آخر تحديث للموقع :

الجمعة 21 محرم 1441هـ الموافق:20 سبتمبر 2019م 10:09:35 بتوقيت مكة
   عند الشيعة يجب قتل العصافير لأنها تحب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (انظر أيضاً التحريف في بعض الطبعات) ..   عند الشيعة الله عزوجل يزرو الحسين ويقعد معه على السرير ..   عند الشيعة الإمامة أفضل من النبوة وأشرف منها ..   ذم الأئمة لشيعتهم ..   الشيعة والمسجد الأقصى ..   أنظر كيف يبرر علماء الشيعة الشرك والبدع؟ ..   من الروايات الشيعة التي تهدم مسألة القول بالنص على الأئمة بأسمائهم ..   من الأحاديث التي يستنكرها الشيعة على أبي هريرة رضي الله عنه وهي مروية في كتبهم وعن الأئمة رحمهم الله ..   دعاء صنمي قريش وبعض مصادره ..   عبدالله بن سبأ في مصادر الشيعة ..   من أسماء علماء الشيعة ..   سلسلة تدليسات وفضائح واكاذيب علي الكوراني العاملي (وثائق - متجدد) ..   من تدليسات واكاذيب كمال الحيدري ..   حصاد السنين في تبيان ضلال المتقدمين والمتأخرين ..   وثائق مدمرة تبين اكاذيب ودجل وخرافات وتدليسات الروافض ..   وثائق مصورة عن الشيعة - عقائدهم - تناقضاتهم - غلوهم - مطاعنهم، وغيرها ..   الفيض الكاشاني وتحريف القرآن ..   الشعائر الحسينية وسائر ما يتعلق بها ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخوئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الصدر ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الروحاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الخامنئي ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - السيستاني ..   من أقوال وفتاوى مراجع الشيعة - الشيرازي ..   من أقوال وفتاوى الشيعة ..   بإعتراف الشيعة الأخبار الدالة على تحريف القرآن عندهم تزيد على 2000 رواية ..   يعتقد الشيعة أن القرآن محي منه 70 من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك "أبولهب" إلا إزراء على النبي لأنه عمه ..   يقول الخميني : إن فقراء السادة في العالم يمكن إشباع حوائجهم بخمس مكاسب سوق بغداد فقط . ..   جذور الإنحراف .. تعليم أطفال المدارس الشيعية لعن الصحابة رضي الله عنهم ..   أنديرا غاندي تستغيث بالحسين رضي الله عنه لإنقاذها من الإعدام ..   من صور إحتقار الفرس للشيعة العرب ..   أهل السنة في سجون العراق لا بواكي لهم ..   كمال الحيدري : اظهرت أقل من 1 % من فساد مذهبنا وانقلبت الدنيا ..   ماذا كان يفعل الحمار قبل سفينة نوح؟ ..   عراق ما بعد صدام المجاهرة بلعن الفاروق عمر رضي الله عنه في شوارع بغداد وكربلاء ..   الخمينى عند بعض علماء الشيعة أفضل من بعض أنبياء الله بنى اسرائيل ..   الشعب يريد ظهور الإمام ..   حسن الله ياري - لعن الله كما الحيدري نعلي خير منه ..   بإعتراف الشيعة المرجعية الدينية العربية فقدت إستقلاليتها لصالح إيران ..   من أسباب الكراهية بين السنة والشيعة وسبب بث علماء الشيعة للكراهية عند اتباعهم تجاه أهل السنة ..   إعتراف الشيعة بأن علماؤهم هجروا الكتاب والعترة ..   بإعتراف علماء الشيعة أسانيد ولادة المهدي كلها ضعيفة ..   كمال الحيدري النبي أخفى آية التطهير حتى لايحرفها الصحابة ..   عند الشيعة قول السلام عليك يا أبا عبدالله تعدل 90 حجة من حج الرسول ..   عند الشيعة سفك الدماء في الكعبة من اسباب خروج المهدي ..   من مطاعن الشيعة في السيستاني ..   من مطاعن الشيعة في محمد حسين فضل الله ..   من مطاعن الشيعة في الخامنئي ..   من الأسباب الحقيقة لكراهية الفرس لعمر رضي الله عنه ..   جذور الانحراف - تربية أطفال الشيعة على بغض الصحابة رضي الله عنهم ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   إياد علاوي علماء شيعة طلبوا مني قصف مرقد علي بن أبي طالب بـالنجف أثناء التنازع مع مقتدى الصدر ..   اعتراف الشيعة بأن اهل السنه اكثر حباً واحتراماً لأهل البيت من الشيعة ..   قائد الحشد الشعبي يهدد الخليج ..   الحيدري يقسم بالله لو نقحنا أسانيد روايتنا لسقط ديننا ..   النبي الذي ليس علي خليفته ليس نبي للشيعة ..   من شعر ياسر الحبيب في الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   الامام الحسن يحيي النبي محمد ليبرر مسالة صلحه مع معاويه ..   عند الشيعة كلمة الأمة في القرآن تعني الأئمة ..   بإعتراف الشيعة فضائل أهل البيت عند السنة اضعاف ما عند الشيعة ..   دراسة ايرانية : اولاد المتعة اذكى و اجمل و اقوى اطفال العالم ..   سبب ذكر القرآن ل 25 نبي فقط ..   ياسر عودة ينتفد شركيات الشيعة ..   الأحواز - مشانق إيران ..   شكوى نساء الشيعة من فرض ممارسة المتعة عليهم ..   الميت الموالي لعلي ينفع اربعين ميت في المقبرة اللي دفن فيها ..   أهل الجنة يتعجبون من نور أسنان فاطمة ويحسبون نور الله ..   البرفيسور الشيعي مكانه بالحسينية عند النعال ..   هتلر يأمر جيشة أن يتأسون بالحسين رضي الله عنه ..   إعلانات مجانية ..   طعن آية الله البغدادي في حوزة النجف ..   تفجيرات العراق من وراءها؟   دعوة الشيعة للالتحاق بالحسينيات لتلقي العلم الشيعي بدل التعليم الحكومي الذي يدرس مرويات أبي هريرة ..   عند الشيعة جميع الخلفاء من الصديق إلى آخر خلفاء العباسيين كانوا يحبون اللواط ..   إعتراف الشيعة بأن جميع روايات الإثني عشر أمام من طرقهم ضعيفة ..   علماء الشيعة والبحث عن مريدين ..   من تناقضات الشيعة في مسألة الشعائر الحسينية ..   إذا كنت كذوبا فكن ذكورا ..   "فاستخف قومه فاطاعوه ..." [الزخرف : 54] ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ معتقداتهم عند الناشئة ..   من له حيلة فليحتال والغاية تبرر الوسيلة ..   مخرجات الحسينيات ..   من إحتفالات الشيعة بوفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ..   من مطاعن الشيعة في أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ..   إعتراف الشيعة بضعف أهم وأشمل رواية في الإمامة وسائر ما يتعلق بها ..   إعتراف الشيعة بعدم وجود نص يوجب إتباع الأعلم وإختلافهم في تحديد مفهوم الأعلمية ..   بإعتراف الشيعة أكثر مراجع الشيعة ضد الحكومة الدينية في إيران ..   إعتراف الشيعة بان علمائهم يقولون بكفر وزنا عائشة وتكفير الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم لا يصرحون بها تقيةً ..   علماء الشيعة يعترفون : لماذا التقية الوهابية يعلمون بكل روايات الشيعة ..   محاربة الشيعة لكل من أراد تنقية مذهبهم من الروايات المكذوبة على الأئمة ..   إعتراف الشيعة بأن سبب تاخر الفكر الشيعي هو محاربتهم للدعوات التصحيحية داخل المذهب ..   تكذيب علماء الشيعة لمن يدعي مشاهدة مهديهم المنتظر ..   من مطاعن الشيعة في آلية إختيار المراجع ..   إعتراف الشيعة بأن أكثر الكتب الموجودة بين أيديهم من وضع المتأخرين ونسبت للمتقدمين ..   إعتراف الشيعة أن الروايات الصحيحة عندهم لا تتجاوز العشرة في المائة من مجموع رواياتهم ..   كمال الحيدري يمهّد لإنكار المهدي !   شكوى الشيعة من إنغلاق مدارسهم الدينية على نفسها والتي أدت إلى إنتشار الخرافات والبدع بين الشيعة ..

جديد الموقع..

بحوث في ولاية الفقيه والشورى ..
نظريةُ وِلايةِ الفقيهِ
بين المؤيدين والمعارضين

 
فيصل نور

المقدمة

 
     إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
     أما بعد :
     فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
 وبعد،
     ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ ﴾ الأنعام 14
     رغم البعد الزمني لنظرية ولاية الفقيه والذي يصل إلى قرنين من الزمان، إلا أنه لم يصبح شائعاً لغير المهتمين إلا بعد نجاح الخميني في تأسيس دولته في إيران عام 1979م وترجمة كتابه الحكومة الإسلامية.
     وقد كُتب في هذه النظرية وسائر ما يتعلق به، الكثير من البحوث والكتابات بين إسهاب ومختصر لا يخرج القارئ من الكثير منها إلا بمزيد من الحيرة.
     فرأينا رغم مرور عشرات السنين على التطبيق العملي لهذه النظرية على أرض الواقع أن نضع هذا المختصر لنبين حقيقة النظرية وما لها وما عليها، وذلك بسبب التأثير الواضح لها على مجريات الحوادث إلى يومنا هذا، وجل ما سنأتي على ذكره سيكون من داخل البيت الشيعي، فهذا أبلغ في تحقيق المقصود، ليخلص القارئ إلى الفهم الصحيح لهذه النظرية بعيداً عن آراء المخالفين لمذهب أصحابها.
 
ونسأل الله أن يوفقنا لما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


تمهيد وتعريف

     ولاية الفقيه مصطلح فقهي عند الشيعة تعني نيابة الفقيه الجامع لشروط التقليد والمرجعية[1] عن مهديهم المنتظر في ما له من صلاحيات مفوضة له من قبل الله عزوجل عبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم لإدارة شؤون الأمة.

     ولم يختلف الشيعة في أصل المسألة، وإنما إختلفوا في حدود هذه الولاية، بين قائل بالولاية الخاصة أو المقيدة في الأمور الحسبية وهي الأمور التي لا يجوز فواتها إن تركت لحالها كالموقوفات العامة التي هي بحاجة الى من يتولى أمرها ولم يعين لها الواقف متولياً خاصاً، وكذلك أموال اليتامى والقاصرين الذين ليس لهم أولياء وما شابه ذلك. ولا يرى أصحاب هذا الرأي انها تتعدى إلى سواها من الأمور.
     والرأي الآخر هو القول بالولاية المطلقة أو العامة، وأنها غير محدودة بتولي الأمور الحسبية، بل أن دائرتها أوسع بكثير وتشمل جميع صلاحيات الامام المعصوم "حسب معتقد الشيعة" في قيادة الأمة الإسلامية وإدارة شؤونها وتولي الحكومة الاسلامية.
 وهذا الرأي الأخير هو موضوع كتابنا.

توطئة تاريخية
 
     لعل من المسائل التي تغيب عن البعض أن مسألة الإمامة عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية لم تكن في بدايتها بالصورة التي نراها عليه اليوم، فالإعتقاد يومها كان مبنياً على أساس أن الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأولادة إلى يوم القيامة.
     وقد وضعوا في ذلك عشرات الروايات، منها:
عن الصادق عليه السلام قال : الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف([2]).
وفي رواية: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قيل: إمام حي؟ قال: إمام حي، إمام حي([3]).
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبدالله: تخلو الأرض من عالم منكم حي ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: لا، إذًا لا يعبد الله يا أيا يوسف([4]).
وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول قال: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا، يعني: إمامًا حيًا، فقال: قد والله قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية([5]).
     وعن الصادق: إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئًا ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملًا، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم، ولم يفرق بين الحق والباطل([6]).
وغيرها كثير..
     وهي كما ترى مبنية على أساس أن الأرض لا تخلو من حجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن في عام 260 للهجرة حدث ما لم يكن في الحسبان فقد توفي الإمام الحادي عشر عند الشيعة الحسن العسكري دون أن يعقب كما حقق ذلك بعض علماء الشيعة وهو الحق. فوقع الشيعة في حيرة كبيرة إذ ليس هناك من يعرف إمام زمانه الحي والظاهر حتى يفزع إليه في حلاله وحرامه أو يسمع له ويطيع؟
فأدى هذا الأمر بهم إلى إفتراقهم إلى عدة فرق:
فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهرًا؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام.
وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع؛ لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى؛ إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إمامًا ولا الحسن أيضًا؛ لأن محمدًا توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعيًا مبطلًا، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهرًا معروفًا مشارًا إليه، ولا يجوز أيضًا أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.
وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلًا، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالًا مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمدًا كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف.
وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولدًا في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتًا عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمدًا وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع.
وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلًا؛ لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له: إن له ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقال: خلف ابنًا نبيًا رسولًا، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابنًا، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخلف ذكرًا من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابنًا ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة.
وفرقة قالت:إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عزوجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضًا من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينه وبين عيسى عليه السلام نبي ولا وصي، ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه.
وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إمامًا وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إمامًا بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله، وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلّف ولدًا، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيا ويقوم بالسيف، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عزوجل في الأرض حجة، وإن للحسن ابن علي ابنًا سماه محمدًا ودلَّ عليه، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عزوجل ([7]).
وهذه الفرقة الأخيرة هي التي تهمنا، وهي الإمامية الاثنا عشرية، وهي المتصلة بموضوع كتابنا هذا، ويبلغ تعدادهم اليوم قريب من 200 مليون، من مجموع تعداد المسلمين والذي فاق الملياروالنصف، ويختلف البعض في صحة هذا العدد باعتبار أن العدد المذكور يشمل جميع فرق ومذاهب الشيعة السائدة في يومنا هذا كالزيدية والإسماعيلية والعلوية، فضلًا عن الفرق الباطنية في شبه القارة الهندية وغيرها.
وعلى أي حال مسألة العدد ليست مهمة فيما نحن فيه.
     عمد هؤلاء إلى إثبات هذه القضية أي وجود خلف للحسن العسكري بدلائل عقلية غير مقنعة سوى لشيعتهم، وإستفادوا من ناحية النقل من وجود روايات من طرق أهل السنة في تحديد عدد الأئمة بإثنى عشر الأمر الذي أدى إلى إستقرار مسألة المهدوية إلى حين وظهور القول بالأئمة الإثنى عشر وبالشيعة الإثني عشرية الأمر الذي لم يكن قبل هذا وارد في الحسبان كما ذكرنا.
وحديث البخاري الذي رواه عن جابر بن سمُرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش. لا يخدم الشيعة لأنه لم يصبح أحداً من هؤلاء أميراً سوى علي بن أبي طالب، والحسن الذي تنازل عن الإمارة لمعاوية، وبقية الأئمة لم يتولى احداً منهم الإمارة، والحديث لمن تدبر يخدم أهل السنة أكثر من الشيعة ولكن ليس هنا مكان الكلام فيه.
     إلا أن غياب الإمام يتعارض مع ما مر من عدم جواز خلو الأرض من عالم حي ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم.
    فتفتق ذهنهم على الفكرة الشيطانية الذي مر شيء منها في الكلام عن الفرقة الأخيرة من أن للمهدي غيبة. وفي هذه الغيبة إدعى 4 رجال وهم العَمري ثم إبنه ثم الحسين بن روح ثم السَمري أنهم نوابه طمعاً في أموال المغفلين والسذج، فأرتضى هؤلاء بهؤلاء مصداقاً لقوله تعالى : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف : 54]. فتهارش على الأمر تهارش الكلاب غيرهم. فقد ذكر الطوسي وهو من كبار علماء الشيعة عن محمد بن علي الشلمغاني : ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح في هذا الامر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الامر كما تتهارش الكلاب على الجيف. فإدعى الكثير من الشيعة أنهم باب لهذا المعدوم، فإمتلئت كتب القوم بذمهم كما إمتلئت جيوب من إرتضوهم بأموالهم.
     استمرت الغيبة الصغرى للمهدي من سنة 260هـ إلى سنة 329هـ حيث وفاة آخر السفراء وهو السمري.
     وإستطاع هؤلاء من الحفاظ على المذهب من الأنهيار بهذه الحيلة والذي أرسوا معها أيضاً قاعدة جواز ومشروعة النيابة عن المهدي في غيبته الأمر الذي ستظهر نتائجه في فترة ما أسموه بالغيبة الكبرى والتي تمتد إلى حين ظهور هذا المهدي المعدوم.
     فدخل القوم في مرحلة الغيبة الكبرى وإن شئت فقل الغيبوبة الكبرى من 329هـ، وهي الفترة الذي أصطلح البعض على تسميتها بفترة "التقية والانتظار".
     ولكن في الباب الآتي ستفترض جدلاً عدم وجود هذه القناعات وأن الأمر على ما هو عليه من مسألة الغيبة الكبرى، ونستمر مع مسيرة الشيعة مع مهديهم وما ترتب على ذلك مما له شأن بموضوع بحثنا.
 

بدايات ظهور نظرية ولاية الفقيه
 
     كان وجود الإمام المعصوم عند الشيعة من الدوافع الرئيسة للإستغناء عن الإجتهاد وسائر ما يتعلق به من مصادر التشريع الأخرى المتعارف عليها عند أهل السنة وبقية المذاهب كالقياس وغيره، وكذلك رد أي صورة من صور النيابة عن المعصوم، بل ومحاربة هذه المسائل، ولم يتعدى دور الشيعة الأوائل وهم الإخباريين جمع الروايات ونشرها، إيماناً منهم بأن تلك النصوص مجزية في فترة الغيبة الكبرى. ولم تتجاوز صورة التشيع في بداياته هذا المفهوم.
     وتتجلّى هذه الحقيقة في الشيعة الأوائل في وضع مصنفات ترد قضية الإجتهاد والقياس، وتحارب كل من أراد فتح هذا الباب.
     ولعل خير مثال على ذلك الجنيد المتوفى سنة 378 للهجرة والذي ألف كتابه "تهذيب الشيعة" وأخذ فيه بالقياس والاجتهاد واستنبط الفروع على قرار علماء أهل السنة. فأثار سخط أضرابه الذين تصدوا لمنهجه بمصنفات، كما فعل المفيد في كتابه "النقض على ابن الجنيد". والمرتضى في "الانتصار" وفي "الشافي في الإمامة". ولا مجال في هذا المختصر للتطرق إلى تفاصيل كل هذا.
     ولكن الزمن طال، والإمام المعصوم غائب، والمنهج الإخباري لا يستطيع مقاومة المتغيرات والمستجدات والإكتفاء بحبس ذاته في النصوص دون الرغبة في التحرر منها.
     فكانت هذه الضغوط هي البوادر الأولى للإنعتاق من القيود التي تحد من مواجهة النوازل ليؤسسوا لما عرف فيما بعد بالمنهج الأصولي.
     ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي لهذه المسألة، فحسبنا المثال السابق والمتعلق ببدايات الخلاف ولننتقل إلى الحاضر القريب حيث تم طرق أبواب الإجتهاد من جديد من خلال نظرية (النيابة العامة) حيث منح الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي وكالة للمحقق الكركي (علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي ت: 940 هـ) للحكم باسم نائب المهدي، واستمرت نيابة الفقهاء العامة هذه إلى جانب الصفويين، حتى إنهارت دولتهم الأمر الذي أدى إلى ظهور المد الإخباري من جديد وعودة نظرية التقية والإنتظار وتحريم الاجتهاد والتقليد وإقامة صلاة الجمعة إلى سار ما يخص الإمام المعصوم.
     وفي العصر القاجاري دافع آل كاشف الغطاء (ت 1228هـ) عن مبدأ الاجتهاد في مواجهة الإخباريين وجعله من "المناصب الشرعية" وأن المنكر لذلك "جاحد بلسانه معترف بجنانه وقوله مخالف لعمله"[8].
     وجاء من بعده تلميذه المولى محمد النراقي (ت 1249هـ) وزاد على أستاذه في إضفاء طابع ولايتي على الاجتهاد يستمد مشروعيته من الله عز وجل وقال بأن "ولاية الاجتهاد.. حق ثابت من الله ومن حججه للمجتهد"، ولهذا لا بد "من وجوب الرجوع إليهم" أي للفقهاء[9].
     وكذلك ذهب الشيخ مرتضى الأنصاري (1214 - 1281هـ) والذي عرف بخاتم المجتهدين في تقرير أصولي إلى "بطلان عبادة تارك طريقة التقليد والاجتهاد"[10].
     وأنزل من بعده تلميذه السيد محمد كاظم اليزدي الرأي الأصولي لأستاذه منزلة الفتوى الملزمة[11]، ويعد اليزدي أول من أثبت باباً بعنوان "باب التقليد والاجتهاد" حيث وضع هذا الباب في كتابه "العروة الوثقى"، وهو الرسالة العملية الواجب على المقلد امتثال ما جاء فيها، وسار فقهاء الشيعة من بعده على منواله، وتكرست مرجعية الفقهاء ودورهم في النيابة عن المعصوم في الاجتهاد والمرجعية الدينية.
     وهكذا تبدلت وظيفة الفقيه من راو إلى مجتهد إلى منصب شرعي إلى ولاية مستمدة من الله، فتحت الباب أمام ولاية الفقيه المطلقة[12].
     ونقفز من جديد دون السرد التاريخي لتقترب أكثر من بوادر الظهور الحقيقي لنظرية ولاية الفقيه.
     على عكس المتكلمين القدماء الإخباريين الذين كانوا يبررون الغيبة بأن الإمام موجود كالشمس وراء السحاب، شعر العلماء المتأخرون الاصوليون بحاجة الأمة إلى إمام حي ظاهر متفاعل يقود الشيعة ويطبق أحكام الدين، ولذلك قاموا بثورة كبرى في التخلي عن الشروط المثالية المستحيلة وقالوا بولاية الفقيه العادل، تلك النظرية التي أدت إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وتغيير التاريخ الشيعي.
     ونلخص ما مر بذكر أهم المحطات في نظرية ولاية الفقيه حتى الآن ثم نلقي مزيداً من الضوء على بعض هذه المحطات:
1. "محمد بن مكي الجزيني العاملي" (ت786هـ) صاحب أول تطوير حقيقي في الفقه الشيعي فيما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه، فبعدما كانت علاقة رجال الدين بالمجتمع قاصرة على الفتاوى الفقهية، وعلى ما يحصلونه من نسبة الخمس، وسع الجزيني نطاق عمل الفقهاء ووسع تأثيرهم في حياة الشيعة مستندا إلى ما يسمى "نيابة الفقهاء العامة" عن "المهدي المنتظر"، وشملت هذه النيابة القضاء والحدود وإقامة صلاة الجمعة.
2. الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقّق الثاني (ت940هـ): نقل نظرية (النيابة العامة) إلى مرحلة سياسية متقدمة في القرن العاشر الهجري، وإعطائه الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي وكالة للحكم باسم (نائب الإمام: الفقيه العادل).
3. "أحمد بن محمد مهدي نراقي كاشاني" (1245هـ) والذي بين في كتابه "عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام" صلاحيات الفقهاء مستخدما مصطلح "ولاية الفقيه" لأول مرة رافضا "التقية" و"عصر الانتظار"، داعيا الفقهاء إلى تولي زمام الأمور والحكم لجماهير الشيعة، واقترح أيضا منصب الإمامة الكبرى.
4. الشيخ "مرتضى بن محمد أمين الأنصاري" الملقب بـ"خاتم المجتهدين" (ت1281هـ) حيث أفتى بوجوب تقليد الشيعة المرجع الديني أو الفقيه في كل أمورهم الحياتية والمذهبية، فتكرست مرجعية الفقهاء ودورهم كنواب للإمام الغائب الثاني عشر، وهو ما أدى لتحويل وظيفة الفقيه من مجرد ناقل للأحاديث إلى مجتهد، ثم إلى مرجع يجب تقليده، وبشكل ينزله منزلة المنصب الشرعي، أو ما يطلق عليه في الفقه الشيعي "النيابة العامة" التي صعدت إلى مصاف الولاية المستمدة من الله، وقد أسس ذلك فيما بعد لظهور نظرية "ولاية الفقيه" التي سعت لإثبات حقيقة أن العلماء والفقهاء هم ورثة الأنبياء والأئمة المعصومين استنادا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء"، ومقولة الإمام الرضا " الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك".
5. الشيخ رضا الهمداني، وسيأتي كلامه.
6. الشيخ محمد حسين النائيني (1355هـ) صاحب كتاب: تنبيه الأمة وتنزيه الملة، حيث يقول: استحالة التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر الغائب وعدم وجود الأئمة المعصومين، وحاجة الأمة إلى قيادة مشروطة بمجلس منتخب.
7. الشيخ حسن الفريد (توفي سنة 1417 هـ) شيد نظرية (ولاية الفقيه) على أساسالحسبة) واعترف في (رسالة في الخمس) بعدم استفادة نظرية الولاية من الكتاب والسنة، بل من دليل الحسبة والضرورة.
8. السيد محمد رضا الكلبايكاني (ت1993م): نظّر لولاية الفقيه بالأدلة الفلسفية التي توجب إقامة (الإمامة) في كل عصر، وعدم جواز بقاء الأمة بدون قيادة. ولم يطرح نظرية (نيابة الفقهاء العامة) وإنما طرح نظريته حول (ولاية الفقيه) بصورة مستقلة. وقال معقباً على قول النراقي الذي قال" " انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا إلا بقيّم ورئيس لما لا بد منه في أمر الدين والدنيا" عقب قائلاًً : والظاهر منها أن عدة من الأمور مما لا بد منها في قوام الملة ونظم الرعية بحيث لولاها لاختل النظام، وفسدت معيشة الأنام، وتكثر الفتنة، ونزداد الحيرة وينجذم حبل الدين والدنيا، إذ ليست تلك الأمور مما يمكن صدوره من أي شخص، وفرد، بل لا بد في اجرائها من وجود الزعيم، وحكم القيم، الذي له الولاية على الرعية، والزعامة للأمة، ولهذا نرى في عيشنا، وفي كل مجتمع : إن طبقات الناس في منازعاتهم يرجعون في بدو الأمر إلى زعيمهم [13].
9. الخميني (1990م) لعب دورا هاما في تطوير الفقه السياسي الشيعي حيث حمل راية فكرة "ولاية الفقيه" من بعد الشيخ "مرتضى الأنصاري"، وكانت الظروف السياسية التي تمر بها إيران -الشاه والدور الذي لعبه الخميني في تحريك الاحتجاجات منذ عام 1963م، ثم نفيه إلى الخارج حيث استقر بالنجف فرصة كبيرة له لتطوير وصوغ أفكاره فيما يتعلق بإطاحة سلطة الشاه الدنيوية، وإقامة جمهورية إيران الإسلامية على أساس ولاية الفقيه، والتي يقابلها أن الحكومة تجسد خلافة الله على الأرض[14]. وسيأتي تفصيل قوله.
     لاحظنا مما مر أن الشيخ النراقي يعد من أوائل من إستخدم مصطلح ولاية الفقيه حيث سعى إلى تعزيز دور الفقيه وبوأه مركز السلطة بطرحه لهذه النظرية بصيغة تعد خرقاً واضحاً للإجماع الشيعي في مسألة الولاية حيث أثبت للفقيه كل ما هو للنبي والإمام "إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما" بناء على أن مصدر الولاية والتشريع هو الله وحده لا شريك له وأن الشارع منح الولاية إلى الأنبياء ثم الأوصياء ثم الفقهاء[15].
     وهذا نص كلامة:
في بيان وظيفة العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار في أمور الناس، وما لهم فيه الولاية على سبيل الكلية، فنقول وبالله التوفيق :
إن كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه أمران :
أحدهما : كل ما كان للنبي والامام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الاسلام - فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما.
وثانيهما : أن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابد من الاتيان به ولا مفر منه، إما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به. أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عسر أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر. أو ورود الاذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفته لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين - أي واحد لا بعينه - بل علم لا بدية الاتيان به أو الاذن فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه، والآتيان به [16].
     لذا يرى البعض أن هذا المعنى الذي قدمه النراقي هو المعنى الاصطلاحي للقائلين بـ"ولاية الفقيه" وإعتباره أول فقيه بحث التفصيل في مسألة ولاية الفقيه وجعل منها مسألة فقهية مستقلة"، وأن رأيه هو "أول رأي يصرح بوجوب الدور السياسي للفقهاء".
     ويتضح من قول النراقي ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وحصر الإمامة في الفقهاء مؤكداً على رفض نظرية الغيبة والإنتظار والتقية والنص والعصمة والسلالة العلوية في الإمام.
     نشط فقهاء الشيعة المعاصرون للنراقي والمتأخرون عنه في تداول هذه المسألة فبحثها الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بصاحب الجواهر (ت 1266 هـ) وعضد إلى حد ما رأى النراقي. ولكنه قصر عنه حيث قال[17]: "لولا عموم الولاية (أي للفقهاء) لبقيت كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة". فأثبت الولاية العامة للفقهاء مستدلاً بمقبولة عمر بن حنظلة وغيرها ولكنه يعود إلى نظرية الغيبة فيقول: "نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد عن ذلك ونحوه، وإلا لظهرت دولة الحق.. "[18]
     وقال رضا الهمداني (ت : 1322) مؤيداً لنظرية ولاية الفقيه التي أسماها ب :( القائمقامية للفقيه عن الإمام المهدي) : ولكن الذي يظهر بالتدبّر في التوقيع المروي عن إمام العصر - عجّل اللَّه فرجه -، الذي هو عمدة دليل النصب إنّما هو إقامة الفقيه المتمسّك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كلّ ما يكون الإمام مرجعا فيه كي لا يبقى شيعته متحيّرين في أزمنة الغيبة. وهو ما رواه في الوسائل عن كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب، قال : سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان - عجّل اللَّه فرجه - أمّا ما سألت عنه أرشدك اللَّه وثبّتك - إلى أن قال - وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللَّه، وأمّا محمد بن عثمان العمري فرضي اللَّه عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي وكتابه كتابي.. ومن تدبّر في هذا التوقيع الشريف يرى أنّه - عليه السّلام - قد أراد بهذا التوقيع إتمام الحجّة على شيعته في زمان غيبته بجعل الرواة حجّة عليهم على وجه لا يسع لأحد أن يتخطَّى عمّا فرضه اللَّه معتذرا بغيبة الإمام، لا مجرّد حجّية قولهم في نقل الرواية أو الفتوى [19].
     وهكذا بدأت معالم النظرية برؤيتها الحالية تتضح وأصبحت الأرضية خصبة للبذر بل وقطف الثمر، فجاء الخميني وشرع في تهيئة الناس لقبول هذه النظرية مستفيداً من التنظيرات السابقة فقال: "لو قام الشخص الحائز لهاتين الخصلتين (العلم بالقانون والعدالة) بتأسيس الحكومة، تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويجب على جميع الناس إطاعته. فتوهم أن صلاحيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم كانت أكثر من صلاحيات أمير المؤمنين عليه السلام وصلاحيات أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من صلاحيات الفقيه هو توهم خاطئ وباطل". نعم أن فضائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالطبع هي أكثر من فضائل جميع البشر، ولكن كثرة الفضائل المعنوية لا تزيد في صلاحيات الحكم. فنفس الصلاحيات التي كانت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في تعبئة الجيوش، وتعيين الولاة والمحافظين، واستلام الضرائب وصرفها في مصالح المسلمين، قد اعطاها الله تعالى للحكومة المفترضة هذه الأيام. غائة الأمر لم يعين شخصاً بالخصوص، وإنما اعطاه لعنوان العالم العادل[20].
     فرسخ الخميني بهذا دعائم التيار المتحرر من شروط النص والعصمة وسائر ما تعلق به الخط المتمسك بنظرية الإنتظار والمتمثل في أن هذه المسائل إنما هي من خصائص الإمام وأن الأمور الحادثة يقف عليها الإمام بطرق مباشرة سواء بالإلهام أو الوحي كما هو مسطور في مصنفات الشيعة.
ومهد بقوله هذا بضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وأن ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين، والعلم عنده تعالى وقال : · أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة)مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟... وأضاف:... أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة، وان لم تجعل لشخص خاص، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي... والعلة متحققة في زمن الغيبة، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها.
     ثم ترجم ذلك فعلياً على أرض الواقع عندما آل أمر ايران إليه بعد نجاح ثورته.

المعارضون
 
     لا شك أن ردود الفعل تجاه التطبيق العملي لأي نظرية تخلتف عن الردود في مرحلة التنظير، فعندما ظهرت بوادر هذه النظرية في صورتها الأولى في القرون المتقدمة رأينا كيف تصدى لها الفريق الآخر كما مر في مثال الجنيد المتوفى سنة 378 للهجرة والذي ألف كتابه "تهذيب الشيعة" وأخذ فيه بالقياس والاجتهاد واستنبط الفروع على قرارا علماء أهل السنة. فأثار سخط أضرابه الذين تصدوا لمنهجه بمصنفات، كما فعل المفيد في كتابه "النقض على ابن الجنيد". والمرتضى في "الانتصار" وفي "الشافي في الإمامة".
     وفي المحطات اللاحقة لهذه السجالات نرى أن تجربة المحقق الكركي مع الشاة طهماسب ومن جاء بعدهما من سلاطين وفقهاء والذي يرى البعض أنها أهم محطة عملية نشأت بين الفقيه والسطان، حيث طلب الشاه طهماسب من الكركي أن يشاركه في الحكم بإسم الإمام الغائب. جوبهت بنقد من التيار الإخباري التقليدي كالذي حصل بين الكركي وإبراهيم القطيفي (ت 950 هـ) والذي تمثلت في بعض وجوة الخلاف بين المدرستين كصلاة الجمعة وقال فيها الكركي بالوجوب التخييري بينما منعها القطيفي ومسألة جواز قبول الهدية من السلطان والتي أثارها القطيفي برفضه هدية أرسلها إليه الشاه طهماسب واستنكر ذلك الكركي وحصل بينهما مساجلة جعلت الفقهاء في مراحل لاحقة يعطون هذه المسألة أهمية خاصة في أبحاثهم الفقهية[21].
وكان القطيفي ينطلق في سجالاته من خلفية نافية لأي ولاية في غياب المعصوم ومحرمة لإقامة أي سلطان غير سلطان الإمام في عصر الغيبة. بينما كان المحقق الكركي يرتكز في مساجلاته وفي فتاواه إلى خلفية تقول بأن الفقيه المأمون الجامع للشرائط منصوب من الإمام المهدي، وبالتالي فهو الذي يعطي للحاكم شرعية حكمه.
     ولعل هذا ما شجع طهماسب للاستعانة به ونصبه إماما دينياً فكانت إمامته تطوراً كبيراً في التفكير السياسي الشيعي على يد المحقق الكركي، أثبته وجسده قولاً وعملاً رغم أنها افتقرت إلى نظرية كلية وواضحة اللهم إلا ما كان في رسالة طهماسب وما في بعض اجتهادات الكركي الجزئية التي أجاز نيابة الفقيه فيها مع أنه توقف في النيابة في أمور أخرى كالزكاة والجهاد مثلا مما يشير إلى تردد الكركي أو إلى عدم وصوله إلى نظرية حاسمة في الحكم.
     كذلك بحث الشيخ مرتضى الأنصاري نظرية أستاذه النراقي وانتقدها بشدة في كتابه "المكاسب" وقال عن الروايات المستدل بها على ولاية الفقيه على فرض صحتها: "لكن الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى بالناس في أموالهم، فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلف فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً".
     وانتهى إلى القول "فإقامه الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام إلا ما خرج بالدليل دون خرط القتاد". ولكنه رغم ذلك أجاز النيابة الجزئية للفقهاء أي المرجعية الدينية التي يمكن الرجوع إليها في الأمور التي لم تحمل على شخص معين.
 
وبعد الأنصاري توقف البحث الخاص في ولاية الفقيه كنظرية معتبرة بالمعنى الذي أطلقه النراقي إلى أن جاء الإمام الخميني وأعاد إحياءها.
     لم يكن جميع فقهاء الشيعة مؤيدين لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، فالغالبية العظمى منهم عارضوا الإمام الخميني في هذه النظرية في حياته ولحد الآن، ومنهم نائبه أيام الثورة الإسلامية، آية الله حسين علي منتظري الذي كان من المقرر أن يخلف الخميني ليكون مرشد الثورة الإسلامية في إيران بعد وفاته. وكان منتظري مؤيداً لولاية الفقيه الجزئية أي التي تعني في المسائل الدينية فقط، وليس في المسائل الدنيوية والمطلقة، إذ كان يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، مما حدا بالخميني إلى عزله في السنة الأخيرة من حكمه، وفرض عليه إقامة إجبارية في منزله، وتم تعيين السيد علي خامينئي خليفة للخميني، رغم أن خامينئي لم يكن قد بلغ درجة الاجتهاد (آية الله) عند وفاة الخميني عام 1989.
     وآية الله شريعتمداري إلى حد أن اتهمه الخميني بالردة عن الإسلام!!
وقال عنه موسى الموسوي: عندما أصر الإمام الشريعتمداري على موقفه المعارض أرسل الخميني عشرة الآف شخص من جلاوزته يحملون العصي والهراوات إلى دار الإمام يردون قتله وقتل أتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الإمام (وكر التجسس هذا لابد من حرقه) ودافع حرس الإمام لشريعتمداري دفاع الأبطال عن دار الإمام واستشهد رجلين من أتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه إمام قائم على إمام قاعد. وهكذا أعطى الإمام الخميني درساً بليغاً للائمة الآخرين الذين أردوا الوقوف ضد ولايته ليعملوا أن مصير الإمام الشريعتمداري سيكون مصيرهم إذا ما أردوا الوقوف ضد رغبته[22].
     وكذلك حسن الطباطبائي القمي في خرسان الذي لم يكن نصيبه من المحن والبلاء اقل من نظيره الإمام الشريعتمداري في قم عندما عارض ولاية الفقية معارضة الأبطال. لقد تقبل الإمام القمي ما لاقاه من الاضطهاد من زميله القديم في السجن والجهاد الإمام الخميني صابراً محتسباً في سبيله[23].
     وآية الله العظمى مرعشي النجفي وغيرهم.
     ومن الذين عارضوا نظرية ولاية الفقيه الخمينية جميع فقهاء الشيعة في النجف الأشرف، ومنهم من توفاهم الله مثل: محسن الحكيم ونجله محمد باقر الحكيم الذي اغتيل عام 2003 بعد عودته من منفاه في إيران، وأبو القاسم الخوئي، والشيرازي ومحمد صادق الصدر. والأحياء منهم مثل: علي السيستاني، ومحمد سعيد الحكيم، وإسحاق فياض، وبشير النجفي. وفي لبنان محمد حسين فضل الله، فقد أيد الخميني في البداية في ولاية الفقيه، ولكنه تراجع فيما بعد وقال "بتعدد ولايات الأمر" أو "تعدّد القيادة الإسلامية في عصر الغيبة"، ولذلك حورب من قبل حزب الله في لبنان الذي يؤمن بولاية الفقيه.
     ومحمد جواد مغنية حيث استنكر على الخميني ولاية الفقيه وقال : قول المعصوم وأمره تماماً كالتنزيل من الله العزيز العليم) {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 3]. ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل، وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علماً بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر جل وعز.. أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟ " [24].
     والمفارقة أن حفيد الإمام الخميني، السيد حسين الخميني، وهو رجل دين بدرجة آية الله، من أشد المعارضين في إيران لنظرية ولاية الفقيه وزج الدين بالسياسة، وله قول مشهور في هذا الخصوص: "السياسة تفسد الدين والدين يفسد السياسة". كما وإن محمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران سابقاً معارض لولاية الفقيه، ويسعى لقيام نظام ديمقراطي يحترم الدين. أما بالنسبة لموقف الشعب الإيراني من نظرية ولاية الفقيه فهو رافض لها كما ظهر ذلك بوضوح من خلال نسبة المقاطعين للانتخابات البرلمانية في الدورة الأخيرة (2008) التي بلغت نحو 80% من الذين يحق لهم التصويت، وكتعبير لمعارضتهم للنظام الإسلامي الثيوقراطي. كذلك انتفاضة الشعب الإيراني بعد الإنتخابات الرئاسية عام 2009 والتي فاز بها المرشح الديمقراطي المعارض مير حسين موسوي، فتم تزييف النتائج لصالح محمود أحمدي نجاد، وبمباركة من مرشد الثورة الإسلامية (الولي الفقيه) السيد علي خامنئي[25].

النقد الروائي
 
     تمسك القائلون بنظرية ولاية الفقيه بمجموعة روايات نذكر منها:
1ـ عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا، وإن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ". قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران [ إلى ] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت : فإن كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال : قلت : فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال : فقال : ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة : أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت : فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت : جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت : جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا. قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت : فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال : إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات [26].
2 عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه[27].
3 ـ عن إسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك - إلى أن قال : - وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله[28].
4 ـ عن علي عليه السلام، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم ارحم خلفائي، ثلاثا. قيل : يا رسول الله، ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يبلغون حديثي وسنتي، ثم يعلمونها أمتي[29].
5 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر [30].
6 ـ عن علي بن أبي حمزة قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول : إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شئ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها [31].
7 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول الله : وما دخولهم في الدنيا ؟ قال : اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم [32].
8 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام : " اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه، من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول : * ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم ) إلى أن قال : وأنتم أعظم الناس مصيبة، لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ذلك، بان مجاري الأمور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه[33].
9 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : " العلماء حكام على الناس " [34].
10 ـ عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه قال : السلطان ولي من لا ولي له " [35].
11 ـ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي[36].
12 ـ عن الامام الرضا عليه السلام قال : منزلة الفقيه في هذا الوقت، كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل[37].
13 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال : العلماء امناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة. وفي رواية أخرى : العلماء منار، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة [38].
14 ـ عن محمد بن إسماعيل قال : مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه الوصية وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهن فروج قال : فذكرت ذلك لأبي جعفر عليه السلام وقلت له : يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن أو قال : يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك ؟ قال : فقال : إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس[39].
15 ـ عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال : سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية وترك أولادا ذكرانا [ وإناثا ] وغلمانا صغارا وترك جواري ومماليك هل يستقيم أن تباع الجواري ؟ قال : نعم. وعن الرجل يصحب الرجل في سفره فيحدث به حدث الموت ولا يدرك الوصية كيف يصنع بمتاعه وله أولاد صغار وكبار أيجوز أن يدفع متاعه ودوابه إلى ولده الكبار أو إلى القاضي ؟ فإن كان في بلدة ليس فيها قاض كيف يصنع ؟ وإن كان دفع المال إلى ولده الأكابر ولم يعلم به فذهب ولم يقدر على رده كيف يصنع ؟ قال : إذا أدرك الصغار وطلبوا فلم يجد بدا من إخراجه إلا أن يكون بأمر السلطان. وعن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة صغار وكبار أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك فإن تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستأمره الخليفة أيطيب الشراء من أم لا ؟ فقال : إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك[40].
16 ـ عن زرعة، عن سماعة قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث ؟ قال : إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس [41].
17 ـ قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : من خير خلق الله بعد أئمة الهدى، ومصابيح الدجى ؟ قال : العلماء إذا صلحوا [42].
18 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم[43].
19 ـ مقاتل بن سليمان : وجدت في الإنجيل أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام : عظم العلماء وأعرف فضلهم فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شئ[44].
20 ـ عن الرضا عليه السلام : روي أن لأيسر القبيلة وهو فقيهها وعالمها أن يتصرف لليتيم في ماله فيما يراه حظا وصلاحا، وليس عليه خسران ولا له ربح، والربح والخسران لليتيم وعليه، وبالله التوفيق [45].
     فهذه جل الروايات التي يحتج بها من ذهب إلى القول بنظرية ولاية الفقيه، وهي كما يتبين من النظرة الأولى لمن له إلمام بهذه المسائل لا تخلو من مآخذ كبعد البعض عن المقصود إن صحت، وكون بعضها لم ترد من طرق الشيعة فتكون ساقطة عن الإعتبار عند الفريق الآخر وضعف أسانيد البعض الآخر والمنقولة من كتب فيها كلام عند الشيعة أنفسهم الأمر الذي لا يسعنا الكلام فيه في هذا المختصر.
     أما المتون فبعضها تتكلم عن حالة خاصة فى رجلين تنازعا فى ميراث. لذلك رفض الفقهاء تعميمها وتطبيقها على الولاية المنظورة بقياس غير مقبول مع الفارق الكبير بينهما. كما أنها ترجع إلى (قد روى حديثنا) وليس الفقهاء المجتهدين أى النظرية الإخبارية التى كانت سائدة فى الفكر الشيعى سابقا بعد عصر الغيبة لفترات طويلة وهى تحرم الاجتهاد بروايات اللعن من الأئمة على من يجتهد ويستعمل عقله فى القياس وغيره، وكذلك تحرم التقليد لأحاديث أهل البيت (من قلَّدَ فى دينه هلك) قبل التأثر بالمذاهب السنية ومدارس الاجتهاد[46].
     ثم أن أكثر هذه الروايات وردت في بيان فضيلة العلم كما يرى المعارضين ويروون أن الذي يرثه الوارث ليس هو جميع شؤون الموروث. بل لا يرث إلا ما كان يصلح للوراثة والمناسب ههنا بمناسبة المقام هو تبليغ الأحكام وبيان الشرعية. وهذه الروايات مذيلة غالباً بأن الأنبياء لا يورّثون مالا المفهوم منه أن ذلك ليس من شأنهم وإنما لا اهتمام لهم بالمال والدنيا لا أنهم لا يورّثون مطلقاً لمخالفة ذلك لنص الكتاب والسنة فإذن هي بصدد بيان وراثة العلم الذي هو من شأن الأنبياء وما هو من شأن العلماء من وراثة العلم وسيرة الأنبياء في مقابل الطواغيت والظلمة.
     وأن الاستدلال براوية مجاري الأمور وغيرها إنما يراد منه الأئمة المعصومين كما يعتقد الشيعة فهي لو كانت لها ظهور فإنما هو في الولاية التكوينية لو قيل بها بالنسبة للمعصومين، كما وأن العلماء بالله لا ينطبق إلا على أهل البيت برأي الشيعة لأن سائر الناس لا يقال في حقهم انهم من العالمين بالله بل غاية ما يمكن أن يقال في حقهم أنهم عارفون بالله. وقالوا - أي الفريق المعارض للنظرية - إن ما استدلّ به على الولاية المطلقة لا إشعار فيه على ذلك وأن ولاية النبي وآله ولاية تابعة لذواتهم وليست قابلة للجعل لغيرهم وعلى فرض إمكان مجعوليتها فهي محتاجة إلى أدلة قطعية واضحة تثبت هذا التنزيل أو التفويض للفقيه بنحو الولاية المطلقة بما تسوّق التصرّف في الأنفس والأعراض والأموال، وأين الفقيه من مثل (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، أو كون النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكيف يمكن تصور هذه المنزلة العظمى للفقهاء في زمن الغيبة؟.
     كما وأن مجاري الأمور بيد العلماء لا دليل فيه على أكثر مما تحتاج إليه الناس لنظم أمورهم وهذا ما تتكفّله الولاية الوسطى التي عليها معظم الاعلام. ثم يشير الاعلام إلى أن هذه الروايات ليست في مقام جعل الولاية فتكون مهملة من هذه الجهة. ويضيفون إلى ذلك أن كلمة العلماء إنما تطلق على أهل البيت خاصة في ذلك الزمان فسياقها ينصرف إليهم وهناك مما يؤيد ذلك أيضاً من الروايات الشيعة كما ورد نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون.
     فكيف مع ذلك يمكن حمل إطلاق لفظ العلماء على الفقهاء في زمن الغيبة مع عدم وجود قرينة على ذلك بل مع وجود القرينة على الخلاف وهي الروايات الدالة على أن العلماء هم المعصومون وأنه لا أقل من تحقق الاحتمال فلا يمكن الجزم بكون المراد من العلماء هم الفقهاء.
     وكذا حديث (رحم الله خلفائي) فالظاهر منه كونه في مقام تبليغ الأحكام وتعليم الناس للكتاب والسنة وليس في صدد جعل المنصب والولاية للفقيه فضلاً عن كون هذه الولاية بنحو الولاية المطلقة[47].
     فهذه حال الروايات التي يستند عليها من دعى لهذه النظرية وعلى رأسهم الإمام الخميني الذي لم يكن حظه في الإجتهاد سوى رسالته العمليه وهي أقرب إلى النسخ واللصق من وسيلة النجاة للإصفهاني، وهذه الرسالة أجيزت لإنقاذه من حبل المشنقة عندما كان مسجوناً بإعتبار أن قانونا في الدستور الإيراني يمنع إعدام الفقيه. أما سائر كتيه ففيها من المسائل التي أستوجبت تكفيره من علماء المسلمين حتى من بني جلدته وبالأخص تلك المتعلقة بآراءة المؤيدة لإبن عربي وكفرياته.
     وخلاصة ما مر كما يقول الكاتب أن مسيرة الفكر السياسي الشيعي خلال ألف عام، منذ وفاة الإمام الحسن العسكري، والقول بوجود ولد له في السر هو :( الإمام المهدي) الغائب المنتظر، مر في مراحل. ففي القرون الأولى قالوا بنظرية :(التقية والانتظار) كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة والغيبة) التي كانت تحرم إقامة الدولة أو الثورة أو ممارسة أي نشاط سياسي إلا بقيادة (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وهو ما أدى إلى انسحاب الشيعة من المسرح السياسي والانعزال التام.
     ثم تراجع الفكر الامامي عن هذه النظرية تدريجيا وقال بنظرية :(النيابة العامة) التي طورها الفقهاء بعد ذلك بقرون إلى نظرية ( ولاية الفقيه)، والتي تخلَّوا فيها عمليا عن النظرية (الامامية ) حيث أجازوا إقامة الدولة بدون اشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية في (الإمام المعاصر) وهو ما أدى إلى نهضة الشيعة في العصر الحديث، وقيامهم بتأسيس (الجمهورية الإسلامية ) في إيران.
     وقد رفض أصحاب نظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) النصوص المثبطة التي جاء بها أصحاب نظرية (الانتظار) والتي كانت تحرم الثورة والخروج مع أي ثائر حتى لو كان من أهل البيت سوى ( الإمام المهدي المنتظر). واستعانوا بالعقل في عملية التنظير لوجوب إقامة الدولة في (عصر الغيبة ) واستخدموا نفس أدلة وجوب الإمامة، الفلسفية، التي استخدمها الأولون، في إثبات عدم جواز انتظار (الإمام المهدي الغائب) الذي قد تطول غيبته آلاف السنين، كما قال الإمام الخميني. وذلك خلافا للشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم من المتكلمين الذين كانوا يشترطون العصمة في الإمام، ويقولون: · ان طريق معرفة الإمام هو النصب والنص من الله، وان لا طريق للتعرف على الإمام إلا بقول النبي أو الإمام السابق أو المعاجز. ويرفضون : قيام الأمة بنصب الإمام واختياره عبر الشورى، ويقولون: ليس يقوم عندنا مقام الإمام إلا الإمام.

تهافت النظرية
 
     لم يقف أصحاب الرأي الآخر من الشيعة أمام هذه النظرية الطارئة في الفكر الشيعي مكتوفي اليدين ودون نقد، وحيث أن أهل مكة ادرى بشعابها فلندع الهدم يأتي من الداخل الشيعي. فقد رأى الفريق الآخر أن النصوص المتعلقة بالحكم تكاد تكون مفقودة؛ فأغلب الأخبار المعتمدة هي تلك التي تتعلق بالقضاء، وبعضها جاء في الأُمور العامة كالحث بالرجوع إلى العلماء، وحيث أن آيتي الشورى ليستا كافيتين بأن تغطيا مشكلة الحكم، وأن ظاهرهما يتعلق بالمؤمنين عموماً وليس العلماء منهم فقط؛ لذا عمدت الإطروحة الجديدة (شورى الفقهاء) إلى المزاوجة بين ما يُفاد من الآيتين في الحث على الشورى وبين ما تنص عليه الأخبار في الرجوع إلى الفقيه وقبول حكمه كما في القضاء، فكانت الحصيلة من عملية الجمع هذه هي التبشير بفكرة الشورى لكل من الأُمة والفقهاء. فشورى الأُمة تتمثل بإنتخابهم لشورى الفقهاء بما لهم من منصب من قبل الإمام، فيكون الحكم للأُمة والفقهاء، حيث لا يتم تنصيب الفقهاء إلا برضا الأُمة.
     وسيأتي الكلام بتوسع في مسألة شورى المراجع.
     وتقتضي أدلة التقليد لزوم إتباع الخبير، وتقتضي أدلة الحكومة إتباع حكم الحاكم لا مطلق الخبير في شؤون الحكم، أما أدلة الشورى فهي ناطقة بوجوب الإستشارة على الحاكم وإتباعه للأكثرية، وبالتالي تكون الحكومة لكل الفقهاء لا لأحدهم، أو لأحدهم مشروطاً بإمضاء الأكثرية.
     ويرى هذا الفريق أن إطلاق معنى الحاكم ليشمل كل أمر ونهي بحيث يكون كلامه هو القانون، والقانون هو كلامه وامضاءه، ليس على إطلاقه، ولابد من تقييده بأمور كالتقييد بتطبيق الاحكام الشرعية العامة بحيث إذا لم يحكم بالحكم الشرعي يجب الرد عليه ورفضه. والتقييد بالمرتبة السفلى عن مرتبة المعصومين الذين لهم تمام الولاية على الاموال والأنفس، فلا تكون للفقيه تلك الصلاحية. والتقييد بالمصلحة، فلابد أن يكون حكمه مطابقاً للمصلحة ولا ينفذ من دونها، وهذا لابد من معرفة واقعه لأن الفقيه متمسك بالمصلحة نظرياً وفي حدود دليله.
     ومن هذا كله صحت تسمية الفقيه بالحاكم الشرعي وليس بالولي الشرعي أو الولي العام الاّ مجازاً، لأن صفات الحاكم تختلف عن صفات الولي كما هو واضح جلي.
     لذا يرى ويدعو التيار المعارض لنظرية الولي الفقيه إلى تبني شورى الفقهاء أو المراجع مستدلين بقوله تعالى : (أمرهم شورى بينهم) وقوله تعالى في آية أخرى (وشاورهم في الأمر). وأن الأصل أن الله عزوجل لم يعين أحد المراجع للحكم، الأمر الذي يقتضي إباحة اختيار أي منهم. ولخصوا رؤيتهم هذه على أن الحكومة الإسلامية قوامها شورى المراجع الذين هم مراجع تقليد الناس فهم نواب الأئمة، ولا وجه لأن يكون بعض المراجع في الحكم دون بعض. وأن ولاية الفقهاء العامة محصورة بالأمور الحسبية والتنظيمية. وأن الرجوع إلى الفقيه ليس أمراً مبهماً لا يمكن التعرف على ملاكه، وإن الرجوع إلى المختصين في الأمور السياسية إنما يهدف إلى تحسين الأداء السياسي. وأن الفقيه؛ بسبب تخصصه في علم الفقه، لا يُعّد هو القدر المتيقّن من المخوّلين في التصدي لمثل هذه الأمور، فلا بد من التمييز بين التخصّص في الفتوى والتخصّص في الإدارة والتنفيذ، فقد يكون الفقيه أعلم في الإفتاء، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون مختصّاً في الإدارة والتطبيق.
     وهكذا نرى أن نظرية (ولاية الفقيه) التي تحصر الحق في ممارسة السلطة في (الفقهاء) كانت محل نقاش كبير بين العلماء، لأن تلك الروايات الخاصة والعامة التي اعتمدت عليها كانت هي الأخرى، ولا تزال، محل نقاش كبير في سندها ودلالتها، مما يضعف الاستدلال على حصر حق الحكم في الفقهاء، إذ أن مناط الفقه غير مناط الحكم والقدرة على إدارة البلاد.
     نعم قد يستحسن أن يكون الحاكم فقيها، ولكن لا علاقة للفقه بالحكومة، إذ قد يستعين الحاكم بالفقهاء ويكوّن منهم مجلسا للشورى، وربما يقال: إن الحاكم يجب أن يكون فقيها بما يحتاج إليه من أمور الإدارة والسياسة والاقتصاد، ولا يجب أن يكون فقيها بمسائل الحلال والحرام الأخرى. وهناك أمور تتعلق بالقوة والأمانة، كالإشراف على أموال اليتامى والمجانين ولا علاقة لها بالفقه والاجتهاد.
     وقد رفض بعض العلماء نظرية ولاية الفقيه كالشيخ مرتضى الأنصاري الذي ناقش في (المكاسب) أدلة القائلين بالولاية العامة، حيث استعرض الروايات العامة التي يتشبثون بها، وأنكر دلالتها على الموضوع ولاية الفقيه وحدد دلالتها في موضوع الفتيا والقضاء فقط.
     وكذلك فعل الخوئي الذي قال : إن ما استدل به على الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في موردين هما الفتوى والقضاء.
     ومما أستدل به المعارضين على نقد هذه النظرية هو تناقضها مع نظرية الإمامة الإلهية وأن فهم معنى الولاية المطلقة للفقهاء، من تلك الروايات الخاصة والعامة يتناقض مع نظرية (الإمامة الإلهية) التي تحصر الحق في الحكم في (الأئمة المعصومين المعينيين من قبل الله)، ولذلك لم يفهم أحد من العلماء الشيعة الإمامية السابقين الذين رووا تلك الروايات معنى الولاية منها، وآثروا الالتزام بنظرية الانتظار على استنباط معنى الولاية العامة منها. وأن الفقه بمعنى الاجتهاد، مفهوم حادث متأخر في الفكر الشيعي الإمامي الذي كان يحرم الاجتهاد في القرون الأربعة الأولى، ويعتبره من ملامح المذاهب السنية، وهو ما يقول به الاخباريون (الاماميون الأوائل) حتى اليوم. وأن إعطاء الفقيه العادل، وهو بشر غير معصوم ومعرض للخطأ والانحراف، صلاحيات الرسول صلى الله عليه وسلم المطلقة وولايته العامة على النفوس والأموال، والتطرف في ذلك إلى حد السماح للفقيه بتجميد القوانين الإسلامية الجزئية (الشريعة) كما يقول الإمام الخميني والآذري القمي وبعض أنصار ولاية الفقيه في إيران يعتبر محاولة لإلغاء الفوارق الضرورية بين النبي المعصوم المرتبط بالسماء وبين الفقيه الإنسان العادي المعرض للجهل والهوى والانحراف، وهذا ما يتناقض تماما مع الفكر الأمامي القديم الذي رفض مساواة أولي الأمر (الحكام العاديين) في وجوب الطاعة لهم كوجوب الطاعة لله والرسول، وذلك خوفا من أمرهم بمعصية والوقوع في التناقض بين طاعتهم وطاعة الله.. ومن هنا ابتدع الفكر الأمامي واشترط العصمة كشرط في (الإمام) - مطلق الإمام - ثم قال بوجوب النص، وانحصار النص في أهل البيت وفي سلالة علي والحسين إلى يوم القيامة.
     وقالوا : إذا أعطينا الفقيه الصلاحيات المطلقة والواسعة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأوجبنا على الناس طاعته، وهو غير معصوم، فماذا يبقى من الفرق بينه وبين الرسول؟.. ولماذا إذن أوجبنا العصمة والنص في الإمامة وخالفنا بقية المسلمين وشجبنا اختيار الصحابة لأبي بكر مع انه كان افقه من الفقهاء المعاصرين؟
     وأضافوا مادام الفقيه إنسانا غير معصوم فانه معرض كغيره للهوى وحب الرئاسة والحسد والتجاوز والطغيان، بل انه معرض أكثر من غيره للتحول إلى اخطر دكتاتور يجمع بيديه القوة والمال والدين، وهو ما يدعونا إلى تحديد وتفكيك وتوزيع صلاحياته أكثر من غيره، لا أن نجعله كالرسول أو الأئمة المعصومين، فانه عندئذ سيتحول إلى ظل الله في الأرض، ويمارس هيمنة مطلقة على الأمة كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى. ودللوا على هذا بما حدث في إيران عندما قال الخميني في رسالته إلى الخامنئي: إن الحكومة تستطيع أن تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأت أنها مخالفة لمصالح البلد أو الإسلام، وتستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام، ما دام كذلك. إن الحكومة تستطيع أن تمنع وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وان باستطاعة الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع أن يعالجه بدون التخريب!.
     وقد يجوز كل ذلك فعلا عند المصلحة والضرورة.. ولكن المشكلة هي من يحدد المصلحة والضرورة؟ إذ إن كل حاكم يرى أن المصلحة تقف إلى جانبه وان الصواب هو ما يراه، فإذا أعطيناه القدرة على تخريب المساجد فانه قد يخرب ويهدم المساجد المعارضة له ويعتبرها كمسجد ضرار، وتبلغ المشكلة قمة الخطورة عندما نعطي للحاكم القدرة على إلغاء أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الأمة بحجة انه رأى بعد ذلك أنها مخالفة لمصلحة البلد أو الإسلام، دون أن نعطي الأمة الحق في تحديد تلك المصلحة أو ذلك التناقض مع الإسلام.
     وبالرغم من إن الخميني كان قد التزم مع الشعب الإيراني بالدستور الذي أعده مجلس الخبراء في بداية تأسيس الجمهورية الإسلامية، وحدد فيه صلاحيات الإمام، إلا انه ألغى الدستور عمليا وتجاوز صلاحياته ليتدخل في أعمال مجلس الشورى ومجلس المحافظة على الدستور ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وذلك انطلاقا من إيمانه بقدرة الفقيه الحاكم على إلغاء أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الشعب، إذا رأى بعد ذلك أنها تتناقض مع مصلحة الأمة أو الإسلام، وهو ما عبر عنه للخامنئي عند احتجاجه على بعض تلك التجاوزات.
     والخميني الذي يؤمن بنظرية الجعل والنصب للفقهاء من قبل الإمام المهدي، يقع في مشكلة عويصة هي مشكلة التزاحم بين الفقهاء والصراع فيما بينهم على ممارسة السلطة والولاية، ويحاول حلها في كتاب (البيع) بصورة أو بأخرى. ولكنه لا يخرج منها بحل مرضٍ خصوصا وانه لا يرى أي دور للأمة في تفضيل واحد من الفقهاء على الآخر، أو حصر الحق بالولاية لمن تنتخبه الأمة، كما يرى الشيخ المنتظري في كتاب (دروس في ولاية الفقيه).
     كل هذا جعل الفريق المعارض يقول: إن الجزء الأول من نظرية (ولاية الفقيه) السياسية معقول ولكن الجزء الآخر (النيابة العامة) الذي بني على أحاديث (نقلية) ضعيفة، يبدو غير منطقي ولا معقول، خاصة وانه يتسبب في إعطاء الولاية المطلقة العامة للفقهاء، وتجريد الأمة منها.
     وفصل هؤلاء البديل لنظرية ولاية الفقيه وهي نظرية شورى الفقهاء التي ذكرنا بعض ملامحها بالقول بأن الأمة تختار مجموعة من الفقهاء (ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم) وإذا تحقق أن انتخبت الأمة مجموعة من الفقهاء تأتي مسألة جديدة، إذ يتخذ الوضع أحد حالتين:
أ- أن يقرر الفقهاء المنتخبون ترئيس أحدهم، ويمارس الباقون مهمة الاستشارة، فهم (مشاورون).
ب- أن تنفذ أمور الدولة والحكم بـ (الرهينة الجماعية).
     وعليه يكون للدولة الإسلامية رئيسها الأعلى هو الفقيه الجامع للشرائط، سواء كان بصورة فردية أو بصورة جماعية- حسب اختيار الأمة أحد الأمرين.
     ويرون أن أن الأمة إذا اختارت اكثر من فقيه جامع لشرائط الحكم وتشكلت من ذلك هيئة حاكمة، إنما نكون قد افرزت (شورى المراجع) كصورة للحكم الإسلامي على ارض الواقع، ولكن تفطنوا إلى نتيجة خطيرة مؤداها، أن أن (شورى المراجع) كطريقة في الحكم متوقفة على إمضاء الأمة لها. وبهذا يجسد الشيرازي على الرغم من أنه يرى في (شورى المراجع) أنها امثل الصور وأدقها وأروعها واجدرها في إدارة شؤون الدولة، إلا أنها يجب أن لا تفرض على الناس بقوة أو إيهام أو بأي لون من ألوان الفرض، بل يجب أن تكون نتيجة انتخاب شعبي شامل حيث تعمل عملية الانتخاب هنا دورها الإيجابي الفاعل وتعود إلى القاعدة الأساسية الأولى التي أرساها الشيرازي، إلا وهي على ضرورة تعيين الحاكم- فردا أو جماعة- بالانتخاب.
فخلاصة نظرية الشيرازي تتلخص بالتسلسل الآتي:
أولا: لا بد من حاكم إسلامي.
ثانيا: هذا الحاكم إما فرد واحد (ولاية الفقيه)، أو جماعة من الفقهاء الجامعين للشرائط (شورى المراجع).
ثالثا: في حالة الشورى، إما أن تجتمع العناصر على ترئيس أحدها، أو تتفق أن يكون الحكم استشاريا بينها.
رابعا: ولاية الفقيه أو شورى المراجع إنما تتقرر بالانتخاب المباشر أو بواسطة نواب منتخبين لهذا الغرض.
والشيرازي يؤمن بـ (شورى المراجع) كنظرية خاصة، ولكن يقيد أو يشترط إمضاءها على ارض الواقع برضا الأمة، لأن الانتخاب عنده أصل لا يمكن خرقه أو تنحيته.
     وقال معارضون آخرون لو كانت لنظرية (النيابة العامة) أو (ولاية الفقيه) أي رصيد من الواقع لتحدث عنها (الإمام المهدي) أو النواب ,ومن هنا فلم يعرف الشيخ الصدوق نظرية النيابة العامة ,ولم يشر إليها أبدا. كذلك لم تتحدث الرسائل الثلاث التي يقال إن (الإمام المهدي) قد أرسلها إلى الشيخ المفيد عن النيابة العامة للفقهاء وخلت من أي إشارة إلى تفويضه أو تفويض الفقهاء بأي منصب قيادي في (عصر الغيبة الكبرى). وبالرغم من ذلك فقد تحدث الشيخ المفيد في (المقنعة) عن تفويض الأئمة للفقهاء إقامة الحدود في عصر الغيبة فقط.
     وقد تحدث الشيخ الطوسي والسيد المرتضى عن فرضية تفويض الأئمة العام للفقهاء في مجال الحدود والقضاء.
وبقية تطور النظرية مر ذكره.
     وكانت المشكلة الرئيسة التي حالت دون قول بعض الفقهاء (كالشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر) بنظرية (الولاية العامة) هي فلسفتهم عن سر (غيبة الإمام المهدي) واعتقادهم بعدم توفر الظروف الموضوعية للخروج، ومن ثم اعتقادهم بعدم إمكانية إقامة الدولة في (عصر الغيبة) فضلا عن جوازها، وذلك لوجود الخوف والإرهاب الذي يمنع الإمام من الظهور، كما يقول النجفي (صاحب الجواهر)، الذي قال بنظرية (النيابة العامة) بشكل محدود، ولكنه لم يقل بنظرية (ولاية الفقيه العامة) بسبب إيمانه بعدم إمكانية تحقق ذلك · وإلا لظهرت دولة الحق.
     وذلك إضافة إلى عدم قيام الأدلة العقلية لديهم بمقاومة أدلة نظرية (الإمامة الإلهية) ووليدتها نظرية (الانتظار).
     وربما كان هذا هو السبب في إحجام عدد من العلماء الذين قالوا بنظرية: (ولاية الفقيه العامة) كضرورة لا بد منها في (عصر الغيبة) ولو من باب الحسبة، عن مد النظرية إلى بعض أبواب الفقه كالجهاد وصلاة الجمعة والحدود، التي اشترطوا فيها إذن الإمام المعصوم (المهدي المنتظر).
     بينما كانت نظرية (ولاية الفقيه) تقوم على أساس منطق كلامي جديد يحتم قيام الدولة في عصر الغيبة كضرورة اجتماعية لا مفر منها، ولا يلتزم بشرط توفر (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) في (الإمام المعاصر) ويكتفي بتوفر شرط (العلم والعدالة والتصدي والكفاءة الإدارية).
     وفي الحقيقة.. لم يدع أحد من أنصار ولاية الفقيه قوة سند تلك الروايات، وإنما حاولوا تعضيدها بالعقل وعدم إمكانية بقاء الحكومة بلا والٍ، وقالوا ان الفقيه هو القدر المتيقن المسموح به على قاعدة اختصاص الولاية بالله والرسول والأئمة الاثني عشر.
     وقد قام النراقي في الاستدلال على ضرورة إقامة الدولة في عصر الغيبة بالأدلة العقلية ثم حصر الجواز في الفقهاء فقط، بناء على تلك الأخبار الضعيفة.
     ونتيجة لضعف الأدلة النقلية وعجزها عن إثبات الولاية للفقيه بالنيابة العامة عن الإمام المهدي، فقد حاول الشيخ حسن الفريد (توفي سنة 1417 ه) ان يشيد نظرية (ولاية الفقيه) على أساس: (الحسبة) واعترف في (رسالة في الخمس) بعدم استفادة نظرية الولاية من الكتاب والسنة، بل من دليل الحسبة والضرورة.
     واعتبر السيد البروجردي مقبولة عمر بن حنظلة · شاهدا على نظرية (النيابة العامة) بعد أن استدل عليها بالمنطق القياسي وقال:· إن الأئمة (ع) إما إنهم لم ينصبوا أحدا للأمور العامة وأهملوها، وإما إنهم نصبوا الفقيه لها، لكن الأول باطل فثبت الثاني، وهذا قياس استثنائي.
     وكذلك فعل الإمام الخميني الذي نظر عقليا لوجوب إقامة الدولة في عصر الغيبة. وأكد في (الحكومة الإسلامية): عدم وجود النص على شخص من ينوب عن الإمام المهدي حال غيبته.
     وقد رفض الإمام الخميني الأدلة العقلية والنقلية التي قدمها ويقدمها علماء الكلام الأماميون السابقون الذين كانوا يشترطون العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام، واستخدم العقل في رفض نظرية الانتظار السلبية المخدرة التي تحرم إقامة الدولة في (عصر الغيبة) إلا للإمام المعصوم الغائب، وتساءل:· هل تبقى أحكام الإسلام معطلة حتى قدوم الإمام المنتظر؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد (الغيبة الصغرى) كل شيء؟..
     وضعّف عقليا الأحاديث · المتواترة والتي كان يجمع عليها الأمامية في السابق، والتي تقول:· ان كل راية ترفع قبل راية المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله. وقد استخدم المقدمة الامامية الأولى في (ضرورة وجود امام في الأرض) لينطلق منها إلى إثبات (ضرورة الإمامة في هذا العصر).
     وفي الحقيقة.. إن أساس المشكلة في هذه المسألة المهمة يعود إلى الدمج بين نظرية (النيابة العامة) المستنبطة من بعض الأدلة الروائية الضعيفة وبين نظرية (ولاية الفقيه) المعتمدة على العقل وعلى ضرورة تشكيل الحكومة في (عصر الغيبة) بعيدا عن شروط العصمة والنص الإلهي والسلالة العلوية الحسينية، وان الخلط بين هاتين النظريتين، أو تطوير نظرية (النيابة العامة) إلى مستوى إقامة الدولة أدى إلى جعل الفقيه بمثابة الإمام المعصوم أو النبي الأعظم وإعطائه كامل الصلاحيات المطلقة، وإلغاء الفوارق بين المعصوم وغير المعصوم، بالرغم من قابلية الأخير للجهل والخطأ والانحراف، وهو ما يتناقض مع أساس الفلسفة الأمامية القديمة حول اشتراط العصمة في الإمام.
     وخلاصة القول ,بالرغم من إن الكثير من الفقهاء حديثا ,قد قالوا بنظرية ولاية الفقيه إلا إن اغلبهم حذروا من ديكتاتورية الفقيه المطلقة ولم يعترفوا بسلطة أي فقيه على فقيه آخر ولا على مقلدي الفقهاء الآخرين كما أراد الخميني في نظريته بل الحقيقة إن اغلبهم رفض هذه النظرية كما أرادها الخميني وفضلوا عليها نظرية ولاية الفقيه بالمفهوم الأولي التي جاءت به والتي تجيز لكل فقيه من الفقهاء إن يتصدوا للحكم بأنفسهم أي لا تكون محصورة بفقيه واحد؟!
     يقول محمد حسن فضل الله : ولاية الفقيه نظرية لا يراها أكثر فقهاء الشيعة، وأنا لا أراها. ولا يتحتّم أن تكون الولاية للفقيه بمعنى السلطة التنفيذية. السيد أبو القاسم الخوئي لا يرى ولاية الفقيه وكذلك السيد محسن الحكيم؛ لكن نفي ولاية الفقيه من ناحية النظريّة الاجتهادية تنطلق من عدم ضرورة أن يكون الولي فقيهاً، ولا يعني عدم إسلاميّة النظام. وبتعبير آخر: إنّنا نقول إن الفقه بما هو حالة ثقافية اجتهادية لا يلازم ناحية الولاية التي ترتبط بالجانب التنفيذي، ولكن قد يجتمعان في شخص. ولكن الأساس أمران: الأوّل الكفاءة القيادية والخبرة والفضيلة، والثاني هو أن يرتكز إلى الشرع الإسلامي في إدارة الحكم.
     ويقول رئيس التيار الشيعي الحر في لبنان الشيخ محمد الحاج الحسن : أن مشروع ولاية الفقيه: مشروع مؤامرة، وتآمري كبير؛ فلا سلطة للولي الفقيه على أي من خارج حدود إيران. وأما في ما يتعلق بالشيعة العرب، فنحن ندعوهم، ونقول لهم: آن الأوان لنقول كلمتنا، إننا جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة العربية، والأمة الإسلامية. وعلينا أن نتصدى لكل المؤامرة، التي تأتينا تحت عنوان ولاية الفقيه[48].
     وقال محمد جواد مغنيه في كتابه فقه الإمام الصادق: ونحن نعتقد أن المعصوم وحده هو الذي يجب اتباعه في جميع أقواله وأفعاله سواء أكانت من الموضوعات أم من غيرها أما النائب والوكيل فلا، بداهة ان النائب غير المنوب عنه والوكيل غير الاصيل وليس من الضرورة أن يكون النائب في شيء نائبا في كل شيء، وأيضا نعتقد أن من قال وادعى أن للمجتهد العادل كل ما للمعصوم هو واحد من اثنين لا ثالث لهما اما ذاهل مغفل واما أنه يجر النار على قرصه ويزعم لنفسه ما خص الله به صفوة الصفوة من خلقه وهم النبي وأهل بيته (ع) وأعوذ بالله من هذه الدعوة وصاحبها.
     وقال علي الأمين معقباً : على هذا الاساس يقال بعدم ثبوت الطاعة التي كانت ثابتة للمعصوم وعدم انتقالها إلى الفقيه وإن صار حاكما بالمعنى السياسي لأن الطاعة حينئذ لا تكون لشخصه وإنما تكون طاعة الانظمة العامة والقوانين التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم وليست ولاية على النفس والأموال والآراء والافكار والمعتقدات فليس للحاكم أن يختزل آراء الناس برأيه وسلطته وإن كان معصوما كما كان يقول الإمام علي (ع) للذين ولّي عليهم: (فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ... فإن من استثقل الحق أن يقال له والعدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل).
     هذا إذا كان الحاكم معصوما! فكيف إذا لم يكن الحاكم معصوما فإن حق المعارضة والاختلاف يكون ثابتا بطريق أولى! لأن موقعه كحاكم سياسي لا يمنحه حق الطاعة الالهية خصوصا في عالم السياسة والادارة إذ لا يختلف اختصاص الفقهاء فيها عن اختصاص غيرهم من السياسيين حتى ينحصر الرجوع اليهم فيها كما هو الحال في الاحكام الشرعية التي يكون استنباطها من اختصاص الفقهاء وحدهم فينحصر التعرف عليها بمرجعيتهم الدينية ولذلك لم يعتبر الإمام علي انحصار الحاكمية السياسية بالامام أو الفقيه كما جاء في رده على الخوارج قائلا: (وإنه لابد للناس من أمير برأو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر)، فهو لم يذكر الموقع الديني للحاكم السياسي وإنما ذكر الوظيفة المنوطة به في ادارة شئون البلاد والدفاع عنها والمحافظة على حقوق الناس وأمنهم.
     وقد ذكر في مجال آخر جملة من الاوصاف التي يجب أن تتوافر في الوالي الحاكم ليس لها علاقة بالرتبة الدينية التي يحملها إذ قال: (وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما من دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها من دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة).
     والمراد من السنة هي طريقة الحكم التي كشفت التجارب صلاحها وانتفاع الناس بها كما جاء في قوله الآخر لمالك الأشتر عندما ولاه على مصر: (ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة واجتمعت بها الالفة وصلحت عليها الرعية... ).
     ومن خلال الاشكاليات الواردة والمناقشات المتقدمة يظهر منشأ القول في عدم انتقال ولاية الانبياء والاوصياء الى الفقهاء ويظهر ايضا عدم انحصار الولاية السياسية بهم فضلا عن الفقهاء الذين يعتبر شأنهم في عالم السياسة شأن كل الناس الذين يتصدون للقيام بهذه المهمة مع وجود تلك الاوصاف العامة حفظا للبلاد وصونا لحقوق العباد وفي طليعتها حرية الاعتقاد والآراء والافكار كما ظهر ذلك من الآيات والروايات والكلمات التي نقلناها عن بعض العلماء.
     ولا تعني ولاية الفقهاء على تقدير التوسع فيها لتشمل عالم السياسة انحصار الولاية السياسية فيهم كما يريد أصحاب هذا الرأي وحملة هذا الشعار فإن ذلك قول بلا مستند ورأي بلا دليل. وإن كان من شيء يسمى دليلا فليس سوى الرغبة في تحويل هذه المسألة الفقهية الى دعوة سياسية للشخص والنظام.
     والشاهد على ذلك أن هذه الولاية حتى عند القائلين بها لم تثبت لاشخاص محدّدين وإنما هي جاءت بعنوان عام شامل لكل الفقهاء والمجتهدين فيكون تخصيص فقيه واحد بالولاية من دون غيره من الفقهاء ترجيحا بلا مرجع لأن العنوان العام الوارد في الروايات والاحاديث التي استندوا إليها يستدعي إيجاد آلية تجمع كل الفقهاء من مختلف البلدان وإشراكهم في السلطة السياسية من دون النظر إلى جنسياتهم وانتماءاتهم وهذا ما يرفضه أصحاب هذه النظرية لاعتبارات كثيرة لا تقوم على الأسس الفقهية التي قامت عليها النظرية نفسها. - ثم وماذا عن الفقهاء القائلين بعدم ثبوت ولاية الفقيه؟ فهل تعطيهم هذه النظرية ولاية لا يؤمنون بها لأنفسهم؟! وإن سلبت عنهم هذه الولاية فهل تبقى لهم من فقاهة بعدها؟! وقد رأينا ما أصاب بعض الفقهاء المنكرين لولاية الفقيه من تشهير وإبعاد ومقاطعة وإقعاد!
     وإذا كان رأي القائلين بها حجة ودليلا فلماذا لا يكون رأي المنكرين لها حجة ودليلا ايضا؟! ولا يزال شعار (الموت لأعداء ولاية الفقيه) يرفع في وجه العلماء ومراجع الدين المعارضين لنظرية ولاية الفقيه حتى أثناء إلقائهم للدروس والمحاضرات الدينية وهذا يؤكد على أن مسألة ولاية الفقيه خرجت من إطارها الفقهي الأكاديمي وأصبحت مسألة سياسية بامتياز تستهدف التأييد والانتصار للفقيه الحاكم على غيره من يختلف معه في الآراء والأفكار. وفي كل الاحوال فإن ولاية الفقيه السياسية لا تخرج عن كونها صيغة خاصة بالمجتمعات غير المختلطة بالأديان والمذاهب وهي مجتمعات نادرة الوجود مع أن النظرية نفسها هي محل للجدل الواسع في الاوساط العلمية ولرفض المشهور لها مع أنهم في طليعة أهل الاختصاص المؤسسين وفيهم أرباب علم الفقه والاصول وأركان الطائفة ورؤساء المذهب.
     وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الروايات والاحاديث لم تكن ناظرة إلى الولاية السياسية ولا إلى فكرة انحصارها بالفقهاء وإنما كانت بصدد بيان موقع العلماء في تبليغ الأحكام الشرعية والتوجيه والإرشاد كما قال الشيخ الأنصاري رحمه الله بعد استعراضه للروايات التي استولوا بها على ثبوت الولاية العامة للفقهاء كقوله عليه السلام (هم حجتي عليكم وأنا حجة الله) وقوله (مجاري الامور بيد العلماء بالله والامناء على حلاله وحرامه) وقوله (أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به) وغير ذلك من الروايات القريبة من هذا المعنى وقد قال بعد ذلك: (والإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها وذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى بالناس في أموالهم).
     وفي كل الأحوال وعلى جميع التقديرات فإن ولاية الفقيه ليست ولاية عابرة للحدود والشعوب والمجتمعات التي لا علاقة للفقيه الحاكم بها لأنه لو جاز لهذا الفقيه أن يتدخل في قوانين وأنظمة المجتمعات الاخرى لجاز لفقيه آخر من تلك المجتمعات وصل الى السلطة فيها أن يتدخل في سلطة هذا الفقيه وحينئذ يقع الهرج والمرج ويحصل الخلل في نظام العلاقات وهو أمر مرفوض من الناحية الشرعية والعقلائية ولعله لذلك يقال إن حدود ولايته كحاكم سياسي ترتبط بالمواقع والامكنة التي يكون فيها الفقيه مبسوط اليد كما يحصل ذلك عند اختياره حاكما في مجتمع من المجتمعات إذ يكون حينئذ قادرا على إعمال ولايته بتطبيق الاحكام الشرعية وتنفيذها وليس له من ولاية على تشريع ما يتنافى معها أو ما يؤدي إلى تعطيلها وإلغائها وليس له حينئذ من خصوصية توجب طاعته وامتيازه عن سائر الحكام السياسيين سوى طاعة النظام العام وأحكامه التي يتساوى فيها هو مع غيره من الحكام والمحكومين الذين اختاروه حاكما.
     ويجب الاّ يبقى الفقيه هو الخيار السياسي الوحيد للأمة لعدم اشتراط الفقاهة في القيادة السياسية كما تقدم بيان ذلك من خلال سيرة الأنبياء والأوصياء ومن خلال الروايات التي تحدثت عن مواصفات الحاكم السياسي. وما أشرنا إليه هو مؤدّى القاعدة التي استند إليها الفقهاء في الولاية نفسها وأن الأصل عدم ولاية أحد على أحد وهذا ما ينتج عنه ولاية الأمة على نفسها كما جاء ذلك في كلمات المحقق النائيني رحمه الله عند وقوع الصراع على السلطة في إيران في مطلع القرن الماضي وانقسام العلماء إلى مؤيدين لنهج المشروطة والحكومة الدستورية ومؤيدين لاستمرار النهج الملكي الاستبدادي من دون ادخال بعض الاصلاحات اللازمة عليه[49].
     ويقول محمد كاظم الخاقاني[50] منتقداً لنظرية مؤيداً لنظرية شورى الفقهاء : لا بدّ من تشكيل لجان خاصة لكافة الاختصاصات تجري فيها قاعدة الشورى أيضاً حتى تتبلور النظريات وتحصل اللجان المختلفة على النظريات الراجحة بعد مناقشة الآراء فيما بين كل أهل اختصاص سواء كانت اللجان الشورائية اقتصادية أو عسكرية أو سياسية أو ثقافية وهكذا ليرفع ما حصلت عليه هذه اللجان من النظر الراجح إلى شورى الفقهاء ليحصل تشريك أهل الكفاءات لبناء مجتمعهم ولتجري قاعدة الشورى في كافة مجالات الاختصاص، ثم يكون الراجح بعد عرضه على شورى الفقهاء للنظر فيه من ناحية التطابق مع الشرع مسلماً بيد الفقيه الذي هو على رأس الشورى والمعبر عنه برئيس الدولة الإسلامية ليكون هو المنفّذ للقوانين على رأس كافة اللجان المختلفة، وان كان هذا الفقيه له كبقية الفقهاء رأي في شورى الفقهاء فيما كان يرجع للأمور العامة وأما بعض الصلاحيات الخاصة في مواطن الأمور الجزئية في مرحلة التطبيق فقد يكون الحاكم متوحداً فيها.
     نعم الفقيه الذي يكون على رأس الشورى لحنكته ولمسه لواقع الزمن الذي يعيشه الأثر البليغ في إدارة دفة الأمور وإن كان ليس من حقه بناء على الولاية الوسطى التوحّد بالرأي بالنسبة إلى ما يكون من شأن شورى الفقهاء أو بالنسبة ما يرجع لبقية اللجان لأنهم أهل اختصاص فيما هم فيه إذا ثبتت صلاحيتهم الدينية وكان ما رأوه راجحاً متطابقاً مع الشرع القويم حين عرضه على شورى الفقهاء.
     بالجملة إن الكثير من القوانين الإسلامية هي من ضروريات الدين فلا محلّ لرأي أو شورى بالنسبة إليها وسيكون شورى الفقهاء مشرفة لتنفيذ المنهج الإسلامي.. فمسألة الشورى هي المثل الأعلى لحرية الرأي وتحقيق التوازن بين الحاكم والرعية.
     ثم دلل عل ذلك بشواهد تاريخية على جريان الشورى تكريماً لحرية الرأي بذكر ما جرى في حرب الأحزاب (الخندق) وهو من أشد الظروف التي مرّت على حياة مسلمي صدر الإسلام لكن مع ذلك نشاهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما ترك روح الحرية في مثل هذا الموطن العصيب أيضاً حيث بعث صلى الله عليه وآله وسلم على رؤساء الأنصار يشاورهم في أعضاء بني غطفان نصف ثمر تمر المدينة ثم نراه يتراجع عما رآه صلاحاً لتفتيت عضد القوم وشق صفوف الكفار ويأخذ برأي الأنصار. وفي موطن أخر نشاهد امرأة تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء يدعوها للعودة إلى زوجها قائلة: يا رسول الله: أأنت آمر أم شافع؟ فلما قال لها بل شافع، أخذت تخاطبه قائلة لا أقبل لك شفاعة، فلم يتأثر منها ولم يجبرها على أمر.
     ويقول أحمد الكاتب في نقده لهذه النظرية: وإذا تحررنا من نظرية (النيابة العامة) بعد وضوح ضعفها وعدم صحتها لعدم وجود (المنوب عنه : الإمام المهدي ) وعدم ثبوت ولادته، فاننا يمكن ان نقيم أساس الدولة على قاعدة (الشورى) وولاية الأمة على نفسها، بمعنى ان يكون الإمام منتخبا من الأمة ونابعا من إرادتها ونائبا عنها ومقيدا بالحدود التي ترسمها له وملتزما بالصلاحيات التي تعطيها له. وذلك لأن الأدلة العقلية تعطي للامة حق اختيار الحاكم ليحكم بالنيابة عنها، كما تعطيها الحق في ان تهيمن على الإمام وتشرف عليه وتراقبه وتحاسبه وان تعطيه من الصلاحيات بقدر ما تشاء وحسبما تشاء، وذلك لأن منبع السلطة في غياب النص الشرعي وعدم وجود الإمام المعين من قبل الله تعالى هي الأمة الإسلامية. حيث لا تعطي الأدلة العقلية الحاكم العادي (غير المعصوم) القابل للخطأ والصواب والانحراف والهدى، من الصلاحيات المطلقة مثلما تعطي للرسول المرتبط بالله عبر الوحي، ولا تساويه أبدا مع (الإمام المعصوم).
ويمكن الاستدلال على كون الأمة هي منبع السلطة بما يلي:
1 - القرآن الكريم الذي يقول:· وأمرهم شورى بينهم، والذي يتوجه في خطابه من اجل تنفيذ الأحكام الشرعية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود والجهاد والخمس والزكاة والصلاة وما إلى ذلك، إلى الأمة الإسلامية، ويلقي على عاتقها مسئولية تطبيق الدين، ولما كانت الأمة بحاجة إلى رئيس وقائد أو امام، لتنفيذ ذلك، فأنها تنتخب رجلا عالما عادلا من بين صفوفها، وتكلفه تنفيذ الواجبات العامة والقيام بمهام الإمامة الكبرى.
2 - الأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم (ص) واهل البيت (ع) والتي تنص على الشورى، وتأمر بانتخاب الإمام العادل الملتزم بتعاليم الدين، كالحديث النبوي الذي يقول :· إذا كان امراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من باطنها. (تحف العقول ص 36)
والحديث الذي يرويه الصدوق في :(عيون أخبار الرضا) عن الإمام علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن رسول الله (ص) انه قال:· من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فان الله عز وجل قد إذن ذلك. (المصدر ج2 ص 62)
وقول الإمام علي (ع) في رسالة له إلى معاوية بن أبى سفيان :·... الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم أو يقتل.. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدءوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة.( كتاب سليم بن قيس الهلالي ص 182 والمجلسي: بحار الأنوار ج8 ص 555 من الطبع القديم)
وما في كتاب صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية على :· ان يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين ( المجلسي: بحار الأنوار ج44 ص 65 باب كيفية المصالحة من تاريخ الإمام الحسن المجتبى)
 3 - العقل، الذي يحكم بالشورى كأفضل طريق لانتخاب الإمام في حالة عدم وجود النص والتعيين من قبل الله تعالى، وهو ما يلتزم به العقلاء في كل مكان وفي مختلف الأديان والمذاهب اكثر مما يلتزمون بأسلوب الوراثة الملكية أو الحكومات العسكرية القائمة على القوة والإرهاب.
4 - الواقع، الذي يثبت عدم وجود امام ظاهر معين من قبل الله لقيادة الأمة الإسلامية والشيعة منذ اكثر من ألف عام، وعدم صحة نظرية (النيابة الخاصة أو العامة) القائمة على فرضية (وجود ولد للإمام الحسن العسكري) لم يظهر ليقوم بواجبات الإمامة منذ اكثر من ألف عام.
يقول الشيخ حسين علي المنتظري:· مع عدم التمكن من الإمام المعصوم فان الإمامة واحكامها لا تعطل.. بل تصل النوبة إلى الإمام المنتخب من قبل الأمة ويجب الإقدام على اختياره وانتخابه بشرائطه. (دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص883 )
وكان الميرزا النائيني قد قال في :(تنبيه الأمة وتنزيه الملة) :· ان اصل الحكومة الإسلامية شوروية، وحق من حقوق عامة الناس، وان الحاكم العادل المثالي لا يوجد، وهو كالعنقاء أو أعزّ من الكبريت الأحمر، وكذلك الأئمة المعصومين غير موجودين....
وإذا ثبت قانون الشورى كقاعدة وحيدة لشرعية الحكم في ظل غياب النص من الله وعدم صحة نظرية(النيابة العامة) فانه ينعكس على عدة مجالات، ويؤدي إلى ما يلي:
1 - الشورى في التنفيذ، وهذا يعني : ضرورة انتخاب الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومبايعة الأمة له، وضرورة موافقة الأغلبية المطلقة على قراراته وسياسته العامة، وذلك بعرضها على مجلس الشورى أو التصويت عليها من قبل الشعب، وذلك لأن انتخابه الابتدائي لايعني التسليم امام كل قرار يتخذه حتى إذا لم يحضَ برضا الأمة. ويعني ذلك أيضا: ضرورة تصويت مجلس الشورى على الهيئة التنفيذية (الوزارة ( التي ينتخبها الرئيس المنتخب لمساعدته في عملية التنفيذ.
وهنا لا بد ان نستشهد بقول الشيخ النائيني في (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) :· ان رأي الأكثرية من المرجحات لدى التعارض، ويستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة. وهو الحل الوحيد لحفظ النظام لدى اختلاف الآراء، وأدلة لزومه نفس أدلة لزوم حفظ النظام، وقد التزم الرسول الأكرم في موارد عديدة بآراء الأكثرية كما في أحد والأحزاب، والتزم الإمام علي بن أبى طالب في قضية التحكيم برأي الأكثرية وقال:· انها لم تكن ضلالة بل سوء رأي، ولأن الأكثر قالوا واتفقوا على ذلك فوافقت... فالحكام البشر العاديون لا بد من تحديدهم، وإذا كانت العصمة أو التقوى تحدد الحاكم وتمنعه من الطغيان والتجاوز والاعتداء فاننا يمكن ان نصل إلى هذه النتيجة بالقوانين المسددة التي تحدد الصلاحيات للحاكم، وذلك عن طريق :
1 - الدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات للحاكم والمحكومين...
2 - ترسيخ مبدأ المراقبة والمحاسبة والمسئولية عبر مجلس شورى من العقلاء والخبراء والقانونيين والسياسيين، وهو الذي يمنع الولاية من التحول إلى الملك والمالكية....
ان طريقة الشورى تختلف عن عملية قيام الفقيه ( النائب العام المعين والمجعول من قبل الإمام المهدي) بتشكيل الحكومة الإسلامية، بمجرد حصوله على القوة والأنصار، حتى إذا لم تقبل به أكثرية الأمة. ويمتاز نظام الشورى عن نظام (النيابة العامة) في ان الحاكم الأعلى ( الإمام ) فيه، غير مقدس، وذلك بمعنى عدم اتخاذ الحاكم صفة دينية إلهية، حتى لو كان مجتهدا عادلا، وان قراراته غير مقدسة، وان كانت محترمة في إطار الدستور، وبعبارة أخرى : ان الحاكم في نظام الشورى يظل مدنيا وشعبيا ولا يرقى لكي يصبح ظل الله في الأرض.
و بعد.. فان الأدلة العقلية لا تحتم ضرورة تبوؤ (الفقهاء) بالمعنى المصطلح عليه، لمنصب القيادة العليا، مع إمكانية تصدي عدول المؤمنين الأكفاء لهذا المنصب وخضوعهم لمجلس تشريعي (برلمان ) يعتمد التفقه في الدين ويراعي تطابق الأحكام والقوانين مع الشرع المقدس.
 2 - الشورى في التشريع، وهذا يعني : ضرورة انتخاب مجلس نواب من الأمة للقيام بمهمة تشريع الأحكام والقوانين الثانوية الجديدة التي لم ينص عليها الإسلام، والقابلة للاجتهاد.
وتختلف عملية التشريع هذه، عن عملية التشريع القائمة على نظرية (النيابة العامة) في ان عملية التشريع السابقة كانت تكتسي صفة الشرعية والقداسة والدين بمجرد قيام فقيه ما باستنباط حكم فقهي في قضية معينة، بينما تعتبر (الشورى ) كل عمل فقهي خارج حدود الشرعية والقانونية الدستورية مجرد رأي شخصي لا تتوفر فيه صفة الإلزام إلا بعد عرضه على مجلس الشورى والتصويت عليه حسب الدستور.
3 - الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
 ان نظرية (ولاية الفقيه) القائمة على نظرية (النيابة العامة) كانت تركز عامة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يدي رجل واحد هو (الفقيه) باعتباره نائبا عن الإمام المهدي، بينما تتيح نظرية (الشورى) للامة القيام إذا شاءت بالفصل بين السلطات، وإعطاء الإمام أو الحاكم الأعلى مهمة القيادة والتنفيذ فقط، وايكال عملية التشريع إلى مجلس من النواب المنتخبين من قبل الأمة، وايكال مهمة القضاء إلى قضاة مختصين ومستقلين.
وفي هذه الحالة لا تشترط نظرية (الشورى) بأن يكون الحاكم الأعلى ( فقيها قانونيا )، كما كانت تفعل نظرية (النيابة العامة) وتكتفي باشتراط العلم والكفاءة الإدارية والسياسية والعدالة والأمانة، وذلك لخضوع الحاكم إلى مجلس من النواب الذين يعتمدون التفقه في الشريعة الإسلامية.
وهذه ليست صورة مبتكرة نقدمها عن الحكومة الإسلامية، بل هي مصداق للحديث الشريف الذي يثني على الأمراء الذين يقفون على أبواب العلماء ويذم العلماء الذين يقفون على أبواب الأمراء، والذي يفيد ضرورة خضوع السلطة التنفيذية (الأمراء) إلى السلطة التشريعية (العلماء) وينهى عن العكس.
 والسؤال الآن هو : أين إذن موقع (الشورى) من نظرية (الإمامة الإلهية ) ولماذا رفض المتكلمون (الاماميون ) الإيمان بها ؟.. ولماذا قالوا باشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في (الإمام) ؟.. ومن أين جاؤا بأقوالهم تلك ؟.. هل اختلقوها ؟ أم اقتبسوها من أهل البيت (ع) ؟.. وبالتالي فهل يشكل القول بنظرية (الشورى ) خروجا عن مذهب أهل البيت ؟ أم عودة إلى صفوفهم ؟
ان الإجابة عن هذه الأسئلة، والبحث عن اصل نظرية الإمامة ومنشئها وموقف أهل البيت منها هو موضوع الجزء الأول من هذا الكتاب : (تطور الفكر السياسي الشيعي) وقد بحثنا فيه بالتفصيل كل تلك المواضيع، واثبتنا التزام أهل البيت (ع) بمبدأ الشورى في الحكم والحياة، وعدم تبنيهم لنظرية المتكلمين :( العصمة والنص وتوارث السلطة في سلالتهم ).
و ختاما نقول : ان الفكر السياسي الشيعي لن يستطيع التقدم نحو الإمام وإرساء قواعد (الشورى) إلا بالسير على نهج الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام)، ولن يستطيع تحقيق ذلك إلا بالتخلص من أوهام المتكلمين وفرضياتهم الخيالية التي ادخلوها في تراث أهل البيت، وعلى رأسها فرضية ولادة ووجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) التي لم يقل بها أهل البيت (ع) ولم يعرفوها في حياتهم، والتي تسببت في أبعاد الشيعة عن مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن [51].
     يقول عبدالخالق حسين : الخميني يعطي صلاحيات واسعة للوليّ الفقيه، فيرى أن حكومة ولاية الفقيه هي شعبة من ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدَّمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. فالولي الفقيه فوق الدستور والقوانين الوضعية، وقراراته تعتبر قوانين إلهية واجبة التنفيذ.
     لذلك نرى في جمهورية إيران الإسلامية، ورغم وجود رئيس جمهورية، ومجلس برلمان منتخبين من قبل الشعب، إلا إن هؤلاء ليسوا صناع القرارات السياسية المهمة الحقيقيين، فأي قرار يتخذه رئيس الجمهورية، أو قانون يصدره البرلمان لا يمكن وضعه موضع التنفيذ إلا بعد أن يوافق عليه الولي الفقيه ومجلس حماية الدستور الذي هو الآخر غير منتخب من قبل الشعب، ووظيفته اختيار المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية والنيابية، ومن صلاحياته منع أي مرشح من الترشيح إذا شك في ولائه للولي الفقيه. ومن هنا نعرف أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية وغيرها ما هي إلا إجراءات شكلية لا قيمة لها في ظل حكم ولاية الفقيه. وباختصار شديد، وعلى العكس من الديمقراطية، لا تؤمن ولاية الفقيه بقدرة الشعب على حكم نفسه، إذ يعتبر الولي الفقيه هو وحده الذي يمتلك ناصية الحقيقة والعقل والمعرفة والعدالة، والقيِّم على شؤون أبناء الشعب، ومعاملة الشعب كأطفال قاصرين ليس لهم القدرة على إدارة شؤونهم بأنفسهم. وهذا يؤكد بصورة واضحة ومن دون أي لبس عدم توافق حكم ولاية الفقيه مع الديمقراطية.
 
وخلص إلى القول :
1 - إن (نظرية ولاية الفقيه) عند الشيعة الإمامية تعادل نظرية (الحاكمية لله) عند الإسلام السياسي السني (الأخوان المسلمون). وقد تبناها حزب الله منذ تأسيسه كأيديولوجية دينية مرشدة في عمله، كما وتبناه المجلس الإسلامي الأعلى في العراق والذي تأسس في إيران في الثمانينات عندما كان معظم قادة المعارضة الشيعية فيها.
2 - ولاية الفقيه تكرس الحكم المطلق في يد رجل واحد تسبغ عليه صفة الكمال والعصمة قريبة من النبوة، تتوفر فيه العلوم الدينية والعدالة، ويكون نائباً للإمام الثاني عشر الغائب (المهدي المنتظر) وهو مرشد الثورة الإسلامية في إيران في الوقت الحاضر، وطاعته واجبة على كل مسلم ومسلمة، واعتبار الشعب كصغار قاصرين، وبذلك فالنظرية على الضد تماماً من النظام الديمقراطي.
3 - تكرس ولاية الفقيه الولاء للأجنبي وللطائفة، أي للحاكم المطلق في إيران بدلاً من الولاء للوطن وحكومته المنتخبة من الشعب، وبذلك فهي تكرس الطائفية وتؤجج الصراع الطائفي بين أبناء الشعب الواحد ذي المكونات الدينية والمذهبية المتعددة.
4 الشعوب متعدد الأديان والطوائف، ولا يصلح لها إلا نظام ديمقراطي يشترك فيه ممثلو جميع مكوناته في إدارة شؤون البلاد بالتوافق في نظام دولة المواطنة، لذلك فإذا ما قيّض لأي حزب إسلامي شيعي مؤمن بولاية الفقيه أن يحكم البقية، فلا بد من أن يفرض هذه النظرية على بقية مكونات الشعب بالقوة، ولذلك نعتقد أن وصول هكذا حزب للسلطة وإنفراده بالحكم أمر مستحيل. وبالتأكيد سوف لن تقبل المكونات الأخرى هذا النوع من الحكم القسري الشمولي، لذلك فليس أمام هذه المكونات سوى مواصلة النضال من أجل حكم ديمقراطي ينصف الجميع[52].
     ويقول توفيق السيف ناقلا عن بعض الفقهاء: "جوهر الخلاف هو طبيعة الولاية التي تمنحها النظرية للفقيه، وحدود هذه الولاية.. حيث يجري النقاش بصورة مركّزة حول قدرة كلّ من الأدلّة التي قدّمها أصحاب النظرية على حمل المدلول"[53].
     وألّف آية الله محسن كديوَر كتابا خاصّا عن تعدد نظريات لحكم في الفقه الشيعي، وقد كتب في مقدمة كتابه أن "فقهاء الشيعة اقترحوا حتى لآن ما لا يقلّ عن تسع نظريات مختلفة في باب الحكم. بل أن النظرية الرسمية (الحاكمة) تتطلب للوقوف عليها بدقة، أن تُقرأ على ضوء النظريات الأخرى وتقارَن بها". هذا الكلام أغضب (الوليّ الفقيه خامنئي) مما تسبب في اعتقال كديوَر في الفترة 1999 - 2000م ليسجن في سجن إيفين الرهيب مع السفلة والمجرمين!.
وأهم النظريات التي ذكرها:
1)    الولاية العامّة المطلقة، التي لا تحدّها حدود! وهي نظرية خميني، والتي تُحكم بها إيران اليوم، وتتبنّاها أذنابها في بعض الدول الأخرى، كحزب الله في لبنان، وجمعية الوفاق في البحرين.
2)    الولاية العامّة المطلقة لشورى الفقهاء، أي أن الفقهاء المراجع يشكلون مجلسا مشتركا للحكم، فلا تكون السلطة في يد شخص واحد. وهي نظرية محمد الشيرازي منافس الخميني.
3)    الولاية الخاصّة الجزئية، أي في أمور محددة فقط، ويتبنّاها كثير من فقهاء الشيعة، كمحسن الحكيم (ت 1970م)، وأبي القاسم الخوئي (ت 1992م)، وعلي السيستاني.
4)    ولاية الأمة على نفسها، وهي نظرية محمد مهدي شمس الدين (ت 2001م) والتي سرق فكرتها من منهجية الشورى السنّية!
5)    نظرية الخلافة والشهادة، والتي قال بها محمد باقر الصدر (ت 1980م)، وهي مزيج من نظريتي خميني وشمس الدين!
ثم تكلم في لمن كانت الغلبة؟ وقال: إن النظرية التي سادت وتمكنت وتحولت إلى نظام للحكم في إيران هي نظرية خميني (ولاية الفقيه العامّة المطلقة). والسبب في غلبة هذه النظرية أن خميني وأتباعه قد فرضوها بالقوة، غصبا عن أنوف المراجع الآخرين! فرضوها بقوة تقدّر بـ نصف مليون مسلّح من الباسداران (الحرس الثوري)، وثلاثة ملايين مسلّح من الباسيج (مليشيا التعبئة)!!!
ومن عجائب هذه النظرية :
1) ينتخب الشعب رئيس الجمهورية، ويعزله الوليّ الفقيه متى شاء!!
2) ينتخب الشعب مجلس الشورى، ويسلّط الوليّ الفقيه على هذا المجلس مجلسا آخر هو مجلس صيانة الدستور ليحدّ من صلاحيات المجلس المنتخب!!
3) يتم اختيار الوليّ الفقيه من قبل مجلس الخبراء. وهذا المجلس أعضاؤه من الموالين للوليّ الفقيه ومعيّنين بتأثير مباشر أو غير مباشر منه!!
ثم يقولون في الشورى، هذا المبدأ الإسلامي العظيم : "إن الشورى والانتخابات والاختيار على أساس الانتخاب من البدع التي جاءتنا من الغرب، ومن ثقافة المخالفين في الولاية (أي أهل السنّة والجماعة).. ولم يكن له عين ولا أثر في الإسلام"!!. كما قال آية الله العظمى محمود الهاشمي الشاهرودي رئيس السلطة القضائية في إيران وأحد أعمدة نظام الوليّ الفقيه.
فأدت هذه النظرية إلى إلغاء دور الأمة، وإعطاء صفة القداسة لفتوى العلماء، سلب حق الأمة في الاختيار، وهو ما أكده أيضا في خطاب بعثه لخامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية فقد أجاز الخميني لوزير العمل تطبيق بعض القوانين التي لم يصوت عليها مجلس المحافظة على الدستور فأثارت امتعاض رئيس الجمهورية خامنئي فبعث الخميني إليه برسالة يقول فيها: "كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة ويظهر أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم- صلى الله عليه وسلم- مقدمة على جميع الأحكام الفرعية.. ولو كانت صلاحيات الحكومة (أي ولاية الفقيه) محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم- وأن تصبح بلا معنى.. ولا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم- المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج.. وتستطيع الحكومة (ولاية الفقيه) أن تلغي من طرف واحد الاتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام.. إن الحكومة (ولاية الفقيه) تستطيع أن تمنع مؤقتا في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك، أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية، وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية".
     ويقول رمضان الغنام أن هذه الفكرة " هي بالمعنى الدقيق: فكرة حلولية، دخلت على الفكر الشيعي عن طريق الفكر النصراني، القائل: إن الله تجسّد في المسيح، والمسيح تجسّد في الحبر الأعظم. ولازالت صورة رجل الدين الإيراني محمد تقي الدين يزدي عالقة بأذهان الكثيرين ممن لهم إطلاع على الشأن الإيراني، حيث انتشرت صورة له وهو يرتمي على الأرض ليقبل حذاء المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي". كما أن فتواه - أي يزدي -بكفر وردة من ينكر ولاية الفقيه، قد أخذت من الشهرة حظا وافرا.
     إن ما فعله الخميني، ويفعله الآن خامنئي، كان تحت غطاء شرعي، وهذا الغطاء بدعة تفتق بها عقل الخميني إبان ثورته التي نادت بالحرية لشعبه ثم عاملته بأقصى أنواع الدكتاتورية، حيث أعطى لنفسه أكثر مما يعطى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأناب نفسه عن الله في الأرض، وهذا الغطاء هو ما يسمي عند الشيعة "بولاية الفقيه "، والذي استمده من بعض أئمة الشيعة المتأخرين، حيث كان لهذه النظرية إرهاصات سابقة للخميني بحوالي ثلاثة قرون من الزمان أو يزيد، بسبب حيرة الشيعة في عصر الغيبة.
     لقد كان البابا في عصر محاكم التفتيش يحكم أوربا باسم السلطة الإلهية المطلقة، حيث كان يأمر بالإعدام والحرق والسجن،... وقد دخلت هذه البدعة إلى الفكر الشيعي بعد الغيبة الكبرى، وأخذت طابعاً عقائديّا، عندما أخذ علماء الشيعة يسهبون في الإمامة، ويقولون: بأنها منصب إلهيٌّ، أنيط بالإمام، كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبما أن الإمام ـ في اعتقاد الرافضة ـ حيٌّ، لكنه غائب عن الأنظار، ولم يفقد سلطته الإلهية بسبب غيبته فإن هذه السلطة تنتقل منه إلى نوّابه، لأن النائب يقوم مقام المنوب عنه في كل شيء".
     إن إيراد كل ما من شأنه أن يعد نقداً لهذه النظرية وبالأخص من داخل البيت الشيعي يخرجنا عن خطة الكتاب والذي رأينا أن يكون مختصراً. وحسبنا من جعل كل التالي الذي جاء به الدستور الإيراني في يد شخص واحد حجة في إثبات تهافت هذه النظرية.
تنص المادة 110 من الدستور الإيراني على الآتي:
وظائف القائد وصلاحياته:
1 - وضع السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور ف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.
3 - إصدار الأمر بإجراء الاستفتاء العام.
4 - تولي القيادة العامة للقوات المسلحة.
5 - إعلان حالة الحرب والسلام والتعبئة العامة.
6 - نصب وعزل وقبول استقالة كل من:
أ) فقهاء مجلس صيانة الدستور.
ب) أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
ج) رئيس مؤسسة الإذاعة والتليفزيون في جمهورية إيران الإسلامية.
د) رئيس أركان القيادة المشتركة.
هـ) القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
و) القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
7 - البت في الخلافات وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث.
8 - حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
9 - إصدار قرار تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث توافر الشروط المعينة في هذا الدستور فيجب أن تحصل قبل الانتخابات على موافقة مجلس صيانة الدستور وفي الدورة الأولى يجب أن تحصل على موافقة القيادة.
10 - عزل رئيس الجمهورية مع مراعاة مصالح البلاد وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن أداء وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية على أساس المادة 89.
11 - العفو أو تخفيف عقوبات المحكوم عليهم في إطار المبادئ الإسلامية بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية ويستطيع القائد أن يوكل شخصاً آخر لأداء بعض وظائفه وصلاحياته.
وقبل أن نختم الكلام في نقد نظرية ولاية الفقيه، لا نرى بأساً من ان نعرج ولو قليلاً على ذكر نظرية شورى الفقهاء وهي نظرية التيار الآخر للشيعة والمناوئ لنظرية ولاية الفقيه، وإن كان هذا الكتاب غير مخصص للكلام في هذه النظرية إلا انها لا تخلو من مطاعن فقد طبّقت في إيران بعد ثورة التنباك بداية القرن الماضي حين أسسّ العلماء مجلساً فقهائياً لقيادة البلاد وآلعباد عام 1906م. لكن ذلك المجلس لم يستطع عملياً من قيادة الأمة وأداء واجباته الشّرعية لدليلين:
الأول: كثرة الأجتهادات والتناحر والخلاف بين الفقهاء أنفسهم وعدم وجود من يستطيع حل الخلافات بينهم من فوق خصوصا في المسائل المصيرية ولهذا إستغلت الأطراف المناوئة (الأنكليز ومعهم الشاه) ذلك الوضع وسيطروا على أوضاع الناس وبالتالي الحكم ليُذيقوا الأمة الأمرين بل وصل الأمر بالفقهاء لئن يفتي بعضهم بإرقامة دم فقهاء آخرين. كما حدث مع آية الله العظمى فضل الله النوري ألذي قتل على يد مقلّدي مراجع آخرين لأنه لم يقبل بالمشروطة (صيغة نظام الحكم في وقتها) إلا بشروط بينما قبلها العلماء الآخرين بدون قيد أو شرط حيث كان فضل الله النوري يرى بوجوب المشروطة المشروعة!

ولاية الفقيه عند أهل السنة
 
     تسربت آراء الشيعة المتعلقة بنظرية ولاية الفقيه إلى بعض أهل السنة فتبنوها جهلاً منهم بمقاصدها وإن أخذت صور أخرى كما يظهر في كتابات الشيخ ياسر البرهامي رغم معرفته بكثير من عقائد الشيعة الفاسدة. ولكن قبل بيان ذلك لا بد من الكلام في كيفية ثبوت الخلافة أو الولاية أو الإمامة فى الإسلام عند أهل السنة. فهذه المسألة تثبت بأحد ثلاثة أمور:
الأول: اختيار أهل الحل والعقد له كما حصل لأبى بكر رضى الله تعالى عنه، فإن بيعته تمت بإجماع أهل الحل والعقد.
ثانيًا: إذا عهد ولى الأمر إلى أحد من بعده فإنه يلزم طاعته فى ذلك كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما.
الثالث: إذا تغلب على المسلمين بسيفه وأخضعهم لطاعته كما حصل لعبدالملك بن مروان وغيره من ملوك المسلمين الذين يخضعون الناس بالسيف حتى ينقادوا لهم، يلزم المسلمين طاعتهم فى ذلك لأجل جمع الكلمة وتجنيب المسلمين سفك الدماء واختلاف الكلمة، بهذه الأمور الثلاثة تنعقد الولاية لولى الأمر[54].
فإذا انعقدت الولاية لأحد بأى صورة من هذه الصور كان للوالى كل الحقوق الشرعية الثابتة لولاة الأمور؛ لأنه فى هذه الحالة يكون إمامًا شرعيًّا.
     والذى ينظر إلى ولاة أمور المسلمين اليوم يجد أن أكثرهم قد تولوا الأمر بأحد هذه الصور، وعليه فلا يجوز لأحد أن يلغى ولايتهم الشرعية وإن فقدوا شيئًا من شروط الإمامة.
     قال الإمام الشافعى: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة[55].
     وقال الحافظ ابن حجر: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهما[56]ء.
     ومن أجل ذلك يذهب علماء الأمة وأئمة السلف فى هذا الزمان إلى إثبات إمامة ولاة أمور المسلمين، وأن ولايتهم ولاية شرعية، ويوجبون على الأمة طاعتهم فى المعروف والصبر على ما يكون منهم من منكرات وظلم، وتحريم الخروج عليهم.
     ومع ثبوت هذا الإجماع عن أهل السنة فقد خالفه ياسر برهامى وقال بقول الشيعة الاثنى عشرية وتبنى نظرية الخمينى ولاية الفقيه. يقول في كتابه فقه الخلاف : وهذه المسألة، يعنى عدم اعتبارهم ولاة أمور شرعيين، ليست مبنية على تكفير أعيانهم من عدم تكفيرهم... اهـ. وغيره من النقول الكثيرة الموجودة فى هذا الكتاب[57].
     فلما انتهى من تقرير هذا الأصل الفاسد المخالف لإجماع أهل السنة، انتقل إلى المرحلة الثانية وهى الحديث عن الحل الذى يراه لهذه المعضلة العظيمة حتى يظهر الإمام. فيقول : والعلاج الذى نراه لهذا السبب من أسباب الاختلاف- أى عدم وجود الإمام- جمع الناس حول علمائهم، فهم فى الحقيقة أولو الأمر منهم؛ لأنهم الذين يمكنهم أن يقودوهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. واجتماع الناس عليهم من أسباب قوة الصحوة وتأثيرها فى المجتمعات المسلمة الجريحة بجراح الكفار والمنافقين، ثم هؤلاء العلماء عليهم أن يختاروا من بينهم أمثل من يقود المسلمين فى ملماتهم ومهماتهم، ولا سبيل إلى أن يصبح أهل الحل والعقد الحقيقيون الذين هم أهل العلم من أهل السنة والجماعة أهل قوة وتأثير إلا بجمع الناس عليهم، ورد أمرهم إليهم، فإن واجب المسلمين حال غياب الإمام أن يكون العلماء هم ولاة الأمور[58].
     وهذا بعينه كلام الخميني الذي قال : فى عصر غيبة ولى الأمر وسلطان العصريقوم نوابه العامة وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه فى إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدءة بالجهاد[59].
     قال شيخ الإسلام ابن تيمية:أمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شىء أصلا[60].
     فلو طبقنا هذه النظرية مثلا في بلد كمصر حيث ينتمي لها ياسر البرهامي، فإن الواقع يشهد الآن أن كل مجموعة أو طائفة تعتقد أن شيخها أعلم وأفقه وأمثل من غيره، ولذلك فهى ستتخذه إمامًا، له كل الحقوق الشرعية للإمام، وعلى ذلك فسيكون فى مصر وحدها آلاف إن لم يكن ملايين الأئمة والولاة، كل مجموعة لها والِ ورئيس، فكيف يعيش الناس وكيف تستقيم أمورهم؟ فكيف يكون التعامل إذا خرج من هذه المجموعة من هو أعلم من إمامها، هل تنزع الولاية من الأول وتعطى للثانى؟ أو من اقتنع بأن الثانى أعلم وأنه أحق بالولاية يكوِّن جماعة سرية ليخرجوا على الإمام الأول؟ وكيف يكون الحال إذا أصر على الولاية فاعتقلهم وعذبهم فهل يحل قتله وقلب نظام الحكم؟
     سئل الشيخ ابن عثيمين[61]: ما حكم إعطاء البيعة لأمير من أمراء الجماعات التى تدعو إلى الإسلام؟ فأجاب: أما بالنسبة لإعطاء البيعة لرجل فهذا لا يجوز؛ لأن البيعة للولى العام على البلد، وإذا أردنا أن نقول: كل إنسان له بيعة. تفرقت الأمة وأصبح البلد الذى فيه مائة حى من الأحياء له مائة إمام وولاية، وهذا هو التفرق فما دام فى البلد حاكم شرعى فإنه لا يجوز إعطاء البيعة لأى واحد من الناس.
     فهؤلاء الإخوة يريدون أن يكونوا طوائف لكل طائفة أمير بناء على أن الحاكم عندهم ليس حاكمًا شرعيًّا فى نظرهم.
     نقول لهم: لا يجوز لكم تفتيت الأمة بأن يكون لكل طائفة أمير، هذا خطأ عظيم، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليس من هؤلاء فى شىء.[62]
     والكلام في الباب فيه طول لا يناسبه هذا المختصر، ولعل مسك الختام عود على بدء لنذكر تجربة عاشها أحد المفكرين الشيعة الأحرار يلخص موضوع الكتاب، ننقلها جلها لما فيها من فائدة.
     يقول أحمد الكاتب : كانت صدمتي الكبرى عندما وجدت مشايخ الفرقة الاثني عشرية كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والنعماني والطوسي، يصرحون ويلوحون بعدم وجود دليل علمي تاريخي لديهم على وجود وولادة (ابن) للامام الحسن العسكري، وانهم مضطرون لافتراض وجود ولد له لكي ينقذوا نظرية (الإمامة الإلهية) من الانهيار. ويقولون: نحن بالخيار بين الإيمان بذلك الولد المفترض، وبين رفض نظرية الإمامة، فإذا كانت نظرية الإمامة صحيحة وقوية وثابتة، علينا أن نسلم بوجود ولد في السر، حتى لو لم تكن توجد عليه أدلة شرعية كافية، وإذا لم نقتنع بوجود ذلك الولد، فعلينا التراجع عن نظرية الإمامة، وهذا أمر غير ممكن، فإذن علينا التسليم والقبول بوجود ولد في السر سوف يظهر في المستقبل، وأنه المهدي المنتظر...فوجدت نفسي أمام تحد داخلي رهيب، فاما أن تكون نظرية الإمامة صحيحة أو لا تكون. وبما أنى لم اقتنع بوجود (الامام الثاني عشر) فقد كان لزاما عليّ أن أبحث موضوع الإمامة لكي أرى مدى صحته. وتركت موضوع الامام المهدي جانبا، ورحت أقرأ ما يتعلق بموضوع الإمامة من مصادر كتب الشيعة القديمة التي لم أقرأها من قبل، ولا توجد ضمن البرنامج الدراسي للحوزة، ما عدا كراس صغير للشيخ نصير الدين الطبرسي، يعرف باسم (الباب الحادي عشر) فقرأت (الشافي) للسيد المرتضى، و(تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي، وكتب الشيخ المفيد المتعددة وكذلك ما توفر من كتب حول الموضوع في مكتبات مدينة قم وطهران ومشهد.
     وكانت مفاجأتي الثانية أو الثالثة عندما اكتشفت أن نظرية (الإمامة الإلهية) الطافية على سطح التاريخ والفكر السياسي الشيعي ما هي الا من صنع (المتكلمين) ولا علاقة لها بأهل البيت. وذلك لأنها تتعارض مع أقوالهم وسيرتهم، ولا يمكن تفسيرها الا تحت ستار (التقية) التي كان يقول بها (الباطنيون) الذين كانوا ينسبون الى أئمة أهل البيت ما يشاءون من نظريات وأقوال تتنافى مع مواقفهم الرسمية، بحجة الخوف من الحكام ومن إبداء رأيهم بصراحة.
     ووجدت أن نظرية أهل البيت السياسية ترتكز على مبدأ (الشورى) في حين أن (الإمامة الإلهية) تقوم على تأويلات تعسفية للقرآن الكريم وعلى أحاديث مشكوك بصحتها، وأنها لا تمتلك أي سند تاريخي، حيث كان أئمة أهل البيت يرفضون النص على أحد من أبنائهم أو الوصية اليه بالإمامة، ولذلك قال (المتكلمون الباطنيون) بأن الإمامة تقوم على علم الأئمة بالغيب وعمل المعاجز، وهذا ما يصعب إثباته في التاريخ الشيعي وما كان يرفضه أهل البيت أنفسهم، فضلا عن العقل والشرع. إضافة الى تعرض نظرية الإمامة التي كان يقول بها فريق صغير باطني من الشيعة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، الى امتحانات عسيرة تتعلق بمسألة عمر الأئمة الصغير مثل الامام الجواد والهادي والإمام الثاني عشر المفترض، حيث كان كل واحد منهم لا يتجاوز السابعة.
     وأدركت عندها أن نظرية الإمامة المفتعلة والمنسوبة الى أهل البيت كذبا وزورا، وصلت الى طريق مسدود بوفاة الامام الحسن العسكري دون خلف من بعده، وأن بعض أعوانه الانتهازيين ادعوا وجود ولد له في السر وخلافا لقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، من أجل إنقاذ نظريتهم الباطلة من الأساس. وهكذا أسسوا الفرقة (الاثني عشرية) في غيبة من وجود أحد من أئمة أهل البيت...وكان التوصل الى هاذين الموضوعين يشكل نقطة تحول جذرية في حياتي ومسيرتي وعلاقاتي. وبما أنى كنت أعيش في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه، فلم يكن من السهل البوح بهذه النتائج الا لدوائر ضيقة جدا من الأصدقاء والزملاء والأساتذة. أول من حدثته عن الموضع كان والدي العزيز (رحمه الله) الذي تجاوب معي تماما وكأنه ينتظر ما أقول، أما والدتي فقد امتعضت كثيرا وحزنت وتأسفت على أن يكون ثمرة حياتها تأتي بهذه النتيجة وهي إنكار نظرية الإمامة لأهل البيت، ونفي وجود الامام الثاني عشر. ولكنها بعد فترة وبعد حوار طويل معي ومع والدي، قبلت بالفكرة بعد أن تفهمتها جيدا. لقد كانت امرأة مؤمنة جدا ومحبة لأهل البيت ومثقفة بالثقافة التقليدية، وقد ربتني هي على الإيمان بوجود الامام المهدي وانتظاره، ولكنها لم تكن انسانة متعصبة أو متحجرة، وأصبح والديّ كلاهما من أشد المدافعين عن أفكاري والمبشرين بها بين الأهل والأقارب والأصدقاء. وتحملا من أجل ذلك كثيرا من المعاناة والمقاطعة والأذى.
     أبرز من ذهبت اليه للحوار معه، كان مؤسس الحركة المرجعية، المرجع السيد محمد الشيرازي، وكان قد سمع بعض الشيء عني، فطرح أثناء زيارته في مكتبه في قم، موضوع المصير البائس الذي يتعرض له من ينكر حقوق أهل البيت. وضرب لذلك مثلا بالشيخ المنتظري الذي أنكر حق السيدة فاطمة الزهراء في (فدك) فأصابه ما أصابه من العزل والحصار والضغط، وفهمت ما كان يقصد، فقلت له: إن موضوع فدك بسيط جدا وهامشي ولا يستحق التوقف كثيرا، وهناك قضايا أساسية تمس جوهر العقيدة الشيعية مثل موضوع وجود الامام الثاني عشر، فقال: إذا تريد أن تعمل في الساحة عليك أن تتجنب الخوض في هكذا مواضيع. وقلت له: ليس مهما العمل أو عدم العمل، المهم التحقق من عقيدتنا ومعرفة الحق من الباطل. وتجرأت فسألته فيما إذا كان قد بحث موضوع الامام المهدي بصورة مفصلة اجتهادية؟ فاعترف بصراحة أذهلتني قائلا: لا. وكان من المفترض به كمجتهد ومرجع قبل أن يبحث في القضايا الفقهية الفرعية أن يبحث ويجتهد في أساس العقيدة الشيعية الامامية الاثني عشرية التي يبني عليها بقية الأمور، وسألته سؤالا آخر: هل قرأت حول الموضوع؟ قال: نعم. ولم تكن أمامنا فرصة للحوار، فقلت له: إذن سوف أبعث لك بدراستي لكي تلقي عليها نظرة وتعطيني رأيك حول الموضوع.
     الشخص الثالث المهم الذي قررت مفاتحته في طهران، كان هو أستاذي السيد محمد تقي المدرسي، زعيم منظمة العمل الإسلامي ومؤسس الحوزة القائمية، والكاتب والباحث والمفكر الإسلامي الكبير، ولكنه كان يومها في نهاية عام 1990 منهمكا في متابعة ذيول اجتياح صدام للكويت، واستطعت أن آخذ ساعة واحدة من وقته، وأحدثه بالتفصيل عن خلاصة دراستي، وطلبت منه أن يشرح لي كيف يؤمن بوجود الامام المهدي، وأن يقدم لي أية أدلة يملكها ولم اطلع عليها حول الموضوع. فقال لي: بان هذا الموضوع من أمور الغيب. قلت له: نحن المسلمين نؤمن بالغيب كالملائكة والجن والجنة والنار لأنا نؤمن بالقرآن الكريم، ولا يمكن أن نقبل بأي أمر آخر لا يوجد في القرآن، ولم يثبت من خلال السنة ولا من أحاديث أهل البيت. وإذا كان مشايخ الشيعة يقولون إن الإيمان بوجود ولد للامام العسكري هو افتراض فلسفي لا دليل عليه، فكيف يمكن اعتبار ذلك من أمور الغيب؟
     قال لي وهو ينظر الى ساعته: أرجو ان ترجئ الكتابة حول الموضوع حتى تبذل مزيدا من الوقت في البحث والتمحيص، ولا تستعجل، ثم اكتب بحثك وقدمه لي مكتوبا حتى أستطيع مناقشته. قلت له: عظيم.. وهذا ما أدركه أنا جيدا فان موضوعا مهما وخطيرا كموضوع وجود الامام الثاني عشر ليس أمرا سهلا يمكن التلاعب به، وأعدك بأني لن انشره الا بعد استكمال بحثي لسنة أخرى.
     وهكذا وعدت عددا صغيرا آخر من أصدقائي واخواني. ولم أنس المحافظة على السرية المطلقة وحصر البحث حول الموضوع في أضيق دائرة من الاخوان المؤتمنين.
     أكملت كتابة المسودة الأولى من الكتاب في نهاية عام 1992 وأرسلتها الى المدرسي كما وعدته، وقمت بكتابة رسائل الى حوالي ثلاثمائة الى أربعمائة عالم ومفكر من علماء الشيعة وقياداتهم أعرض عليهم خلاصة ما توصلت اليه من عدم صحة نظرية الإمامة وعدم وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري)، واطلب منهم الاطلاع على مسودة كتابي ومناقشته، وتقديم ما لديهم من أدلة وبراهين قد لم اطلع عليها. أعلنت للجميع استعدادي للتراجع عن النتائج التي توصلت اليها فيما إذا حصلت على أي دليل مقنع. وقلت للكثير منهم بأني على استعداد لعمل حفلة وإحراق كتابي إذا ما اكتشفت أي دليل مخفي عني، وأيقنت بصحة النظرية الامامية وصحة وجود الإمام الثاني عشر.
     ووجهت رسالة مفتوحة الى الحوزة العلمية في قم بعقد ندوة علمية لمناقشة هذا الموضوع، واستعدادي للمشاركة فيها. ولم أتلق بالطبع أي جواب.
     وبعد فترة من المناقشة والحوار لمدة خمس سنوات قمت بطبع الكتاب سنة 1997 في لندن، فصدرت منذ ذلك الحين عشرات الكتب التي تحاول إثبات ولادة (الإمام محمد الحسن العسكري) ووجوده، وقد قمت بمراجعتها والرد على أهمها في كتاب خاص تحت عنوان (حوارات أحمد الكاتب مع العلماء والمراجع والمفكرين حول وجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وطبعته سنة 2007 وقلت في ذلك الكتاب بأن معظم الردود يؤكد ما وصلت اليه من أن موضوع (الإمام الثاني عشر) ما هو إلا افتراض فلسفي وهمي أكثر منه حقيقة تاريخية، وإن أغلب الردود تحاول إثبات وجوده عن طريق الاستدلال النظري أو ما يسمى بالدليل العقلي، وتفتقر الى الأدلة العلمية التاريخية[63].
     فهذه تجربة عاناها وخاضها من تحرر من ربقة التقليد الأعمى والموروثات الدينية فقادته إلى معرفة الحقيقة، ليخلص إلى نظرية أهل السنة والجماعة الذين يرون أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على ركنين: السلطة للأمة، والسيادة للشريعة. وإنّ العصمة من شروط النبوّة، والرسالة، وليست من شروط الإمامة، وإنّما يشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة، كان أمره في الأمّة منتظماً، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمّة عيناً عليه في العدول به من خطئه إلى صواب، أو في العدول عنه إلى غيره[64].
 
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

فهرس الكتاب
 
المقدمة............................................................................ 02
تمهيد وتعريف..................................................................... 04
توطئة تاريخية...................................................................... 05
بدايات ظهور نظرية ولاية الفقيه................................................... 11
المعارضون........................................................................ 21
النقد الروائي...................................................................... 27
تهافت النظرية..................................................................... 37
ولاية الفقيه عند أهل السنة........................................................ 70
فهرس الكتاب .................................................................. 80
 
 



[1] وهذه الشروط على خلاف بينهم هي البلوغ والعقل والإيمان (شيعي إثنى عشري) والذكورة والإجتهاد والعدالة وطهارة المولد والحياة والأعلمية وغيرها.
([2]) الاختصاص، 268، 269، قرب الإسناد، 153، البصائر، 143، البحار، 23/2، 3، 30، 51، 49/267، إثبات الهداة، 1/138، 139،.
([3]) الاختصاص، 269، البحار، 23/92، إثبات الهداة، 1/139،.
([4]) البصائر، 143، علل الشرايع، 76، البحار، 23/21، 51، 24/217، إثبات الهداة، 1/120،.
([5]) الاختصاص، 269، البحار، 23/92، إثبات الهداة، 1/129، 139،.
([6]) علل الشرايع، 76، 77، 78، البصائر، 96، 143، 289، الاختصاص، 289، كمال الدين، 117، 118، 128، 129، غيبة النعماني،68، المحاسن،235، البحار،23/21، 24،39، 26/178، إثبات الهداة، 1/106، 108
([7]) انظر تفصيل هذه الفرق في، فرق الشيعة، 96، وما بعدها، الفصول المختارة، 261، وما بعدها، البحار، 37/20، وما بعدها 50/336،.
[8]  انظر كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، انتشارات مهدوي، 43
[9] انظر مستند الشيعة للنراقي، طبعة مكتبة آية الله المرعشي 2/132، 517، 523
[10] انظر فرائد الأصول للأنصاري، مؤسسة النشر الإسلامي، تحقيق النوري 1/275
[11] العروة الوثقى ص2
[12]  للإستزادة راجع نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر لشفيق شقير
[13] الهداية، الأول، للگلپايگاني، 29
[14]  للإستزادة راجع موسوعة الرشيد على النت
[15] مصدر سابق.
[16] عوائد الأيام، للنراقي، 536
[17] انظر جواهر الكلام 21/397
[18] مصدر سابق
[19] مصباح الفقيه، لآقا رضا الهمداني، 14/289
[20]  الحكومة الإسلامية، للخميني، 80
[21] أنظر نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر  لشفيق شقير
[22] أنظر الثورة البائسة، لموسوى الموسوي
[23] المصدر السابق
[24] الخميني والدولة الإسلامية، 59
[25] أنظر، حول نظرية ولاية الفقيه لعبدالخالق حسين
[26] الكافي، للكليني، 1/67 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/286 ، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/13، 106، 136 ، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/302 ، الاحتجاج، للطبرسي، 2/106 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/220، 101/261
[27] الكافي، للكليني، 7/412 ، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/2 ، تهذيب الأحكام، للطوسي، 6/219 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 16/901 ،وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/13
[28]  المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، 1/1 ، كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 484 ، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/140 ، الفصول العشرة، للمفيد، 10 ، الغيبة، للطوسي، 291 ، الاحتجاج، للطبرسي، 2/283 ، الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي، 3/1114 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/90، 53/181، 75/380
[29] الأمالي، للصدوق، 247 ، عيون أخبار الرضا ( ع ) - الشيخ الصدوق - ج 2/40 ، معاني الأخبار - الشيخ الصدوق 374 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/146
[30] الكافي، للكليني، 1/34 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/155 ، الأمالي، للصدوق، 116 ، ثواب الأعمال، للصدوق، 131
[31] الكافي، للكليني، 1/38 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/148
[32] الكافي، للكليني، 1/46 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/213 ، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 13/124، 17/320 ، النوادر، لفضل الله الراوندي 156 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/36، 110، 72/380
[33] تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، لإبن شعبة الحراني، 238 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 15/179 ، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/316 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 97/80
[34] مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/321 ، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 25/18
[35] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 23/239 ، رياض المسائل، لعلي الطباطبائي، 10/108 ، عوائد الأيام، للنراقي، 534 ، مستند الشيعة، للنراقي، 16/143
[36] عوائد الأيام، للنراقي، 532 ، نهج الفقاهة، لمحسن الحكيم، 299 ، كتاب البيع، للخميني، 2/651
[37] فقه الرضا، لإبن بابويه القمي، 338 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 75/346 ، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/283
[38] الكافي، للكليني، 1/33 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/143 ، مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي، 122 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 67/287
[39] الكافي، للكليني، 5/209 ، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/69 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 17/300 ، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/363
[40] الكافي، للكليني، 7/66 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 24/177 ، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9/239 ، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/362، 19/423 ، مسند الإمام الرضا ( ع )، لعزيز الله عطاردي، 2/408
[41]  الكافي، للكليني، 7/67 ، تهذيب الأحكام، للطوسي، 9/240 ، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 19/422 ، الوافي، للفيض الكاشاني، 24/178 ، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة ( ع )، للحر العاملي، 8/301
[42] الاحتجاج، للطبرسي، 2/264 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/89 ، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/315 ، تفسير الإمام العسكري ( ع )، للعسكري ( ع )، 302 ، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 1/207
[43] بحار الأنوار، للمجلسي، 61/245، 67/139 ، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/356 ، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، لمحمد الريشهري، 319 ، البيان في تفسير القرآن، للخوئي، 66
[44] منية المريد، للشهيد الثاني، 121 ، الجواهر السنية، للحر العاملي، 115 ، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/25 ، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 7/282
[45] فقه الرضا، لعلي ابن بابويه القمي، 333 ، عوائد الأيام، للنراقي، 558
[46]  أنظر رياح التغيير لإيران فى الذكرى الرابعة والثلاثين لاستبداد طغاتها لنبيل الحيدري
[47]  ولايــة الفقيــه أم شــورى الفقهــاء ؟  نقــاط الضعــف .. وعوامــل القـــوة، الشيخ محمد كاظم الخاقاني
[48]  صحيفة عكاظ، العدد 16301
[49] صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1932 - الجمعة 21 ديسمبر 2007م الموافق 11 ذي الحجة 1428هـ
[50]  http،//annabaa.org/nba28/faqeh.htm
[51] http،//www.fnoor.com/main/articles.aspx?article_no=4021
[52]  http،//www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=240811
[53]  نظرية السلطة في الفقه الشيعي، 162
[54]  شرح لمعة الاعتقاد للشيخ الفوزان، 264
[55] مناقب الشافعى للبيهقى، 1/4488
[56] فتح البارى، لإبن حجر العسقلاني، 13/8
[57] فقه الخلاف، 55، أنظر أيضاً ، 53، 54، 76
[58]  فقه الخلاف، 56
[59] تحرير الوسيلة، للخميني، 1/482
[60] منهاج السنة النبوية، لإبن تيمية، 1/115
[61] لقاءات الباب المفتوح، 421
[62] نقلاً عن كتاب الإنصاف في نقد كتاب فقه الخلاف تصرف كبير
[63] انظر http،//ahmadalkatib.blogspot.com/2010/07/blog-post_1837.html
[64] أنظر أصول الدين، للبغدادي، 69 

 الشورى نظرية أهل البيت
أحمد الكاتب


كانت الامة الاسلامية في عهد الرسول الاعظم (ص) وبعد وفاته وخلال العقود الاولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان ، والعاملين به ، وعندما اصيبت الامة بتسلط الحكام الامويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وإلغائهم لنظام الشورى ، تأثر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث فقالوا رداً على ذلك ­ بأحقية اهل البيت بالخلافة من الامويين ، وضرورة تداولها في اعقابهم . ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية اهل البيت انفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الاول الهجري.

وبالرغم مما يذكر الاماميون من نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده ، الا ان تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدء الشورى وحق الامة في انتخاب أئمتها. تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى -وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب اميرالمؤمنين في مرض النبي (ص) ان يسأله عن القائم بالامر بعده ، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا ، وان اميرالمؤمنين قال: دخلنا على رسول الله (ص) حين ثقل ، فقلنا: يارسول الله.. استخلف علينا ، فقال: لا ، اني اخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم. ‍
ويقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الامام جعفر بن محمد الصادق:انه لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة دعا العباس بن عبدالمطلب وامير المؤمنين فقال للعباس : ـ ياعم محمد .. تأخذ تراث محمد وتقضى دينه وتنجز عداته ؟ ..فرد عليه فقال : ـ يارسول الله بأبي انت وامي اني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وانت تباري الريح . قال فأطرق هنيهة ثم قال : ـ يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ ..فقال كرد كلامه .. قال : اما اني سأعطيها من يأخذها بحقها ، ثم قال : ياعلي يا اخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ ..فقال : نعم بأبي انت وامي ذاك علي¹ ولي¹ .
وهذه الوصية ـ كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والامامة ، والخلافة الدينية ، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبدالمطلب ، فاشفق منها ، وتحملها الامام اميرالمؤمنين طواعية .
وهناك وصية اخرى ينقلهاالشيخ المفيد في بعض كتبه عن الامام اميرالمؤمنين (ع) ويقول ان رسول الله (ص) قد اوصى بها اليه قبل وفاته ، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة ، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات .
واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى ، فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله للامام علي بالخلافة والامامة ، وترك الامر شورى ، وهو ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول ، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له­ · امدد يدك ابايعك ، وآتيك بهذا الشيخ من قريش . يعني ابا سفيان .‏‏‏ فيقال­· ان عم رسول الله بايع ابن عمه¨ فلا يختلف عليك من قريش احد ، والناس تبع لقريش ¨ . فرفض الامام علي ذلك .
وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده ­ انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له­ أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك ، فوالله لأملأها على أبى فصيل خيلا ورجلا ، فانزوى عنه وقال­ ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبى بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام ، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة.
شعور الامام علي بالأولوية
ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الامام علي بن ابي طالب امتعض من انتخاب ابي بكر في البداية ، وامسك يده عن البيعة وجلس في داره لفترة من الزمن ، وانه عقب على احتجاج قريش في (سقيفة بني ساعدة) بأنهم شجرة رسول الله ­ بالقول­ · انهم احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة.
ويذكر الشريف الرضي في (نهج البلاغة) ان الامام اشتكى من قريش ذات مرة فقال­· اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا انائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيري
وبالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية في الخلافة ، الا انه عاد فبايع ابابكر ، وذلك عندما حدثت الردة ، حيث مشى اليه عثمان بن عفان فقال له­· يا ابن عم انه لا يخرج احد الى قتال هؤلاء وانت لم تبايع ، فأرسل الى ابي بكر ان يأتيه ، فأتاه ابو بكر فقال له­· والله ما نفسنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ، ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا ¨ وخاطب المسلمين قائلا­· انه لم يحبسني عن بيعة ابي بكر الا اكون عارفا بحقه ، ولكنا نرى ان لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا ¨ ثم بايع ابابكر ، فقال المسلمون­ اصبت واحسنت .
ولا شك ان تمنع الامام علي من المسارعة الى بيعة ابي بكر كان بسبب انه كان يرى نفسه اولى وأحق بالخلافة - وهو كذلك- او كان يرى ضرورة مشاركته في الشورى وعدم جواز الاستبداد بها دونه ، وقد سأله رجل من بني أسد ­ كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم أحق به ؟ فقال­ يا أخا بني أسد اما الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشد برسول الله نوطا ، فانها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين .
وقد قال الامام اميرالمؤمنين في الخطبة المعروفة بالشقشقية­· أما والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم ­ ان محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ، وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت ان الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، ارى تراثي نهبا ، حتى اذا مضى الاول لسبيله فأدلى بها الى فلان بعده ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى اذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم ، فيا لله والشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر؟ ‍‌
وهناك رواية أخرى عن زيد بن علي عن الإمام أمير المؤمنين يقول فيها ­· بايع الناس ابابكر وانا أولى بهم مني بقميصي هذا ، فكضمت غيظي ، وانتظرت امري وألزقت كلكلي بالارض ‍‍
وفي هذه الخطب يشير الامام علي بن ابي طالب الى اولويته بالخلافة واحقيته بها وان اهل البيت هم الثمرة اذا كانت قريش شجرة رسول الله ، ولا يشير الى مسالة النص عليه من رسول الله او تعيينه خليفة من بعده ، وينقل الكليني رواية عن الامام محمد الباقر يقول فيها ­ ان الامام علي لم يدع الى نفسه وانه أقر القوم على ما صنعوا وكتم امره واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق اميرالمؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة ، حيث يقول في (الشافي)­· انا لا ندعي علم الضرورة في النص ، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك
ولذلك فان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا ابابكر كخليفة من بعد الرسول ، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي ، او عدم وجودها في ذلك الزمان .
الامام علي والشورى
ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت ، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ، ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام ، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول ، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الامام الى ذلك ، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل
لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى « وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والانصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم­ ليس هذا اليكم هذا للمهاجرين والانصار من أمره اولئك كان اميرا .
وعندما جاءه المهاجرون والانصار فقالوا ­ امدد يدك نبايعك ، دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثم عاودوه فقال­ · دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ,وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا . ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال ­ من شاء منكما بايعته ، فقالا ­ لا الناس بك ارضى ، واخيرا قال لهم­· فان ابيتم فان بيعتي لا تكون سرا ، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني
ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين ، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والانصار ، كما لم يكن يجوز له ان يقول­· انا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا¨ ، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير ، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين
وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن ايمان الامام علي بنظرية الشورى وحق الامة في اختيار الامام ، حيث يقول في رسالة له :­· الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل .. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدأوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة ¨ ‍¦
وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما ـ بايعتماني ثم نكثتما بيعتي ¨ ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله ، وكلما قاله للزبير فتراجع عن قتاله هو ان ذكره بقول رسول الله له­· لتقاتلنه وانت له ظالم وقال الامام علي لمعاوية الذي تمرد عليه ­· اما بعد .. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر وعمر وعثمان ، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار اذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما كان ذلك لله رضا
اذن فقد كانت الشورى هي اساس الحكم في نظر الامام علي ، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر اليها الامام في اي موقف.
وقد كان الامام علي (ع) ينظر الى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة و المسلمين ان ينظروا اليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلهاالكليني في (الكافي) والتي يقول فيها اني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة ، في عملية خلافة الامام الحسن ، حيث دخل عليه المسلمون ، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن ، فقال­ · لا ، انا دخلنا على رسول الله فقلنا­ استخلف ، فقال­ لا ­ اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم . وسالوا عليا ان يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له­ ان فقدناك فلا نفقد ان نبايع الحسن ، فقال­ لا آمركم ولا انهاكم . انتم ابصر
وقد ذكر الحافظ ابو بكر بن ابي الدنيا في كتاب ­(مقتل الامام أمير المؤمنين) عن عبدالرحمن بن جندب عن ابيه قال قلت: يا اميرالمؤمنين، ان فقدناك ـ ولا نفقدك ـ نبايع للحسن ؟..فقال: ـ ما آمركم ولا انهاكم. فعدت فقلت مثلها فرد¹ علي مثلها
وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : سمعت عليا يقول وهو بين ابنيه وبين عبدالله بن جعفر وخاصة شيعته : · دعوا الناس وما رضوا لانفسهم والزموا انفسكم السكوت
وقد قام الامام اميرالمؤمنين بالوصية الى الامام الحسن وسائر ابنائه ولكنه لم يتحدث عن الامامة والخلافة ، وقد كانت وصيته روحية اخلاقية وشخصية ، او كما يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) ­ ان الوصية كانت للحسن على اهله وولده واصحابه ، و وقوفه وصدقاته .‌
وتلك الوصية هي كالتالي ­· هذا ما اوصى به علي بن ابي طالب: اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك امرت وانا من المسلمين . ثم اني اوصيك ياحسن وجميع ولدي واهلي ومن بلغه كتابي : ان تتقوا الله ربكم ولا تموتن الا وانتم مسلمون) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصيام والصلاة ، وان المعرة حالقة الدين فساد ذات البين ، ولا قوة الا بالله . انظروا ذوي ارحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب. والله الله في الايتام فلا تغب¹بون افواهم ، ولا يضيعون بحضرتكم . والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية رسول الله مازال يوصينا بهم حتى ظننا انه يو¹رثهم . والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم . والله الله في بيت ربكم ، لا يخلون¹ ما بقيتم ، فانه ان خلا لم تناظروا . والله الله في رمضان فان صيامه جن¹ة من النار لكم . والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم واموالكم وألسنتكم . والله الله في الزكاة فانها تطفيء غضب الرب . والله الله في ذمة نبيكم ، فلا يُظلمن¹ بين اظهركم . والله الله فيما ملكت ايمانكم . انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من ارادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما امركم الله . ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم . عليكم يابني بالتواصل والتباذل ، واياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من اهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيمة الروحية والاخلاقية اي دور في ترشيح الامام الحسن للخلافة ، لأنها كانت تخلو من الاشارة اليها ، ولم تكن تشكل بديلا عن نظام الشورى الذي كان اهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين
الامام الحسن والشورى
وقد ذكر ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة)­· انه لما توفي علي (ع) خرج عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الى الناس فقال: ان اميرالمؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان احببتم خرج اليكم ، وان كرهتم فلا احد على احد فبكى الناس وقالوا: بل يخرج الينا.
وكما هو ملاحظ فان الامام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر اي نص حوله من الرسول او من ابيه الامام علي ، و قد اشار ابن عباس إلى منزلة الامام الحسن عندما ذكر المسلمين بانه ابن بنت النبي ، و ذكر : انه وصي الامام اميرالمؤمنين ، ولكنه لم يبين : ان مستند الدعوة للبيعة هو النص او الوصية بالامامة
وهذا ما يكشف عن ايمان الامام الحسن (ع) بنظام الشورى وحق الامة في انتخاب امامها ، وقد تجلى هذا الايمان مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة الى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته الى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح­ · ««على انه ليس لمعاوية ان يعهد لأحد من بعده وان يكون الامر شورى بين المسلمين
ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف « ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته « ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولأشار الى ضرورة تعيينه من بعده .. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى
الامام الحسين والشورى
وقد ظل الامام الحسين ملتزما ببيعة معاوية الى آخر يوم من حياة الاخير ، ورفض عرضا من شيعة الكوفة بعد وفاة الامام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه ، ولم يدع الى نفسه الا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد الى ابنه يزيد بالخلافة بعده ، حيث رفض الامام الحسين البيعة له ، وأصر على الخروج الى العراق حيث استشهد في كربلاء عام61 للهجرة.
ويصرح الشيخ المفيد بان الامام الحسين لم يدع احدا الى امامته في ظل عهد معاوية، ويفسر ذلك بالتقية والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزام الامام الوفاء بها حتى وفاة معاوية
ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء ، سواء في رسائل شيعة الكوفة الى الامام الحسين ودعوته للقدوم عليهم ، او في رسائل الامام الحسين لهم ، حيث يقول الشيخ المفيد: ان الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية .فحمدوا الله واثنوا عليه ، فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعة ، وقد خرج الى مكة وانتم شيعته وشيعة ابيه ، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدوا عدوه وتقتل انفسنا دونه فاكتبوا اليه واعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه قال فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه : ـ
للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا اله الا هو .. اما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها امرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها واغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا امام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد اقبلت الينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله .
فكتب اليهم : ـ من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين والمسلمين
اما بعد فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكان آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم ­ ·أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى ¨ واني باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل ، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام.
اذن فان مفهوم (الإمام) عند الامام الحسين لم يكن الا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله . ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الإمامة) الى احد من ولده ، ولم يوصِ الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة علي زين العابدين ، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة ، ولا تتحدث ابدا عن
موضوع الامامة والخلافة
ومما يؤكد عدم وجود نظرية (الامامة الإلهية) في ذلك الوقت ، عدم اشارة الامام علي بن الحسين اليها ، في خطبته الشهيرة التي القاها بشجاعة امام يزيد بن معاوية في المسجد الاموي عندما أُخذ اسيرا الى الشام ، وقد قال في خطبته تلك: · ايها الناس أُعطينا ستا وفضلنا بسبع : اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا بأن منا النبي والصديق والطيار واسد الله واسد رسوله وسبطا هذه الامة. ثم ذكر الامام اميرالمؤمنين فقال: انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومفرق الاحزاب ، اربطهم جأشا وامضاهم عزيمة ذاك ابو السبطين علي بن ابي طالب .
ولم يشر الامام زين العابدين في خطبته الجريئة تلك الى موضوع الوصية او الامامة الالهية ، او الى قانون وراثة الامامة بالنص ، ولم يقل للناس انه الامام الشرعي المفترض الطاعة بعد ابيه الامام الحسين ، وانما اكتفى بالحديث عن فضل اهل البيت وفضائل الامام اميرالمؤمنين وانجازاته التاريخية
اعتزال الامام زين العابدين
وقد بايع الامام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل ابيه الامام الحسين ، ويعدون للثورة ، ولم يدعِ الامامة ، ولم يتصدَ لها ، ولم ينازع عمه فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق : فانه انقبض عن الناس فلم يلق احدا ولا كان يلقاه الا خواص اصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم الا يسيرا
ويتطرف الصدوق جدا وبشكل غير معقول فينقل عن الامام السجاد : انه كان يوصي الشيعة بالخضوع للحاكم والطاعة له وعدم التعرض لسخطه، ويتهم الثائرين بالمسؤلية عن الظلم الذي يلحق بهم من قبل السلطان
انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة
ومن هنا ونتيجة للفراغ القيادي فقد انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتل الامام الحسين سليمان بن صرد الخزاعي زعيما عليهم ، وذلك عندما اجتمعوا الى خمسة من رؤوسهم ، وقام المسيب بن نجيبة خطيبا فقال: ـ ايها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها ، وقام رفاعة بن شداد فعقب على كلامه قائلا­·قلت: ولوا امركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته ، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت ، فان تكن انت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا وفي جماعتنا محبا ، وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة سليمان بن صرد ، المحمود في بأسه والموثوق بحزمه¨« ثم تكلم عبدالله بن وال ، وعبدالله بن سعد فحمدا ربهما واثنيا عليه ... فقال المسيب بن نجيبة : · اصبتم ووفقتم وانا ارى مثل الذي رأيتم فولوا امركم سليمان بن صرد¨ وقد قام سليمان بن صرد الخزاعي بقيادة حركة قامت للثأر من قتلة الحسين ، وعرفت بحركة التوابين
امامة محمد بن الحنفية
وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي ، بعد ذلك ، بحركته في الكوفة ، كتب الى علي بن الحسين يريده على ان يبايع له ويقول بامامته ويظهر دعوته ، وانفذ اليه مالا كثيرا ، فأبى ان يقبل ذلك منه ، او يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو الى امامته وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلا ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة
لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الاسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى ، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عزوجل قد اذن ذلك .. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل
تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها ، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل ·الخلفاء¨ الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل ، وخاصة في القرن الاول الهجري ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم . وأجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك ، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه
بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة : · ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحب¹ ذلك او كرهه ، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزوجل ، وطاعته واجبة من الله عزوجل
وقال قسم آخر منهم : · ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده ­ ألم يقل رسول الله ­ من كنت مولاه فعلي مولاه؟فقال: بلى ولكن والله لم يعنِ رسول الله بذلك الامامة والسلطان ، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به
وكان ابنه عبدالله يقول: · ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا ، و ليس في احد من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله¨ وكان ينفي امامة اميرالمؤمنين انها من الله
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط ، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة ، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية ، اذ لم يكونوا يعتبرونهما ·غاصبين¨ للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما .
الشيعة بين ولاية الفقيه والشورى

يحيى محمد 

من الناحية المبدئية ظل الفكر الشيعي على مدى قرون طويلة يعتبر الحكم في النظام السياسي هو من خاصية الإمام المعصوم، مما جعله لا يتجاوب مع مبدأ الشورى في الحكم. فحتى الدعوة الحديثة التي نادت بوجوب تأسيس حكومة الفقيه إستناداً إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم ترعَ حق الشورى إلا في الحدود التي تظل محكومة بتلك الولاية دون التأثر بها، وذلك إتساقاً مع حكومة المعصوم الفردية، بإعتبار أن الولي الفقيه هو نائب عام للإمام المعصوم.

وربما تكون أول دعوة للشورى في الوسط الشيعي هي تلك التي حدثت فيما يسمى بـ (المشروطة)، حيث دعى السيدان عبد الله البهبهاني ومحمد الطباطبائي إلى إعلان قرار (المشروطة) وتأسيس مجلس للشورى لغرض تحديد السلطات المطلقة لملوك إيران. وتأسس هذا المجلس في نفس السنة التي طولب به (عام 1906م). وكان موقف العلماء منه بين مؤيد ومعارض، إذ ظهر ثقل التأييد له متجسداً في شخص الآخوند الخراساني صاحب (كفاية الأُصول)، بينما برزت قوة المعارضة عند غريمه محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى). وعلى أثر هذه المعركة ظهر كتاب (تنبيه الأُمة وتنزيه الملة) للفقيه محمد حسين النائيني أحد تلامذة الخراساني، حيث دعى فيه الى وجوب تحديد سلطات الحاكم بوضع دستور يتقيد به، وإنشاء مجلس للشورى من عقلاء وخبراء الشعب.

أما في العصر الحالي فقد دعى السيد محمد حسين الطباطبائي إلى ضرورة أن يكون حكم الحاكم في الدولة الإسلامية في عصر الغيبة قائماً على المشورة([1]). كما دعى السيد محمد باقر الصدر إلى أن يكون الحكم بيد الأُمة عن طريق الشورى([2]).

مع هذا فإن النظرية الغالبة في الفكر الشيعي هي نظرية ولاية الفقيه المطلقة. ذلك أن فكرة الشورى السياسية ما زالت غريبة في الأجواء الشيعية، اذ ظلت لقرون طويلة المنافس الأكبر لنظرية حكومة المعصوم. لذلك نجد الكتابات الشيعية في الأُمور العقائدية لا تتوانى عن نقد تلك الفكرة وإبطالها بإتهامها أنها تفتقد الدليل الشرعي، وهذا ما حصل حتى مع أُولئك الذين قبلوا فكرة شورى المؤمنين لتغطية الواقع السياسي في الوقت الحاضر، كما هو الحال مع الإمام الصدر([3]).

وبمثل هذا المنحدر سبق لبعض الذين تزعموا حركة الشورى الدستورية (المشروطة) أن إنقلبوا عليها بالرجوع إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، كما حصل مع الشيخ فضل الله النوري الذي ناقضها إنطلاقاً من مبدأ ولاية الفقيه، فإعتبر هذه الولاية شاملة لمصالح الناس عامة وكونها الولاية الشرعية الوحيدة المبنية على نظرية النيابة العامة للإمام المعصوم؛ منكراً قيام التمثيل النيابي المؤسس على أكثرية الأصوات والآراء([4]).

وأعظم من ذلك أنه في بداية قيام مجلس الشورى الأنف الذكر دعى نائب المجلس السيد عبد الحسين الشيرازي إلى العمل بالرجوع إلى منطق ولاية الفقيه المطلقة، فطالب بتسليم رئاسة المجلس إلى رجل حائز على درجة الإجتهاد إنطلاقاً من مبدأ هذه الولاية؛ معتبراً إياها ضامنة لتنفيذ الأحكام الإلهية في الأُمة إستناداً إلى أنها حكم بالنيابة عن المعصوم، وبالتالي فلها حق الخلافة العامة في المجتمع.

هكذا نفهم أنه ليس من السهل الإنتقال المباشر من نظرية حكومة المعصوم إلى فكرة الشورى المناهضة لها في النظام السياسي. في حين أن من السهل - نسبياً - التحول من تلك النظرية إلى نظرية حكومة الفقيه المطلقة، خاصة بعد أن ظهرت وسادت بعض الممهدات لهذا السبيل، من قبيل فكرة إعتبار الفقيه نائباً عاماً للإمام الغائب.

وبالفعل فإن هذه النظرية هي التي أخذت مجراها في التطبيق من خلال تأسيس دولة تقوم على الولاية المطلقة للفقيه، والتي صادف أن قام بتأسيسها رجل يعد أول من حثّ عليها بقوة وإصرار وإعتبارها من أُولى الضرورات، وهو الإمام الخميني الذي إستند في حركته على بعض الممهدات النظرية. إذ قبل ذلك دعى الشيخ أحمد النراقي خلال القرن التاسع عشر إلى تلك الولاية من الناحية النظرية، وهي دعوة تأخذ بنظر الإعتبار المستثنيات غير الداخلة تحت مظلة هذه الولاية تبعاً للنص أو الإجماع أو غيرهما. وكما يقول النراقي: «كما كان للنبي والإمام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام - الولاية؛ فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما»([5]). لكنها على ما يبدو لا ترى من بين هذه المستثنيات ما يتعلق بالنظام السياسي المرتهن بالإمام المعصوم تبعاً لما ورد حوله من نصوص غزيرة دالة على هذه الخصوصية، بل على العكس هناك إشارات عديدة تجعل من ولاية الفقيه ممتدة إلى ذلك النظام بأكمله([6]). والنراقي بهذا يعد أول من نظّر إلى الولاية المطلقة للفقيه في (عوائد الايام)، وقد أفاد منه الإمام الخميني كثيراً في كتابه (الحكومة الإسلامية) حتى إستطاع أن يؤسس على ذلك دولته الخاصة بتلك الولاية؛ كتجربة أُولى حديثة لم يسبق لها نظير من التطبيق في التاريخ الشيعي.

إلا أن تجربة الإمام الخميني في التطبيق أعادت النظر في الفكر الشيعي، حيث ظهرت دعوة جديدة تجمع بين ولاية الفقيه ومبدأ الشورى، فتجاوزت بذلك الخلاف بينهما، وهي التي أُطلق عليها (شورى الفقهاء). فقد برزت هذه الإطروحة متأثرة بالظروف التي فرضها الواقع السياسي، وذلك كرد فعل على طريقة الحكم الجديدة التي إتبعها مؤسس الدولة الإسلامية في إيران. حيث أقبل جماعة من العلماء على نقد الممارسات التي إتبعتها السياسة الحاكمة ودعوا إلى ضرورة إتخاذ الشورى للفقهاء مع رضا الأمة كمبدأ أساسي في الحكم، كما يلاحظ في عدد من الكتب والإصدارات الدورية، أبرزها كتاب (شورى الفقهاء) لمرتضى الشيرازي.

بيد أن فكرة الشورى بحسب تلك الإطروحة ظلت محصورة في نطاق معالجة موضوعات الواقع السياسي دون أن تمتد إلى نطاق الإجتهاد والفتوى في الأحكام العامة. ومن الناحية الآيديولوجية أن ذلك يكفي لسد الثغرة في المشكل المعاش، وهو المشكل السياسي. أما من الناحية المعرفية فهو أن أدلة الشورى ليست بصدد مطلق الأحكام وإنما هي بصدد الموضوعات والشؤون العامة، لذلك فإن أدلة التقليد بنظر الفقهاء توجب الرجوع إلى آحاد العلماء ولم تسمح للمقلد أن يرجع إلى المشهور ولا الأكثرية الذين يتسقان مع مبدأ الشورى.

وتُعد تلك الفكرة طرحاً جديداً لبحث جديد. اذ الملاحظ أن الفقه الشيعي يفتقر إلى معالجة مثل هذا الموضوع حتى بالنسبة لأُمور العلاقات الفردية المحدودة، وأن الفقهاء على ما يبدو لا يوجبون العمل بها، كما يلاحظ من السيرة العملية لهم، والتي تدل على عدم ممارستها، بل إدعى البعض أن الإجماع منعقد على عدم وجوبها([7]).

والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد هو كالتالي:

ما هي المبررات المعرفية التي عوّلت عليها الفكرة الآنفة الذكر؟

لا بد من أن نذكّر ـ قبل كل شيء ـ بأنه لما كانت النصوص المتعلقة بالحكم تكاد تكون مفقودة؛ فأغلب الأخبار المعتمدة هي تلك التي تتعلق بالقضاء، وبعضها جاء في الأُمور العامة كالحث بالرجوع إلى العلماء، وحيث أن آيتي الشورى ليستا كافيتين بأن تغطيا مشكلة الحكم، وأن ظاهرهما يتعلق بالمؤمنين عموماً وليس العلماء منهم فقط؛ لذا عمدت الإطروحة الجديدة (شورى الفقهاء) إلى المزاوجة بين ما يُفاد من الآيتين في الحث على الشورى وبين ما تنص عليه الأخبار في الرجوع إلى الفقيه وقبول حكمه كما في القضاء، فكانت الحصيلة من عملية الجمع هذه هي التبشير بفكرة الشورى لكل من الأُمة والفقهاء. فشورى الأُمة تتمثل بإنتخابهم لشورى الفقهاء بما لهم من منصب من قبل الإمام، فيكون الحكم للأُمة والفقهاء، حيث لا يتم تنصيب الفقهاء إلا برضا الأُمة وكذا بالنسبة إلى نفوذ حكمهم، وفوق ذلك أن رأي الأُمة مقدم على رأي الفقهاء، إذ لو لم ترضَ الأكثرية بحكم وأنفذه الفقهاء لم يصدق ((أمرهم شورى بينهم)) كما في الآية الكريمة، رغم أن حكومة الحاكم منصوبة من قبل المعصوم كما في جملة من الروايات الدالة على قيمومة العلماء والرد إليهم في فصل الخصومات وما إليها([8]).

ومن حيث التفصيل، إعتبرت تلك الإطروحة أن بعض أدلة التقليد تصلح في مجال الموضوعات للشورى. فمن حيث الدليل العقلائي يلاحظ أن العقلاء يعولون على خبرة الكثرة ويرجحونها على خبرة الفرد في الموضوعات. ومن حيث حكم العقل فإن أدلة الأكثرية معتبرة من باب الطريقية وأن رأيها هو الأقرب للواقع عقلاً. ومن حيث الآيات فإن أوضحها آيتا الذكر والانذار؛ فإذا لم يكن لها إختصاص وظهور أو إنصراف إلى المحمولات الشرعية والأُمور الإعتقادية مما يستلزم كونها أجنبية عن دائرة الشورى في الحكم وهي الموضوعات؛ فإن النسبة بينها وبين أدلة الشورى هي العموم والخصوص المطلق، فتكون مقدمة عليها ومخصصة لها، وذلك لظهور وإنصراف آيتي الشورى إلى الموضوعات. أما من حيث الروايات فإن منها ما هو ظاهر في الموضوعات مما يعني إختصاص أدلة الشورى بها([9]).

في حين ان دليل التقليد لمّا كان متعلقاً بالأحكام العامة لذا فهو أجنبي عن دليل الحكومة المختصة بالموضوعات والشؤون العامة التي تنصرف إليها أدلة الشورى، رغم وجود الإرتباط والتزاوج بين أدلة التقليد والحكومة والشورى، وهو ما جعل تلك الإطروحة تعمل على إجلائه. فأدلة الحكومة كقول الإمام: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» حاكمة على أدلة التقليد بأجمعها، في حين أن آيتي الشورى مبيّنتان لكيفية الحكومة على أنها بيد الأكثرية أو كون الحاكم أحدهم بشرط إنضمام الأكثر.

لذلك فالأدلة الثلاثة تتسلسل هكذا:

تقتضي أدلة التقليد لزوم إتباع الخبير، وتقتضي أدلة الحكومة إتباع حكم الحاكم لا مطلق الخبير في شؤون الحكم، أما أدلة الشورى فهي ناطقة بوجوب الإستشارة على الحاكم وإتباعه للأكثرية، وبالتالي تكون الحكومة لكل الفقهاء لا لأحدهم، أو لأحدهم مشروطاً بإمضاء الأكثرية([10]).

مع هذا يلاحظ أن سياق آيتي الشورى ليس متسقاً مع سياق الأخبار التي تأمر بالرجوع إلى الفقهاء كما في القضاء، فهناك فارق كبير بين الأمرين. فإذا كان بالامكان التعويل على الآيتين في الحث على الشورى في الأُمور العامة الكبيرة كالحكم؛ فإن الحال في الأخبار المتعلقة بالقضاء لا يفاد منها ذلك. وكذا العكس، إذ إنه إذا كانت الأخبار تدعو للرجوع إلى العلماء؛ فإن آيتي الشورى لا تتقيدان بهذا القيد، رغم أن الحاجة تقتضي، على فرض صواب الإطروحة، التصريح والجمع بين قيدي الفقهاء والشورى؛ سواء في الأخبار أم في الآيتين، لكن ذلك لم يحصل. أي أننا لا نجد في الشورى قيد الفقهاء، كما لا نجد في الفقهاء قيد الشورى. يضاف إلى أن هناك ثغرة تتعلق بقياس باب القضاء على الحكم مع وجود الفارق الكبير بينهما. فضلاً عن أن الأخبار (الشيعية) لا يستفاد منها الحث والتشجيع على الحكم؛ فكيف يُستفاد منها فوق ذلك الشورى أياً كانت؛ سواء بين الفقهاء أو غيرهم؟!

ومع أن بعض الفقهاء المتأخرين حاول إستنباط معنى حكومة الفقيه في عصر الغيبة من الإشارات العامة غير المباشرة للأحاديث المنقولة عن النبي (ص) والأئمة (ع)، كما في الأخبار التي تقول: «العلماء ورثة الأنبياء».. «العلماء أُمناء الرسل».. «مجاري الأُمور بيد العلماء بالله الأُمناء على حلاله وحرامه».. «أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به».. «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله..».. وغير ذلك من الأحاديث.. لكنها ليست ذات دلالة واضحة على الحكومة، وأغلبها مطعون بضعف السند. وأقربها معنى في الموضوع هي مقبولة عمر بن حنظلة التي وردت في القضاء وفض المنازعات، حيث جاء في طيها جواب الإمام الصادق بعد أن سُئل ماذا يصنع المتخاصمان؟ فقال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا.. فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً..». فهذه المقبولة هي أقرب من غيرها في الدلالة على موضوع الولاية، حتى قال الشيخ النائيني بأن موضوع الولاية كله يستفاد من هذه الرواية. وقد إستدل السيد اللنكرودي من نص الرواية «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» معتبراً أن الحكم أعم من القاضي، اذ الحاكم هو الذي يضرب بالسيف والسوط. لكن رغم ورود لفظة «الحاكم» في الرواية إلا أنها جاءت في سياق القضاء والخصومة وهي ترد في معنى القاضي؛ فلا ضرورة لفهمها بالعنوان العام. ومع هذا وذاك فالرواية تعد ضعيفة السند. والأهم من ذلك كله هو أن هناك روايات غزيرة أغلبها يدل بوضوح على منع التصدي للحكم في فترة الغيبة لإعتبارات التقية وضرورة الإنتظار قبل ظهور الإمام المهدي، كالرواية التي تقول: «كل راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله»، وإن كان الغالب فيها ضعف السند([11]).

ناهيك عن أنه إذا كان يمكن إنتزاع أمر الحكم مما جاء في روايات القضاء، أو أنه على فرض قياس أحدهما على الآخر؛ فالذي يفضي إليه ذلك هو أن يكون دليل شورى الحكم للفقهاء مستلهماً بالضرورة من دليل شورى القضاء؛ استناداً الى افتراض جامع بينهما كوحدة مناط. لكن حيث لم يرد في القضاء دليل الشورى، لا في النص ولا في سيرة المتشرعة، لذا فإن شورى الحكم للفقهاء تصبح خالية من الدليل تبعاً لذلك.

مهما يكن فمن الناحية العقلية تظل الشورى مطلوبة لدى أهل الخبرة، سواء في الموضوعات والشؤون العامة، أو في الأحكام. واذا ما كان الشرع قد أكد عليها في المجال الأول فإنه لم ينه عنها في المجال الآخر، هذا إذا فرضنا أنه لم يحث عليها في هذا المجال، سيما أن قضية الإجتهاد في الأحكام لم تطرح في عصر النص طالما كانت النصوص متوفرة والأحوال واضحة بخلاف العصور التي تلت ذلك العصر الذهبي.


[1] الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص121 و124ـ125 .

[2] الصدر، محمد باقر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ضمن سلسلة الإسلام يقود الحياة (4)، مطبعة الخيام في قم، 1399هـ، ص53ـ54. كذلك: الصدر: لمحة فقهية تمهيدية، سلسلة الإسلام يقود الحياة (1)، ص23 و33. وأنظر بهذا الصدد نقد جعفر مرتضى العاملي للسيد الصدر حول فكرة الشورى وقيادة الأُمة، وذلك كدفاع عن منطق ولاية الفقيه (الصحيح من سيرة النبي الأعظم،ج4، ص177 وما بعدها ).

[3] الصدر: بحث حول الولاية، دار التوحيد في الكويت، 1397هـ ـ1977م، ص19ـ21.

[4] مافي، هاشم محيط: مقدمات مشروطيت، بكوشش: مجيد تفرشي ـ جواد جان فدا، ص339 وما بعدها.

[5] عوائد الأيام، ص187ـ188.

[6] المصدر السابق، ص187ـ188. 

[7] عن: شورى الفقهاء، ج1، ص104 .

[8] المصدر السابق، ص421ـ424.

[9] المصدر السابق، ص371ـ376.

[10] المصدر السابق، ص372ـ373. كذلك: الشيرازي، محمد: الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، مؤسسة الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1405هـ ـ1985م، ص507ـ508. والشيرازي: الحكم في الإسلام، ضمن موسوعة الفقه، دار العلوم، الطبعة الثانية، 1410هـ ـ1989م، ج99، ص40 وما بعدها.

[11] انظر حول ما سبق المصادر التالية: النراقي: عوائد الأيام، ص185 وما بعدها. والأنصاري، مرتضى: المكاسب، مؤسسة مطبوعات ديني بقم، الطبعة الرابعة، 1370هـ.ش، ص154. واللنكرودي، مرتضى المرتضوي الحسيني: رسالة الإجتهاد، ضمن رسائله الثلاث، مطبعة الإسلام بقم، 1380هـ، ص26ـ28. والخوئي: الإجتهاد والتقليد، ص379ـ380 و143ـ144. والخميني، روح الله الموسوي: الحكومة الإسلامية، المكتبة الإسلامية الكبرى، إيران، ص56 وما بعدها. والحائري، كاظم: الكفاح المسلح في الإسلام، إنتشارات الرسول المصطفى في إيران، ص110 وما بعدها.


ولاية الفقيه

  • مراجع الدين يعارضون ولاية الفقيه .
  • صلاحيات المرشد .
  • احياء اسطورة السلطة الالهية .
  • الامام القائم يضطهد الامام القاعد .
  • ولاية الفقيه بدعة في الدين .
   (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14))
ولاية الفقيه
عندما كان الخميني في النجف الف كتابا سماه (ولاية الفقيه) ، ولم يفكر احد قط ان هذا الكتاب سيكون في يوم ما مثل (كفاحي) لادولف هتلر ويطبق على شعب ايران المسكين فلذلك لم يعر احد اهتماما بمضامينه وفحواه ، واعتبر فرضية فقية كثيرا ما نجد مثلها في مؤلفات المؤلفين ، وموضوع ولاية الفقيه من البدع التي ابتدعها الخميني في الدين الاسلامي واتخذ منه اساسا للاستبداد المطلق باسم الدين ، وهناك اتفاق تام بين فقهاء الشيعة الامامية والسنة ، ان الغرض من كلمة اولو الامر الواردة في الاية الكريمة (====) انما هو الوالي الذي نصبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته حيث يسري عليه من اطاعة الامر ما يسري على الرسول الكريم نفسه فقط ، اما ان يكون الفقيه وليا للمسلمين يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فانه هذيان يأبى من قوله حتى المجانين .
ولكي نعطي صورة واضحة المعالم لبشاعة هذه الفكرة التي ادخلها الخميني في الدستور الايراني نورد هنا هذا السؤال ، من هو الفقيه ؟ والجواب : ان الفقيه هو الرجل الذي يستطيع استنباط الاحكام الشرعية عن الكتاب والسنة الواردة من الرسول الكريم او الروايات التي صدرت من الائمة عليهم السلام او الاخذ بالقياس او دليل العقل في استنباط الاحكام الشرعية . فالعالم باحكام الصوم والصلواة والحج والزكاة وهكذا الاحكام المتعلقة بالمعاملات والديات وغيرها يكون فقيها ، وهذا الفقيه قد يكون عادلا وقد يكون فاسقا وقد يوجد في بلد فقيه واحد او عشرين فقيها او اقل او اكثر ، اذن الفقاهة هو الاختصاص في موضوع واحد من مواضيع العلم وهو الشريعة التي يستمد اصولها من العقيدة والايمان بالله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وليت شعري ان اعرف ما هي الرابطة بين الاختصاص في الاحكام الشرعية وادارة دفة الحكم بتلك الصورة الاستبدادية المطلقة ، انها اذن تجسيد واحياء لنظرية السلطة الالهية التي كان رؤساء الكنيسة الكاثوليكية يصفون انفسهم بها في عهد محاكم التفتيش في القرن الثامن والتاسع الميلادي وارتكبوا بهذا الاسم من المجازر والاثام في اسبانيا ما لاينساه التاريخ الانساني ، واليوم وفي عهد تسخير الفضاء وهبوط الانسان على سطح القمر ، يجدد الخميني المسلم في بلد مسلم اسطورة السلطة الالهية المسيحية ولكن لتتجسد هذه المرة لا في البابا عزيعْوار المسيحي ، بل في الامام الخميني المسلم .
ولم يقنع الخميني باعطاء هذه السلطة الالهية لنفسه بل اعطاها لكل من هو على شاكلته والذين سماهم الفقهاء او المرشدين ، وادخل هذا البند الجهنمي المشين للانسان وكرامته في الدستور الايراني بلا حياء ولا خجل من الله ورسوله والتاريخ . ان على العالم اجمع من مسلمين وغير مسلمين ان يعرفوا ان فقهاء ايران الكبار والمراجع الدينية العظام فيها عارضوا ولاية الفقيه معارضة شديدة واعلنوا انها لاتمت إلى الدين بصلة وانها بدعة وضلال ، وكاد الامام الشريعتمداري الزعيم الروحي الكبير والذي ساهم في الثورة الايرانية مساهمة عظيمة في اخر ايامها ان يدفع حياته ثمنا لمعارضته مع هذه الفكرة ، وعندما اصر الامام الشريعتمداري على موقفه المعارض ارسل الخميني عشرة الاف شخص من جلاوزته يحملون العصى والهروات إلى دار الامام يريدون قتله وقتل اتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الامام (وكر التجسس هذا لابد من هدمه واحراقه) ودافع حرس الامام الشريعتمداري دفاع الابطال عن دار الامام واستشهد رجلين من اتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه امام قائم ضد امام قاعد .
وهكذا اعطى الامام الخميني درسا لكل الائمة الاخرين الذين ارادوا الوقوف ضد ولايته ليعلموا ان مصير الامام الشريعتمداري سيكون مصيرهم اذا ما ارادوا الوقوف ضد رغبته ولم يكن نصيب الامام الطباطبائي القمي في خراسان من المحن والبلاء اقل من نظيره الامام الشريعتمداري في قم عندما عارض ولاية الفقيه معارضة الابطال ، لقد تقبل الامام القمي ما لاقاه من الاضطهاد من زميله القديم في السجن والجهاد الامام الخميني ، صابراً  للله تعالى محتسبا في سبيله ، كما ابلى بلاء حسنا في مواجهة انصار الخميني الذين يسمون انفسهم (حزب الله) او كما يسميهم الناس حزب الشيطان ، اذن فان الخميني وزمرته فرضوا رغباتهم وافكارهم على ماسواهم ائمة كانوا او مامومين . اما ما يتضمن الدستور الايراني الجديد في بنده العاشر بعد المائة حول صلاحيات الولي الفقيه (المرشد) فنورده هنا نصا ليكون تجسيدا حيا لمغزى الجملة المنسوبة إلى الفيلسوف باسكال ( من اراد ان يدرك اللامتناهي فليمعن جيدا فيما يتعرض للعقل البشري من سقوط او انحطاط ) .
يقول البند 110 :
المرشد هو القائد الاعلى للقوات المسلحة وله الصلاحيات المدرجة ادناه :
1.   تعيين الفقهاء المراقبين على صيانة الدستور والقوانين التي يسنها مجلس الشعب .
2.  تعيين اعلى سلطة قضائية في البلاد .
3.  نصب وعزل رئيس اركان الحرب .
4.  نصب وعزل قائد الحرس الثوري .
5.  صلاحية تعيين اعضاء الدفاع الوطني .
6.  تعيين قادة القوات المسلحة (الارض ، الجو ، البحر ) .
7.  اعلان الحرب والصلح .
8.  تنفيذ رئاسة الجمهورية .
9.  عزل رئيس الجمهورية اذا اقتضت مصالح الامة .
10. العفو عن المحكومين في حدود قوانين الاسلام وباقتراح من المحكمة العليا .
وهكذا اسفرت الثورة التي قدمت الاف الشهداء للخلاص من ملك مستبد متوج واحد النقاب عن نوايا مرشدها ، فسلط على رقاب الامة ولاة طغاة استبدلوا التيجان بالعمائم وهم يتبجحون بالسلطة الالهية المطلقة .
فمرحى لهم مرحى .

ولاية الفقيه بين الشورى والاستبداد


كيف ومتى نشأت نظرية ولاية الفقيه؟ وهل تشكل أساسا من أسس الإسلام أو التشيع أو الثورة؟وما هو دورها في إضفاء الطابع الديني على النظام الحاكم في إيران؟ ولماذا امتاز الشيعة بهذه النظرية؟

كل هذه الأسئلة وغيرها قفزت إلى الأذهان مع مطالبة بعض كبار رجال الدين في إيران ، مؤخرا ، بإعادة النظر في نظرية ولاية الفقيه وتعديلها أو التراجع عنها ، لأنها - حسب قولهم - ابتعدت عن الشورى ومالت إلى الاستبداد.
من المعروف ان نظرية ولاية الفقيه ولدت قبل مائة وخمسين عاما على يدي الشيخ احمد النراقي (توفي سنة 1245هجرية)صاحب كتاب :( عوائد الأيام) وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في (الجمهورية الإسلامية الإيرانية). وكانت هذه النظرية قد شكلت تطورا كبيرا في نظام المرجعية الدينية الذي نشأ عند الشيعة الامامية في ظل مقاطعتهم للأنظمة السياسية المختلفة في عصر غيبة (الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر).
وقد ولدت (المرجعية الدينية)للفقهاء ، واكتسبت صبغة شرعية من نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) التي بدأت تتبلور وتتطور منذ أواسط القرن الخامس الهجري ، حتى اكتملت على يدي الشيخ علي بن عبد العالي الكركي في القرن العاشر الهجري ، عندما قام بمنح الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي إجازة للحكم باسمه باعتباره يمثل النائب العام عن الإمام المهدي.
وقد أثارت نظرية (النيابة العامة) عند ظهورها جدلا واسعا في صفوف الشيعة في القرون الوسطى وقسمتهم إلى (أصوليين) و (إخباريين) مثلما فعلت نظرية (ولاية الفقيه) التي أثارت معارضة شديدة من قبل كبار الفقهاء والمحققين كالشيخ مرتضى الانصاري (توفي سنة 1281) والسيد أبو القاسم الخوئي (توفي سنة 1412) حيث قال الأول في كتابه : ( المكاسب): ان الروايات التي يستشهد بها المريدون لولاية الفقيه لا تبين إلا وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية والفتيا والقضاء ، لا كونهم كالأنبياء وإلائمة في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وان الدليل على وجوب طاعة الفقهاء دونه خرط القتاد.
اما السيد الخوئي فقد قال في كتاب ( الاجتهاد والتقليد) : ان ما استدل به على الولاية المطلقة غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في مورد الفتوى والقضاء ، وان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة.
ولا يشك أحد في ضعف الروايات التي يستند إليها القائلون بنظرية ولاية الفقيه ، والمنسوبة إلى الإمام الغائب ، وهم يعترفون بذلك ، ولكنهم يتشبثون بها كأدلة مساعدة بعد تقريرهم لضرورة إقامة الحكومة الإسلامية في (عصر الغيبة) والتخلي عن نظرية التقية والانتظار للإمام الغائب.
وقد شكل القول بنظرية ولاية الفقيه ثورة في الفكر السياسي الشيعي لأنه أدى بالفقهاء إلى التخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية التي كان يشترطها الشيعة في الإمام في القرون الأولى.
وبالرغم من الجدل العنيف الذي كان يدور حول هذه النظرية فأنها شقت طريقها بعد نجاح الإمام الخميني في تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران قبل حوالي عشرين عاما، ولكنها كانت ولا تزال غامضة وبحاجة إلى بلورة وتطوير، خاصة في ما يتعلق بحدود الولاية وعلاقة الفقيه بالأمة. وقد أصبحت عرضة لجدل طويل في مجلس الخبراء التأسيسي الأول الذي انعقد بعد انتصار الثورة لصياغة الدستور، حيث كان يميل البعض إلى تقليص سلطة الفقيه إلى درجة الاقتصار على مهمة الإرشاد الروحي ، ويميل البعض الآخر إلى تمديد سلطته إلى درجة الهيمنة الكاملة على الحياة السياسية. وقد ولد الدستور الإيراني الإسلامي وهو يميل إلى كفة الأمة التي أعطاها حق التشريع من خلال مجلس شورى منتخب ، وحق التنفيذ من خلال سلطة تنفيذية منتخبة ممثلة برئيس الجمهورية ، ولم يعط الفقيه الولي سوى منصب قائد القوات المسلحة وحق تنصيب الرئيس الأعلى للقضاء.
ولكن الإمام الخميني الذي صادق علة الدستور لم يكتف عمليا بالصلاحيات التي منحه إياها الدستور ، بل فرض هيمنته الكاملة علة مجلس الشورى ورئاسة الجمهورية وأقال الرئيس الأول أبوا لحسن بني صدر لأنه تمرد على تعليماته ، ووجه رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس السيد علي الخامنائي سنة 1988 لأنه اعترض على بعض ممارساته ، خاصة في ما يتعلق بإجازة قانون العمل الذي لم يكن يحظى بموافقة مجلس المحافظة على الدستور.
وقد اتهم الإمام الخميني خامنئي في تلك الرسالة بالجهل بنظرية ولاية الفقيه وقال لهL يظهر انكم لا تؤمنون ان الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية… وان استشهادكم بقوليL ان صلاحية الحكومة هي في إطار الأحكام الإلهية) يخالف بصورة كلية ما قلته. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة وان تصبح دون معنى. وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشيء من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية).
وقد اعتبر الإمام الخميني في تلك الرسالة ولاية الفقيه كولاية الرسول الأعظم وقال بصراحة: انه يستطيع ان يلغي الاتفاقيات الشرعية التي يعقدها مع الأمة من طرف واحد إذا رأى بعد ذلك انها مخالفة للإسلام أو لمصلحة البلد.
ولم يكن الإمام الخميني يؤمن بحاجة الفقيه إلى رأي الأمة أو انتخابها له لأنه منصب ومعين من قبل الإمام المهدي الغائب ، ولذا فقد كان يطالب الأمة بتقديم النصح والنصرة والولاء له ، ويستند في ذلك على تراث (المرجعية الدينية) ونظرية (نيابة الفقيه العامة عن الإمام المهدي) التي تعطي للفقيه قدسية لا مثيل لها وتجعله مشابها للنبي أو الإمام المعصوم بناء على الحديث المنسوب إلى الإمام المهدي والذي يقولL ان الراد على الفقهاء كالراد علينا والراد علينا كالراد على الله)
وبناء علة نظرية الإمام الخميني هذه انطلق الشيخ محمد يزدي رئيس القضاء الأعلى في إيران قبل عدة اشهر في دعوته إلى تعديل الدستور وحصر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يدي الولي الفقيه وتحريم ممارسة أي شيء من ذلك إلا بإذنه.
وفي الحقيقة ان نظرية (النيابة العامة) هي سر الصبغة الدينية لنظام الحكم وللحاكم في إيران . إلا انه بالرغم من سيادة هذه النظرية اليوم فأنها - كما قلنا - جوبهت ولا تزال تجابه بمعارضة من قبل بعض الفقهاء والمحققين الكبار الذين يرفضون الصفة الدينية المقدسة للحاكم، حتى وان كان فقيها عادلا ، وذلك لاحتمال تعرضه للجهل أو الهوى أو حب السلطة والانحراف والاستبداد.
ومن هنا فان الفقهاء يناقشون في صحة نظرية ولاية الفقيه أو النيابة العامة ويقولون انها ليست سوى فرضيات أو نظريات اجتهادية حادثة لم تكن معروفة بين الفقهاء السابقين ولا تحظى بإجماع الشيعة أو عامة المسلمين.
ان إعادة النظر في (ولاية الفقيه) لا تعني إعادة النظر في الإسلام أو الحكم الإسلامي ، وإنما تعني إعادة النظر في أسس الحكومة وهل تقوم على تفويض الهي للحكم باسم الإمام الغائب أو تفويض من الأمة للحكم باسمها بالحدود والصلاحيات التي ترسمها وتحددها.
ويتوقف على هذا الجدل الدائر في إيران مستقبل النظام السياسي بين تشديد قبضة الولي الفقيه والاستبداد بالسلطة بصورة كاملة ، أو الاتجاه نحو مزيد من الحرية والشورى والمشاركة الشعبية في تقرير الأمور , كما يتوقف عليها موقع رئيس الجمهورية المنتخب السيد محمد خاتمي وقدرته على تنفيذ وعوده الانتخابية بتوفير الحرية الثقافية والتعددية السياسية والسماح للأحزاب بالعمل في ظل الجمهورية الإسلامية.
_________________________
المصدر: نشرت في جريدة الحياة بتاريخ 8/12/1997

هل الخلافة نص أم شورى ؟ شبهات وردود


إخواني احببت في هذه الفتنرة المقبلة ان اذكر بعض الشبهات التي يثيرها الرافضة في الانترنت واذكر الرد عليها سواء كان الرد من قبلي ام من قبل احد المجاهدين المجتهدين في هذا المجال القصد من ذلك هو جمع اجوبة جاهزة وموجودة للاستفادة منها متى ما طرح الرافضة هذه الشبه واذكر اول هذه الشبه وهي :

هل الخلافة نص ام شورى ؟؟؟
المسألة فيها خلاف بين اهل السنة وهذا راجع الى الادلة
فمنهم من قال بوجود بعض الادلة التي يفهم منها النص على خلافة ابي بكر الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واذكر هنا بعضا منها :
الرواية الاولى 
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه، فقال: [مروا أبا بكر فليصل بالناس]، قالت عائشة: يا رسول الله، إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال: [مري أبا بكر فليصل بالناس]، فعادت، فقال: [مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف]، فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم". (أخرجه البخاري ومسلم).
الرواية الثانية 
وعن عبدالله بن زمعة رضي الله عنه قال: "لما استعز بالنبي صلى الله عليه وسلم –وأنا عنده في نفر من الناس- دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مروا أبا بكر يصلي بالناس]، قال فخرجنا، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: يا عمر، قم فصل للناس، فتقدم فكبر، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته -وكان عمر رجلاً مجهراً- قال: [فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون]، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس".
زاد في رواية قال: "لما أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر (قال ابن زمعة)، خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: [لا، لا، لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة].. يقول ذلك مغضباً" أخرجه أبو داود وهو حديث حسن.
التعليق على هذا الحيدث :
وفي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:
1)   اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليصلي بالناس دليل على إمامته، لأن الصلاة أشرف عمل للمسلمين، وإمامتها مهمة الإمام والقائد، ولذلك كان لا يؤم الجيش إلا القائد، فتقديم الرسول لأبي بكر ليصلي بالناس من أعظم الأدلة أنه قد ارتضاه بل عينه إماماً للناس في كل الشئون لأن الصلاة هي العنوان وهي أعظم شئون المسلمين.
وكذلك أن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ليصلي بالناس أعظم دليل على تقديمه وتزكيته لتولي أمور المسلمين والقيام بالأمر من بعده. كما استدل بذلك الصحابة وقالوا "رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا". وذلك أن الصلاة هي أعظم أعمال الإسلام بعد الشهادتين والإيمان، وهي أعظم أعمال الخلفاء والولاة كما قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} فبدأ بالصلاة أولاً حتى يشعرنا أنها أعظم أعمال الدين وأعظم أفعال ولاة الأمور، واختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ليؤم الناس في مرض موته أصرح الدلالات على أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار الصديق لإمامة المسلمين وخلافة النبوة.
2)   إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم على تولية أبي بكر يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدع أهم الأمور وهي إمامة المسلمين دون أن يرشد إليها ويبينها وفي تولية الصديق الإمامة أتم البيان.
الرواية الثالثة 
روى البخاري بإسناده عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت أرأيت إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت، قال عليه الصلاة والسلام: [إن لم تجديني فأتي أبا بكر].
وهذه شهادة من الرسول صلى الله عليه وسلم وخبر صادق منه، ودلالة من دلائل نبوته وصدقه صلى الله عليه وسلم أن الذي سيرجع إليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إنما هو الصديق رضي الله عنه، فأي شهادة أبلغ من هذه وأصرح للدلالة على أن المرجع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو أبو بكر رضي الله عنه.
الرواية الرابعة 
روى الإمام البخاري بإسناده عن الزهري، قال أخبرني ابن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن].
إن الخلافة بعد الرسول إنما تكون لأبي بكر ثم عمر وإن خلافة الصديق تكون قصيرة ثم تأتي خلافة الفاروق حيث يفيض المال وتعظم الفتوح وتستحيل دولة الإسلام إلى دولة عظمى، حتى يضرب الناس بعطن.. (والعطن) هو مرقد الإبل وهذه كناية وإشارة إلى استقرار الأمة وكثرة عددها وقيام سوقها.
الرواية الخامسة 
اخرج الامام مسلم في صحيحه انه قال صلى الله عليه واله وسلم في اوائل مرضه وهو عند السيدة عائشة (( ادعي لي اباك واخاك حتى اكتب كتابا فإني اخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل ويابى الله والمؤمنون إلا ابابكر)) .
وهنا قال بعض علماء الحديث ان النبي عليه الصلاة والسلام اراد ان ينص على اسامي الخلفاء بعده حتى لايقع بينهم الاختلاف .
خلاصة القول : ان هذه الاحاديث يوجد فيها اشارات واضحة على ان الخليفة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام هو ابوبكررضي الله عنه 
اما قول الذين ذهبوا الى ان الخلافة شورى فهولاء استندوا على قول الله تعالى (( وامرهم شورى بينهم)) وكذلك استندوا على واقعة السقيفة وما تم فيها بين الصحابة .
هذه هي المسالة بكل بساطة وليس فيها تعارض ابدا ، وانما التعارض الكبير هو موجود عند الشيعة الاثني عشرية إذ انهم يدعون العصمة وعدم التناقض للأئمة الاثني عشر وانهم جميعا منصوص عليهم من الله تعالى ولكننا نجد في الواقع التناقض من بعض الائمة المعصومين ، فنجد علي رضي الله عنه قاتل معاوية رضي الله عنه ثم ياتي ابنه الحسن رضي الله عنه ويتنازل عن الامامة ـ المنصوص عليها من الله تعالى ـ لرجل ((كافر)) عند الرافضة مع انه كان تحت يده قرابة العشرين الف مقاتل ثم نجد كذلك التناقض في فعل الامام المعصوم الحسين رضي الله عنه حين خرج على يزيد بن معاويه ولم يكن تحت يده إلا بضعة وسبعون رجلا مقاتل فقط .
ماهذا التنتاقض ؟؟؟ والكل معصوم ؟؟؟؟؟
فان قال الرافضي انه لم يكن هناك أي نص واضيح على أبو بكر ولو كان هناك نص واضح لما قال عمر أنها كانت فلتة وقى الله شرها 
فالجواب :
اولا : ليس هناك نص صريح من النبي صلى الله عليه واله وسلم على خلافة ابي بكر الصديق رضي الله عنه .
ثانيا : مقولة عمر رضي الله عنه ((فلته وقى الله شرها )) :
نجد ان الرفضة هنا دائما ياخذون من الروايات ما يروق لهم القصد منها التدليس على القاريء بينما نجد لوان الرافضة نقلوا لنا الرواية كاملة بشرحها لبطلت شبهتهم من الاساس . 
و هنا انقل العبارة كاملة ثم اذكر شرحها ليتبين المقصود منها :
اولا هذه العبارة وردت في صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت 
وانقل هنا العبارة كاملة :
((ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏بَايَعْتُ ‏ ‏فُلَانًا ‏ ‏فَلَا ‏ ‏يَغْتَرَّنَّ ‏ ‏امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏فَلْتَةً وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ ‏ ‏أَبِي بَكْرٍ )).
واذكر الان الشرح :
قال شارح البخاري الحافظ ابن حجر رحمه الله :
(( قوْله ( أَلَا وَإِنَّهَا ) ‏
‏أَيْ بَيْعَة أَبِي بَكْر . ‏
‏قَوْله ( قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ ) ‏
‏أَيْ فَلْتَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , حَكَى ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَأَخْرَجَهُ سَيْف فِي الْفُتُوح بِسَنَدِهِ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر نَحْوه قَالَ : الْفَلْتَة اللَّيْلَة الَّتِي يُشَكّ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ رَجَب أَوْ شَعْبَان وَهَلْ مِنْ الْمُحَرَّم أَوْ صَفَر , كَانَ الْعَرَب لَا يُشْهِرُونَ السِّلَاح فِي الْأَشْهُر الْحُرُم فَكَانَ مَنْ لَهُ ثَأْر تَرَبَّصَ فَإِذَا جَاءَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة اِنْتَهَزَ الْفُرْصَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَقَّق اِنْسِلَاخ الشَّهْر فَيَتَمَكَّن مِمَّنْ يُرِيد إِيقَاع الشَّرّ بِهِ وَهُوَ آمِنٌ فَيَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ الشَّرّ الْكَثِير , فَشَبَّهَ عُمَر الْحَيَاة النَّبَوِيَّة بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْفَلْتَة بِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْل الرِّدَّة وَوَقَى اللَّه شَرَّ ذَلِكَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ النُّهُوض فِي قِتَالهمْ وَإِخْمَاد شَوْكَتهمْ , كَذَا قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : الْجَامِع بَيْنهمَا اِنْتِهَاز الْفُرْصَة , لَكِنْ كَانَ يَنْشَأ عَنْ أَخْذ الثَّأْر الشَّرّ الْكَثِير فَوَقَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ شَرَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْشَأ عَنْ بَيْعَة أَبِي بَكْر شَرٌّ بَلْ أَطَاعَهُ النَّاس كُلّهمْ مَنْ حَضَرَ الْبَيْعَة وَمَنْ غَابَ عَنْهَا . وَفِي قَوْله " وَقَى اللَّه شَرَّهَا " إِيمَاء إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْوُقُوع فِي مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُؤْمَن مِنْ وُقُوع الشَّرّ وَالِاخْتِلَاف . ‏
‏قَوْله ( وَلَكِنَّ اللَّه وَقَى شَرّهَا ) ‏
‏أَيْ وَقَاهُمْ مَا فِي الْعَجَلَة غَالِبًا مِنْ الشَّرّ , لِأَنَّ مِنْ الْعَادَة أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى الْحِكْمَة فِي الشَّيْء الَّذِي يَفْعَل بَغْتَة لَا يَرْضَاهُ , وَقَدْ بَيَّنَ عُمَر سَبَب إِسْرَاعهمْ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا خَشَوْا أَنْ يُبَايِع , الْأَنْصَارُ سَعْد بْن عُبَادَةَ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : عَاجَلُوا بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر خِيفَة اِنْتِشَار الْأَمْر وَأَنْ يَتَعَلَّق بِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقّهُ فَيَقَع الشَّرّ . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى قَوْله " كَانَتْ فَلْتَة " أَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْر مَشُورَة مَعَ جَمِيع مَنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَر , وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْكَرَابِيسِيّ صَاحِبُ الشَّافِعِيّ وَقَالَ : بَلْ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر وَمَنْ مَعَهُ تَفَلَّتُوا فِي ذَهَابهمْ إِلَى الْأَنْصَار فَبَايَعُوا أَبَا بَكْر بِحَضْرَتِهِمْ , وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَعْرِف مَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ بَيْعَته فَقَالَ : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَالْمُرَاد بِالْفَلْتَةِ مَا وَقَعَ مِنْ مُخَالَفَة الْأَنْصَار وَمَا أَرَادُوهُ مِنْ مُبَايَعَة سَعْد بْن عُبَادَةَ وَقَالَ اِبْن حِبَّان : مَعْنَى قَوْله " كَانَتْ فَلْتَة " أَنَّ اِبْتِدَاءَهَا كَانَ عَنْ غَيْر مَلَأ كَثِير , وَالشَّيْء إِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَال لَهُ الْفَلْتَة فَيُتَوَقَّع فِيهِ مَا لَعَلَّهُ يَحْدُث مِنْ الشَّرّ بِمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ عَادَة , فَكَفَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ الشَّرّ الْمُتَوَقَّع فِي ذَلِكَ عَادَة , لَا أَنَّ بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَ فِيهَا شَرٌّ . ‏
‏قَوْله ( وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَع الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْل أَبِي بَكْر ) ‏
‏قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّ السَّابِق مِنْكُمْ الَّذِي لَا يُلْحَق فِي الْفَضْل لَا يَصِل إِلَى مَنْزِلَة أَبِي بَكْر , فَلَا يَطْمَع أَحَد أَنْ يَقَع لَهُ مِثْل مَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْر مِنْ الْمُبَايَعَة لَهُ أَوَّلًا فِي الْمَلَأ الْيَسِير ثُمَّ اِجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ وَعَدَم اِخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ لِمَا تَحَقَّقُوا مِنْ اِسْتِحْقَاقه فَلَمْ يَحْتَاجُوا فِي أَمْره إِلَى نَظَر وَلَا إِلَى مُشَاوَرَة أُخْرَى , وَلَيْسَ غَيْره فِي ذَلِكَ مِثْله . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا . وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْمُسَارَعَة إِلَى مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ مِثْل أَبِي بَكْر لِمَا اِجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ الصِّفَات الْمَحْمُودَة مِنْ قِيَامه فِي أَمْر اللَّه , وَلِين جَانِبه لِلْمُسْلِمِينَ , وَحُسْن خُلُقه , وَمَعْرِفَته بِالسِّيَاسَةِ , وَوَرَعه التَّامّ مِمَّنْ لَا يُوجَد فِيهِ مِثْل صِفَاته لَا يُؤْمَن مِنْ مُبَايَعَته عَنْ غَيْر مَشُورَة الِاخْتِلَافُ الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ الشَّرّ , وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ " تُقْطَع الْأَعْنَاق " لِكَوْنِ النَّاظِر إِلَى السَّابِق تَمْتَدّ عُنُقُهُ لِيَنْظُر , فَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَقْصُوده مِنْ سَبْق مَنْ يُرِيد سَبْقه قِيلَ اِنْقَطَعَتْ عُنُقه , أَوْ لِأَنَّ الْمُتَسَابِقَيْنِ تَمْتَدّ إِلَى رُؤْيَتهمَا الْأَعْنَاق حَتَّى يَغِيب السَّابِق عَنْ النَّظَر , فَعَبَّرَ عَنْ اِمْتِنَاع نَظَره بِانْقِطَاعِ عُنُقه . وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَثَل , يُقَال لِلْفَرَسِ الْجَوَاد تَقَطَّعَتْ أَعْنَاق الْخَيْل دُون لَحَاقه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْشَر الْمَذْكُورَة " وَمِنْ أَيْنَ لَنَا مِثْل أَبِي بَكْر تُمَدّ أَعْنَاقُنَا إِلَيْهِ " . ‏))
وقال صاحب التحفة الاثني عشرية الالوسي رحمه الله تعالى :
(( هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول : ان مات عمر ابايع فلانا وحدي او مع اخر كما كان في مبايعة ابي بكر ثم استقر الامر عليها ، فمعنى كلام الفاروق في رده القول ان بيعة رجلين شخصا من غير تأمل سابق ومراجعة اهل الحل والعقد ليست صحيحة وبيعة ابي بكر وان كانت فجأة بسبب مناقشة الانصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت اهلها للدائل الدالة على ذلك والقرائن القائمة على ماهنالك كإمامة الصلاة ونحوها وهذا معنى (وقى الله شرها) فلايقاس غيره بها وفي اخر هذه الرواية التي رواها الشيعة(وايكم مثل ابي بكر) اي في الافضلية والخيرية وعدم الاحتياج الى المشورة )) . انتهى كلامه .
الان اخواني اتضح ما المقصود(( بكلمة فلته وقى الله شرها )) 
بقي نقطة واحدة وهي انها حين يقول الرافضي بأن الخلافة انما هي نص من الله تعالى وليست شورى فاننا نقول له :
طالما ان الخلافة ليست شورى ولا بيد احد فإننا فنجد علي رضي الله عنه قاتل معاوية رضي الله عنه ثم ياتي ابنه الحسن رضي الله عنه ويتنازل عن الامامة ـ المنصوص عليها من الله تعالى ـ لرجل ((كافر)) عند الرافضة مع انه كان تحت يده قرابة العشرين الف مقاتل ثم نجد كذلك التناقض في فعل الامام المعصوم الحسين رضي الله عنه حين خرج على يزيد بن معاويه ولم يكن تحت يده إلا بضعة وسبعون رجلا مقاتل فقط .
ماهذا التنتاقض ؟؟؟ والكل معصوم ؟؟؟؟؟ والنص واحد على إمام من الله تعالى بالخلافة ؟؟؟
ملاحظة : هذا البحث مجهود فردي قد يعتريه النقص فلذلك من كان لديه اضافة او تعقيب فيلذكره وله الدعاء.

قصة الشورى

23هـ
الراصد
قصة الشورى هي واحدة من المواقف التي جسّدت وحدة المسلمين, وتكاتفهم وحرصهم على المصلحة العامة للأمة.
في السنة الثالثة والعشرين للهجرة طُعِن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي بعد خلافة عظيمة وحكم عادل شأنه شأن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وعندما طُعِن الفاروق عمر جعل الخلافة في ستة من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة من المبشرين بالجنة وهم عثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص.
وملخص الواقعة كما في صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة – باب قصة البيعة حديث رقم 3700) أن الناس قالوا لعمر رضي الله عنه: أوص يا أمير المؤمنين, استخلف, قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ, وسمّى هؤلاء الستة الكرام من الصحابة.
وقال عمر: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء, فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمّر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. فقد كان عمر قد عزل فيما سبق سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة.
عند ذلك اجتمع هؤلاء الستة رضي الله عنهم وقال لهم عبد الرحمن بن عوف:
اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم, أي ليتنازل ثلاثة ويبق ثلاثة:
فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي.
وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان.
وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
وهنا يتبين أن الزبير بن العوام رضي الله عنه لم يكن من مبغضي علي بن أبي طالب, وكيف يكون من مبغضيه وهو ابن عمته, وقد رشحه للخلافة كما تبين, وهما من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد انسحب من الخلافة الزبير وطلحة وسعد, وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن, وقد أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من "قائمة المرشحين" وحصرها في عثمان وعلي وطلب منهم أن يدير العملية هو فوافقوا.
وهنا يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أفتجعلونه إليّ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكما. أي أنني لن أختار إلا الأفضل, وبعد موافقة الإثنين, قال لعلي: لك قرابة من رسول الله r والقِدم في الإسلام ما قد علمت, فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن.
ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك, وأخذ منهما الميثاق بأن كل واحد منهما إن أصبح أميراً فإنه سيحكم بالعدل, وإن أصبح الآخر فإنه سيسمع ويطيع لأمير المؤمنين.
وجلس عبد الرحمن ثلاثة أيام يسأل المهاجرين والأنصار حتى قال: والله ما تركت بيتاً من بيوت المهاجرين والأنصار إلا وسألتهم فما رأيتهم يعدلون بعثمان أحداً. وهذا يؤشر على اتساع دائرة الشورى التي جاءت بعثمان.
وعندها قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه, وبايعه المسلمون بيعة عامة, فهم يعرفون مكانة عثمان وقدره وأفضليته حتى قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما كنّا نعدل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان ثم نترك بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم. (أخرجه البخاري – كتاب فضال الصحابة- باب مناقب عثمان رقم 3697).
وهكذا كانت قضية الشورى ممّا عصم المسلمين’ ورصّ صفوفهم خلف خليفة واحد, كما أنه قد تجلت فيها حكمة عمر رضي الله عنه ورحمته بالمسلمين وحرصه على اختيار الأفضل, وإبعاد ابنه عبد الله عن الخلافة رغم أنه من خيار الصحابة, فإنه لم يرغب يوماً في أن تكون خلافة المسلمين وراثة, وكان يشفق على ابنه وآله منها.
وجاء عهد عثمان رضي الله عنه, عهد مليء بالفتوحات والرخاء وانتشار الإسلام, ففي هذا العهد تم غزو قبرص وفتحت أذربيجان وأرمينية وكابل وسجستان وغيرها وفي خلافته كانت الغزوة العظيمة ذات الصواري.
وبلغ الرخاء في عهده أوجه حتى قال الحسن البصري, وهو من كبار التّابعين: قلّما يأتي على الناس يوم إلا ويقتسمون فيه خيراً حتى أنه ينادى تعالوا عباد الله خذوا نصيبكم من العسل, تعالوا عباد الله خذوا نصيبكم من المال.
أما أعداء الإسلام فقد أغاظهم أن يجتمع المسلمون على عثمان, وهو صاحب الفضل والجود والمآثر, فصوروا قصة الشورى على أنها حلقة من حلقات اغتصاب السلطة والاستئثار بها, ووصل الحد بهؤلاء إلى أن يصفوا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف الذي رفض الخلافة وبذل جهده لاختيار من زكّاه المسلمون بأنه (زعيم لوبي)!([1])
ووضع هؤلاء الروايات التي لا تصح والتي تشكك بأهمية هذا الإنجاز وحرص المسلمين على تقصير كلمتهم فقالوا بأن عمر طلب من أبي طلحة الأنصاري أن يحضر خمسين من رجاله ويقتل أصحاب الشورى الستة إن لم يتفقوا على خليفة من بينهم, وهذا أمر يدعو للاستغراب فكيف يستحل عمر رضي الله عنه رقاب أولئك الصحابة الذين مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ, كما أنه يوحي بأنها كانت بيعة مقلقة.
للاستزادة:
1- العواصم من القواصم – الإمام أبو بكر بن العربي بتحقيق العلامة محب الدين الخطيب ص42.
2-  حقبة من التاريخ – الشيخ عثمان الخميس ص33.
__________________________
([1] ) من هؤلاء علي شريعتي في كتابه "التشيع العلوي والتشيع الصفوي".

السيد الخوئي.. نعارض مبدأ ولاية الفقيه والتشيع سيفشل إذا تبنته دولة ويجب أن يبقى طليقا


اكد عبد المجيد الخوئي ان الاتصالات مع ايران «موجودة بسبب فروع مؤسسة الخوئي الخيرية هناك، فلدينا حوزات علمية في قم ومشهد وطهران وغيرها» لكنه شدد على نفي «وجود اي اتصالات رسمية» معها.

وتساءل «كيف نجري اتصالات معهم ونحن نعارض مبدأ ولاية الفقيه الذي تقوم على اساسه الجمهورية الاسلامية في ايران؟ فنحن في هذا المجال لا نعترف بشرعيتهم». وتابع يقول «هناك اتصالات مع جميع المرجعيات الشيعية في العالم لكننا نعارض التحزب والتقديس الشخصي»، موضحا ان ما «يهمنا هو ان يكون الحاكم عادلا كائنا من يكون فما النفع اذا كان شيعيا وظالما»؟ واعرب عن اعتقاده بان «التشيع سيفشل اذا تبنته دولة ما ويجب ان يبقى طليقا في حركته دون الارتباط بمسار دولة معينة لانها قد تزول يوما ما بينما حركة التشيع ستبقى مستمرة».(أ.ف.ب).

الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية


وضع المستشار سالم البهنساوي للمكتبة الإسلامية عدداً من الكتب النفيسة، في توضيح صورة الإسلام، والذب عنه، وبيان الافتراءات التي ألصقت فيه، وفيمن حمله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن هذه الكتب: الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة، وقد قمنا في العدد التاسع من الراصد بالتعريف به، ومن كتبه "السنة المفترى عليها"، ومنها كتاب "الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية" الذي نحن بصدد تناوله في هذا العدد.

وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار الزهراء للإعلام العربي في القاهرة سنة 1412هـ (1991م)، وهو دراسة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، تتناول أهم أعمالهم، وتمحص الخلافات المرويّة عنهم في كتب التاريخ، كما رأى المؤلف أن يقدم مع هذه الدراسة فصلاً عن ظروف تدوين التاريخ الإسلامي، والواجب عند تناول هذه المصادر التاريخية، مع بيان مركّز عن الخلافة الإسلامية، والفرق بينها وبين الحكومة الدينية في أوربا، وأهم الفوارق بين سيادة الأمة في النظام الديمقراطي الغربي والإسلامي.

وفي مقدمة الكتاب، يعرب المؤلف عن أمله في أن يساهم كتابه مع غيره من جهود الآخرين في بيان الحقائق التاريخية عن الخلافة، وعن الخلفاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوه، وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وشهد القرآن الكريم لهم بذلك مما يقطع ألسنة من يرميهم بالنفاق.

وقد قسم المؤلف كتابه الواقع في 334 صفحة من القطع الكبير إلى ستة فصول: تناول في الأول حقيقة الدراسات التاريخية، وفي الثاني مسألة الخلافة ورئاسة الدولة، وفي الثالث: الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وفي الفصل الرابع يتناول سيرة عمر بن الخطاب وعصره، وفي الخامس: عثمان بن عفان، وفي السادس: علي بن أبي طالب.

الفصل الأول: حقيقة الدراسات التاريخية

وفي هذا الفصل عدد من المباحث، يتحدث أولها عن أن الدراسات التاريخية الحديثة عن العالم العربي والإسلامي ظلت حكراً على مجموعة من الكتاب الذين يعادون الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، فالدين في زعمهم اختراع بشري لا يصلح لكل زمان ومكان!

ومن تلك الكتب: "معالم تاريخ الإنسانية"، وهو معجم ألّفه هـ . ج ولز ومجموعة من أساتذة الجامعات، "وموجز تاريخ العالم" للمؤلف نفسه، "وموسوعة تاريخ العالم" للانجر، وقصة الحضارة لديورانت.

أما الكتب التي تعرضت لتاريخ الإسلام وحضارته، فإنها سارت على المنوال نفسه، مثل كتاب "حضارة العرب" للمستشرق جوستاف لوبون، وفيه يقول أن الإسلام من اختراع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبنفس القول جاء كتاب " الدعوة إلى الإسلام" لتوماس أرنولد.

وعلى منوال المستشرقين سار بعض من انتسبوا للإسلام في كتاباتهم عن التاريخ الإسلامي ومن أبرز هؤلاء: 

1ـ طه حسين، في كتبه: "الشيخان"، و "الفتنة الكبرى"، و "مرآة الإسلام"،وفيها يكذب أقوال الصحابة، ويلجأ إلى أقوال المنافقين والمرجفين. والأدهى من ذلك أن طه حسين استغل منصبه كرئيس للجنة الثقافية بجامعة الدول العربية ونشر كتاب "قصة الحضارة" الذي يقول البهنساوي عنه أنه يهدم الدين والتدين.

2ـ أيضاً بعض الباحثين الذين تنقصهم أدوات البحث العلمي أو التصور الصحيح للتاريخ الإسلامي: كعلي حسن الخربطلي، وغيره، فقد كانوا يلجأون للروايات المكذوبة ويضعونها أمام قرائهم، كما أنهم كانوا يفسرون الروايات الصحيحة على هواهم، من قبيل زعم الخربطلي أن الجهاد لم يكن لنشر الإسلام، بل لإبعاد المسلمين عن الدعة والترف.

وبعد أن يناقش المستشار البهنساوي منهج طه حسين الملقب بعميد الأدب العربي في تناوله للمسائل التاريخية، وأنه لا يتبع منهجاً علمياً يقوم على تمحيص الروايات يؤكد على وجوب تحقيق الروايات، ويعقد لذلك مبحثاً مستقلاً، وفيه يقول: "لقد تمكن هؤلاء المنافقون من إحداث الفتنة التي أدت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وإلى الحروب بين الصحابة، ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا فمن اليسير أن يختلقوا الوقائع، ويروجوا الأكاذيب التي تصور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصويراً يكذب توثيق القرآن لهم" ص23.

ويؤكد المؤلف أن هؤلاء المنافقين استغلوا أن الأحاديث النبوية، وأحداث السيرة كانت تتداول بين المسلمين بالرواية، دون أن تدوّن أو تكتب كالقرآن الكريم، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كي لا يختلط القرآن بغيره.

ولما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو من طبقة التابعين، أمر بتدوين السنة وجمعها، وتمحيصها، وتولى هذه المهمة الإمام محمد بن شهاب الزهري، المتوفى سنة 124هـ، واتخذ العلماء والمحدثون منهجاً صارماً في رواية وقبول الأحاديث.

أما تدوين التاريخ والسيرة النبوية، فإن بدايته تمثلت في كتاب "سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كتبه محمد بن إسحاق، المتوفى سنة 151هـ، ويليه سيرة ابن هشام، المتوفى سنة 213هـ، ثم كتاب المغازي والسير للواقدي، المتوفى سنة 207هـ ، ويليه الطبقات الكبرى لابن سعد، المتوفى سنة 290هـ.

لكن هؤلاء المؤرخين وغيرهم لم يلتزموا منهج علماء الحديث في تحقيق الروايات، وترتب على ذلك تدوين بعض الأخبار الكاذبة ظناً منهم أن الأمانة تقتضي تدوين ما انتهى إليه علمهم، ولو كانت رائحة الكذب تفوح منه.

وقد أشار المؤلف إلى كلام شيخ المؤرخين الإمام الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الأمم والملوك" حول إيراد جميع الروايات الصحيحة والمكذوبة على حد سواء، حيث يقول الطبري: ".. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا".

لكن المستشار البهنساوي يلفت في ص27 من كتابه إلى أن نفراً من خصوم الإسلام في الغرب والشرق قد تصيدوا هذه الشناعات والروايات الكاذبة ليهدموا صرح الإسلام عن طريق التشكيك في رجاله الأمناء على دعوته.

ويقول: لقد ترجمت بعض كتب الأدب التي تحوي هذه الشناعات إلى معظم اللغات الحيّة لتقدم عن الخلفاء والأمراء صورة سيئة.

ويضيف: لقد استفاد خصوم الإسلام من عدم تحقيق هذه الروايات، فنقلوها كما هي، ونسبوها إلى المؤرخين، ليضعوا عليها الثقة، وهي من الأكاذيب، فمثلاً ينقل الطبري عن أبي مخنف([1]) خيراً عن التحكيم، ثم نقله عنه ابن مسكويه،وابن الأثير، وابن كثير، وابن خلدون... ويخيل للقارئ أن الخبر قد رواه ستة من الرواة، وورد في ستة مصادر تاريخية،وهو في الحقيقة قد رواه شخص واحد هو أبو مخنف الأزدي، ومصدر واحد هو الطبري...

أما عدم تمحيص الروايات في كتب المؤرخين، فيعزوه المؤلف إلى سببين:

1ـ أنه قد نشأ علم الجرح والتعديل الذي كان المقياس لقبول الرواية أو ردّها، فكان معلوماً أن هذه الروايات لن تؤخذ قضايا مسلمة.

2ـ أن المؤرخين أرادوا ـ من خلال تدوين كل ما هبّ ودبّ ـ ألاّ يحول الموت بينهم وبين جمع الأخبار، وكان عذرهم أنهم يذكرون أسماء رواة الأخبار، ليكونوا محل بحث وتمحيص.

وفي المقابل، برز عدد من المؤرخين طالبوا باتخاذ موقف نقدي إزاء روايات الأقدمين التاريخية، بل ورفضها إذا اقتضى الأمر، وبرز من هذا الفريق الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم"، والإمام عبد الرحمن بن خلدون في كتابه " العبر وديوان المبتدأ والخبر".

وفي هذا الفصل أيضاً يتناول المؤلف عدداً من كتب الأدب التي أساءت للتاريخ الإسلامي، فهي كانت تهتم بالأسلوب المشوق قبل أي اعتبار آخر، بل وفي سبيل "جمال العرض وحصافة الفكرة وركازة الأسلوب" لم يتوان كثير من الكتاب والأدباء عن اختراع القصص وتلفيق الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك كتاب البخلاء للجاحظ، الذي لمز وعاب كثيراً من علماء المسلمين بلا تورع، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ أيضاً،فقد أورد فيه خطباً كثيرة نسبها إلى أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، والمراسلات المتبادلة بينهما، وفيها من البذاءة ما يتنزه عنه صغار الناس فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويورد المؤلف عدداً آخر من كتب الأدب التي نهجت هذا النهج ـ وإن كانت تتفاوت مع ما كتبه الجاحظ ـ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، والمستطرف للإبشيهي، ومجالس ثعلب، ويقول:

"وكل هذه الكتب لا يجحد فضلها في مجال الأدب واللغة، ولكن من غير الإنصاف أن تصبح أخبارها مصادر للتاريخ الإسلامي يستمد منها بعض الكتاب ما يؤيدون به وجهة نظرهم".

وتحت عنوان "التزوير العلمي للتاريخ الإسلامي" يعقد المؤلف مبحثاً يؤكد فيه أن تدوين التاريخ إنما هو "تسجيل للوقائع والأحداث دون أن يمتد عقل الكاتب وفكره ومذهبه إلى هذه الأحداث"، وهذا ما يعرف ويسمى بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ، وهو ما التزم به الكتّاب والمؤرخون القدامى.

ولكن في القرن التاسع عشر، ظهر اتجاه تزعمه فرويد يخول للمؤلف والكتاب أن يدخل عقيدته وفكره في التاريخ متعللاً أن من حقه تفسير الأحداث التاريخية، وتعليلها والحكم على أصحابها.

وقد اتبع هذا النهج بعض المفكرين الغربيين، وأكثر المفكرين الشيوعيين، لخدمة مذاهبهم، وبذلك حرّفوا أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي تحت ستار الأسلوب العلمي في تفسير التاريخ.

ويورد المؤلف في صفحة 40 من الكتاب عدداً من الأمثلة لهذا التزوير منها: زعم مونتغمري وات في كتابه "محمد في مكة" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى غار حراء للاصطياف لأنه كان فقيراً، لا يملك السفر إلى الطائف! ومنها زعم المستشرق نفسه في كتابه "محمد في المدينة" أن المسلمين الأوائل أسلموا لتحسين أوضاعهم المادية!

ويختم البهنساوي هذا الفصل بالدعوة لإيجاد منهج لكتابه للتاريخ الإسلامي، وهذا المنهج يقوم ـ بحسب المؤلف ـ على الاعتقاد بعدالة الصحابة وتوثيق القرآن لهم، ثم باعتماد أصول الجرح والتعديل المطبقة في علم الحديث على التاريخ والسير، فلا تقبل إلاّ رواية الثقة عن مثله.

أما الطعن في الصحابة، والتقليل من شأنهم ومكانتهم وجهادهم، فيؤكد المؤلف أن هدفاً خبيثاً وراء هذا المنهج، وهو "إظهار هذا الرعيل الأول بالمظهر التافه، فيسهل عليهم أن يتناولوا كل واحد منهم بالطعن والتجريح، ثم بعد ذلك يقولون للمسلمين والعرب: انظروا إلى أجدادكم وبناة مجدكم: كانوا هكذا على جانب من الحرص والطمع والتكالب على الحطام الحقير".

الفصل الثاني: الخلافة ورئاسة الدولة

وفي هذا الفصل يوضح المؤلف تميز نظام الخلافة الإسلامية، التي بدأت مع عصر الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويبين أن الإسلام لا يعرف نظام الحكومة الدينية الذي كان سائداً في أوربا في القرون الوسطى، أي السلطة الفردية المطلقة، وهي التي كان يتمتع بها رؤساء الكنيسة، حيث كانوا يجمعون في حكمهم بين سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء، فيشرعون للناس من عند أنفسهم، ويقولون إنه من عند الله لأنهم يتكلمون باسم الله.

أما خليفة المسلمين، فيختاره الناس ويعزلونه ويحاسبونه، ولقد رفض أبو بكر أن يسميه أحد بخليفة الله، لأن الخلفاء ليس لهم سوى السلطة الدنيوية، أما السلطة التشريعية فهي تتمثل في القرآن والسنة. أما السلطة القضائية ففي بداية الحكم الإسلامي تولاها النبي صلى الله عليه وسلم لعدم وجود ضرورة لتفرغ آخرين للقضاء، وأيضاً لتكون إجراءاته وأحكامه تشريعاً ودستوراً للمسلمين من بعده، ثم إنه في حياته أسند القضاء في بعض الأمور إلى بعض الصحابة كعمر وعلي ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري.

ويبين المؤلف أن نظام الحكم والخلافة في الإسلام يستند إلى المبادئ التالية:

1ـ أنها مستمدة من سلطة الأمة عن طريق الاختيار.

2ـ أنها تنشأ عن طريق عهد وعقد بين الخليفة، وبين الأمة، وهذا العقد هو البيعة، وهي بيعة خاصة بين الخليفة وأهل العقد والحل، ثم بيعة عامة بينه وبين الناس جميعاً.

3ـ ارتكاز هذا النظام على الشورى، التي تختلف عن الديمقراطية في النظام الغربي.

وبذلك كان نظام الخلافة في الإسلام وسطاً بين النظرية الثيوقراطية التي تجعل الحاكم هو صاحب السيادة المطلقة، وبين نظرية الديمقراطية التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية سنة 1789م وتنص على أن الأمة هي مصدر كل سيادة، وترتب على هذا أن الأمة تختار الحاكم وتحاسبه وتعزله،كما أنها تملك التشريع والتحليل والتحريم بدون أي قيد، حتى أحلت المجالس النيابية المحرمات والفواحش.

وفي مبحثين عن الجزية والفتوحات يختم المؤلف هذا الفصل، ففيما يتعلق بالجزية يوضح أن المسلمين كانوا يأخذونها من القادرين الذين لم يدخلوا في الإسلام، ولم تكن نظاماً حديثاً جاء به الإسلام، إنما كان نظاماً معمولاً به في العالم كله، لكن جاء الإسلام وأجرى عليها قواعد العدل بحيث منع فرضها على غير القادرين، وجعل قيمتها ضئيلة لا تكاد تذكر بجانب أنواع الزكاة التي يدفعها المسلم، وأعفى أهلها من الخدمة العسكرية، كما فرض الكفالة الاجتماعية لهؤلاء سواء من دفع الجزية أو من أعفي منها.

أما الفتوحات فيبين أنها كانت إنقاذاً لأعراض الشعوب ودمائها وأموالها، حسبما سجله المؤرخون غير المسلمين، ولم يستخدم القوة إلاّ لتحرير الشعوب من الطغاة ليختار الناس ما يشاؤون من العقائد، وينقل بهذا الصدد قولاً للبطريرك ميخائيل الأكبر، بطريرك أنطاكيا جاء فيه: "إن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت، لما رأى شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم، أرسل الله أبناء إسماعيل من الجنوب ليخلصنا على أيديهم من قبضة الروم".

الفصل الثالث: الخليفة الأول أبو بكر الصديق

بعد بيان نظام الخلافة في الإسلام، وبعض ما يتعلق بها كالجزية والفتوحات، يشرع المؤلف بدراسة سير الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم، ويذكر جهادهم ونصرتهم لدين الله، كيف لا وهم صفوة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ويخصص هذا الفصل للخليفة الأول أبي بكر الصديق، فيذكر مكانته وإسلامه ومواقفه، واختياره خليفة للمسلمين في سقيفة بني ساعدة، ويفند المؤلف الكثير من الروايات التي لا تصح والتي تزعم تكالب الصحابة على الخلافة، ويبين أن الصحابة جميعهم أجمعوا على خلافة أبي بكر وأفضليته. ويتعرض كذلك إلى قضية أرض فدك التي خلّفها النبي صلى الله عليه وسلم وطلبتها فاطمة، ويبين أن أبا بكر رضي الله عنه تصرف في هذه القضية بما يمليه عليه اتّباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وسنته([2]).

ويتعرض في هذا الفصل إلى أهم الأحداث في عهد الصديق، ومنها إنفاذه لجيش أسامة الذي كان جهزه النبي صلى الله عليه وسلم لمقاتلة الروم، ومنها قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وبداية الفتوحات ضد دولتي فارس والروم.

الفصل الرابع: الخليفة الثاني عمر بن الخطاب

وفيه يتحدث عن نشأته وإسلامه، ومواقفه بعد أن أسلم، وكيف عزّ به أمر المسلمين، ويفصل فيه الحديث عن مبايعته بالخلافة بوصية من أبي بكر، في وقت كانت الدولة الإسلامية تخوض الحروب ضد فارس والروم.

ويتوقف المؤلف عند بعض سياسات عمر الداخلية مثل جعله للمسلمين تاريخاً مستقلاً هو التاريخ الهجري، وتنظيمه لبيت مال المسلمين وتغييره لطريقة صرف الزكاة والصدقات، وإبقائها مدخرات، وقيامه بتدوين الدواوين أي إنشاء سجلات لأمور الجيش والزكاة وسائر الأمور الإدارية والمالية.

ويتناول المؤلف خلال حديثه عن الفاروق عمر جوانب من حرصه على رعيته وعلى كرامتهم، وعلى متابعته لولاته ومحاسبتهم، ثم يعرج على بيان الفتوح العظيمة التي تمت في عهده مثل فتح بلاد فارس والروم ومصر وبيت المقدس وغيرها.

وختم المؤلف هذا الفصل ببيان مؤامرة قتل عمر على يد المجوسي أبي لؤلؤة الذي كان غلاماً للمغيرة بن شعبة، ليبدأ عهد جديد، هو عهد الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه.

الفصل الخامس: الخليفة الثالث عثمان بن عفان

ويبدأ المؤلف هذا الفصل بذكر نشأة عثمان وإسلامه وبيان كرمه، وحياته، وما قدمه للإسلام والمسلمين مثل تجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومية، وجعلها وقفاً للمسلمين، وإعتاقه للرقيق.

ويفرد المؤلف فصلاً للحديث عن قصة الشورى المعروفة، وكيفية اتفاق المسلمين على خلافة عثمان لمعرفتهم بفضله وسابقته في الإسلام، وقد تناولنا هذا الحدث في العدد الثامن من الراصد/ زاوية سطور من الذاكرة.

وفي هذا الفصل أيضاً يتناول المؤلف الفتوحات التي اتسعت زمن عثمان برّاً وبحراً، ثم يفصِّل في الافتراءات التي ساقها المنافقون والمرجفون ضده([3]) تمهيداً لقتله رضي الله عنه، وموقف الصحابة من هذه المؤامرة.

الفصل السادس: الخليفة الرابع علي بن أبي طالب

ويذكر فيه نسبه وإسلامه، وبعض خصاله وفضائله، ومبايعته للخلافة في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد في أعقاب استشهاد الخليفة الثالث عثمان، ثم عزله للولاة الذين كان قد عينهم عثمان، ورفض معاوية والي الشام آنذاك تنفيذ هذا الأمر، ومطالبته بقتلة عثمان الذين كان معاوية يعتقد أنهم اندسّوا في جيش على، وإصرار علي على مبايعة أهل الشام له أسوة بباقي الأمصار، لتتطور الأحداث لينشب القتال بين المسلمين في وقعة الجمل، ثم صفين بعد ذلك، وقد تحدثنا عن هاتين المعركتين في العدد العاشر من الراصد.

وإزاء ما حلّ بالمسلمين من مآسٍ، وما استنزفته الحروب من جهودهم، تداعى المسلمون إلى التحكيم في أعقاب معركة صفين([4]) لتبدأ مرحلة جديدة بين المسلمين، ثم تهدأ الأمور بين جيش علي رضي الله عنه، وجيش معاوية، إلى أن قام أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم بقتل الإمام علي. لتنتهي سنوات الخلافة الراشدة، وينتهي ذلك العصر الزاهر، الذي ملأه المغرضون والمنافقون بالأكاذيب والأباطيل([5]) .


[1]  ـ أبو مخنف قال عنه الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به، وقال ابن معين والدارقطني: ليس بثقة، وقال أبو حاتم عنه: ليس من الثقاة. وقد أكثر الطبري في كتابه النقل عن أبي مخنف هذا.

[2]  ـ يمكن الرجوع إلى العددين السادس والسابع من الراصد/ زاوية سطور من الذكرة لمعرفة المزيد من حادثة السقيفة، وقضية فدك وخيبر.

[3]  ـ تناولنا أمر هذه المفتريات وتفنيدها في العدد التاسع من الراصد/ سطور من الذاكرة.

[4]  ـ يمكن معرفة المزيد عن حادثة التحكيم في العدد الرابع من الراصد/ سطور من الذاكرة.

[5]  ـ الكثير من العلماء والمؤرخين يعتبرون أن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي بويع بالخلافة بعد أبيه هو خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ويعتبرون أن الأشهر الستة التي حكم فيها متممة للثلاثين عاماً التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم لحكم الخلافة الراشدة .
سالم البهنساوي


في ولاية الفقيه وأدلتها

بعد أن بسطنا القول بعصمة أئمة الشيعة وبينت بدعتها وضلالها، نبحث في بدعة معاصرة سماها أصحابها بولاية الفقيه.
فالرافضة تعتقد أن الإمام لابد أن يكون معصوماً، لأن إمامته راجعة إلى الله تعالى لا إلى اختيار الأمة، لأن الأمة ليست معصومة عن الخطأ، فكيف لها أن تختار معصوماً!
وحيث أن الرافضة يرون هذا الرأي نلاحظ أن بدعتهم في ولاية الفقيه قد قلبت مفهومهم في الإمام المعصوم وعودته رأساً على عقب وخصوصاً بما يتعلق باختيار الأمة لإمامها أونائبه وصلاحيات هذا النائب الذي ينسخ عقيدة الرافضة في انتظار الفرج عن إمامهم المزعوم الذي طالت غيبته مما جعل اليأس، والإحباط يملأ قلوب الرافضة ونقرأ هذا جليأ في قول الخميني: (قد مر على الغيبة الكبرى ([1]) لإمامنا المهدي أكثر من ألف، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون، القوانين التي صدع بها في الإسلام صلى الله عليه وسلم وجهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ وهل ينبغي أن يخسر الإسلام بعد عصر الغيبة الصغرى كل شئ؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ ... ) ([2]).
ومن خلال مقالة الخميني الرافضي نستطيع أن نستنتج ما يلي:
أن غيبة إمام الرافضة المزعومة قد طالت وربما تطول قروناً ولا بد من مخرج من هذا المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم جراء بدعتهم ومخالفتهم للإسلام وأصوله.
أن الرافضة قد أصابهم اليأس من طول الغيبة المزعومة وخصوصاً أنهم لا يملكون شيئاً أمام هذه العقيدة الفاسدة التي صاغها الشيعة الرافضة لأنفسهم.
أن عقيدة الشيعة قائمة على عدم تطبيق الأحكام الشرعية إلا بوجود الإمام المعصوم حتى أنهم قالوا: (كل راية قبل راية القائم رضي الله عنه صاحبها طاغوت) ([3]).
أن عقيدة انتظار خروج الإمام أدت إلى فساد المجتمع الشيعي لعدم وجود من يردعهم دينياً.
أن عقيدة انتظار خروج الإمام المعصوم أدت إلى نسخ الشريعة عند الشيعة، لأن أحكام الشريعة عندهم لا تطبق إلا بوجود إمامهم المعصوم وهذا المزعوم غائب ولا يمكن معرفة تاريخ عودته إن كان سيعود أصلاً.
وأمام هذه الحقائق الواقعية حاول الخميني ومن أخذ برأيه الخروج من هذا المأزق ببدعة جديدة أطلقوا عليها اسم " ولاية الفقيه "
أدلة ولاية الفقيه:
رحم الله تعالى الإمام الشاطبي الذي قال: (لا تجد مبتدعاً ممن ينتسب إلى الملة إلا وهويستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته)).
وعلى هذا كان لابد لهؤلاء النفر أصحاب بدعة ولاية الفقيه من أدلة نقلية وعقلية لتسويغ بدعتهم وتمريرها على أتباع المذهب الشيعي الرافضي ومن هذه الأدلة ما يلي:
أولاً - القرآن الكريم:
قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)) [النساء:58].
قال الخميني مستدلاً بهذه الآية لتبرير بدعته: (إن الخطاب موجه إلى من يمسكون الأمور بأيديهم، وليس خطاباً للقضاة، لأن القضاة جزء من الحكومة) ([4]).
ثانياً - السنة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
وجاء القوم بحديث منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (اللهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال الذين يأتون بعدي، يرون حديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي).
وقد قال الخميني: (أن المقصود بخلفاء الرسول أولئك الذين يسعون إلى نشر علوم الإسلام وأحكامه ولا علاقة لها بنقلة الحديث ورواته المجردين عن الفقه، فالمقصود هم فقهاء الإسلام الذين يجمعون إلى فقههم وعلمهم العدالة والاستقامة في الدين ليصل في نهاية المطاف إلى تبرير نظرية ولاية الفقيه وصلاحية الفقيه لتعمم جميع شؤون الحياة) ([5]).
ثالثاً - أقوال منسوبة للإمام الغائب:
كما استدل أصحاب هذه البدعة بتوقيع منسوب عن إمام الرافضة المغيب والذي زعموا فيه أنه قال: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) ([6]).
قال الهمداني الرافضي في شرح هذا القول: (يتضح من التأمل والتدقيق في الرواية المذكورة، التي هي الدليل لأساس على نصب الفقهاء في عصر الغيبة أن الفقيه الذي يأخذ روايات الأئمة ويتمكن منها، يكون في موقعهم، ليرجع الشيعة إليه في الأمور التي يجب أن يرجعوا فيها إلى الإمام) ([7]).
صلاحيات الفقيه في ولايته:
بعد أن أورد فقهاء الشيعة أدلتهم من أجل تبرير وتشريع بدعة ولاية الفقيه، اختلفوا في حدود وسلطات الفقيه الولي إلى اتجاهات ثلاثة ([8]):
الاتجاه الأول: يرى أن للفقيه ولاية عامة، فالفقيه هونائب الإمام الغائب وله أن يملكه الإمام الغائب.
الاتجاه الثاني: يرى أن للفقيه ولاية خاصة فقط، أي يملك سلطة الفتيا والقضاء، ويملك إصدار الأحكام في الموضوعات العامة أوالخاصة فينفذ حكمه فيها، كما ينفذ حكمه في القضايا الشرعية ولكنه لا يملك الولاية العامة.
الاتجاه الثالث: هذا الاتجاه يسلب من الفقيه سلطة إصدار الأحكام في الموضوعات، فليس له الحق في ذلك، ولا يجب على الناس إطاعته فيها، فلوأصدر حكماً في ثبوت هلال شهر رمضان، فلا يجب على الناس الصيام، لأن حكمه ليس حجة عليهم إلا إذا أوجب لهم الاطمئنان الذاتي.
وأمام هذه الآراء لمتكلمي الشيعة الروافض اختيار الخميني المبتدع هذه البدعة القائلة بالولاية العامة للفقيه.
إذ يرى الخميني أن سلطة الفقيه أثناء ولايته سلطة مطلقة، لا تختلف أبداً عن سلطة الإمام المعصوم، ولا حتى عن النبي صلى الله عليه وسلم ويستند في ذلك إلى التوقيع المزعوم للإمام المزعوم، الذي يقول فيه: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).
فالخميني يرى أن الفقيه حجة على أهل زمانه ولا فرق بينه وبين الإمام الغائب مما يعني حقيقة أن عقيدة ظهور الإمام أوعدم ظهوره أصبحت تحصيل حاصل للشيعة الرافضة ما دام هناك من يطبق شريعة الشيعة.
وقد توقف الخميني طويلاً عند رواية سماها (صحيحة قداح) وهي قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) ([9]) ليثبت من خلالها ما يريد من أن المقصود بالعلماء في البيان النبوي هم الفقهاء، وليسوا الأئمة وأن منزلة العلماء مثل منزلة الأنبياء من حيث الطاعة والامتثال لأوامرهم.
ومما قاله لتبرير بدعته: (إن المقياس في فهم الروايات آخذ بظواهر ألفاظها، هوالعرف والفهم المتعارف وإذا رجعنا إلى العرف في فهم عبارة (العلماء ورثة الأنبياء) وسألنا العرف: هل أن هذه العبارة تعني الفقيه بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام؟
لأجاب: نعم!؟ لأن هذه الرواية تجعل العلماء بمنزلة الأنبياء، وبما أن موسى وعيسى عليهما السلام من الأنبياء، فالعلماء بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام، وإذا سألنا العرف: هل أن الفقيه وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأجاب: نعم ... فورود كلمة الأنبياء بصيغة الجميع، إنما يقصد به كل الأنبياء ... حتى لونزلنا العلماء منزلة الأنبياء بوصفهم أنبياء، فإنه ينبغي إعطاء جميع أحكام المشبه بهم للمشبه) ([1.]).
ثم يؤكد الخميني بدعته بقوله: (أن جميع شؤون الرسول صلى الله عليه وسلم قابلة للانتقال والوراثة، ومن جملتها الإمارة على الناس، وتولي أمورهم، من كل ما ثبت للأئمة من بعده وللفقهاء من الأئمة) ([11]).
ثم ينتهي إلى البدعة التي تمناها، فيقول: تبين لنا أن ما ثبت للرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة فهوثابت للفقيه) ([12]).
وتبعاً لهذه المقدمات فإن الجاحد لولاية الفقيه يعتبر جاحداً للإمام المعصوم والجاحد للإمام المعصوم يعتبر جاحداً لحقوق الله والجاحد للحقوق الله يقع في حد الشرك الأكبر عند الشيعة الروافض.
وهذا ما عبر عنه الخميني عندما قال: (إن الراد على الفقيه الحاكم يعد راداً على الإمام، والرد على الإمام رد على الله، والرد على الله يقع في حد الشرك بالله) ([13]).
وقد بين النراقي الرافضي في كتابه عوائد الأيام صلاحيات الولي الفقيه، فقال: (إن كلية ما للفقيه العادل تولية وله الولاية فيه أمران:
أحدهما: كلما كان للنبي والأئمة الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام وفيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أونص أوغيرهما.
وثانيهما: إن كل فعل يتعلق بأمور العباد في دينهم أودنياهم ولابد من الإتيان به ولا مفر منه عقلاً أوعادة، أومن حجة توقف أمور المعاد أوالمعاش لواحد أوجماعة عليه وإناطة انتظام أمور الدين أوالدنيا، أوشرعاً من حجة ورود أمر به) ([14]).
ومما سلف يتبين لنا مما نقلناه حول حدود بدعة ولاية الفقيه أن للفقيه ما للإمام المعصوم من صلاحيات وحدود وهذا الأخير كل ما كان للنبي من حدود وصلاحيات.
والسؤال الذي يطرح نفسه عند هذه النتيجة التي أرادها الخميني ومن دار بفلك بدعته.
ما هي الضمانات التي وضعت لعدم انحراف واستبداد الفقيه أثناء ولايته وخصوصاً أن له صلاحيات وسلطات الإمام المعصوم بحسب ما يعتقد هؤلاء؟.
لا شك أن الروافض بهذه البدعة الجديدة قد خرجوا حتى عن أس دينهم ومعتقدات شيعتهم الأوائل. لا بل ضربوا بعرض الحائط أصول دينهم الذي يدور على بدعة الإمام المعصوم وعودته. وفي معنى أوضح أن الشيعة الجدد قد نسخوا عقيدة الإمام المعصوم وعودته، ليتلاقوا مع إخوانهم في النظرية والتطبيق الفرقة البهائية المعروفة بالكفر والفساد والضلال.
ذلك أنهم قد قرروا أن حكم الفقيه هوبمثابة حكم الرسول وحكم أئمتهم مع الفارق الذي ذكره الخميني إذ قال: (أن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالمية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضاً بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ([15]).
فالخميني وغيره من شيوخ الرافضة يضع أئمة الشيعة فوق الأنبياء وهذا كفر بواح، لا تأويل ولا تفسير حسن له، عصمنا الله من هذا الاعتقاد وأمثاله.
والحقيقة أن الخميني ومن قال بقوله يتلاقى مع البهائية في بدعة ولاية الفقيه ذلك أن هذا الاعتقاد قد أدى إلى نسخ عقيدة الإمام المعصوم وعودته فما الحاجة إلى ظهور الإمام الغائب وهناك من يتولى جميع صلاحياته فعلاً ولم يعد هناك أي ضرورة أوحاجة لعودته.
لذلك نرى أحد مراجع الشيعة (الخوئي) الذي عارض عقيدة ولاية الفقيه فأسس جمعية في إيران سماها (جماعة الحجتية) أي جماعة الإمام الحجة، والتي ترفض الولاية من حيث المبدأ وتدعوا إلى الالتزام بمبدأ الانتظار حتى يظهر إمامهم الغائب ([16]).
كما نجد الشيخ محمد جواد مغنية الرافضي ينتقد ولاية الفقيه في كتاب أسماه (الخميني والدولة الإسلامية) الذي قال فيه: (إن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذاك إلا لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماماً كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل) ([17]).
لذلك يصل جواد مغنية الرافضي ومن أخذ برأيه إلى نتيجة مفادها أنه: (لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام المعصوم، رغم ورود أخبار تبين أن العلماء كالأئمة فالإنصاف يقتضي الجزم بأن مقام العلماء لنشر الأحكام الشرعية، لا كون العلماء كالأنبياء والأئمة المعصومين) ([18]).
-----------------
([1]) يدعي الشيعة أن لإمامهم غيببة صغرى وغيبة كبرى أما الغيبة الصغرى: فالإمام احتجب عن عامة الشيعة دون نفر قليل سموا رواة الحديث إذ كانوا هؤلاء - حسب دعواهم - ينقلون إلى الإمام المزعوم مسائل الناس ومشاكلهم، ويعودون بالأجوبة عنها. أما الغيبة الكبرى: فإن الإمام المزعوم احتجب عن جميع الشيعة العامة والخاصة منهم.
([2]) الحكومة الإسلامية، للخميني، ج23 - 24.
([3]) أصول مذهب الشيعة الإمامية، ج2/ 738.
([4]) الحكومة الإسلامية، ج 2/ 738.
([5]) الحكومة الإسلامية، ص 6. - 63 - 69.
([6]) آراء في المرجعية الشيعية، ص 65.
([7]) آراء في المرجعية الشعية، ص 65.
([8]) آراء في المرجعية الشيعة، ص 137 - 138.
([9]) ففي مجمع الزوائد: عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء خلفاء الأنبياء قلت له في السنن العلماء ورثة الأنبياء، رواه البزار ورجاله موثقون، ج 1/ 126.
([1.]) الحكومة الإسلامية للخميني، ص 84 - 85.
([11]) المصدر السابق، ص 86.
([12]) المصدر السابق، ص 88.
([13]) كشف الأسرار للخميني، ص 2.7.
([14]) آراء في المرجعة الشيعية، ص 6..
([15]) الحكومة الإسلامية، للخميني، ص 47.
([16]) إيران من الداخل، فهمي الهويدي، ص 1.5.
([17]) الخميني والدولة الإسلامية، ص 61 - 62.
([18]) المصدر السابق ص 63.
الخاتمة
ومما سلف يتبين لنا النتائج التالية:
إن أصحاب عقيدة ولاية الفقيه يرون أن تولي الفقيه لمصالح الناس إنما هوتنفيذ لأوامر الله ورسوله وإمامهم الغائب المزعوم، لأن الإمام عند الرافضة معين من قبل الله تعالى وحيث إن هذا الإمام غائب وأن رجعته غير معلومة، فإن الفقيه نائب عن ذلك الإمام الغائب في كل صلاحياته ومميزاته.
إن بدعة ولاية الفقيه ما هي من حيث النظرية والتطبيق إلا الابن التوءم لعقيدة البهائية الذين يعتقدون أن إمامهم ناطق بعلم الإمام المستور وأنه الباب إليه ([1]).
من خلال استقراء آراء مخالفي عقيدة ولاية الفقيه (من الشيعة الروافض أنفسهم) يتبين لنا أنه لا يوجد عند الشيعة ما يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة عامة مطلقة كطاعة إمامهم الغائب ومما يعني عدم شرعية ولاية الفقيه وبالتالي بطلان تأسيس ما يسمى بجمهورية إيران الإسلامية بحسب قواعد الشيعة أنفسهم.
إن إثبات عقيدة ولاية الفقيه تنتهي عند الشيعة إلى مساواة الفقيه بإمامهم المعصوم صاحب المقامات العليا التي تتغلب حتى على الأنبياء وهذا مخالف لكل منقول ومعقول.
إن الفكر الشيعي المعاصر يعيش في مأزق خطير يتمثل في استحالة التوفيق بين بدعة الإمام المعصوم وعودته وبدعة ولاية الفقيه بصلاحياته المطلقة ([2]).
إن عقيدة الشيعة قائمة على أن الدولة الشيعية لا تقوم بشكل شرعي إلا بظهور الإمام الغائب مما يعني أن تلك العقيدة أصبحت من الأوهام الخيالية عند أصحاب بدعة ولاية الفقيه الذين ضربوا بعرض الحائط كل آمال الشيعة وتاريخهم في الإمام الغائب وعودته. ذلك أن إعطاء الحق للأمة في اختيار الفقيه النائب عن الإمام الغائب يعتبر مناقضاً لأصول الشيعة في إنكارهم حق الأمة في اختيار إمامها باعتبار أن الإمامة لطف إلهي أوجبه الله على ذاته - والعياذ بالله تعالى - فلا يجوز بأي حال من الأحوال فعله وهم الذين أنكروا على الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - اختيارهم للخلفاء الراشدين بالشورى بين أهل الحل والعقد. وهاهم اليوم بعد كل هذه الفتن التي حاكوها ضد أهل السنة والجماعة يعطون الحق للأمة في اختيار إمامها.
وأخيراً أختم هذا البحث بقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى عندما قال في الرافضة:
(هم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلماً يعادون خيار أولياء الله تعالى، من النبيين، من السابقين الأوليين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم ورضوا عنه - يوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين،.) ([3]).
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (سورة البقرة: 286 - 285).
كتبه
العبد الفقير إلى ربه
مسلم محمد جودت اليوسف
الأحد 13 ذي الحجة 1425هـ
الموافق لـ 23/ 1/2..5م
abokotaiba@hotmail.com
http://saaid.net/Doat/moslem
------------
([1])  انظر تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبوزهرة، ص 212.
([2]) عقيدة العصمة بين الإمام المعصوم والفقيه عند الشيعة، د. محمد الخطيب، ص 225.
([3]) -منهاج السنة النبوية، ج1/ 2..
ولاية الفقيه وأدلتها
بعد أن بسطنا القول بعصمة أئمة الشيعة وبينت بدعتها وضلالها، نبحث في بدعة معاصرة سماها أصحابها بولاية الفقيه.
فالرافضة تعتقد أن الإمام لابد أن يكون معصوماً، لأن إمامته راجعة إلى الله تعالى لا إلى اختيار الأمة، لأن الأمة ليست معصومة عن الخطأ، فكيف لها أن تختار معصوماً!
... وحيث أن الرافضة يرون هذا الرأي نلاحظ أن بدعتهم في ولاية الفقيه قد قلبت مفهومهم في الإمام المعصوم وعودته رأساً على عقب وخصوصاً بما يتعلق باختيار الأمة لإمامها أونائبه وصلاحيات هذا النائب الذي ينسخ عقيدة الرافضة في انتظار الفرج عن إمامهم المزعوم الذي طالت غيبته مما جعل اليأس، والإحباط يملأ قلوب الرافضة ونقرأ هذا جليأ في قول الخميني: (قد مر على الغيبة الكبرى (1) لإمامنا المهدي أكثر من ألف، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون، القوانين التي صدع بها في الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وجهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ وهل ينبغي أن يخسر الإسلام بعد عصر الغيبة الصغرى كل شئ؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ ... ) (2).
...
... ومن خلال مقالة الخميني الرافضي نستطيع أن نستنتج ما يلي:
__________
(1) - يدعي الشيعة أن لإمامهم غيببة صغرى وغيبة كبرى أما الغيبة الصغرى: فالإمام احتجب عن عامة الشيعة دون نفر قليل سموا رواة الحديث إذ كانوا هؤلاء - حسب دعواهم - ينقلون إلى الإمام المزعوم مسائل الناس ومشاكلهم، ويعودون بالأجوبة عنها. أما الغيبة الكبرى: فإن الإمام المزعوم احتجب عن جميع الشيعة العامة والخاصة منهم.
(2) - الحكومة الإسلامية، للخميني، ج23 - 24.
أن غيبة إمام الرافضة المزعومة قد طالت وربما تطول قروناً ولا بد من مخرج من هذا المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم جراء بدعتهم ومخالفتهم للإسلام وأصوله.
أن الرافضة قد أصابهم اليأس من طول الغيبة المزعومة وخصوصاً أنهم لا يملك شيئاً أمام هذه العقيدة الفاسدة التي صاغها الشيعة الرافضة لأنفسهم.
أن عقيدة الشيعة قائمة على عدم تطبيق الأحكام الشرعية إلا بوجود الإمام المعصوم حتى أنهم قالوا: (كل راية قبل راية القائم رضي الله عنه صاحبها طاغوت) (1).
أن عقيدة انتظار خروج الإمام أدت إلى فساد المجتمع الشيعي لعدم وجود من يردعهم دينياً.
أن عقيدة انتظار خروج الإمام المعصوم أدت إلى نسخ الشريعة عند الشيعة، لأن أحكام الشريعة عندهم لا تطبق إلا بوجود إمامهم المعصوم وهذا المزعوم غائب ولا يمكن معرفة تاريخ عودته إن كان سيعود أصلاً.
وأمام هذه الحقائق الواقعية حاول الخميني ومن أخذ برأيه الخروج من هذا المأزق ببدعة جديدة أطلقوا عليها اسم " ولاية الفقيه "
أدلة ولاية الفقيه:
رحم الله تعالى الإمام الشاطبي الذي قال: (لا تجد مبتدعاً ممن ينتسب إلى الملة إلا وهويستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته)).
وعلى هذا كان لابد لهؤلاء النفر أصحاب بدعة ولاية الفقيه من أدلة نقلية وعقلية لتسويغ بدعتهم وتمريرها على أتباع المذهب الشيعي الرافضي ومن هذه الأدلة ما يلي:
أولاً - القرآن الكريم:
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء:58)
__________
(1) - أصول مذهب الشيعة الإمامية، ج2/ 738.
... قال الخميني مستدلاً بهذه الآية لتبرير بدعته: (إن الخطاب موجه إلى من يمسكون الأمور بأيديهم، وليس خطاباً للقضاة، لأن القضاة جزء من الحكومة…) (1).
... ثانياً - السنة المنسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -:
وجاء القوم بحديث منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه: (اللهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال الذين يأتون بعدي، يرون حديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي).
وقد قال الخميني: (أن المقصود بخلفاء الرسول أولئك الذين يسعون إلى نشر علوم الإسلام وأحكامه ولا علاقة لها بنقلة الحديث ورواته المجردين عن الفقه، فالمقصود هم فقهاء الإسلام الذين يجمعون إلى فقههم وعلمهم العدالة والاستقامة في الدين…ليصل في نهاية المطاف إلى تبرير نظرية ولاية الفقيه وصلاحية الفقيه لتعمم جميع شؤون الحياة) (2).
ثالثاً - أقوال منسوبة للإمام الغائب:
كما استدل أصحاب هذه البدعة بتوقيع منسوب عن إمام الرافضة المغيب والذي زعموا فيه أنه قال: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (3).
قال الهمداني الرافضي في شرح هذا القول: (يتضح من التأمل والتدقيق في الرواية المذكورة، التي هي الدليل لأساس على نصب الفقهاء في عصر الغيبة أن الفقيه الذي يأخذ روايات الأئمة ويتمكن منها، يكون في موقعهم، ليرجع الشيعة إليه في الأمور التي يجب أن يرجعوا فيها إلى الإمام) (4).
صلاحيات الفقيه في ولايته:
__________
(1) - الحكومة الإسلامية، ج 2/ 738.
(2) - الحكومة الإسلامية، ص 6. - 63 - 69.
(3) - آراء في المرجعية الشيعية، ص 65.
(4) - آراء في المرجعية الشعية، ص 65.
بعد أن أورد فقهاء الشيعة أدلتهم من أجل تبرير وتشريع بدعة ولاية الفقيه، اختلفوا في حدود وسلطات الفقيه الولي إلى اتجاهات ثلاثة (1):
الاتجاه الأول: يرى أن للفقيه ولاية عامة، فالفقيه هونائب الإمام الغائب وله أن يملكه الإمام الغائب.
الاتجاه الثاني: يرى أن للفقيه ولاية خاصة فقط، أي يملك سلطة الفتيا والقضاء، ويملك إصدار الأحكام في الموضوعات العامة أوالخاصة فينفذ حكمه فيها، كما ينفذ حكمه في القضايا الشرعية…ولكنه لا يملك الولاية العامة.
الاتجاه الثالث: هذا الاتجاه يسلب من الفقيه سلطة إصدار الأحكام في الموضوعات، فليس له الحق في ذلك، ولا يجب على الناس إطاعته فيها، فلوأصدر حكماً في ثبوت هلال شهر رمضان، فلا يجب على الناس الصيام، لأن حكمه ليس حجة عليهم إلا إذا أوجب لهم الاطمئنان الذاتي.
وأمام هذه الآراء لمتكلمي الشيعة الروافض اختيار الخميني المبتدع هذه البدعة القائلة بالولاية العامة للفقيه.
إذ يرى الخميني أن سلطة الفقيه أثناء ولايته سلطة مطلقة، لا تختلف أبداً عن سلطة الإمام المعصوم، ولا حتى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستند في ذلك إلى التوقيع المزعوم للإمام المزعوم، الذي يقول فيه: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).
فالخميني يرى أن الفقيه حجة على أهل زمانه ولا فرق بينه وبين الإمام الغائب مما يعني حقيقة أن عقيدة ظهور الإمام أوعدم ظهوره أصبحت تحصيل حاصل للشيعة الرافضة ما دام هناك من يطبق شريعة الشيعة.
__________
(1) - آراء في المرجعية الشيعة، ص 137 - 138.
وقد توقف الخميني طويلاً عند رواية سماها (صحيحة قداح) وهي قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: (العلماء ورثة الأنبياء) (1) ليثبت من خلالها ما يريد من أن المقصود بالعلماء في البيان النبوي هم الفقهاء، وليسوا الأئمة وأن منزلة العلماء مثل منزلة الأنبياء من حيث الطاعة والامتثال لأوامرهم.
ومما قاله لتبرير بدعته: (إن المقياس في فهم الروايات آخذ بظواهر ألفاظها، هوالعرف والفهم المتعارف…وإذا رجعنا إلى العرف في فهم عبارة (العلماء ورثة الأنبياء) وسألنا العرف: هل أن هذه العبارة تعني الفقيه بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام؟
لأجاب: نعم!؟ لأن هذه الرواية تجعل العلماء بمنزلة الأنبياء، وبما أن موسى وعيسى عليهما السلام من الأنبياء، فالعلماء بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام، وإذا سألنا العرف: هل أن الفقيه وارث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ لأجاب: نعم ... فورود كلمة الأنبياء بصيغة الجميع، إنما يقصد به كل الأنبياء ... حتى لونزلنا العلماء منزلة الأنبياء بوصفهم أنبياء، فإنه ينبغي إعطاء جميع أحكام المشبه بهم للمشبه) (2).
ثم يؤكد الخميني بدعته بقوله: (أن جميع شؤون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قابلة للانتقال والوراثة، ومن جملتها الإمارة على الناس، وتولي أمورهم، من كل ما ثبت للأئمة من بعده وللفقهاء من الأئمة…) (3).
... ثم ينتهي الخميني إلى البدعة التي تمناها، فيقول: تبين لنا أن ما ثبت للرسول - صلى الله عليه وسلم - والأئمة فهوثابت للفقيه) (4).
__________
(1) - ففي مجمع الزوائد: عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلماء خلفاء الأنبياء قلت له في السنن العلماء ورثة الأنبياء، رواه البزار ورجاله موثقون، ج 1/ 126.
(2) - الحكومة الإسلامية للخميني، ص 84 - 85.
(3) - المصدر السابق، ص 86.
(4) - المصدر السابق، ص 88.
وتبعاً لهذه المقدمات فإن الجاحد لولاية الفقيه يعتبر جاحداً للإمام المعصوم والجاحد للإمام المعصوم يعتبر جاحداً لحقوق الله والجاحد للحقوق الله يقع في حد الشرك الأكبر عند الشيعة الروافض.
وهذا ما عبر عنه الخميني عندما قال: (إن الراد على الفقيه الحاكم يعد راداً على الإمام، والرد على الإمام رد على الله، والرد على الله يقع في حد الشرك بالله) (1).
وقد بين النراقي الرافضي في كتابه عوائد الأيام صلاحيات الولي الفقيه، فقال: (إن كلية ما للفقيه العادل تولية وله الولاية فيه أمران:
أحدهما: كلما كان للنبي والأئمة الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام وفيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أونص أوغيرهما.
وثانيهما: إن كل فعل يتعلق بأمور العباد في دينهم أودنياهم ولابد من الإتيان به ولا مفر منه عقلاً أوعادة، أومن حجة توقف أمور المعاد أوالمعاش لواحد أوجماعة عليه وإناطة انتظام أمور الدين أوالدنيا، أوشرعاً من حجة ورود أمر به…) (2).
ومما سلف يتبين لنا مما نقلناه حول حدود بدعة ولاية الفقيه أن للفقيه ما للإمام المعصوم من صلاحيات وحدود وهذا الأخير كل ما كان للنبي من حدود وصلاحيات.
والسؤال الذي يطرح نفسه عند هذه النتيجة التي أرادها الخميني ومن دار بفلك بدعته.
ما هي الضمانات التي وضعت لعدم انحراف واستبداد الفقيه أثناء ولايته وخصوصاً أن له صلاحيات وسلطات الإمام المعصوم بحسب ما يعتقد هؤلاء؟.
__________
(1) - كشف الأسرار للخميني، ص 2.7.
(2) - آراء في المرجعة الشيعية، ص 6..
لا شك أن الروافض بهذه البدعة الجديدة قد خرجوا حتى عن أس دينهم ومعتقدات شيعتهم الأوائل. لا بل ضربوا بعرض الحائط أصول دينهم الذي يدور على بدعة الإمام المعصوم وعودته. وفي معنى أوضح أن الشيعة الجدد قد نسخوا عقيدة الإمام المعصوم وعودته، ليتلاقوا مع إخوانهم في النظرية والتطبيق الفرقة البهائية المعروفة بالكفر والفساد والضلال.
ذلك أنهم قد قرروا أن حكم الفقيه هوبمثابة حكم الرسول وحكم أئمتهم مع الفارق الذي ذكره الخميني إذ قال: (أن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالمية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضاً بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) (1).
فالخميني وغيره من شيوخ الرافضة يضع أئمة الشيعة فوق الأنبياء وهذا كفر بواح، لا تأويل ولا تفسير حسن له، عصمنا الله من هذا الاعتقاد وأمثاله.
والحقيقة أن الخميني ومن قال بقوله يتلاقى مع البابية في بدعة ولاية الفقيه ذلك أن هذا الاعتقاد قد أدى إلى نسخ عقيدة الإمام المعصوم وعودته فما الحاجة إلى ظهور الإمام الغائب وهناك من يتولى جميع صلاحياته فعلاً ولم يعد هناك أي ضرورة أوحاجة لعودته.
لذلك نرى أحد مراجع الشيعة (الخوئي) الذي عارض عقيدة ولاية الفقيه فأسس جمعية في إيران سماها (جماعة الحجتية) أي جماعة الإمام الحجة، والتي ترفض الولاية من حيث المبدأ وتدعوا إلى الالتزام بمبدأ الانتظار حتى يظهر إمامهم الغائب (2).
__________
(1) - الحكومة الإسلامية، للخميني، ص 47.
(2) - إيران من الداخل، فهمي الهويدي، ص 1.5.
كما نجد الشيخ محمد جواد مغنية الرافضي ينتقد ولاية الفقيه في كتاب أسماه (الخميني والدولة الإسلامية) الذي قال فيه: (إن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذاك إلا لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماماً كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل) (1).
لذلك يصل جواد مغنية الرافضي ومن أخذ برأيه إلى نتيجة مفادها أنه: (لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام المعصوم، رغم ورود أخبار تبين أن العلماء كالأئمة فالإنصاف يقتضي الجزم بأن مقام العلماء لنشر الأحكام الشرعية، لا كون العلماء كالأنبياء والأئمة المعصومين) (2).
الخاتمة:
ومما سلف يتبين لنا النتائج التالية:
إن أصحاب عقيدة ولاية الفقيه يرون أن تولي الفقيه لمصالح الناس إنما هوتنفيذ لأوامر الله ورسوله وإمامهم الغائب المزعوم، لأن الإمام عند الرافضة معين من قبل الله تعالى وحيث إن هذا الإمام غائب وأن رجعته غير معلومة، فإن الفقيه نائب عن ذلك الإمام الغائب في كل صلاحياته ومميزاته.
إن بدعة ولاية الفقيه ما هي من حيث النظرية والتطبيق إلا الابن التوءم لعقيدة البهائية الذين يعتقدون أن إمامهم ناطق بعلم الإمام المستور وأنه الباب إليه. (3)
من خلال استقراء آراء مخالفي عقيدة ولاية الفقيه (من الشيعة الروافض أنفسهم) يتبين لنا أنه لا يوجد عند الشيعة ما يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة عامة مطلقة كطاعة إمامهم الغائب ومما يعني عدم شرعية ولاية الفقيه وبالتالي بطلان تأسيس ما يسمى بجمهورية إيران الإسلامية بحسب قواعد الشيعة أنفسهم.
__________
(1) - الخميني والدولة الإسلامية، ص 61 - 62.
(2) - المصدر السابق ص 63.
(3) - انظر تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبوزهرة، ص 212.
إن إثبات عقيدة ولاية الفقيه تنتهي عند الشيعة إلى مساواة الفقيه بإمامهم المعصوم صاحب المقامات العليا التي تتغلب حتى على الأنبياء وهذا مخالف لكل منقول ومعقول.
إن الفكر الشيعي المعاصر يعيش في مأزق خطير يتمثل في استحالة التوفيق بين بدعة الإمام المعصوم وعودته وبدعة ولاية الفقيه بصلاحياته المطلقة (1).
إن عقيدة الشيعة قائمة على أن الدولة الشيعية لا تقوم بشكل شرعي إلا بظهور الإمام الغائب مما يعني أن تلك العقيدة أصبحت من الأوهام الخيالية عند أصحاب بدعة ولاية الفقيه الذين ضربوا بعرض الحائط كل آمال الشيعة وتاريخهم في الإمام الغائب وعودته. ذلك أن إعطاء الحق للأمة في اختيار الفقيه النائب عن الإمام الغائب يعتبر مناقضاً لأصول الشيعة في إنكارهم حق الأمة في اختيار إمامها باعتبار أن الإمامة لطف إلهي أوجبه الله على ذاته - والعياذ بالله تعالى - فلا يجوز بأي حال من الأحوال فعله وهم الذين أنكروا على الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - اختيارهم للخلفاء الراشدين بالشورى بين أهل الحل والعقد. وهاهم اليوم بعد كل هذه الفتن التي حاكوها ضد أهل السنة والجماعة يعطون الحق للأمة في اختيار إمامها.
وأخيراً أختم هذا البحث بقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى عندما قال في الرافضة: (هم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلماً يعادون خيار أولياء الله تعالى، من النبيين، من السابقين الأوليين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم ورضوا عنه - يوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين،….) (2).
__________
(1) - عقيدة العصمة بين الإمام المعصوم والفقيه عند الشيعة، د. محمد الخطيب، ص 225.
(2) -منهاج السنة النبوية، ج1/ 2..
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (سورة البقرة: 286 - 285).
كتبه
العبد الفقير إلى ربه
مسلم محمد جودت اليوسف
الأحد 13 ذي الحجة 1425هـ الموافق لـ 23/ 1/2..5م
abokotaiba@hotmail.com
الشورى نظرية أهل البيت
كانت الأمة الإسلامية في عهد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وبعد وفاته وخلال العقود الأولى من تاريخ الإسلام تؤمن بنظام الشورى وحق الأمة في اختيار ولاتها، وكان أهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الإيمان والعاملين به، وعندما أُصيبت الأمة بتداول السلطة بالوراثة وإلغاء نظام الشورى، تأثر بعض الشيعة بما حدث فقالوا رداً على ذلك: بأحقية أهل البيت بالخلافة من الأمويين وضرورة تداولها في أعقابهم، ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية أهل البيت أنفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الأول الهجري.
وبالرغم مما يذكره الإماميون من نصوص حول تعيين النبي صلوات الله وسلامه عليه للإمام علي بن أبي طالب كخليفة من بعده، إلا أنّ تراثهم حافل بنصوص أخرى تؤكد التزام الرسول الكريم وأهل بيته بمبدأ الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها.
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى - وهومن أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - إنّ العباس بن عبد المطلب خاطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في مرض النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأله عن القائم بالأمر بعده، فإن كان لنا بينه وإن كان لغيرنا وصى بنا، وإنّ أمير المؤمنين قال: (دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ثقل، فقلنا: يا رسول الله…استخلف علينا، فقال: لا، إني أخاف أن تتفرقوا عنه كما تفرقت بنواسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً اختار لكم. (23)
ويروي الكليني في الكافي نقلاً عن الإمام جعفر الصادق: أنه لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين فقال للعباس (يا عم محمد…تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته؟ …فرد عليه فقال: (يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح، قال: فأطرق هنيهة ثم قال: (يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه؟ …فقال كرد كلامه…قال: (أما إني سأعطيها من يأخذها بحقها، ثم قال: (يا علي يا أخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه؟ فقال: (نعم بأبي أنت وأمي ذاك عليّ ولي. (23)
وهذه الوصية كما هوملاحظ وصية عادية شخصية آنية، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة والخلافة الدينية، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبد المطلب فأشفق منها وتحملها أمير المؤمنين طواعية، ولوكان فيها إشارة ولومن بعيد إلى الإمامة لما عُرضت أصلاً على العباس قبل علي بن أبي طالب.
وهناك وصية أُخرى ينقلها المفيد في بعض كتبه عن الإمام علي ويقول أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضاً وصية أخلاقية روحية عامة، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات. (72)
وإذا ألقينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية كالكليني والمفيد والمرتضى، فإننا نرى أنها تكشف عن عدم وصية رسول الله للإمام علي بالخلافة والإمامة، وترك الأمر شورى، وهوما يفسر إحجام الإمام علي عن المبادرة إلى أخذ البيعة لنفسه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرغم من إلحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك، حيث قال له: (امدد يدك أبايعك، وآتيك بهذا الشيخ من قريش - يعني أبا سفيان - فيُقال: (إنّ عم رسول الله بايع ابن عمه) فلا يختلف عليك من قريش أحد، والناس تبع لقريش) فرفض الإمام علي ذلك. (34)
شعور بالأحقية بالخلافة لا أكثر
ويجمع المؤرخون الشيعة على أنّ الإمام علي بن أبي طالب امتعض من انتخاب أبي بكر الصدّيق في البداية، وأمسك يده عن البيعة وجلس في داره لفترة من الزمن، وأنه عقّب على احتجاج قريش في (سقيفة بني ساعدة) بأنهم شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول: (إنهم احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة) (32)
ويذكر الشريف الرضي في (نهج البلاغة) أنّ الإمام اشتكى من قريش ذات مرة فقال: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا انائي، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري (76)) (29)
وبالرغم من شعور الإمام علي بالأحقية والأولوية في الخلافة كما شهدت بذلك النصوص السابقة إلا أنه عاد ليبايع أبا بكر وليضع كفه على كف أبي بكر وذلك عندما أرسل إلى أبي بكر أن يأتيه، فأتاه أبوبكر فقال له: (والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكا كنا نظن إنّ لنا في هذا الأمر نصيباً استبد به علينا) وخاطب المسلمين قائلاً: (إنه لم يحبسني عن بيعة أبي بكر إلا أن أكون عارفاً بحقه، ولكنا نرى أنّ لنا في هذا الأمر نصيباً استبد به علينا) ثم بايع أبا بكر، فقال المسلمون: أصبت وأحسنت. (34)
أما الخطبة الشقشقية فإن صحت فهي لا تخرج مقدار أنملة عما ذهبت إليه النصوص السابقة، فإنّ اقرار الإمام علي كان مع إحساس داخلي في نفسه يراوده بأنه أحق بالخلافة من غيره لقرابته من رسول الله لا أكثر، ولذا كان يعبر عما في خاطره قائلاً (أما والله لقد تقمصها فلان وأنه ليعلم: إنّ محلي منها محل القطب من الرحى، بنحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير…) (29)
وفي هذه الخطبة وغيرها يشير الإمام علي إلى أولويته بالخلافة وأحقيته بها وأنّ أهل البيت هم الثمرة إذا كانت قريش هي شجرة رسول الله، ولا يشير إلى مسألة النص عليه من رسول الله أوتعيينه خليفة من بعده من قريب اوبعيد، وينقل الكليني رواية عن الإمام محمد الباقر فيها: إنّ الإمام علي لم يدع إلى نفسه وأنه أقر القوم على ما صنعوا وكتم أمره. (48)
وإذا كان حديث الغدير يعتبر أوضح وأقوى نص من النبي في حق أمير المؤمنين علي فإنّ كبار علماء الشيعة الإمامية الأقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصاً خفياً غير واضح بالخلافة، حيث يقول في الشافي: (إنّا لا ندّعي علم الضرورة في النص، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا، وما نعرف أحداّ من أصحابنا صرح بادعاء ذلك) (23)
ولذلك فإنّ الصحابة لم يجدوا أنفسهم أمام نص يلزمهم باختيار الإمام علي دون غيره من الصحابة ولذلك اختاروا الشورى، وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.
الإمام علي والشورى
ومما يؤكد كون نظام الشورى دستوراً كان يلتزم به الإمام علي وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في أهل البيت، هودخوله في عملية الشورى التي أعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، ومحاجته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الإسلام وعدم إشارته مع ذلك إلى موضوع النص عليه أوتعيينه خليفة من بعد رسول الله، ولوكان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار إلى ذلك ولحاججهم بما هوأقوى من ذكر الفضائل.
لقد كان الإمام علي يؤمن بنظام الشورى، وأنّ حق الشورى بالدرجة الأولى هومن اختصاص المهاجرين والأنصار، ولذلك فقد رفض - بعد مقتل عثمان - الاستجابة للثوار الذين دعوه إلى تولي السلطة وقال لهم: ليس هذا إليكم…هذا للمهاجرين والأنصار من أمرّه أولئك كان أميراً.
وعندما جاءه المهاجرون والأنصار فقالوا: امدد يدك نبايعك (38). دفعهم، فعاودوه ودفعهم ثم عاودوه فقال: (دعوني والتمسوا غيري واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم…وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)، ومشى إلى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا…الناس بك أرضى، وأخيراً قال لهم: (فإن أبيتم فإنّ بيعتي لا تكون سراً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين ولكن اخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني فليبايعني) (67)
ولوكانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين، لم يكن يجوز للإمام أن يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والأنصار متخلياً عن فرض من فروض الله، كما لا يجوز له أن يقول: (أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً).
وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) (19) تكشف عن إيمان الإمام علي بنظرية الشورى وحق الأمة في اختيار الإمام، حيث يقول في رسالة له: (الواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أويُقتل…أن لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ولا يُقدموا يداً ولا رجلاً ولا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنة). (87)
وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما: (بايعتماني ثم نكثتما بيعتي) ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله، وكل ما قاله للزبير بعد ذلك فتراجع عن قتاله هوأن ذكره بحديث رسول الله (لتقاتلنه وأنت له ظالم).
وقال الإمام علي لمعاوية الذي رفض مبايعته: (أما بعد…فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج بطعن أوبدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى). (29)
إذن فقد كانت الشورى هي أساس الحكم في نظر الإمام علي، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر إليها الإمام في أي موقف.
والإمام علي يثير حقائق حول الشورى جديرة بالاهتمام حيث يجعل:
أولاً: الشورى بين المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيدهم الحل والعقد.
ثانياً: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته سبحانه وتعالى إياهم.
ثالثاً: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم
رابعاً: لا يرد قولهم ولا يخرج من حكمهم إلا المبتدع الباغي المتبع غير سبيل المؤمنين.
ويتجلى إيمان الإمام علي بالشورى دستوراً للمسلمين بصورة واضحة، في عملية خلافة الإمام الحسن، حيث دخل عليه المسلمون، بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم، وطلبوا منه أن يستخلف ابنه الحسن، فقال: (لا، إنا دخلنا على رسول الله فقلنا: استخلف، فقال: لا، أخاف أن تفرقوا عنه كما تفرقت بنوإسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يختر لكم) وسألوا علياً أن يشير عليهم بأحد، فما فعل، فقالوا له: إن فقدناك فلا نفقد أن نبايع الحسن، فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر) (45)
وقد ذكر الحافظ أبوبكر بن أبي الدنيا في كتاب (مقتل الإمام أمير المؤمنين) عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك ولا نفقدك نبايع الحسن؟ …فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، فعدت فقلت مثلها فردّ علي مثلها. (39)
وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت علياً يقول وهوبين ابنيه وبين عبد الله بن جعفر وخاصة شيعته: (دعوا الناس وما رضوا لأنفسهم وألزموا أنفسكم السكوت) (32)
وقد كان الإمام علي ينظر إلى نفسه كإنسان عادي غير معصوم، ويطالب الشيعة والمسلمين أن ينظروا إليه كذلك، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلها الكليني في (الكافي) والتي يقول فيها: (إني لست في نفسي فوق أن أُخطئ ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أنّ يكفي الله من نفسي ما هوأملك به مني). (23)
وقد قام الإمام أمير المؤمنين بالوصية إلى الإمام الحسن وسائر أبنائه ولكنه لم يتحدث عن الإمامة والخلافة، وقد كانت وصيته روحية أخلاقية وشخصية، أوكما يقول المفيد في الإرشاد: إنّ الوصية كانت للحسن على أهله وولده وأصحابه، ووقوفه وصدقاته. (23)
وتلك الوصية كالتالي: (هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، ثم إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، بذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم إني أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي: أن تتقوا الله ربكم (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) فإني سمعت رسول الله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصيام والصلاة، وإنّ المعرّة حالقة الدين فساد ذات البين، ولا قوة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب، والله الله في الأيتام فلا تغبّبون أفواهم، ولا يضيعون بحضرتكم، والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية رسول الله ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه يوّرثهم، والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم، والله الله في بيت ربكم، لا يخلونّ ما بقيتم، فإنه إن خلا لم تناظروا، والله الله في رمضان فإنّ صيامه جنة من النار لكم، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم وأموالكم وألسنتكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم، فلا يُظلمنّ بين أظهركم، والله الله فيما ملكت أيمانكم، انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم (وقولوا للناس حسناً) كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّي عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يُستجاب لهم.
عليكم يا بني بالتواصل والتباذل، وإياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق (وتعاونا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب) حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ نبيكم فيكم، استودعكم الله، أقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته). (23)
ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيّمة الروحية والأخلاقية أي دور في ترشيح الإمام الحسن للخلافة، لأنها كانت تخلومن الإشارة إليها، ولم تكن تُشكل بديلاً عن نظام الشورى الذي كان أهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين.
مبايعة الإمام علي لأبي بكر وعمر حجة دامغة
ولقد علل مشايخ الشيعة بيعة علي لأبي بكر وعمر بتعليلات أهمها:
التعليل الأول: أنّ بيعته كانت خوفاً على الإسلام من الضياع ومما يُبطل هذا التعليل أنّ عصر الإسلام في عهد عمر وعثمان كان عصراً ذهبياً امتدت فيه الخلافة من الشرق حتى بخارى حتى شمال أفريقيا، بل لوكانت المبايعة خوفاً على الإسلام فلماذا حارب الإمام علي معاوية في وقت عصفت به الفتن بالأمة الإسلامية وكانت أحوج ما يكون إلى السلم والمهادنة، لوكانت المسألة هكذا لسلّم معاوية الحكم وتنازل هوعنه لا من أجل أحد بل خوفاً على الإسلام من الضياع.
التعليل الثاني: أنه بايعهم تقية، أي أظهر لهم الموافقة ظاهراً وأسر في قلبه عدم الرضى عن خلافتهم وبيعتهم، وهذا التعليل أقبح من الذي قبله، إذ يجعل من شخصية الإمام علي شخصية مزدوجة خائفة جبانة مضطربة تتظاهر بخلاف ما تُبطن، وهذا ما لا يُعهد عنه لم يعرف شجاعته الفائقة، وقوته في الحق ولمن يطّلع على الروايات التي تثبت شجاعته وإقدامه في غير موقف، فهوالقائل (وإني من قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم) (23) ويقول: (فوالله لوأُعطيت الأقاليم السبعة وما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة، ما فعلت. وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها). (67)
وإذا قلنا أنّ بيعته لهم كانت تقية فماذا نقول في بقائه لهم وزيراً طيلة فترة خمس وعشرين سنة من خلافتهم؟!! إنه من الصعب الاعتقاد أنه كان يستخدم التقية طول تلك الفترة.
وهل كان تزويجه ابنته أم كلثوم من عمر تقيّة أيضاً؟!! وهل كانت تسميته أولاده بأسماء الخلفاء الثلاثة تقية أيضاً؟!! (39)
الإمام الحسن والشورى
وقد ذكر المسعودي في مروج الذهب وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) أنه (لما توفي علي خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال: إنّ أمير المؤمنين توفي، وقد ترك خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا (23)
وكما هوملاحظ فإنّ الإمام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر أي نص حوله من الرسول أومن أبيه الإمام علي، وقد أشار ابن عباس إلى منزلة الإمام الحسن عندما ذكّر المسلمين بأنه ابن بنت النبي، وقد ذكر: أنه خلف أمير المؤمنين ولكنه لم يبين أنّ مستند الدعوة للبيعة هوالنص أوالوصية بالإمامة من الله بل أوكل الأمر للناس إن شاؤوا قبلوا وإن شاؤوا أعرضوا عن البيعة.
وهذا ما يكشف عن إيمان الإمام الحسن بنظام الشورى وحق الأمة في انتخاب إمامها، وقد تجلى هذا الإيمان مرة أخرى عند تنازله عن الخلافة إلى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته إلى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح: (…على أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين). (45)
ولوكانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول كما تقول النظرية الإمامية، لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها لأي ظرف من الظروف، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يبايع معاوية أوأن يدعوأصحابه وشيعته لبيعته، ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسن ولأشار إلى ضرورة تعيينه من بعده…ولكن الإمام الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك وسلك مسلكاً يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى.
الإمام الحسين والشورى
وقد ظل الإمام الحسين ملتزماً ببيعة معاوية إلى آخر يوم من حياة معاوية، ورفض عرضاً من شيعة الكوفة بعد وفاة الإمام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له أن ينقضه، ولم يدع إلى نفسه إلا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد إلى ابنه يزيد بالخلافة بعده، حيث رفض الإمام الحسين البيعة له، وأصرّ على الخروج إلى العراق حيث استشهد في كربلاء عام 61 للهجرة. (56)
ولا توجد أية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء، سواء في رسائل شيعة الكوفة إلى الإمام الحسين ودعوته للقدوم عليهم أوفي رسائل الإمام الحسين لهم، حيث يقول المفيد: إنّ الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكر هلاك معاوية. فحمدوا الله وأثنوا عليه، فقال سليمان بن صرد: إنّ معاوية قد هلك وإنّ حسيناً قد تقبض على القوم ببيعة، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه وتُقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه واعلموه، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه، قالوا: لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه: للحسين بن علي، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة: سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو…أما بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود. إنه ليس علينا إمام، فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولوقد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله.
فكتب إليهم (من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين…أما بعد فإنّ هانياً وسعيداً قدما علي بكتبكم، وكان آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم: (أنه ليس علينا إمام فأقبل لهل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى) وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إلي أنّ قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرأت في كتبكم فإني أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الداين بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام. (37)
إذن فإنّ مفهوم (الإمام) عند الإمام الحسين لم يكن إلا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم أية نظرية حول (الإمام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الإمام علي أوأنه معيّن من قبل الله، ولذلك فإنه لم يفكر بنقل (الإمامة) إلى أحد من ولده، ولم يوص إلى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة (علي بن زين العابدين)، وإنما أوصى إلى أخته زينب أوابنته فاطمة، وكانت وصيته عادية جداً تتعلق بأموره الخاصة، ولا تتحدث أبداً عن موضوع الإمامة والخلافة. (45)
اعتزال الإمام زين العابدين
وقد بايع الإمام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل أبيه الإمام الحسين، ويعدون للثورة، ولم يدّع الإمامة، ولم يتصدى لها، ولم ينازع عمه فيها، وكما يقول الصدوق: (فإنه انقبض عن الناس فلم يلق أحداً ولا كان يلقاه إلا خواص أصحابه، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم إلا يسيراً .. (25)
لقد كان أئمة أهل البيت يعتقدون بحق الأمة الإسلامية في اختيار ولاتها وبضرورة ممارسة الشورى، وإدانة الاستيلاء على السلطة بالقوة، ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون أخبار الرضا) عن الإمام الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن أبيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله والذي يقول فيه: (من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فإنّ الله عز وجل قد أذن ذلك) (76) لعلنا نجد في هذا الحديث أفضل تعبير عن إيمان أهل البيت بالشورى والتزامهم بها، وإذا كانوا يدعون الناس إلى اتباعهم والانقياد إليهم فإنما كانوا يفعلون ذلك إيماناً بأفضليتهم وأولويتهم بالخلافة في مقابل (الخلفاء) الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق.
ومن هنا وتبعاً لمفهوم (الأولوية) قال أجيال من الشيعة الأوائل، وخاصة في القرن الأول الهجري: (إنّ علياً كان أولى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفضله وسابقته وعلمه، وهوأفضل الناس كلهم بعده وأشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم، وأجازوا مع ذلك إمامة أبي بكر وعمر وعدوهما أهلاً لذلك المكان والمقام، وذكروا أنّ علياً سلّم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعاً غير مكره وترك حقه لهما، فنحن راضون كما رضي المسلمون له، ولمن بايع، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا أحداً إلا ذلك، وأنّ ولاية أبي بكر صارت رشداً وهدى لتسليم علي ورضاه). (78)
بينما قالت فرقة أخرى من الشيعة: (إنّ علياً أفضل الناس لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزاً للناس أن يولوا عليهم غيره إذا كان الوالي الذي يولونه مجزئاً، أحبّ ذلك أوكرهه، فولاية الوالي الذي ولوا على أنفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عز وجل، وطاعته واجبة من الله عز وجل). (67)
وقال قسم آخر منهم: (إنّ إمامة علي بن أبي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس وأظهر أمره). (39)
وقد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبين في عهده وكان وصي أبيه وولي صدقة جده: ألم يقل رسول الله: (من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: بلى ولكن - والله - لم يعن رسول الله بذلك الإمامة والسلطان، ولوأراد ذلك لأفصح لهم به. (23)
وكان ابنه عبد الله يقول: (ليس لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا، وليس في أحد من أهل البيت غمام مفترض الطاعة من الله) وكان ينفي أن تكون إمامة أمير المؤمنين من الله (38)
مما يعني أنّ نظرية النص وتوارث السلطة في أهل البيت فقط لم يكن لها رصيد لدى الجيل الأول من الشيعة، ومن هنا فقد كانت نظرتهم إلى الشيخين أبي بكر وعمر نظرة إيجابية، إذ لم يكونوا يعتبرونها (غاصبين) للخلافة التي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص، وهذا يفسر أمر الإمام الصادق لشيعته بتوليهما.
من الشورى إلى الحكم الوراثي
يسجل المؤرخون الشيعة الأوائل: (الأشعري القمي والكشي والنوبختي) أول تطور ظهر في صفوف الشيعة في عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) على يدي المدعو(عبد الله بن سبأ) الذي يقولون: إنه كان يهودياً وأسلم، والذي يقول النوبختي عنه: إنه أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصياً لموسى، فقال كذلك في إسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة. (34)
وسواء كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أوإسطورية فإنّ المؤرخين الشيعة يسجلون بوادر ظهور أول تطور في الفكر السياسي الشيعي اعتماداً على موضوع (الوصية) الروحية والشخصية، الثابتة من الرسول الأكرم إلى الإمام علي، وإضفاء المعنى السياسي عليها، وذلك قياساً على موضوع (الوصية) من النبي موسى (ع) إلى يوشع بن نون وتوارث الكهانة في أبناء يوشع.
ومع أنّ هذا القول كان ضعيفاً ومحصوراً في جماعة قليلة بقيادة عبد الله بن سبأ تُدعى (السبئية)، إلا أنّ ذلك التيار وجد في تولية معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد من بعده أرضاً خصبة للنمووالانتشار، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجههته هوعدم تبني الإمامين الحسن والحسين له واعتزال الإمام علي بن الحسين عن السياسة، مما دفع القائلين به إلى الالتفات حول محمد بن الحنفية باعتباره وصي أمير المؤمنين أيضاً، خاصة بعد تصديه لقيادة الشيعة في أعقاب مقتل الإمام الحسين، وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الإمام الحسين بقيادة المختار بن عبيدة الثقفي.
وقد ادعى المختار الذي كان يقود الشيعة في الكوفة: أنّ محمد بن الحنفية قد أمره بالثأر وقتل قتلة الحسين، وأنه الإمام بعد أبيه. ولم يكن المختار يكفّر من تقدم علياً من الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنه كان يكفّر أهل صفين وأهل الجمل. (45)
ويذكر الأشعري القمي: أنّ صاحب شرطة المختار (كيسان) الذي حمله على الطلب بدم الحسين ودلّ على قتلته، وصاحب سره ومؤامراته والغالب على أمره، كان أشدّ منه إفراطاً في القول والفعل والقتل، وأنه كان يقول: أنّ المختار وصي محمد بن الحنفية وعامله، ويكفّر من تقدم علياً كما يكفّ {أهل صفين وأهل الجمل. (87)
وبالرغم من سقوط دولة المختار بعد فترة قصيرة، إلا أنّ الحركة الكيسانية التي التفت حول قائدها الروحي محمد بن الحنفية أخذت تقول: (أنّ الإمامة في ابن الحنفية وذريته). (67)
ولما حضرت الوفاة محمد بن الحنفية ولّى ابنه عبد الله (أبا هاشم) من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلاً، وأعلم الشيعة بتوليته إياهم، فأقام عبد الله بن محمد بن علي وهوأمير الشيعة. (56)
وقد أصبح أبوهاشم قائد الشيعة بصورة عامة في غياب أي منافس له في نهاية القرن الأول الهجري، وقد تشرذمت الحركة الكيسانية من بعده إلى عدة فرق يدّعي كل منها أنه أوصى إليه، فقد ادعى العباسيون: أنّ أبا هاشم أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وقال له: إليك الأمر والطلب للخلافة بعدي، فولاّه وأشهد له من الشيعة رجالاً .. ثم مات، فأقام محمد بن علي ودعوة الشيعة له حتى مات فلما حضرته الوفاة ولّى ابنه ابراهيم الأمر، فأقام وهوأمير الشيعة وصاحب الدعوة بعد أبيه. (56)
وادعى (الجناحيون): أنه أوصى إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي ظهر في الكوفة سنة 128 وأقام دولة امتدت إلى فارس، في أواخر أيام الدولة الأموية. وادعى (الحسنيون) أنه أوصى إلى زعيمهم (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، ذي النفس الزكية).
وعلى أي حال فقد تطور القول بالوصية من وصية النبي الأكرم العادية والشخصية إلى الإمام علي، إلى القول بالوصية السياسية منه إلى ابنه محمد بن الحنفية، ومن بعده إلى ابنه أبي هاشم عبد الله، وهوما أدى إلى اختلاف الفصائل الشيعية المتعددة فيما بينها وادعاء كل منها الوصية إليه وحصر الشرعية فيه.
مأخوذ من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه. بقلم: أحمد الكاتب (شيعي)
(23) الشافي في الإمامة ج4 ص149 وج3 ص295
(23) الكافي ج1 ص236 عن محمد بن الحسين وعلي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن الوليد، الصيرفي عن ابان بن عثمان عن أبي عبد الله
(72) آمالي المفيد ص22. المجلس 21 والإرشاد للمفيد ص188
(34) الشافي في الإمامة ج3 ص237 و252، ج2 ص149
(32) نهج البلاغة ص98
(76) لوكانت الإمامة من الله لقال الإمام علي (وأجمعوا على منازعتي حقاً لي) أوأشار إلى أنّ هذا الحق له من الله دون سواه، لكنه ذكر هنا الأولوية لقرابته من النبي عليه الصلاة والسلام
(29) نهج البلاغة ص336 خطبة رقم 217
(34) الشافي في الإمامة ج3 ص242
(29) نهج البلاغة ص48 خطبة 3
(48) الكافي 8/ 246
(23) الشافي ج2 ص128
(38) لوكان في قلب المهاجرين والأنصار تجاه أهل البيت ولوكان مبغضين لعلي ومرتدون على أعقابهم كما تصورهم كتب الشيعة، فلماذا يأتونه للمبايعة بعد عثمان وعندهم ابن عباس وغيره من كبار الصحابة!!!
(67) الطبري ج3 ص45.
(19) هناك خلاف بين علماء الشيعة حول موثوقية هذا الكتاب وصحة نسبته إلى سليم بن قيس، ولا مانع من ذكر هذه الرواية استناداً إلى قول من يرى بصحته، خصوصاً وأن الرواية
(87) كتاب سليم بن قيس الهلالي ص182 وبحار الأنوار للمجلسي ج8 ص555 الطبعة الحجرية
(29) نهج البلاغة ج3 ص7 تحقيق محمد عبده وص367 تحقيق صبحي
(45) الشافي ج3 ص295 وتثبيت دلائل النبوة ج1 ص212
(39) مقتل الإمام أمير المؤمنين ص43
(32) بحار الأنوار ج7 باب أحاديث تُنسب إلى سليم غير موجودة في كتابه
(23) الكافي 8/ 292 - 293 وبحار الأنوار ج74 ص3.9
(23) الإرشاد ص187
(23) مقتل الإمام أمير المؤمنين ص41 - 42، تحقيق مصطفى مرتضى القزويني (طباعة مركز الدراسات والبحوث العلمية، بيروت)
(23) نهج البلاغة ص159
(67) نهج البلاغة ج2 ص218
(39) سيأتي مزيد بيان لحقيقة موقف أهل البيت من الصحابة
(23) مروج الذهب ج2 ص44 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص8 وج16 ص22
(45) بحار الأنوار ج44 ص65 باب كيفية المصالحة من تاريخ الإمام الحسن المجتبى
(56) الإرشاد للمفيد ص199
(37) الإرشاد للمفيد ص2.4
(45) الإمامة والتبصرة من الحيرة للصدوق ص198 وبصائر الدرجات للصفار ص148 وص198
(25) إكمال الدين ص91
(76) عيون أخبار الرضا ج2 ص62
(78) فرق الشيعة للنوبختي ص22 والمقالات والفرق للقمي ص18
(67) فرق الشيعة للنوبختي ص21 والمقالات والفرق للقمي ص18
(39) فرق الشيعة للنوبختي ص54
(23) التهذيب لابن عساكر ج4 ص162
(38) بصائر الدرجات للصفار ص153وص156
(34) فرق الشيعة للنوبختي ص22 والمقالات والفرق للأشعري القمي ص19 ورجال الكشي والشيعة في التاريخ لمحمد حسن الزين ص172
(45) المقالات والفرق ص21 - 22
(87) المصدر السابق
(67) الفصول المختارة للمفيد ص24.
(56) الإمامة والسياسة ج2 ص13.
(56) المقالات والفرق ص65 وتاريخ اليعقوبي ج3 ص4. ومقاتل الطالبيين ص126 والتنبيه والاشراف للمسعودي ص292

عدد مرات القراءة:
3632
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :