الميسم : المكواة ، لما كان بحبه وبغضه يتميز المؤمن من المنافق ، فكأنه كان يسم على جبين المنافق بكى النفاق . المنايا والبلايا : آجال الناس ومصائبهم فلم يفتنى ما سبقنى : أى علم ما مضى . ما غاب عنى : أى علم ما يأتى .
  ([93]) في الحاشية فسرها بقوله : أى الرجعات إلى الدنيا . 
  ([94]) آل عمران : 68 .
   ([95]) الروم : 56 .
  ([96]) القصص : 68 .
   ([97]) الأحزاب : 36 .
   ([98]) القلم : 36 ـ 41 .
   ([99]) النساء : 59 .
   ([100]) النساء : 51 ـ 54 .
  ([101]) التوبة : 119 .
  ([102]) الإسراء : 71 .
  ([103]) التوبة : 105 .
  ([104]) في الحاشية لم يرفض هذا الافتراء البين ، وإنما علق على الرواية : يعنى علياً وأولاده الأئمة " وانما خص علياً بالذكر لأنه كان خاصة الموجود في زمان المأمورين بالعمل مشافهة . 
  ([105]) في الحاشية : مولد الإسلام : أى يعلمون كل من يولد هل يموت على الإسلام أو على الكفر ، وقيل موضع تولده ومحل ظهوره . 
  ([106]) الشورى : 13 ، والآية محرفة ، فنصها ] كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [  .
  ([107] هو إمامهم السابع موسى بن جعفر  .
  ([108]) النمل : 75  .
  ([109]) فاطر : 32 .
  ([110]) ومعنى هذا أنه ما من غائبة في السماء والأرض إلا يعلمها أئمة الجعفرية ، فالكلينى هنا يجعل علمهم فوق مستوى المخلوقات ويسويهم برب العالمين .
  ([111]) راجع الجزء الثانى من هذا الكتاب .
  ([112] قال العالم الشيعى المعتدل السيد حسين الموسوى :           
     وعندما نقرأ في كتبنا المعتبرة نجد فيها عجباً عجاباً ، قد لا يصدق أحدنا إذا قلنا : إنَّ كتبنا معاشر الشيعة  تطعنُ بأهل البيت عليهم السلام ، وتطعن بالنبى صلى الله عليه وآله وإليك  البيان :
   وذكر هذه الرواية ثم قال : هذه الرواية تفيدنا بما يأتى :
1-        الحمار يتكلم !
2-        الحمار يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : فداك أبى وأمى! مع أنّ المسلمين هم الذين يفدون رسول الله صلوات الله عليه بآبائهم وأمهاتهم لا الحمير .
3-        الحمار يقول : " حدثنى أبى عن جدى إلى جده الرابع " ! مع أن بين نوح ومحمد ألوف السنين ، بينما يقول الحمار إنّ جده الرابع كان مع نوح في السفينة . كنا نقرأ " أصول الكافى " مرة مع بعض طلبة الحوزة في النجف على الإمام الخوئى ، فرد الإمام الخوئى قائلاً :
    انظروا إلى هذه المعجزة ، نوح سلام الله عليه يخبر بمحمدu وبنبوتّه قبل ولادته بألوف السنين .
      بقيت كلمات الإمام الخوئى تتردد في مسمعى مدة وأنا أقول في نفسى :
      كيف يمكن أن تكون هذه معجزة وفيها حمارُ يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله : بأبى أنت وأمى ؟! وكيف يمكن لأمير المؤمنين سلام الله عليه أن ينقل مثل هذه الرواية ؟ !
      لكنى سكت كما سكت غيرى من السامعين ا . هـ .
  ([113]أى فى المسائل إذا سئلوا عنها ، وقوله: والحق فيه يعنى في الجفر وهو خلاف ما يقولون. وقوله فليخرجوا إلخ يعنى ليس عندهم ولا يدرون ما فيه من ذلك ( الحاشية) .
  ([114])  4 : الأحقاف ، والآية هكذا : ]  اِئْتُونِي بِكِتَابٍ [ .
  ([115]) معنى هذا جواز القول بنبوة أئمة الجعفرية . فالقول لا يتعدى حكم الكراهة !
  ([116]) في الحاشية فسر الجزء الأخير  بقوله " يعنى ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في  عنان السماء وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى " .
  ([117]) الشورى : 52 .
  ([118]) الإسراء : 85 .
  ([119]) 58 : النساء .
  ([120])  أراد الكلينى من هذه الرواية إبطال ما ذهبت إلية الطائفة الأخرى من الأمامية وهى طائفة الإسماعيلية .
  ([121])  أي مكتوبا بخط إلهي مشاهد من عالم الأمر كما أن جبرئيل u كان ينزل عليه في صورة آدمي مشاهد من هناك ( هذا تفسير الحاشية ) .
  ([122]) 15-16  : التكوير .
  ([123]) ص 341 .
  ([124]) أنظر ص 348  .
  ([125]) أنظر ص 353  .
  ([126]) أنظر ص 353  .
  ([127]) في الحاشية : ( مرة للتصديق وأخرى للقول بالبداء ) .
  ([128])  ولذلك فهم يرون أن الإمام الثاني عشر عندما يموت يكون الحسين قد رجع إلي الحياة فيقوم بغسله ‍‍‍‍‍‍‍…!‍‍‍‍‍‍‍
  ([129])  ص 387  .
  ([130])  18 -21   المطففين .
  ([131])  7- 9  المطففين .
  ([132]) وليس بشريعة محمد r !! الحنين إلى عبد الله بن سبأ ، اليهودى أول من قال بفكرة الوصى بعد النبى !!
   ([133])  الآية الكريمة في سورة الأعراف (172) والجزء الأخير " وأن محمدا رسولي وأن عليا أمير المؤمنين " زيادة من الكلينى ليثبت ضلاله " الله سماه وهكذا أنزل في كتابه " .
  ([134]) لترى التحريف راجع سورة : التغابن (8) ، والمنافقين (1،3،5،6) والحاقة (43،46،  48 ، 52) والجن (21،24) ، والمزمل (10،11)  .
  ([135]) 39 سورة ص ، ولكنه حرفها فجعل ( أعط ) بدلا من ( أمسك ) .
  ([136])  أنظر ص 473  .
  ([137])  ذكرنا من قبل في هذا الفصل أن الكلينى خرج بطريقة جديدة في الافتراء على الله عز وجل . عندما ذكر روايات تفيد أن جبريل نزل على محمد  عليهما السلام  بكتاب مختوم ، كل إمام يفك خاتما ، وينفذ ما بالجزء الذي يخصه من الكتاب ، وهنا يعود الكلينى مرة أخرى إلى هذا النوع من الافتراء وأرى إبداء الملاحظات الآتية :
1ـ هذا الافتراء لايقل ضلالا عن القول بتحريف القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم نزل مشافهة، والكلينى -  وقد أعظم الفرية  يزعم أن تعيين أئمة الجعفرية الاثنى عشرية نزل مكتوبا بخط إلهي ، فتضييع الأمر  الإلهي المكتوب بخط الله تعالي لا يقل عن تضييع الأمر الإلهي غير المكتوب ، والأمة التي تضيع أمرا مكتوبا غير أمينه على نقل أمر غير مكتوب ، ومن هنا يتضح هدف الكلينى وهو تقويض البناء الإسلامى من أساسه ولكن هيهات .
2 ـ وقف بعض الجعفرية من القول بتحريف القرآن الكريم موقفا محمودا كما رأينا ، ولكنهم لم يقفوا نفس الموقف من افتراء الكلينى الذي لا يقل خطورة عن القول بالتحريف والنقصان من القرآن المجيد . ولعل بعضهم وقف نفس الموقف ولم أطلع  عليه ، وذكرت رواية الكلينى المفتراة لصديقنا العالم الجعفرى السيد طالب الرفاعى فقال " إننا ندين الله تعالى   بهذا " ، ومعنى هذا أن الجعفرية متفقون على قبول رواية الكلينى الضالة المضلة .
3- بعد أن بين الخوئى المرجع الأعلى بالعراق أن احتمال وقوع التحريف من الشيخين مقطوع بعدمه قال : وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى  الأولى ، لأن الإسلام قد انتشر فى زمان عثمان على نحو ليس فى إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا ، ولا فى إمكان من هو أكبر شأناً من عثمان ، ولأن تحريفه إن كان للآيات التى لا ترجع إلى الولاية ولا تمس زعامة سلفه بشىء ، فهو بغير سبب موجب ، وإن كان للآيات التى ترجع إلى شىء من ذلك فهو مقطوع بعدمه ،لأن القرآن لو اشتمل على شىء من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان ...      ( البيان ص 237) .
      ونقول لإخواننا الجعفرية : ألا ينطبق كلام السيد أبى القاسم الخوئى على رواية الكلينى         المفتراة ؟ فلو صحت لما خرجت الإمامة عن أئمة الجعفرية ، ولما استطاع أحد أن يمنع الأمة الإسلامية من تنفيذ أمر مكتوب بخط إلهى ، وكان يكفى الإمام عليا إظهار الكتاب والمطالبة بتنفيذه.*
 * 4  ـ  قال تعالى فى سورة النساء (الأية 153) ]يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ  [ وقال عز وجل فى الأية السابعة من سورة الأنعام:] وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ[ وقال سبحانه فى سورة الإسراء ( 90-93) ]وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [ .
   فالذين طلبوا من الرسول r إنزال صحيفة مكتوبة من السماءهم أهل الكتاب والكفار ، ولم يجابوا لهذا المطلب ، ويوضح شيخ طائفتهم الطوسى سبب عدم إنزال الكتاب بقوله فى تفسير آية الأنعام :
 " أخبر الله تعالى فى هذه الآية أنه لو نزل على نبيه كتاباً - يعنى صحيفة مكتوبة - فى قرطاس حتى يلمسوه بأيدهم ويدركوه بحواسهم ، لأنهم سألوا النبى r أن يأتيهم بكتاب يقرءونه من الله إلى فلان بن فلان أن آمن بمحمد وأنه لو أجابهم إلى ذلك لما آمنوا ، ونسبوه إلى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم ، وعزمهم على أن لايؤمنوا على كل   حال ، وعرفه أن التمساهم هذه الآيات ضرب من العنت ، ومتى فعلوا ذلك اصطلمهم واستأصلهم ، وليس تقتضى المصلحة ذلك لما علم فى بقائهم من مصلحة المؤمنين ، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين ، وأن فيهم من يؤمن فيما بعد " . ( التبيان 4 /82) . فلو نزل مثل هذا الكتاب لما كان التعبيربقوله تعالى ]  وَلَوْ نَزَّلْنَا   [ ولكان هذا كافياً لأهل الكتاب والكفار فضلا عن المسلمين وداعياً لاصطلام المكذبين واستئصالهم ، ولكن شيئا من هذا لم يحدث ، إنما أراد الكلينى بفريته أن يصور خير أمة أخرجت للناس بأنها أكثر كفراً وتكذيباً من أهل الكتاب والكفار حتى أن أمراً إلهياً مكتوباً نزل وكذبته .
5-  فات الكلينى أن الإمامة بعد الصادق كانت لابنه إسماعيل فلما مات فى حياة أبيه انتقلت إلى موسى ، وظل الإسماعيلية على الرأى الأول ، وقال الجعفرية بالبداء هنا ، فهو لم يحكم الفرية حيث لم يشر لهذا وإنما جعلها لموسى مباشرة ، ولكن لم يفته أن يجعل بعض الألقاب كالباقر* *بتسمية من الله تعالى ، وأن يجعل الإمام الأخير بحروف منفصلة حتى لا يذكر اسمه حسب ما يذهب إليه الجعفرية. ( انظر الكافى 1/332 باب فى النهى عن الاسم) ويبقى من الملاحظات الكثير ، ومن شاء فلينظر فى الكتاب المفترى وفى كتاب الله العزيز المعجزة الكبرى .          
  ([138]) 245 : البقرة ، والآية الحادية عشرة من سورة الحديد ] مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [ يروى الكلينى كذلك أنها نزلت فى صلة الإمام خاصة . وما يوصل به الإمام يوصل به علماء الجعفرية بعد عصر الأئمة .  
  ([139]) ص 546 .
  ([140]) ص 540 .
  ([141]) ص 546 .
  ([142]) ص 8 ، راجع المقبولة التى نقلناها من هذا الجزء وناقشناها فى الحديث عن الترجيح .
  ([143]) ص 34 .
  ([144]) ص 56 .
  ([145]) انظر ص  61 ، وراجع ما كتبناه عن القرآن الناطق .
  ([146]) ص 62 : 64 ، وفى الحاشية ( ص63) " أى أئمة الضلال بسبب وضع الأخبار أعطوا هؤلاء المنافقين الولايات ، وسلطوهم على الناس " فالكلينى هنا يريد بافترائه اتهام الخلفاء الراشدين الثلاثة بأنهم أئمة ضلال والذين تولوا الإمارة فى عهدهم من الصحابة الكرام ، كانوا منافقين ، وصلوا إلى الإمارة بتعمد الكذب على رسول الله  r فشجعهم الخلفاء على هذا الكذب بجعلهم عمالا لهم .وأراد الكلينى إيجاد سند يؤيد غلاة الجعفرية الذين انفصلوا عن الأمة الإسلامية بإسناد الرواية للإمام على كرم الله وجهه وبرأه مما قال زنادقة الرافضة .  
  ([147]) جاء في الحاشية : أى معنى النسيان هنا الترك ، لأن النسيان غير مجوز على الأنبياء عليهم السلام . أو كان في قراءتهم عليهم السلام فترك مكان فنسى ، ولعل السر في عدم عزم آدم على الإقرار بالمهدى استبعاده أن يكون لهذا النوع الإنسانى اتفاق على أمر واحد " والآية الكريمة في سورة طه : 115 .
  ([148])  ص 8 .
  ([149]) الزخرف : 87 .
  ([150]) يونس : 74 .
  ([151]) ص10 .
  ([152]) ص 18 .
  ([153]) ص 18 .
  ([154]) ص18 .
  ([155]) ص 18-19 .
  ([156]) انظر هذه الروايات في ص 217-219 .
  ([157]) ص 598 وانظر الخبر من بدايته ص 596 .
  ([158]) ص 600 -601 .
  ([159]) ص 627 .
  ([160]) ص 628 .
  ([161]) ص 627 .
  ([162]ص 630 .
  ([163]) ص 631 .
  ([164]) ص 631 .
  ([165]) ص 633 ، ومعنى هذا – بحسب فرية الكلينى – أن للشيعة مصحفا آخر ، أشرنا إلى ضلاله المبين عند الحديث عن القرآن الكريم والتحريف في الجزء الثانى .
  ([166]) ص 634 ، والمعروف أن القرآن الكريم لا يصل إلى سبعة الآف آية ، فأين الباقى أيها الكلينى ؟!
  ([167]) ص 50 .
  ([168]) ص 58 .
  ([169]) ص 205 .
  ([170]) ص 387 .
  ([171]) انظر ص 316 .
  ([172]) انظر ص 205 .
  ([173]) ص 124-125 ولاحظ هذا الربط بين التحريف وترك الولاية  .
  ([174]) ص 36 .
  ([175]) ص 206 ، والآيات المذكورة من سورة الإسراء (4-6) .
  ([176]) " فلانا وفلانا  " يقصد هذا الكلينى الشيخين : الصديق والفاروق .
  ([177]) " مما صنعوا " زيادة ليست من الآية الكريمة .
  ([178]) هذه زيادة أيضاً وجعل " قضيت " للمتكلم لا للمخاطب لتناسب هذا التحريف وجاء في الحاشية : " الظاهر أنه كان في مصحفهم عليهم السلام على صيغة المتكلم ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى ، أى المراد بقضاء الرسول ما يقضى الله على لسانه " .
  ([179]) ص 336 والآيات المذكورة هي 63-65 : من سورة النساء وانظر مثل هذا التحريف في صفحات 35-36-50-51-57-58-107-128-160-179-184-200-224-230-286-302-304-313-330-334-338.
  ([180]) ص 18 :30 .
  ([181])  ص 31 :33 .
  ([182]) ص 32  .
  ([183]) جاء في الحاشية ( ص 33) : " الذبان : جمع ذباب ، وكنى بابن أكلتها عن سلطان الوقت فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه " والمراد بسلطان الوقت الصديق خير من خلف الرسول  r .
  ([184]) ص 33 وهذا القول : إلى جانب ما فيه من الضلال يحمل التناقض البين . وفى الخطبة السابقة كذلك تناقض حاول في الحاشية إزالته بأن الإمام كان يعلم ما سيكون ( انظر ص 27)  .
  ([185]) انظر ص 67 .
  ([186]) يقصد الخليفة الثالث الذى بشره الصادق الأمين بالجنة .
  ([187]) ص 68 .
  ([188]) ص 302 .
  ([189]) ص 66 .
  ([190]) انظر ص 252 .
  ([191]) انظر ص 267  .
  ([192]) انظر ص 295 .
  ([193]) ص 255 .
  ([194]) انظر ص 163 ، 165، 364 ، وواضح أن أبا الحسن لم يكن له دور في مجال الاعتاق وأن الدور الكبير كان لأبى بكر في مكة ، ومن هنا جاء اختلاق هذا الخبر .
  ([195]) ص 18 .
  ([196]) ص 227 والهميان : شداد السراويل والمنطقة وكيس للنفقة يشد في الوسط  .
  ([197]) ص 240 .
  ([198]) ص 224 والكلينى هنا يجعل ظهور إمامهم الثانى عشر بعد ضعف الدولة العباسية التي عاش أثناء حكمها ، وقد مضى على سقوطها لا ضعفها أكثر من سبعة قرون حتى وقتنا هذا ، والكلينى كان يدرك أن أكذوبته لا ينكشف أمرها إلا بعد موته ، إذن فليكذب ولا حرج !!
    ومن أكاذيبه التي كشفت كذلك : رواياته عن الأرض ، ومظاهر الطبيعة كهبوب الرياح والحر والبرد .
     راجع ص 89 ، 271، 306 وراجع مثل هذه الروايات التي نقلناها عن شيخه القمى في الجزء السابق .
     وانظر تفسير القمى ( ص 89) تجد تعليقا على رواية أن الأرض على حوت والحوت على الماء والماء على صخرة ... إلخ والتعليق هو : " في هذا الحديث رموز إنما يحلها من كان من أهلها . وذلك لأن حديثهم صعب مستعصب " .
     فالله سبحانه وتعالى يسر القرآن للذكر والرسول r بين ما نزل إلينا ، أما أئمة الجعفرية فحديثهم صعب مستعصب ! فإذا افترى عليهم من الأقوال ما يناقض الواقع أو العقل أو الشرع فلتقبل هذه الأقوال بدلا من أن يضرب بها وبراويها عرض الحائط ، ولنتشكك نحن في عقولنا وفهمنا لأن حديثهم صعب مستعصب !!  
  ([199]) راجع ص : 36، 78، 141، 366 .
  ([200]) راجع ص 33-34 .
  ([201]) انظر ص 107 ، 254 ، 270 ، 337 وراجع مثلا حديثه عن الشيعة ومخالفيهم في صفحات : 146، 212 ، 224 ، 236، 237 ، 244 ، 285 ، 333.
  ([202]) انظر ص 128 .
  ([203]) ص 101 .
  ([204]) ص 160 .
  ([205]) ص 292 .
  ([206]) ص 389 ولذلك فالجعفرية لهم مساجدهم الخاصة نتيجة للدور الذى قام به الكلينى وأمثاله.
  ([207]) ص 162 .
   وانظر إلى قول الكلينى وإلى قول الله عز وجل في نهاية سورة الغاشية ] إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [ .
  ([208]) انظر ص 159 .
  ([209]) انظر ص 125 ، 245 ، 253 ، 295 ، 296 . 
  ([210]) انظر ص 28 ، 102 ، 103 ، 124 ، 189 ، 216 ، 245 ، 318 ، 334 ، 336 ، 387 . 
   ([211]) راجع ص : 263 ، 340 ، 343 ، 344 .
  ([212]) راجع حديثنا عن تفسير القمى .
  ([213]) راجع ص 209 ، 264 ، 274 ، 310 ، 331 .
  ([214]) كان الإمام زيد بن على بن الحسين يثنى على أبى بكر وعمر ، وقال : إنى لا أقول فيهما إلا خيراً ، وما سمعت أبى يقول فيهما إلا خيراً ، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قاتلوا جدى الحسين " فعندما سمع شيعة الكوفة قوله فارقوه ورفضوا مقالته حتى قال لهم : رفضتمونى ، ومن يومئذ سموا " رافضة " . انظر الفرق بين الفرق ص 25 ، والملل والنحل 1 / 155 .
  ([215]) انظر ص 34 .
  ([216]) انظر ص 152 .
  ([217]) انظر فقيه من لا يحضره الفقيه 2 / 263 والاستبصار 2 / 145 .
  ([218]) راجع الكافى 4 / 209 .
  ([219]) انظر الفقيه 2 / 354 .
  ([220]) انظر الكافى 4 / 580 .
  ([221]) الفقيه 2 / 347 .
  ([222]) المرجع السابق 2 / 349 .
  ([223]) انظر الكافى 4 / 589 والفقيه 2 / 361 ـ 362 .
  ([224]) انظر الكافى 4 / 589 والفقيه 2 / 361 ـ 362 .
  ([225]) عرف : أى وقف بعرفات ولكنه هنا جعله عند قبر الحسين .
  ([226]) فى هذا حث على ترك الحج وزيارة قبر الحسين ، وسيأتى أنه يمكن أن تسقط فريضة الحج بزيارة قبر الحسين .
  ([227]) الكافى 4 / 580 .
  ([228]) انظر الكافى 4 / 580 : 583 .
  ([229]) انظر الكافى 4 / 569 والفقيه 2 / 252 .
  ([230]) الفقيه 2 / 359 .
  ([231]) الكافى 4 / 454 . والمراد بالأول والثانى الخليفتان الصديق والفاروق .
  ([232]) الكافى 4 / 566 ـ 567 والآيتان آخر سورة القلم .
  ([233]) أكبر لقب عند الشيعة هو " آية الله العظمى " ، والذين يحملون هذا اللقب خمسة فقط ، فمن مات منهم يختارون بدلا منه أحدا ممن يلقب بلقب " آية الله " ، وعددهم أربعون . وعندما سجن الخمينى في أيام الشاه ، ومات أحد الخمسة ، رأى الأربعة ـ ومنهم البرقعى ـ اختيار* *الخمينى حتى يخرج من سجنه ؛ لأن القانون لا يسمح بسجن من يحمل لقب " آية الله العظمى "، ولكن يمكن أن تحدد إقامته .
     البرقعى رأى أن يقرأ ما كتبه ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما ممن يهاجمهم الشيعة ، فشرح الله ـ عزوجل ـ صدره ، وبدأ يصرح بهذا لإخوانه . ويظهر ما اقتنع بأنه  الحق ، ويبطل الباطل الذى نشأ عليه ، ومن هنا جاء تأليف كتابه كسر الصنم ، وترجم بعض ما كتبه ابن تيمية إلى الفارسية . ولأنه آية الله العظمى فلا يسجن حددت إقامته حتى مات .  وقد حدثنى بهذا أحد الإخوة الكرام الذين عاشوا فى إيران .    
  ([234])  نقلت هذا من مقدمة الإمام الشافعى لرسالته فى أصول الفقه .
  ([235])  الآية : 106 .
  ([236]) الآية 196 : سورة البقرة .
  ([237])  الرسالة للإمام الشافعى ص 33 .
  ([238])  انظر الروايتين ، وبيان الشيخ أحمد شاكر لصحة الإسناد ، فى الرسالة ص 89 : 91 .
  ([239] راجع الخطبة فى السيرة النبوية لابن إسحاق التى جمعها ابن هشام 4 / 603 ـ 604 ، والحديث رواه الإمام مالك فى الموطأ مرسلاً ، ووصله ابن عبد البر ـ ( انظر تنوير الحوالك 2 / 208 ) . ورواه الحاكم عن ابن عباس ، وعن أبى هريرة ، وبين صحة الحديث ووافقه الذهبى .    ( انظر المستدرك وتلخيصه 1 / 93 ) .
  ([240])  انظر قواعد التحديث للقاسمى ـ ما روى أن الحديث من الوحى ـ ص 59 ، وراجع حكم مراسيل أبى داود فى رسالته إلى أهل مكة فى وصف سننه ـ ص 24 ـ 25 ، 32 .
  ([241])  سنن الدارمى 1 / 117 . وهذه الرواية من المراسيل عن حسان أيضاً ، وهو ثقة . قال خالد بن نزار : قلت للأوزاعى : حسان بن عطيه عن من قال ؟ فقال لى : مثل حسان كنا نقول له : عن من ؟ !     ( انظر تهذيب التهذيب 2 / 251 ) . والحديث ذكره السيوطى فى كتابه " مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة ـ ص 31 " وقال : أخرجه البيهقى بسنده عن حسان بن عطيه ، وأخرجه الدارمى ـ وفى الحاشية أضاف المعلق : نعيم بن حماد فى زوائده ، وابن نصر فى السنة ، والخطيب فى الفقيه والمتفقه ، وفى الكفاية ، وابن عبد البر فى الجامع ، وغيرهم ، ثم قال : وإسناده صحيح .
  ([242] انظر الرسالة ص 422 : 426 ، واقرأ فى الحاشية تعليق الشيخ أحمد شاكر وتخريجه للروايات .
  ([243] انظر الأدب المفرد 2 / 433 ـ باب المعانقة . و رواه الحاكم فى المستدرك (4 /574 ـ575 ) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبى على التصحيح .
  ([244])  مراد الإمام الشافعى بكتابه : الرسالة . قال فى ص 62 : " فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر  بمسألتهم  عن القرية الحاضرة البحر ، فلما قال : ]  إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ  [ الآية ـ :دل ذلك على أنه إنما أراد أهل القرية ، لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان فى السبت ولا غيره ، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون " .
  ([245]) راجع حديثه عن النظام ، ومناقشته له فى ص 17 : 42 .
  ([246]) ذكر الإمام الشافعى فى رسالته ، تحت باب العلل فى الأحاديث ، قول قائل : أفتجد حجة على من روى أن النبى r قال : " ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافقه فأنا   قلته ، وما خالفه فلم أقله " ؟ وأجاب : فقلت له : ما روى هذا أحد يثبت حديثه فى شئ صغر ولا كبر ، فيقال لنا : قد ثبتم حديث من روى هذا فى شىء . ( الرسالة 224 ـ 225 ). وقال السخاوى فى تخريج الحديث : قال الدارقطنى : إن أشعث تفرد به . انتهى
      وهو شديد الضعف ، والحديث منكر جداً . استنكره العقيلى وقال : إنه ليس له إسناد   يصح . ( المقاصد الحسنة 1 / 36 ) . وذكر العجلونى قول السخاوى ، وقال: قال الصغائى: هو موضوع  ( انظر كشف الخفاء 1 / 86 ) . وقال ابن حزم فى رواية لحديث عرض السنة على القرآن : رواه الحسين بن عبد الله ، وهوساقط متهم بالزندقة . ( الإحكام المجلد الأول ص 250 )  وفى رواية أخرى رواها أشعث قال : أشعث بن بزار كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه . ( ص 252 ) وتتبع الروايات المختلفه للحديث ، وبين سبب رفضه لها ، ثم قال : أول ما نعرض على القرآن الحديث الذى ذكرتموه ، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه ، قال الله تعالى : ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا  [ . وقال تعالى : ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  [ . وقال تعالى : ]   لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ  [ . ونسأل قائل هذا القول الفاسد : فى أى قرآن وجد أن الظهر اربع ركعات ؟ وأن المغرب … إلخ ( ص 252 ـ 253 ) ثم قال ابن حزم : ولو أن امرأ قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا فى القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة ، ولكن لا يلزمه إلا ركعه ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل ، وأخرى عند الفجر ؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ، ولا حد للأكثر فى ذلك ، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال ، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم " . ( ص 253 ـ 254 من الإحكام المجلد الأول ) . *وقال الشيخ شاكر فى تخريج الحديث : هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن ، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة ، كلها موضوع أو بالغ الغاية فى الضعف ، حتى لا يصلح شىء منها للاحتجاج أو الاستشهاد . ثم أفاض فى بيانه ـ انظر حاشية ص 224 ، 225 من الرسالة .
  ([247])  انظر الكتاب المذكور ص 11 ـ 12 .
  ([248])  بين هذا الاتجاه مفصلاً الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا فى إحدى محاضرات رئاسة المحاكم الشرعية ( لعام 1405 هـ ) بدولة قطر .
  ([249])  ومع هذا فلننظر إلى الإسناد ، ونعرف برجاله . رجال الإسناد :
     1 ـ أبو العباس محمد بن يعقوب :هو الأصم الإمام المفيد الثقة ، محدث عصره بلا مدافعة ، تفرد فى الدنيا بإجازته أبو نعيم الحافظ ، لم يختلف فى صدقه .( انظر تذكرة الحفاظ للذهبى 3 / 860 ، وطبقات الحفاظ للسيوطى ص 354 ) .
     2 ـ العباس بن محمد الدورى : هو أبو الفضل البغدادى الحافظ ، متفق على عدالته . قال الأصم لم أر فى مشائخى أحسن حديثاً منه .
      قال ابن أبى حاتم : " سمعت منه مع أبى ، وهو صدوق . نا عبد الرحمن قال : سئل أبى عنه فقل : صدوق ( الجرح والتعديل 6 / 216 ) .
      روى عنه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ، ووثقه النسائى ومسلمة وابن حبان ، ولم يذكر فى ترجمته أى جرح له .
      ( انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب ، وتذكرة الحفاظ 2 / 579 ، وطبقات الحفاظ ص  527 ) .
      3 ـ ابو النضر : هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام محمد بن محمد بن يوسف الطوسى . كان أحد الأعلام .  لم أقرأ فى ترجمته ما يجرحه ، أثنى عليه الحاكم والذهبى والسيوطى . ( انظر تذكرة الحفاظ 3 / 893 ، وطبقات الحفاظ ص 365 ) . وقال الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية عند الحديث عنه ( 11 / 229 ) : كان عالماً عابداً ، رحل فى طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباعدة .
      4 ـ أبو الأحوص : هو محمد بن الهيثم بن حماد بن واقد الثقفى البغدادى القنطرى ، قاضى عكبراء . قال ابن عقدة عن ابن خراش : كان من الأثبات المتقنين . وقال الدارقطنى : كان من الثقات الحفاظ . وقال أيضاً ثقة مأمون حافظ . * وقال الخطيب : كان من أهل الفضل والرحلة .
      وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال : مستقيم الحديث .
      وقال مسلم بن قاسم : ثقة .( انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب ، وتذكرة الحفاظ 2 / 605 ، وطبقات الحفاظ ص 263 ) .
      5 ـ زيد العمى : هو زيد بن الحوارى أبو الحوارى العمى البصرى قاضى هراة . مختلف فيه :  قال الحسن بن سفيان : ثقة . وقال أحمد بن حنبل : صالح ، روى عنه سفيان وشعبه وهو فوق يزيد الرقاشى ، وفوق فضل بن عيسى . وقال الدارقطنى والبزار : صالح . وقال السعدى والجوزجانى : متماسك . وقال ابن معين : صالح . وقال مرة : لا شىء ، ضعيف الحديث ، يكتب حديثه ولا يحتج به ، كان شعبة لا يحمد حفظه .
      وقال أبو حاتم وابن عدى : ضعيف ، يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال الآجرى عن أبى داود : حدث عنه شعبة وليس بذاك .وقال الآجرى ايضاً : سألت أبا داود عنه فقال : ما سمعت إلا خيراً . وضعفه النسائى : وابن سعد ، وابن المدينى ، والعجلى. (انظر ترجمته فى ميزان الاعتدال ، وتهذيب التهذيب ، والجرح والتعديل 3 / 560 ) .
      6 ـ أبو الصديق الناجى : هو بكر بن عمرو ، وقيل : ابن قيس . جاء فى ترجمته فى تهذيب التهذيب ( 1 / 486 ) . قال ابن معين ، وأبو زرعة ، والنسائى : ثقة . قلت : وذكره ابن حبان فى الثقات .  وقال الذهبى فى الميزان ( 4 / 539 ) .  صدوق . قال ابن سعد : يتكلمون فى أحاديثه يستنكرونها . وقال غيره : ثقة ، تابعى ، واحتج به فى الصحاح .* وأبو الصديق الناجى يروى الحديث الشريف عن الصحابى الجليل أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه .
  ([250])  هذا رأى وجيه ، ولكن كيد اللعين لا يزال مستمراً لم يتوقف ، وخدع الكثير من   المسلمين ، ودعى إلى مؤتمر إسلامى كمفكر إسلامى !! وجعلته إحدى الإذاعات شاهد عصر ! لذا أرى أن يكشف ويعرى ، والله سبحانه وتعالى هو الأعلم بالصواب .

عدد مرات القراءة:
6334
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :